الـ'سوبر ـ أطرش'
صبحي حديدي
19/10/2009
ثمة حكايات تُروى وتُروى لأنها تظلّ ذات صلة بما يستجدّ أو يتواصل في الحياة اليومية للبشر، ولأننا نَلَذّ لها، كما كان شيخنا عبد القاهر الجرجاني يقول. هذه واحدة من تلك الحكايات، التي يلذّ لي شخصياً أن أستعيدها كلما رنّ ناقوس في مسألة حبال الرحم التي تربط الدولة العبرية بالولايات المتحدة، وكلما اجتهد نطاسي لإقناعنا (وربما إقناع نفسه معنا ضمناً، أو حتى قبلنا) بأنّ هذه العلاقة تقوم على مزيج أوحد من ركائز 'العقلانية الباردة' و'السياسة الذرائعية'.
في مطلع القرن الماضي انتُخب الجمهوري ثيودور روزفلت رئيساً للولايات المتحدة، على خلفية شعار كبير جذاب يقول بمحاربة مجموعات الضغط أيّاً كانت طبيعة نشاطاتها: إقتصادية، سياسية، إثنية، أو دينية. وحين أعلن روزفلت تعيين اليهودي أوسكار شتراوس وزيراً للتجارة والعمل، سارع الصيرفي جيكوب شيف (عميد يهود أمريكا آنذاك) إلى إقامة مأدبة عامرة احتفالاً بالمناسبة، كان روزفلت ضيف الشرف فيها. ولقد ألقى الأخير كلمة تقصّد أن تحتوي على فقرة تشير إلى أنه لم يعيّن شتراوس في المنصب ذاك لأيّ اعتبار آخر، سوى أنه كان الرجل المناسب في المكان المناسب: 'لم أعيّنه لأنه يهودي. ولسوف أحتقر نفسي لو وضعت بعين الإعتبار مسائل العرق أو الدين عند اختيار رجل لمنصب رفيع. الجدارة، والجدارة وحدها أمْلَت هذا التعيين'.
الفضيحة وقعت حين لم يفطن أحد إلى ضرورة إعلام شيف (الأطرش!) بما قاله الرئيس لتوّه، فنهض الرجل بدوره وألقى كلمة بدأها بالجملة التالية: 'لقد استدعاني السيد الرئيس قبل تشكيل حكومته، وأعلمني برغبته في تعيين يهودي في الحكومة، وطلب منّي أن أسمّي الرجل الذي يُجمع اليهود على اختياره. ولقد أعطيته اسم أوسكار، فعيّنه، ولم يخيّب الرئيس آمالنا'! وتقول بقية الحكاية إنّ الحضور صفّقوا بعصبية وارتباك، وأمّا الرئيس الـ 26 للولايات المتحدة الأمريكية فقد امتقع وجهه، وحملق في الفراغ.
اليوم، مع تصويت الولايات المتحدة ضدّ تقرير القاضي ريشارد غولدستون حول انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب في غزّة، لا يعود بنا الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما إلى عهد روزفلت فحسب، بل يذكّرنا بأنّ أي عهد لم يختلف عن سواه في ما يخصّ حبال الرحم الأمرو ـ إسرائيلية تلك. كذلك نتزوّد من أخلص رجال الرئيس، وعلى رأسهم بنت جلدته سوزان رايس، مندوبة الولايات المتحدة الدائمة في مجلس الأمن الدولي، ببرهان جديد على أنّ ما سعى أوباما إلى بنائه في تركيا ومصر، أخذ يتداعى ويتهدّم حتى قبل أن ترتفع أعمدته، بمعول يحمله البنّاء نفسه.
وبالطبع، لا نخال أنّ ساذجاً واحداً على هذه البسيطة يمكن أن ينتظر من مندوب الولايات المتحدة إلى المجلس الدولي لحقوق الإنسان الإمتناع عن التصويت، أو حتى الفرار منه، كما فعل فرسان بريطانيا (أحفاد الـ Magna Carta أو 'الميثاق الأعظم' لضمان الحقوق الأساسية)، وفرنسا (بلد 'إعلان حقوق الإنسان والمواطن'، ومهد فلسفة الأنوار). بيد أنّ البيت الأبيض كان قادراً على 'إدارة' الملفّ على نحو يُبلغ رسالة من نوع ما إلى حكومة بنيامين نتنياهو، لطيفة مهذبة ودّية صداقية... على مألوف التراسل الأمرو ـ إسرائيلي، تلجأ إلى مناورة ـ مخففة، محدودة، تكتيكية محضة، هنا أيضاً ـ لإنقاذ ماء وجه الإدارة إزاء الإمتناع الإسرائيلي عن تجميد المستوطنات، والإقبال على تجميد أشغال المبعوث الأمريكي جورج ميتشل. ألا يجوز لممارسة كهذه أن تندرج، بدورها، في سياق 'العقلانية الباردة'، و'السياسة الذرائعية'؟
لسنا، ولعلّنا لم نكن في أيّ يوم، بحاجة إلى رجل أطرش مثل جيكوب شيف لكي تفوح روائح الفضيحة من ذلك الخطاب الأمريكي الرسمي، الذي يقتفي مفردات الخطاب الإسرائيلي الرسمي، وغير الرسمي، في تأثيم القاضي غولدستون، وكأنه ليس المشرّع الدولي المعروف الذي يحظى باحترام بالغ في أوساط حقوق الإنسان العالمية، والعضو المستقلّ النزيه في لجنة بول فولكر للتحقيق في برنامج 'النفط من أجل الغذاء'، والقاضي المخضرم في محكمة الجنايات الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة... أو كأنه، وهنا المغزى الخاصّ، ليس الشخصية اليهودية البارزة، رئيس جمعية 'أصدقاء الجامعة العبرية'، والرئيس الفخري لجمعية الـ ORT، التي يعود تأسيسها إلى سنة 1880، في قطاع أنظمة التعليم اليهودية!
وذات يوم اعتبر المعلّق البريطاني روبرت فيسك أنّ الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات حُوّل، بعد توقيع اتفاقات أوسلو، من 'سوبر ـ إرهابي' إلى 'سوبر ـ رجل دولة'، دون إسقاط حقّ إسرائيل والولايات المتحدة في ردّه من جديد إلى الـ'سوبر ـ إرهابي'. ولقد حصل هذا، سريعاً أيضاً، مع فارق أنّ الفلسطيني المطلق، وليس عرفات وحده، هو الذي حُوّل مجدداً إلى 'سوبر ـ إرهابي': ليس في غزّة ورام الله والبيرة ونابلس والخليل، أو في الناصرة وأمّ الفحم ويافا وحدها، فحسب؛ بل في الأردن وسورية ولبنان ومصر، في أمريكا وفرنسا وبريطانيا وروسيا، هنا وهناك، أينما حلّ الفلسطيني وارتحل على امتداد هذا العالم الشاسع الواسع.
في المقابل، ثمة دائماً ذلك اليهودي الطيّب، المحاصَر من جيرانه، المهدَّد في بيته وكنيسه ومستوطنته، الراغب في السلام، الباحث عن الوئام، الكسير والتراجيدي والشاعري، الـ... 'سوبر ـ أطرش'، غنيّ عن القول!
-------------------------------------------------------
في الوقائع نصف الغريبة لاختفاء الشعب
ياسين الحاج
صالح2009 / 10 / 18
تواطأت ثلاث حركات على جعل "الشعب" غير مرئي في البلدان العربية في ربع القرن الأخير.
تمثلت حركة أولى في تفاقم الاستبداد الحاكم إلى حد بلوغه أبعادا دراكولية أحيانا. وأول مفاعيل هذه مصادرة التعبيرات السياسية المستقلة للسكان ومنعهم من التشكل كشعب. الشعب "إرادة عامة" لا تتحقق إن لم تعبر عن نفسها، ولا تتكون إن منعت من الظهور المستقل سياسيا. هذا فضلا عن أن الاستبدادية العربية المعاصرة طورت خصائص سلطانية محدثة، لا تمتنع عن صنع الشعب أو العمل على نشوء مستوى من الاندماج والتجانس والمساواة الحقوقية والسياسية هو ما نسميه الشعب، بل يناسبها بالأحرى أن تتشكل المادة السكانية في صورة طوائف وعصب لا تكاد تتفاعل فيما بينها ولا تثق ببعضها. مثل الطوائف ذاتها، الشعب لا يوجد في الطبيعة، ولا يكفي وجود دولة اسمها سورية أو لبنان حتى يوجد شعب سوري أو لبناني؛ إنه نتاج صناعة سياسية ضمن شروط محددة. وليست هذه الصناعة بمجرد الإرادة؛ إن لها شروط اقتصادية واجتماعية وفكرية، محلية ودولية، تنشغل بالتفكير فيها والعمل من أجل توفيرها إشكالية البناء الوطني. وعنصري هذا البناء هما الوطن والشعب (الأمة)، فلا نتكلم على شعب إلا في إطار وطني محدد، ولا يفيد الكلام على وطن حيث لا يكون السكان شعبا. والحال لا تبدو السلطات في بلداننا معنية بهذه الإشكالية، يستنفد جهدها كله البقاء الأبدي في الحكم. لكن أيضا لا يبدو أن أحدا يهتم بهذه الإشكالية، لا التنظيمات السياسية ولا المثقفين.
في المقام الثاني نذكر تراجع الحركة اليسارية، إيديولوجية وسياسة، هذه التي زامنت صعود الحركة القومية العربية في النصف الثاني من خمسينات القرن السابق وستيناته وبعض سبعيناته، وكانت تتكلم كثيرا على الشعب، وتفكر فيه بلغة الجماهير المحرومة والأكثرية المهملة والطبقات الكادحة، وتطور سياسات مفكِّكة لبنى امتيازية قديمة وروابط عضوية قارة، فتعمل على ظهور هذا الشكل السياسي أو تعزز مفهومه في الأذهان. كان الدفاع عن المصالح المفترضة لعموم الشعب، "مصالح الشعب الحقيقية"، يجتذب "مناضلين" و"مثقفين عضويين" إلى ميدان العمل العام في مواجهة سلطات سياسية واقتصادية توصف بأنها مستغلة وقمعية وأقلية. تدهور الشعبوية اليسارية هذه أسهم في زوال الشعب كفاعل سياسي أو كمنتج للفاعلية السياسية. وكان انفصال هذا الطرح اليساري عن مسألة البناء الوطني (الاندماج والمواطنة واستقلال الدولة عن المجتمع الأهلي..) تسبب في جعل السياسة اليسارية، حتى في أيام صعودها، بلا ركائز بنيوية، معرضة من ثم لاستعمار أهلي من باطن.
أما اليسار الشيوعي، وبقدر ما كان يمكن تمييزه عن الشعبوية اليسارية، فكان يتكلم بالأحرى على الطبقة العاملة أو الجماهير الكادحة، ويتشكك في مفهوم الشعب أو يعتبره تشويشا على الصراع الطبقي. كان من شأن ذلك في مجتمعات غير مندمجة أن يتمفصل بدوره مع الروابط الأهلية ويوظف في صراعاتها ومنافساتها، فيمعن في إضعاف الاندماج الوطني.
في المقام الثالث وبالتفاعل مع الحركتين السابقتين أفضى صعود الإسلاميين منذ أكثر من ثلاثة عقود إلى ظهور مجتمعاتنا في صورة تشكيلات دينية ومذهبية، إن لم تكن متعادية، فهي غير متقاربة ولا تشكل "إرادة عامة". وبينما كان مفهوم الأكثرية الاجتماعية يحيل فورا إلى الشعب المحروم والجماهير المستغلة التي تشكل "الأكثرية الساحقة" من السكان، أخذ المفهوم يشحن بمضمون ديني أو هويتي، يبدو الإسلاميون هم تعبيره السياسي الطبيعي. يتعلق الأمر هنا بنزعة شعبوية يمينية، تفكر في الشعب كجوهر ثقافي، "أمة"، لا كعلاقة سياسية تاريخية. بالمقابل، بعد أن كان ينظر إلى السلطات المستبدة كأقلية برجوازية أو متبرجزة، ضئيلة ومستغلة وتابعة، سيحيل مفهوم الأقلية منذ ثمانينات القرن العشرين إلى جماعات دينية ومذهبية وإثنية مختلفة، تبدو مهددة من قبل أكثرية محددة ثقافية أيضا. أين الشعب؟ لم يعد مرئيا. الأدوات التحليلية الجديدة هذه لا تتيح تصوره.
وعلى صلة بهذا التحول الأخير أخذ مثقفون كثيرون، لا يظهرون اهتماما بإشكالية البناء الوطني أكثر من أطقم الحكم الاستبدادية ومن الشعبويين اليساريين في زمن مضى، أخذوا ينددون بانفعال بالشعبوية، دون اشتغال من أي نوع على مفهوم الشعب. بدا لهم أن هذا يعني ببساطة الأكثرية الدينية الإسلامية. وتطور على أيديهم في العقدين الماضيين نقد يميني، نخبوي ومنفعل ومتشائم، للديمقراطية وللمثقفين الذين يتمحور تفكيرهم العام حولها. ولم تكن الزراية المتكررة بالشعبوية غير تعويذة لراحة نفس هذه النخبوية اليمينية، المتنورة في عين ذاتها. مع الغسيل الشعبوي لم يحتفظ هذا اليمين الثقافي العلماني بشيء من الشعب، من المستوى الذي يمكن أن يتوحد عليه السوريون أو اللبنانيون..، أو من التساؤل عن كيفية صنع الشعب. جرى التسليم دون وساوس بأن الأكثرية الدينية أو المذهبية إسلامية فعلا (دون منازعة للإسلاميين الذين يؤسسون على هذا التسليم استحقاقهم لقيادة "الأمة")، الأمر الذي يتيح لهم المضي من رفض الديمقراطية إلى تسويغ سياسات هوية مضادة، طائفية بدورها، أو السكوت عليها والتقليل من شأنها. وفي سورية، تصطف هذه التنويعة النخبوية بثبات إلى جانب السلطات الحاكمة، أو لا تجد ما تقوله في شأنها.
في المحصلة لم يعد الشعب موجودا إلا كركيزة غير متعينة لوجود دولة ونظام حكم. هناك شعب مصري لأن هناك دولة مصرية. لا يلزم من أجل ذلك أن يكون جمهور المحكومين قادرا على الاحتجاج من أجل قضايا اجتماعيا أو وطنية، ولا بأس بمنع السكان بالقوة من تنظيم أنفسهم وإسماع صوتهم؛ إنهم "شعب" في كل حال، وإلا من يحكم الرئيس مبارك وإخوانه؟ لكن كيف لجمهور منقسم، تقل المشتركات الجامعة له، وتتسع الفوارق ضمنه، وتتنافس نخبه على تطوير سرديات مظلومية وسرديات تفوق تعزز انقساماته وتمعن في شرذمته، كيف له أن يكون شعبا؟ في مثل أحوالنا هذه، قد نتكلم على سكان، على جمهور غير متشكل، على "مجتمع أهلي"، على أكثريات وأقليات معرّفة ثقافيا ودينيا، على "الناس"، أو ببساطة وتجنبا للتعقيد على "المجتمع"، لكن ليس على شعب بمعنى منتج للكلمة. وبالفعل تكاد الكلمة تكون خرجت من التداول.
ولما كان الشعب هو البنية التحتية للديمقراطية، كانت هذه ممتنعة في مثل هذه الشروط إلا في صيغة ديمقراطية طائفية. هذا يراه كثيرون، لكن لا يريد أحد أن يرى أن الاستبداد السلطاني المحدث يعمل على صنع الشروط التي تؤبده: يمنع تشكل الشعب ويرعى التشكل الطائفي، ليكون هو الحل، وليكون أي بديل عنه امتدادا له.
----------------------------------------------