

اعتقال هيثم المالح: ما الذي يوهن عزيمة الأمّة... حقاً؟
صبحي حديدي
23/10/2009
ليس للمرء أن يرتاب في أنّ بين أبرز الأسباب التي دفعت سلطات أمن النظام السوري إلى اعتقال المحامي هيثم المالح (78 سنة، القاضي السابق، وأحد كبار المحامين المخضرمين المشتغلين، والمنشغلين تماماً، بحقوق الإنسان في سورية، والذي سبق له أن اعتُقل أعوام 1980 ـ 1986 بسبب مطالبته بإصلاحات قضائية ودستورية) كانت إشاراته الواضحة إلى حال الفساد التي تستنزف طاقات البلد، وتنطوي على نهب المال العام، وشيوع الهدر والتبذير، وغياب الرقابة الفعلية. اعتقال المالح يستوجب وقفة خاصة مستقلة، حين تتضح أكثر خلفيات اعتقاله، إذْ أنه عُرض على قاضي التحقيق العسكري يوم أمس، بعد أن كانت النيابة العسكرية قد وجّهت إليه بعض تلك التهم التي صارت جاهزة مكرورة: نشر الأخبار الكاذبة، وهن عزيمة الأمّة، الإساءة إلى رئيس الجمهورية، والإساءة إلى القضاء...
فماذا عن آخر تفاصيل هذا الفساد، ليس في مستوى الذئاب الكاسرة، وهي أشدّ فتكاً من القطط السمان، غنيّ عن القول، وصارت فضائحها أشبه بالسيرة المألوفة المعتادة، المتضخمة على غرار كرة ثلج هابطة من علٍ؛ وإنما على المستوى المعيشي اليومي الذي يخصّ أبسط متطلبات أمن المواطن في مأكله ومشربه وصحته ومسكنه وبيئته. ومن الخير أن نقتبس شاهداً من أهل النظام، أي التقرير الاقتصادي لمجلس الإتحاد العام لنقابات العمال، وهو جهاز سلطوي بامتياز، وإنْ كان الكيل الفائض يدفع قياداته إلى ذرّ بعض الرماد في العيون، بين حين وآخر. التقرير، الذي صدر قبل أيام قليلة، يقول التالي: 'بالرغم من كلّ ما يتمّ الحديث عنه من إنجازات حكومية على مختلف الأصعدة في الصناعة والتجارة وحتى الزراعة والسياحة، إلا أنّ الواقع يقول إن هناك تراجعاً اقتصادياً ومعيشياً لأصحاب الشرائح الشعبية من المجتمع السوري، حتى أنّ تلك الانجازات لم تنعكس على الخزينة'. ازدادت عجوزات الموازنة العامة للدولة عاماً بعد آخر، يتابع التقرير، لترتفع من 84 مليار ليرة عام 2007 إلى 192 مليار ليرة عام 2008، ثمّ إلى 226 مليار ليرة عام 2009، وإلى 250 مليار ليرة عام 2010.
كذلك يقول التقرير ان نسبة النمو التي يتمّ الحديث عنها، والتي فاقت نسبة 6 بالمئة العام الماضي، حسب أرقام وزارة المالية، 'لم يشعر بها أصحاب الأجور لأنها ناجمة عن اقتصاد ريعي يتمثل بالخدمات المالية والعقارات بشكل خاص'. ويستغرب التقرير أن بعض أعضاء الفريق الاقتصادي في الحكومة 'يعيد سبب عدم شعور المواطنين بنتائج هذا النمو إلى الجفاف الذي خرب المنطقة، والى أزمة الغذاء العالمية والى ارتفاع الأسعار عالمياً'، لأنّ الأرقام الفعلية تشير إلى أنّ سورية جاءت في المرتبة الرابعة عشرة عربياً من حيث معدّل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي، فبلغ 5.15، منخفضاً عن معدّل 6.3 بالمئة لسنة 2007.
كذلك يتوقف التقرير عند نتائج الأداء الاقتصادي من خلال عدد من المؤشرات، بينها زيادة أعداد الفقراء لتشكل نسبتهم نحو 30 بالمئة، وعددهم نحو 5.3 مليون مواطن، يعيشون على أقل من 90 ليرة يومياً للسكن والصحة والتعليم والطعام والنقل والكساء، وسوى ذلك. وهذه الظاهرة تقترن مع زيادة عدد العاطلين عن العمل، وزيادة 'حدّة التفاوت الاجتماعي وتدهور الطبقة الوسطى، وغياب العدالة في توزيع الدخل ما يتسبب في اتساع قاعدة الفقر'. يضيف التقرير تفاقم المشكلات المعيشية، وانخفاض القدرة الشرائية لأصحاب الأجور، واتساع الهوة بين الأجور والأسعار، وارتفاع معدّلات التضخم إلى حدود تفوق النسب الحكومية المعلنة (نحو 8 بالمئة فقط، في حين أنها تبلغ الضعف حسب تقدير التقرير، و14.5 حسب تقدير جمعية سيدات الاعمال السورية).
لا تغيب عن التقرير مؤشرات أخرى مثل 'تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي'، و'أزمة الطاقة الكهربائية المعروفة بانعكاساتها العديدة على الصناعة والتجارة والزراعة والبيئة والمجتمع'، و'تراجع أسعار المواد الخام المصدرة سواء النفط أو بعض المواد الزراعية' و'زيادة العجز التجاري'. لافتة تماماً، في جانب خاصّ سياسي ـ عقائدي، تلك الغمزة من قناة اقتصاد السوق الاجتماعي، النظرية التي بدت عزيزة على قلب بشار الأسد ذات يوم غير بعيد، ثمّ طواها النسيان في نهج النظام الفعلي كما في نهجه اللفظي، فلا يلاحظ التقرير 'غياب الجانب الاجتماعي لاقتصاد السوق' فحسب، بل يسجّل التالي أيضاً: 'مع اعتقادنا أنّ بعض القائمين على السياسة الاقتصادية لا يؤمنون بالجانب الاجتماعي لهذا الاقتصاد، وأنه سبق لأحد أعضاء الفريق الاقتصادي أن وصف الجانب الاجتماعي في اقتصاد السوق بـ (هذا الشيء)'!
وفي الوقائع العملية ثمة تفاصيل أقرب إلى السوريالية، بينها أن تكون الأسمدة المستوردة أرخص سعراً من الأسمدة المحلية التي تبيعها المصارف الزراعية والجمعيات الفلاحية، بمعدّلات تتراوح بين 20 إلى 30 بالمئة، الأمر الذي أسفر عن تراكم كميات هائلة من الناتج المحلي في مستودعات الشركة العامة للأسمدة. ولا حاجة إلى تبيان الرابح الحقيقي من وراء هذا التباين الفاحش في الأسعار، ولا حاجة أيضاً لتبيان الخاسر الأوّل... والأخير. ليست أقلّ سوريالية نظرية معاون وزير الإقتصاد، خالد سلوطة، التي تعيد سبب ارتفاع أسعار اللحوم (ألف ليرة سورية للكيلوغرام، كما أشار هيثم المالح في حوار على فضائية 'بردى') إلى سبب وجيه واحد، هو أنّ الدولة وفّرت الأعلاف الرخيصة لمربّي المواشي! ولقد تناسى هذا العبقري أنّ الحكومة تقدّم لرأس البقر الواحد كيلوغراماً واحداً من غذائه اليومي بسعر مدعوم، في حين أنّ استهلاكه الطبيعي يتجاوز ذلك الكيلوغرام الحكومي اليتيم بعشرين ضعفاً على الأقلّ!
ولكي لا يغيب البعد المأساوي عن هذه السوريالية المفتوحة، ثمة ذلك التفصيل المفزع الذي يقول بوجود نحو 52 ماركة تجارية لعبوات مياه معدنية 'يُعتقد أنها مقرصنة' حسب تعبير خليل جواد، المدير العام للمؤسسة العامة للصناعات الغذائية، الذي أضاف أنّ 'البلدان التي يتمّ الإستيراد منها ليس فيها هذا الكمّ الهائل من الينابيع، بل تتمّ فيها معالجة المياه لتصبح قابلة للشرب، مثلها مثل مياه الحنفيات التي توفرها مؤسسات المياه في المحافظات للمواطنين'. ومثل زميله العبقري، صاحب نظرية العلاقة بين رخص الأعلاف وغلاء اللحوم، تجاهل هذا المسؤول سبب تسلل هذه العبوات إلى أسواق الإستهلاك السورية، واستمرار بيعها علانية وفي وضح النهار، رغم أنه كان بنفسه قد أقرّ أنّ 'هناك العديد من هذه العبوات تمّ تحليلها في المخابر الرسمية، وقد تبين أنها مجرثمة أو حاملة لمعادن ثقيلة بنسب عالية'!
أهذه وقائع لا توهن عزيمة الأمّة، ويوهنها حديث المالح عن الفساد، وغياب الدولة، وانتهاك القوانين؟ ألا يقول تقرير 'منظمة الشفافية العالمية' إنّ سورية تراجعت تسعة مراكز عن التقرير السابق، وهي تحتلّ المرتبة 147 من أصل 180، والمرتبة 17 على مستوى الدول العربية، فلا يليها في ذيل مؤشرات الفساد إلا السودان والعراق؟ هذه، في نهاية المطاف، منظمة غير حكومية، تجتهد على نحو علمي محايد لإماطة اللثام عن مؤشرات الفساد والإفساد في العلاقات الإستثمارية والتعاقدية بين دولة ودولة، أو بين دولة وفرد، أو بين شركة عملاقة ودولة وفرد، أو بين هذه الأطراف جميعها حين تشترك في شبكة معقدة من الصلات والمصالح والمنافع المتبادلة. وهي تشدّد على نوعين من الأولويات العامة، هما سهولة توفير المعلومة وشفافية الإنفاق، وعلى أولويات محددة بينها نظام قضائي حرّ لمعالجة الفساد، ومواثيق دولية، واهتمام بالتربية والتعليم.
ومن جانب آخر، لكي لا يظنّ أحد أننا نستثني دولة أو نظاماً من الآفة، فإنّ الفساد (كما الإفساد) ليس شارعاً وحيد الإتجاه: هنالك الفاسد والمرتشي وقابض العمولات، وهنالك أيضاً المفسد والراشي ودافع العمولات. وتقارير المنظمة تسجّل هذه الحقيقة، بل هي تتكىء عليها بصفة أساسية حين تتحدّث عن العواقب البنيوية الوخيمة التي تلحق بالاقتصادات النامية جرّاء شيوع الفساد في أجهزة الدولة المعنية مباشرة بالتنمية. والتقرير الرائد الذي وضعه باولو ماورو في سنة 1995 يشير إلى أنّ الدول الأكثر فساداً تشهد القليل فالأقلّ من توجّه ناتجها القومي الإجمالي إلى الإستثمار، والقليل فالأقلّ من معدّلات النموّ.
وهذه الدول تستثمر في قطاع التربية والتعليم أقلّ بكثير من استثمارها في قطاعات إنشائية، لأنّ هذه القطاعات توفّر فرصة سمسرة لا توفّرها الإستثمارات في قطاع التربية.
وفي المقابل، تشهد مؤسسات ودوائر وفروع 'البنك الدولي' و'صندوق النقد الدولي' مراجعات جذرية تتناول مسألة الفساد والإفساد، وتسفر أحياناً عن صياغات متسارعة وقرارات دراماتيكية بالغة الخطورة، تبدو إدارية تقنية من حيث الشكل، ولكنها من حيث المحتوى الأعمق تظلّ سياسية واقتصادية وفلسفية أيضاً. إنها، كما يُقال لنا، 'حرب شعواء' ضدّ الفساد المالي، أو ضدّ استشراء 'سرطان الفساد'، ولم يعد في وسع المؤسستين اللتين تتحكمان في أموال العالم (والعالم الفقير لمزيد من الدقة)، الصبر على هدر الأموال العامة، والرشوة، والإختلاس، وتخريب الإقتصادات الوطنية، وعرقلة 'برامج التعديل الهيكلي' بوصفها 'إنجيل الإصلاحات' المقدّس في عرف خبراء المؤسستين.
لكننا نعرف أنّ جميع بلدان العالم (نعم: جميعها بلا استثناء) تضمّ رجالاً يستمدون ألقابهم من النسبة المئوية التي يحصلون عليها لقاء تسهيل أو توقيع مختلف أنواع العقود مع مؤسسات استثمارية صغيرة أو كبيرة، محلية أو عابرة للقارات.
هنالك 'المستر 5 بالمئة'، أو 'المستر 10 بالمئة'، أو حتى 'المستر 15 بالمئة'. وكان التنظير الرأسمالي البراغماتي قد اعتبر، مراراً في الواقع، أن حصّة هذا 'المستر' ليست جزءاً طبيعياً لا يتجزأ من كلفة التنفيذ فحسب، بل هي حصّة حيوية لا غنى عنها في سياق تذليل المصاعب البيروقراطية التي تعترض الإجراءات الإدارية على اختلاف مستوياتها، من توقيع العقود ذاتها وصولاً إلى الاستلام النهائي للمشروع والمصادقة على سلامة تنفيذه. بمعنى آخر، كان أصحاب هذا التنظير لا يرون غضاضة في تقديم الرشوة، ولا يخشون في ذلك أية عواقب قانونية أو سياسية أو أخلاقية.
أكثر من ذلك، مضى زمن غير بعيد (أواسط الثمانينيات، في الواقع) شهد دورية اقتصادية رأسمالية عريقة مثل 'هارفارد بزنس ريفيو' تعتمد ما يشبه الفلسفة 'الثقافية'، المستندة إلى مقاربة 'أنثروبولوجية' عنصرية النبرة، في تفسير شيوع الرشوة والفساد في بلدان العالم الثالث: هذه 'مكوس' لا تُدفع للفرد وحده بل للقبيلة بأسرها، وثمة شبكة من المصالح المشتركة بين الأفراد والقبائل تستدعي تحصيل نصيب غير مباشر من الثروات، يُوزّع على أفراد القبيلة أو يُصرف في تحسين سُبل عيشها داخل المؤسسة الأكبر للدولة. ما تدفعونه، تخاطب المجلة كبار مستثمري الكون، 'لا يذهب إلى الأفراد وحدهم، بل إلى جماعات أوسع نطاقاً، وبالتالي إلى الأمّة بأسرها في نهاية الأمر'!
فكيف إذا اختصر النظام الأمّة في عائلة، يمثّلها نفر محدود من ذئاب كاسرة، تدير قطيعاً من قطط سمان، تتولى بدورها تشغيل جمهرة من أدوات التنفيذ، في نظام تختلط فيه المزرعة بالجمهورية الوراثية، ولا يتكامل فيه الفساد إلا على يد أجهزة الإستبداد؟
' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
----------------------------------------------------
تأجيل اتفاقية الشراكة السورية الأوروبية- تكتيك سياسي أم حماية للمصالح اقتصادية؟ ماهي الدوافع التي تكمن وراء قرار

دمشق تأجيل التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي؟
أجلت سوريا موعد التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بحجة حاجتها لدراسة بعض نقاط الاتفاقية التي تتحفظ عليها. أما الخبير الألماني لودرز فيرى في التأجيل محاولة سورية للحصول على مكاسب سياسية عبر بروكسل.
أرسل وزير الخارجية السوري وليد المعلم رسالة إلى الحكومة السويدية التي تتولي الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي يطلب فيها تأجيل مراسم التوقيع على اتفاقية الشراكة الأوروبية التي كانت مقررة في 26 من شهر تشرين أول/ أكتوبر الجاري. ونقلت وكالة فرنس بريس عن مصدر دبلوماسي قريب من الرئاسة المذكورة أنه " تم إرجاء التوقيع على اتفاقية الشراكة نزولا عند طلب سوريا إلى أجل غير محدد". وأفاد المصدر نفسه أن "دمشق لم تطرح في رسالتها أي سبب لطلب التأجيل وأنها بررت طلبها "بالحاجة إلى فترة لدراسة الاتفاقية مجددا".
التوقيع على الاتفاقية بين المد والجزر
التطورات الأخيرة أظهرت أن هناك تقاربا، مطردا بين سوريا والأوربيين في الفترة الأخيرة
ولم يكن قرار سوريا بتأجيل التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بالأمر المفاجئ، فقد كان وزير الخارجية السوري وليد المعلم قد ألمح الأسبوع الماضي، أي في 14 من شهر أكتوبر/تشرين الأول، في دمشق إلى تشكيكه في إمكانية توقيع الاتفاق في 26 تشرين من الشهر الجاري في لوكسبورغ كما كان يأمل الأوروبيون، بحسب ما أوردت تقارير إعلامية. وكان الاتحاد الأوروبي الذي وضع مشروع الاتفاقية مع سوريا في عام 2004 قد جمّد عملية التوقيع لسنوات طويلة، مبرّرا ذلك "بوضع حقوق الإنسان في سوريا". في الوقت الذي وصفت فيه دمشق الأسباب "بالسياسية".
"دمشق تريد مراجعة نقاط ترى فيها تدخلا في شؤونها السياسية"
الخبير الألماني لودرز يري بأن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى "قطع العلاقات القوية التي "تربط سوريا بإيرانويرى أستاذ العلوم السياسية في دمشق مروان قبلان في قرار سوريا إرجاء التوقيع على الاتفاقية إلى تحفظها على بعض النقاط التي تعتبرها دمشق تدخلا في شؤونها السياسية. ويشير بذلك إلى بعض الشروط السياسية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، كموضوع الإصلاحات السياسية وحقوق الإنسان، مشددا في الوقت نفسه أن "دمشق تعتبر ذلك من صميم شؤونها الداخلية التي ترفض أي تدخل أجنبي فيها". يذكر في هذا السياق أن اتفاقيات الشراكة، التي يبرمها الاتحاد الأوروبي مع دول البحر المتوسط العربية تربط منح المساعدات المالية بشرط التزام البلدان الموقّعة الاستمرار في بعض الإصلاحات واحترام حقوق الإنسان.
ولفت قبلان إلى أن هناك أيضا تحفظات على الصعيد الاقتصادي داخل سوريا، إذ قال إن هناك جهات سورية عديدة ترى أن توقيت اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي "قد لا يخدم مصلحة اقتصاد البلاد"، وأنه لا يزال "غير مستعد بعد للتعامل مع متطلبات هذه الشراكة"، لافتا إلى أن السلع الأوروبية بإمكانها الدخول إلى السوق السورية ومنافسة السلع المحلية". وكانت دمشق أعلنت أنّها بحاجة إلى دراسة بعض النقاط "كي ترى ما إذا كانت ما تزال تناسب مصلحتها السياسية والاقتصادية". ويقول قبلان إن قرار التأجيل في الواقع إنّما هو "رسالة تريد دمشق إيصالها إلى بروكسل، مفادها أنها لن تسمح بالتدخل في شؤون تعتقد أنها في صلب سيادتها". فيما يرى أن الاتحاد الأوروبي يسعى من خلال هذه الشراكة إلى كسب سوق جديدة، وصفها "بالواعدة" بقدر ما يسعى إلى "التأثير على سياسة سوريا الداخلية وعلاقاتها الإقليمية".
"الاتحاد الأوروبي يسعى إلى قطع العلاقات القوية التي تربط سوريا وإيران"
من جهته، أعرب الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط ميشائيل لودرز أن قرار سوريا تأجيل التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يوجه رسالة واضحة مفادها "أن السوريين مستعدّون للتعاون مع الاتحاد الأوروبي، لكنهم لن يقبلوا بكل الشروط التي يفرضها الأوروبيون". ويلفت لودرز أن دمشق تسعى من خلال هذا التأجيل إلى كسب الوقت وإلى التلويح بأنها في موضع يسمح لها بالتفاوض بهدف التوصل أيضا إلى "حل لمسألة هضبة الجولان"، التي تحتلها إسرائيل. وبالتالي يتوقع لودرز أن تستخدم دمشق التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي كورقة سياسية "لدفع الإتحاد الأوروبي إلى ممارسة ضغوط على إسرائيل بشأن الانسحاب من الهضبة". بيد أنّه استبعد في الوقت نفسه احتمال "استجابة الأوروبيين لغاية السوريين"، لافتا إلى أن "الاتحاد الأوروبي يسعى إلى كسب سوريا ضد ما "يمثله البرنامج النووي الإيراني من مخاطر".
ولفت لودرز إلى أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى "قطع العلاقات القوية التي تربط سوريا بإيران"، لافتا إلى التخوف الأوروبي "من أن تنضم سوريا إلى نادي الدول في منطقة الشرق الأوسط"، التي تسعى لتطوير برنامج نووي على غرار الجارة إيران، مشدّدا بالقول "إن أوروبا لا تريد هذا التعاون الودي بين البلدين". ويتوقع لودرز أن يتم التوقيع على اتفاقية الشراكة بين سوريا والاتحاد الأوروبي في غضون "أسابيع أو بضعة أشهر"، مشددا في الوقت نفسه على أنه "من مصلحة دمشق أيضا إقامة علاقات جيدة مع الاتحاد الأوروبي".
الكاتبة: شمس العياري
تحرير: ابراهيم محمد
---------------------------------------------------
صحيفة ألمانية: إسرائيل تطلب من المانيا فرقاطتين مجانا
صورة لفرقاطة ألمانية يصعب رصدهاذكرت صحيفة ألمانية أن إسرائيل طلبت من ألمانيا تزويدها بفرقاطتين حربيتين بشكل مجاني تقريبا تضاف إلى الغواصات المتطورة الست من نوع "دلفين" التي حصل سلاح البحرية الإسرائيلية على ثلاثة منها حتى الآن.
ذكرت جريدة "هانوفرشه ألغماينه تسايتونغ" صادرة في هانوفر اليوم الجمعة (23 أكتوبر/ تشرين الثاني 2009) نقلا عن دوائر حكومية أن إسرائيل تأمل في أن تموِّل برلين بناء فرقاطتين حربيتين بصورة كاملة. وقدَّرت الصحيفة نقلا عن مصادرها كلفة السفينتين بنحو 300 مليون يورو مشيرة إلى أن الطرف الإسرائيلي بدأ محادثات حول الموضوع مع مجمَّع بناء السفن الحربية "بلوم اند فوس" بالقرب من هامبورغ في شمال البلاد الذي يبني فرقاطات يصعب رصدها وكشفها بواسطة أجهزة الرادار.
وكان ضابط كبير في سلاح البحرية الإسرائيلي كشف النقاب عن أن البحرية الإسرائيلية تعتزم شراء سفينتي صواريخ خفيفتين (شبح) لا يمكن رصدهما على شاشات الرادار حسب ما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية. وأضاف الضابط أن رئاسة أركان الجيش وافقت لسلاح البحرية على إجراء مفاوضات مع شركات بناء سفن ألمانية لتصميم وصنع سفينتي صواريخ متعددتي الأغراض لا يمكن رصدهما على شاشات أجهزة الرادار. ومن المتوقع أن تدخل السفينتان الخدمة عام 2014.
اهتمام بالأسلحة الألمانية
ولفتت صحيفة "هانوفرشه ألغماينه تسايتونغ" في تقريرها إلى أن إسرائيل تريد الحصول على السفن فقط على أن تركِّب فيها أنظمة أسلحة أميركية متطورة، من بينها بصورة خاصة نظام صاروخي. وتجدر الإشارة إلى أن سلاح البحرية الإسرائيلية حصل بين أعوام 1999 و2000 على ثلاث غواصات ألمانية من نوع "دلفين" بناها مصنع "هوفالدت" في كيل وغطَّت الدولة الألمانية 1.1 مليون يورو من كلفتها.
ويبني المصنع حاليا غواصتين إضافيتين كلفة كل واحدة منهما نحو 500 مليون يورو. وقررت الحكومة دفع ثلث المبلغ، أي 333 مليون يورو. ويتم تشغيل الغواصات المتطورة بمفاعلات نووية تسمح لها بالعمل لمدة طويلة تحت الماء. وذكرت الصحيفة أن منتقدي الصفقة يحذرون من قدرة إسرائيل على تعديل الغواصات بصورة تمكِّنها من بناء منصات عليها لإطلاق صواريخ قادرة على حمل سلاح نووي. وكانت الحكومة الألمانية وافقت عام 2006 على تصنيع غواصة سادسة لإسرائيل.
(أ. د/ رويترز/ د ب أ)
مراجعة: طارق أنكاي
------------------------------------------------
تعليقات الصحف الألمانية 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2009
الأنباء التي ترددت حول مفاوضات بين ممثلي إيران وإسرائيل على هامش اجتماع غير رسمي في القاهرة، وفوز ثلاثة حقوقيين روس بجائزة سخاروف لحرية الفكر من أبرز الموضوعات التي تناولتها الصحف الألمانية الصادرة هذا اليوم الجمعة.
حول الموضوع الأول كتبت صحيفة تاغس تسايتونغ die tageszeitung:
"يجب الحذر من الحماس الزائد فالاتصالات الأولى بين إيران وإسرائيل يمكن أن تكون الأخيرة على المدى المنظور، وهذا سيكون مدعاة للأسف، فلما لا تعقد اتصالات بين هذين البلدين الذين لم تقع بينهما حرب من قبل ولا توجد بينهما مناطق متنازع عليها، ويضاف إلى هذا أن الإيرانيين ليسوا معروفين بمعاداتهم للسامية. لكن بالرغم من هذا يسئ الرئيس الإيراني إلى الصهاينة ودولتهم التي يجب أن تختفي من الخارطة، وفي المقابل تشعر إسرائيل أن القنبلة النووية الإيرانية تشكل تهديدا متزايدا لها تفوق خطورته كل الحروب التي خاضتها حتى الآن وتفوق تهديد الإرهاب لأمنها. إن مشكلة إسرائيل هي أنها تمثل مساحة مناسبة لإسقاط الصراعات الداخلية في الدول الإسلامية على السلطة، فعلى كل من يريد تسجيل أكبر عدد من نقاط لصالحة تصعيد اللهجة حيال إسرائيل."
وحول الموضوع نفسه كتبت صحيفة زود دويتشه تسايتونغ Süddeutsche Zeitung:
"إن جلوس ممثلي إيران وإسرائيل للمرة الأولى على طاولة واحدة يعتبر حدثا استثنائيا حتى في عالمنا الراهن الذي يعرف بأنه عصر الاتصالات، إذ إن أمرا من هذا القبيل لم يحدث منذ سقوط نظام الشاه عام 1979. (...) لكن لا يجب تفسير هذا الاجتماع بأكثر مما يحتمل، فالوقت لا يزال مبكرا كي تسمح إسرائيل بإجراء محادثات حول ترسانتها النووية، وبالذات إذا كانت الدول العربية الجارة لها طرفا في تلك المحادثات. وهناك أسئلة في غاية التعقيد فيما يتعلق بمراقبة البرامج النووية وأسلحة الدمار الشامل بشكل عام وحول المصداقية وبناء الثقة، وكلها أمور يجب النقاش حولها للتوصل إلى نزع الأسلحة النووية في الشرق الأوسط."
وإلى الموضوع التالي في هذه الجولة فحول فوز ثلاثة ناشطين من منظمة ميموريال الروسية بجائزة سخاروف التي يمنحها الاتحاد الأوروبي في مجال حرية الفكر كتبت صحيفة فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ Frankfurter Allgemeine Zeitung تقول:
"وصف رئيس منظمة موموريال أوليغ أورلاف نيل منظمته لجائزة سخاروف
بأنه حدث يثير انفعالات متباينة، وكان هذا الكلام موجها إلى من هم على رأس السلطة في موسكو، إذ لم تمض خمسة أشهر منذ اغتيال ناتاليا أيستميروفا في دولة الشيشان بطريقة توحي بتورط جهاز الأمن. وحاليا في شمال روسيا يتعرض المؤرخ الروسي ميخائيل سوبرون إلى مضايقات بسبب عمله على جمع أسماء ضحايا الحقبة الستالينية. إن قرار البرلمان الأوروبي بمنح الجائزة لمنظمة موموريال يعتبر رسالة إلى موجهة إلى روسيا للسلطة في موسكو وللمدافعين عن حقوق الإنسان على حد سواء."
إعداد: نهلة طاهر
مراجعة:
-------------------------------------------------
هل خفُت دوي انهيار سور برلين بعد 20 عاماً؟
بسقوط سور برلين قبل 20عاماً انهارت ألمانيا الشرقية وتمهد الطريق للوحدة الألمانيةقبل عشرين عاماً سقط جدار برلين الذي ظل رمزا لانقسام عالمين وأيديولوجيتين لمدة 29 عاما. جاء الحدث مفاجئاً تماماً للجميع، حتى وإن تكاثرت المؤشرات على غروب شمس الشيوعية في أوروبا.
هل أصبح هذا الحدث ذكرى بعد 20 عاماً؟
في الأيام الأولى من شهر نوفمبر/تشرين الثاني عام 1989 لم يكن هناك ما يدعو إلى التفكير في أن سور برلين سيزول بعد أن ظل جاثماً على الصدور طيلة 28 عاماً. كانت هناك مؤشرات لا تخطؤها العين، إذ فر الآلاف من سكان ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية عن طريق جمهورية التشيك والمجر، كما بدأت بولندا تتنسم عبير الديمقراطية بعد أن أسقطت الحكومة الشيوعية؛ باختصار: كانت رياح التغيير قد شرعت تهب على أوروبا الشرقية على الرغم من رفض بعض حكومات دولها قبول فكرة أن الشيوعية في سبيلها إلى الزوال. وعندما سقط السور لم يعد أحد يعرف ماذا يفعل. المفاجأة كانت عظيمة بالنسبة لوسائل الإعلام الدولية أيضاً.
صحيح أن المحللين كانوا قد وضعوا سيناريوهات لمستقبل الحكومات الشيوعية، غير أن الجرأة لم تبلغ بهم حد التنبؤ بما حدث في أنحاء أوروبا الشرقية، والذي وصل إلى ذروته في القرار المشوش والمربك بفتح السور في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1989.
ساعة نهاية الشيوعية تدق
Bildunterschrift: الألمان الشرقيون يتدافعون عبر بوابة براندنبورغ إلى الشطر الغربي بعد إعلان فتح الحدود في التاسع من نوفمبر 1989 كان سقوط سور برلين أكثر الأحداث بروزاً في سقوط الشيوعية في أنحاء المنطقة، ولكنه يظل مجرد حلقة داخل سلسلة أحداث. ويشير أندرو ويلسون، كبير خبراء التخطيط السياسي لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى أن كرة الثلج بدأت تكبر مع الانتخابات البولندية عام 1989 التي أطاحت بالحزب الشيوعي من السلطة.
وفي وقت لاحق من العام فشل الزعيم الروماني نيكولاي تشاوشيسكو في تهدئة الجماهير الغاضبة عبر التليفزيون، فكان ذلك بادرة أخرى على أن ساعة نهاية الشيوعية قد دقت بالفعل. وأدت هذه الأحداث إلى بداية مغامرة استمرت 20 عاماً حتى اليوم.
وكان على منطقة كاملة أن تحاول نسي
ان تراث الديكتاتورية وأن تسير على طريق الديمقراطية والرأسمالية. في فترة الانتقال المؤلم تلك، الانتقال من نظام شمولي مستبد يضمن لمواطنيه أساسيات العيش ويحمل عنهم عبء الاختيار، إلى نظام ديمقراطي مفتوح يقوم على الفردية وتحقيق الذات والإنجاز والتنافس الشديد الذي يفرضه اقتصاد السوق الحر، في تلك الفترة التي تلت تفكك عالم وسبقت نشوء آخر كان هناك عدد كبير من البسطاء الذين لم يستطيعوا التأقلم مع تلك التحولات، كما كان هناك من عرف كيف يقتنص فرص الواقع الجديد.
الحنين إلى ماض بدا جميلاً
تعتبر سيارة "الترابنت" رمزاً "للزمن الجميل" عند البعض بمضي الوقت بدأ البعض يشعر بالحنين إلى تلك الأيام القديمة التي ربما لم تكن جميلة، ولكنها على الأقل كانت أكثر بساطة، وهو ما أدى إلى ما يمكن تسميته بـ"صناعة الحنين" أو "النوستالجيا الشرقية"، فكثرت البرامج التلفزيونية والأفلام والكتب التي راحت تمجد تلك الفترة وكأنها كانت فترة ذهبية، وربما كان منبع ذلك شعور البعض بالإحباط لما حدث بعد الوحدة من تطورات. كثيرون كانوا يتمنون الاحتفاظ بالاشتراكية ولكن بدون ديكتاتورية، وهو ما أطلقت عليه الكاتبة الألمانية (الشرقية) كريستا فولف "الاشتراكية ذات الوجه الإنساني".
سقط السور منذ عشرين عاماً، ولكن دوي انهياره ما زال يطن في أذن البعض، وما زال البعض يشعر بأن سوراً خفياً يفصل بين ألمانيتين وتاريخين.
(س ج / د ب أ)
مراجعة: سمر كرم