التهاني والتمنيات بالشهر الكريم
أقدم أخلص التمنيات بحلول شهر رمضان المبارك، الذي أ ُنزل فيه القرآن هدى للناس ورحمة. ولننتهز هذه المناسبة الفضيلة، لدعوة الله، عزّ وجلّ، إلى أن يعيده على الأمة العربية، بأفضل مما هي عليه اليوم من تفرُّق ٍ وتمزُّق ٍ وجهلٍِ وتخلُّفٍ.
عبدالله تركماني
تونس 22 آب/ أغسطس 2009
------------------------------------------
في الدولة الأمنية (*)
الدكتور عب
دالله تركمانيمصطلح شاع استعماله منذ سنوات في الأدب السياسي العربي للدلالة على بنية شاملة مستترة خلف بنية الدولة الرسمية المعلنة. والأصل، في مفهوم النظام الأمني، شمولية الولاية على كافة مناحي الحياة والإمساك بإرادة مختلف الشرائح الاجتماعية، بداعي الرعاية والخلاص من أمراض الفرقة والتناحر، أي التعددية والاختلاف، لذلك قلما يطمح إلى كسب العقول والقلوب، وهي مهمة تفترض وتستدعي قوة المثال وصحة الإقناع، ويحصر مراده في اقتلاع جذوة المساءلة وسحق مظهرية الرأي المغاير، توسلاً لالتزام لفظي يقتضي إعلانه من الفرد والجماعة وفق أجندة طقوسية تواكب مسيرة النظام الاستبدادي وتحتفل بمنجزاته.
إنّ الدولة الأمنية لا تكتشف لذاتها خصوصية، سوى خصوصية الاستبداد وإنتاج ثقافة الخوف. ففي كتاب " سنوات مع الخوف العراقي " (دار الساقي، بيروت، 2004) تختلط ذكريات هاديا سعيد، إذ تتذكر هذه السيدة اللبنانية سنوات بقائها في العراق مع زوجها في سبعينيات القرن الماضي، حيث تقول: " لقد كنت أحد الذين عاشوا نوعاً " مخففاً " من الخوف داخل الجمهورية وخارجها مع أني لست عراقية .. ليس هناك بلد عاش كل من فيه خراب النفس والذرية كما عاشته بيوت بغداد، وليس هناك بلد أبيحت فيه كميات من الدماء وعدد من الرقاب والأوصال المقطوعة كما حدث في العراق، وليس هناك بلد عرف قهر الخوف وذل الصمت مثل العراق .. ".
ويتحدث حكم البابا في " كتاب في الخوف " (دار كنعان، دمشق، 2005) عن تجربته التي عاشها في الإعلام السوري: الخوف الذي انتابه أثناء كتابة المقال، والخوف الذي شعر به يوم نشر المقال وانتظار ردة الفعل، والخوف يوم وصول الاستدعاء لمراجعة فرع المخابرات من أجل المقال، والخوف خلال وجوده داخل بناء المخابرات وخضوعه للتحقيق مع الهواجس المختلفة التي يستدعيها، ثم الخوف الذي تولده التجربة وتتركه في النفس بعد انتهائها.
وهكذا، في ظل سيطرة الدولة الأمنية والأيدلوجية الشمولية يصبح التكوين الإنساني شاحباً، هشّاً، ويتشكل مجتمع محكوم بمعايير الذل والتبعية والعبودية، وتخيم فلسفة التكاذب والخداع، ويرتهن المجتمع أسيراً لفكرة يملك سرها شخص واحد فقط، فيما يتحرك الجميع كدمى بين يديه، أو كظلال باهتة لحقيقته الغامضة، وتُشغَّل النخبة بتأويل أفكاره، ومدّها خارج الزمان والمكان من جهة، والسيطرة الكلية على المجتمع، وإخضاعه بالقوة لتلك التأويلات من جهة ثانية.
وهناك ثلاثة أركان تقوم عليها الدولة الأمنية التسلطية، وتمكنها من إنتاج مجتمعها الجماهيري، هي: الإرهاب والأيديولوجية والإعلام الموجه. وعدة مبادئ تضمن هذه الأركان وتعززها، هي: مبدأ الاحتكار الفعال للسلطة والثروة والقوة، واحتكار الحقيقة، واحتكار الوطنية، ومبدأ الغلبة والقهر، ومبدأ شخصنة السلطة، وعبادة القوة، أي تماهي الشخص والمنصب الذي يشغله، وانتقال قوة المنصب المادية والمعنوية إلى الشخص الذي يغدو مثال القوة والعظمة. وفي هذه الحال تحل الأوامر محل القوانين، والامتيازات محل الحقوق، والولاء والمحسوبية محل الكفاءة والجدارة والاستحقاق.
أما " الثقافة الأمنية " فهي ثقافة منفصلة عن الواقع وقضاياه، تشتغل على قضايا تافهة وتصرف النظر عن القضايا الجوهرية. وهي راكدة وتعيد إنتاج الركود، ذلك أنّ الوظيفة الأمنية تقتضي، قبل كل شيء، استقراراً شكلياً وتحويل كل شيء إلى مومياءات توحي بالحياة، لكنها قلما تُعنى بالحياة.
إنها ثقافة نابذة، تقوم على التضاد مع الحقيقي والجاد والجميل والحر والإبداعي، وبالتالي فهي تنبذ ليس فقط المضامين بل والأشكال التي يمكن أن تفضي إلى حرية ليس للمنظومة الأمنية أن تقبل بها. هي تدفع إلى السطح بأشباه المثقفين وبقليلي الموهبة والمفتقرين إلى القدرة على الإبداع. هي ثقافة انفعالية، محركها يقع خارجها، ويمكن أن يكون عسكرياً أو حزبياً، ولكن ليس ثقافياً. هي، بالضرورة، ثقافة تمجّد القبح وتتغنى به، وترسّخ القيم التي يعمل النظام الأمني على نشرها، كاحتقار العقل والاستخفاف بقيم الحرية والحقيقة والجمال.
لقد حولت أجهزة الدولة الأمنية المجتمع إلى مجتمع الخوف المتبادل والريبة المتبادلة، وأخضعت النسيج الاجتماعي لمقاييس عملائها ومعاييرهم الأخلاقية التي هي معاييرها وقيمها. ولعل وظيفتها الأساسية كانت ولا تزال محاولة السيطرة على تعددية المجتمع والفروق والاختلافات اللامتناهية بين الكائنات البشرية، وهذا غير ممكن إلا بتقليص جميع المواطنين إلى هوية واحدة ثابتة وخاوية قوامها ردود الفعل الغريزية، وتقليص حريتهم إلى مجرد الحفاظ على النوع.
تونس في 20/8/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " المستقبل " اللبنانية – 22/8/2009
---------------------------------------------------
المشروع الديمقراطي العربي وتجربة موريتانيا

منصف المرزوقي
قناعة كاتب هذه السطور منذ ربع قرن -والتي لم تزدها الأحداث إلا رسوخا- أن العدوّ الرئيسي والأوّل والأخطر لشعوبنا وأمتنا العربية ليس الصهيونية أو الاستعمار أو الإمبريالية وإنما نظامنا السياسي الاستبدادي المبني على ثلاثية الفساد والتزييف والقمع.
هذا النظام دمّر وسيواصل تدمير الشعوب والأمة نتيجة تضافر آليتين، داخلية وخارجية.
بخصوص الأولى وخلافا لما نظن فإن الشحنة التخريبية للاستبداد ليست مرتبطة بحجم الأموال المنهوبة ولا بعدد الموتى تحت التعذيب والمنفيين في الداخل والمشردين في الخارج، إنما بالتدمير البطيء للأنظمة الاجتماعية الكبرى مثل النظام الاقتصادي والتربوي والإعلامي والعدلي والأمني والثقافي ولا نتحدّث عن نظام القيم.
الشحنة التخريبية للاستبداد ليست مرتبطة بحجم الأموال المنهوبة ولا بعدد الموتى تحت التعذيب والمنفيين في الداخل والمشردين في الخارج، إنما بالتدمير البطيء للأنظمة الكبرى في مختلف مجالات الحياة
"
فبفعل قانون الناس -وهم هنا المسؤولون عن هذه الأنظمة- على دين ملوكهم، وبفعل مبدأ الولاء قبل الكفاءة، وبحكم غياب التقييم الناتج عن غياب الحرية في كل المستويات، تدخل كل هذه الأنظمة الضرورية للمجتمع في حالة لا فعالية وعجز وتراكم المشاكل ثم التفسخ، والنتيجة ما تصفه منذ سنوات تقارير الأمم المتحدة من تخلفنا المشين.
الآلية الخارجية منع أي تقارب حقيقي لأن الدكتاتوريات عاجزة عن إيجاد أي شكل من التناسق، فما بالك بقيام الاتحاد العربي وهو أملنا الوحيد في أن تلعب الأمة دورا سياسيا ما في عالم العمالقة الذي يتشكل تحت أنظارنا العاجزة .
لهذا يشكل وضع نظام سياسي جديد قضية حياة أو موت بالنسبة لشعوبنا وأمتنا، ولهذا نقول إن الآباء والأجداد لم يحررونا إلا من الاحتلال الخارجي، وإننا نناضل دون وعي منذ نصف قرن لتحقيق الاستقلال الثاني أي الحكم الرشيد، وشكله الحالي هو النظام الديمقراطي الغربي، علما أن فيه جملة من العيوب والنواقص لا بدّ من الانتباه لها حتى نثري التجربة ولا نكرّر أخطاءها.
ومن هذا الباب يتابع الديمقراطيون العرب بمنتهى الاهتمام حالة المخاض الديمقراطي في كل الأقطار ويتابعون باهتمام خاص ما جرى في موريتانيا .
لنلاحظ عرضا أنه ليس من باب الصدفة أن تحدث مثل هذه التجربة الثرية على الأطراف (الفقيرة) للوطن الكبير -فقبلها أي سنة 1996- انطلقت كذلك من الأطراف (الغنية) تجربة الجزيرة التي قلبت كل موازين القوى الإعلامية ومن ثم السياسية. كل هذا لأن المركز وهو مصر، أو الدول التي تدعي التقدم كتونس أو الريادة الثورية كسوريا، مثل بركان خبا ولم يعد قادرا على العطاء. إنها قاعدة في التاريخ أن الحركية إذا توقفت في المركز بحثت لها عن متنفس في الهوامش.
السؤال هو ما الذي تعلمنا إياه التجربة الموريتانية عن تصفية الاستبداد المانع للتقدم والاتحاد، باعتبار أن موريتانيا كانت تجرب لنفسها وأيضا للعرب الذين تابعوا شعوبا وأنظمة بكثير من الأمل أو القلق كل تفاصيل حياتها السياسية المضطربة في الثلاث سنوات الأخيرة.
الدرس الأول هو أنه يمكن التخلص من الاستبداد دون إراقة الدماء ولا حتى دم الدكتاتور وبطانته.
إنه درس على قدر بالغ من الأهمية ويجب مواصلة استبطانه والتمسك به، لأن التحدي داخل التحدي والنجاح داخل النجاح ليس أن ننتقل للحكم الرشيد فقط وإنما أن ننتقل إليه بصفة سلمية أي بأقل تكلفة من الدماء والدموع. لذلك لا بدّ من تشجيع وحث كل الوطنيين الغيورين على شعوبهم وأمتهم من التحرّك من داخل أجهزة الدولة على النهج الموريتاني لوقف مسلسل الانحطاط المريع الذي تقودنا إليه أنظمة باتت عبئا على نفسها وعلى ثلاثمائة مليون عربي.
الدرس الثاني هو هشاشة أي نظام منبثق عن انتخابات حرة ونزيهة لا يحسم في الأجهزة التي كانت دعامة الاستبداد.
إن "غلطة" الرئيس سيدي ولد عبد الله عدم إزاحته من اليوم الأول للجنرال الانقلابي ولكل الطاقم المحيط به واستبدالهم بضباط تعينهم الحكومة الديمقراطية ويدينون لها بالولاء. المفارقة بالطبع أنه لم يكن ذلك ممكنا والأجهزة هي التي قامت بالانقلاب الديمقراطي إن صح التعبير.
هنا يطرح السؤال: أليس من مصلحة الديمقراطيين رفض استلام السلطة في مثل هذه الظروف وهم يعلمون أن مسدس الأجهزة القديمة موضوع فوق الصدغ ولا ينتظر إلا أتفه المبررات. إن أولى خصائص الإصلاحات الديمقراطية نظرا لحجم التركة أنها بطيئة وصعبة ومعقدة ولا تؤتي أكلها إلا بعد سنين وأحيانا بعد عقود.
إذا أضفت لهذا من جهة حجم الآمال المعلقة من قبل شعب نافد الصبر، ومن جهة أخرى تسرب الفساد الذي لا يخلو منه أي نظام، فالحصيلة زخم من المشاكل سيستغلها أي مغامر له سرب من الدبابات للاستيلاء على السلطة. الدرس الواضح هنا هو القدرة على إحداث التغييرات الضرورية خاصة في أجهزة الأمن والجيش لضمان تحييدها سياسيا أو مواصلة النضال إلى أن تتحقق الشروط الضرورية لنقلة ديمقراطية لا تكون فاصلا بين استبدادين.
الدرس الثالث هو الذي أعطتنا إياه "الانتخابات" الأخيرة. فقد خضعت هذه "الانتخابات" لقراءات متعددة يمكن تصنيفها لقراءات النصف الفارغ والنصف الملآن من الكأس. ولأن الردّ على السؤال الشهير هو أن الكأس نصف فارغ وأيضا نصف ملآن، فإن هذا النص سيتبنى دون حرج القراءتين.
بخصوص النصف الفارغ ، نكتشف ما نعرفه من قديم الزمان أنه يمكن لانتخابات محبوكة بذكاء أن تضفي الشرعة على أي انقلاب على الديمقراطية، وأن تحمل لسدّة الحكم ألدّ أعدائها. لكن اللافت للانتباه تطور التقنيات، فخلافا لغباء الاستبداد في تونس أو في مصر والمصرّ على النتائج التسعينية وافتعال مباراة انتخابية بتعيين المنافسين المزيفين وإبعاد المنافسين الحقيقيين وحتى تسمية لجنة "مستقلة" للإشراف على المهزلة، نرى أن الاستبداد في موريتانيا لعب بمهارة فائقة.
"
الاستبداد في موريتانيا لعب الانتخابات بمهارة فائقة, فهو سمح بوجود المنافسين الحقيقيين، وحتى بلجنة مستقلة واستعمل كل وسائل الدولة في الإغراء والتهديد، ولم يعط لنفسه إلا 51% الضرورية للفوز وكأنّ الشعار "لا تفريط ولا إفراط"
"
هو سمح بوجود المنافسين الحقيقيين، وحتى بلجنة مستقلة (استقال رئيسها ولم يكن ذلك صدفة) واستعمل كل وسائل الدولة في الإغراء والتهديد، ولم يعط لنفسه إلا 51% الضرورية للفوز وكأنّ الشعار "لا تفريط ولا إفراط". كل هذا يدلّ على قدرة الاستبداد على التأقلم مع المعطيات الجديدة والخروج من السيناريوهات المبتذلة التي ما زالت تصرّ عليها أنظمة "المركز".
نواجه هنا بقضية فكرية وسياسية بالغة الأهمية ولم تجد لها لليوم حلا ألا وهي ما مدى قدرة الانتخابات حتى الحرة والنزيهة على تأدية وظيفتها.
لا بدّ من فتح قوس كبير للتذكير بأن الديمقراطية –بما هي أحسن ما وجدنا لحد الآن كصيغة للحكم الرشيد– هي عقلية (قبول التعددية العقائدية والسياسية في المجتمع ومعالجة الخلافات الطبيعية بصفة سلمية) وهي تقنيات للحكم مبنية على رباعية حرية الصحافة وحرية التنظم واستقلال القضاء والانتخابات.
قلما ينتبه الناس أننا أمام آليات في خدمة أهداف تتجاوزها ولسنا أمام مقدسات مكتفية بذاتها.
مثلا حرية الصحافة آلية هدفها قدرة تتبع وفضح كل أخطاء أو خطايا أي نوع من السلطات وعلى رأسها الفساد وذلك حتى يمكن التدارك والإصلاح قبل خراب البصرة.
نفس الشيء عن حرية التنظم وهي الآلية الثانية وهدفها تمكين الأفراد من التنظم جماعات والدفاع عن حقوقهم في وجه "بعبع" الدولة الذي لا يحب شيئا قدر مواجهة غبار من الأفراد المعزولين عن بعضهم البعض ومن ثم المتروكين عزّلا أمام جبروته.
أما استقلال القضاء فآلية هدفها إيصال الحقوق لأصحابها ووضع كل الناس سواسية أمام القانون لأن العدل هو أساس السلام المدني.
خذ الآن الانتخابات. إنها آلية هدفها تقييم من يحكم ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب وتنظيم التداول السلمي على السلطة.
ما تظهره بوضوح تجربة الديمقراطية طوال القرنين الماضيين في كل بلدان العالم أنه لا فعالية مطلقة لأي من الآليات الأربعة في تحقيق أهدافها. فتركز الإعلام بين أيادي قليلة أو استعمال ألدّ أعداء الديمقراطية لحق التنظم أو تسييس وتسرب الفساد للقضاء حتى في الدول الديمقراطية العريقة، تحديات خطيرة تضرب الأهداف التي جعلت من أجلها الآليات.
قد تكون آلية الانتخاب أكثر الآليات الأربعة مرضا وهي التي حملت لسدة الحكم النازيين والمحافظين الجدد وأشخاصا مثل برلسكوني في إيطاليا، وبضعة مليونيرات فاسدين في الفلبين وتايلند. ذلك لأنه لا أسهل من خداع الشعوب وتضليلها خاصة إذا وجد المال للإغراء والأزمات لإشعال الغرائز.
ما شاهدنا في موريتانيا فصل من فصول فشل الانتخابات في تحقيق الهدف الذي وجدت من أجله. السؤال الذي سيظل مطروحا كواحد من أكبر التحديات الفكرية والسياسية هو هل يمكن تصوّر تقييم من يحكم والتداول السلمي على السلطة بآلية أخرى غير الانتخابات الإشهارية، بعبارة أخرى هل يمكن تصور ديمقراطية دون انتخابات؟.
ماذا الآن عن النصف الملآن للكأس؟ إنه يتمثل في خبرين طيبين لكل الديمقراطيين العرب الذين قد تكون الأحداث الأخيرة أحبطتهم.
الخبر الطيب الأول هو مقاومة الشعب الموريتاني ونخبه للانقلاب وتواصل هذه المقاومة بل توقع احتدادها. فمنذ اليوم الأول والجنرال الانقلابي مواجه بحركة شعبية وسياسية أجبرته على التفاوض. بداهة انتهى سيناريو "ينصر من أصبح" أي استكانة المجتمع لراكب الدبابات صبيحة البيان رقم 1. معنى هذا أن الشعب نضج أيضا وليس فقط الاستبداد، وأن هذا الأخير مواجه هو الآخر بأيام صعبة لحظة "تنتهي السكرة ويحضر الدائنون" وهي جدّ قريبة.
"
ما زال أمامنا طريق شاق وطويل لفرض الحكم الرشيد الذي هو أملنا الوحيد في الخروج من التخلف والتشتّت والتبعية وأننا قد نتقدم خطوة لنتراجع خطوات
"
الخبر الطيب الثاني هو متعة رؤية جنرالين يركضان من حفل انتخابي لمحفل انتخابي ويلهثان للحصول على الأصوات ويمارسان اللعبة السياسية وفق قواعد ربما سخروا منها كثيرا يوما ما في مجالسهم الخاصة. ألا يعني هذا أن المشروع الديمقراطي العربي تقدّم بما فيه الكفاية –ولو على هذه الرقعة الصغيرة الكبيرة من أرض الوطن- وقد اتضح للجميع وعلى رأسهم الانقلابيين غلبة قوة الشرعية على شرعية القوة .
ما يجهله كل المتلاعبين بالانتخابات أنهم يدخلون الفخّ الذي سيطبق عليهم –أو على أتباعهم– يوما. فالقبول بالانتخابات على علاتها وحتى بالتزييف، اعتراف بتفوق الديمقراطية على الاستبداد ومحاولة بائسة لاستغلال مؤسساتها. لكن من يستطيع ضمان قدرة التحكم في لعبة كهذه وكل الأطراف مستنفرة لفرض احترام قواعدها الحقيقية؟ والحصيلة من كل هذه التجربة التي تتأرجح من نجاح إلى فشل ومن فشل إلى نجاح.
بديهي أنه ما زال أمامنا طريق شاقة وطويلة لفرض الحكم الرشيد الذي هو أملنا الوحيد في الخروج من التخلف والتشتّت والتبعية وأننا قد نتقدم خطوة لنتراجع خطوات. لكن من البديهي أن ما نعاني منه نحن الحالمون الحاملون للمشروع العظيم، هو لا شيء بالمقارنة مع ما سيعانيه حفنة من المتخلفين تاريخيا الذين لم يفهموا عمق تعطش الشعوب والأمة لنظام سياسي جديد ولا يقدرون أن سدّ القش لا يقف طويلا أمام النهر الهادر.
الجزيرة 2009
----------------------------------------------
قضايا وأحداث 21.08.2009
منظمة الصحة العا
لمية تدعو إلى الاستعداد لموجة جديدة من فيروس أنفلونزا الخنازيرمخاوف من موجة ثانية من فيروس انفلونزا الخانزيرحذرت منظمة الصحة العالمية من تبعات موجة جديدة من فيروس انفلونزا الخنازير، ودعت إلى تأمين لقاحات لمكافحة المرض. فيما تباينت نتائج دراسات علمية حول ارتفاع قابلية الأطفال للإصابة بالمرض ومن ثمَّ نقله.
دعت مديرة منظمة الصحة العالمية، مارغريت شان، اليوم الجمعة (21 أغسطس/ آب) الأسرة الدولية إلى الاستعداد لموجة ثانية محتملة من أنفلونزا الخنازير، محذرة من أن الحكومات ستواجه تحدي تأمين لقاحات لمكافحة هذا الفيروس. وقالت شان، في رسالة فيديو مسجلة تم بثها في افتتاح ندوة مدتها ثلاثة أيام في بكين حول الأنفلونزا في آسيا المحيط الهادئ، "لا يمكننا أن نعرف ما إذا كان الأسوأ قد مر أو آت". وأضافت "علينا أن نستعد لكل مفاجأة يأتينا بها هذا الفيروس الجديد"، مشيرة إلى أن "التحول الدائم وغير المرئي يشكل آلية بقاء عالم الميكروبات". وتابعت المسؤولة الدولية قائلة: "علينا الاستعداد أيضا لموجة ثانية وحتى ثالثة كما رأينا من الأوبئة الماضية"، وفقا لما نقلته وكالة فرانس برس.
دراسة: الأطفال أكثر عرضة للمرض
دراسة تقول إن أطفال المدارس وأسرهم اكثر عرضة للمرض وفي هذه الأثناء ذكرت دراسة حديثة أن أطفال المدارس وأسرهم هم أكثر عرضة لمرض أنفلونزا الخنازير، وبالتالي فإنه يتوجب أعطاء الأولوية في تحصين هذه الفئة العمرية ضد الفيروس. وذكرت الدراسة التي نشرتها مجلة "ساينز" العملية يوم أمس الخميس أن الأطفال ناقل جيد للمرض.
غير أن دراسة أخرى أشارت الدراسة إلى أن الأطفال ليسوا متأثرين بشدة كما يخشى. فقد ذكر فريق من الباحثين الفرنسيين أمس الخميس أنه "بالرغم من أن تقارير سابقة أشارت إلى أن حالات أنفلونزا اتش1 ان1 الوبائية لعام 2009 حدثت بشكل رئيسي بين الأطفال، إلا أن العمر المعتاد و المتوسط لعدد 343 حالة قاتلة في تحليلنا كان 37 عاما".
ووفقا للدراسة التي نشرها الباحثون الفرنسيون دورية يوروسيرفيلانس فقد كانت أعمار 12 في المائة من الأشخاص الذين توفوا 60 عاما أو أكثر. وعلى النقيض، كان أكثر من 90 في المائة من وفيات الأنفلونزا الموسمية بين أشخاص تزيد أعمارهم عن 65 عاما. وأضاف الفريق الفرنسي إن "نسبة كبيرة من الأطفال الصغار (27 في المائة من عمر 0-9 عاما) والشباب (22 في المائة من البالغ أعمارهم 20-29 عاما) لم يكن لديهم مرض رئيسي موثق، بينما كان 60 في المائة من الأشخاص اكبر من عمر 60 عاما يعانون من مرض بالقلب أو مرض تنفسي.
دراسة أخرى: نصف المتوفين كانوا إما من الحوامل أو لديهم ظروف صحية أخرى
ودراسة أخرى تشير إلى أن النساء الحومل اكثر عرضة للمرض وكتب الباحثون الفرنسيون أن نحو نصف الأشخاص الذين توفوا من جراء الإصابة بأنفلونزا الخنازير كانوا إما من النساء الحوامل أو أشخاص لديهم ظروف صحية أخرى وخاصة مرض البول السكري وحالات مرتبطة بالبدانة. وقال فريق الباحثين بالمعهد الفرنسي لمراقبة الصحة العامة في سان موريس في فرنسا انه على الرغم من أن الأشخاص الطاعنين في السن اقل احتمالا من الآخرين للإصابة، إلا أنهم إذا أصيبوا بأنفلونزا اتش1 ان1 الجديدة، يكونون أكثر احتمالا للوفاة.
وذكر الباحثون أن معظم الوفيات (51 في المائة) حدثت في الفئة العمرية من 20- 49 عاما، لكن هناك تفاوتا كبيرا وفقا للبلد أو القارة. وأضافوا "كان هناك مرض أساسي موثق في 49 في المائة على الأقل من الحالات المميتة الموثقة في كل أنحاء العالم حتى الآن، مشيرين إلى أن "هناك عاملا خطورة جديران بالملاحظة وهما: الحمل والبدانة". وقالت حكومات عديدة إن النساء الحوامل يتعين تحصينهن أولا عندما تتوفر اللقاحات.
(ع.ج.م/ أ ف ب/ رويترز)
-------------------------------------------------
قضايا وأحداث 20.08.2009
العراق ووهم الأمن
تظهر موجة التفجيرات الإرهابية التي ضربت بغداد عجز الحكومة العراقية عن ضمان الأمن لمواطنيها وتحقيق المصالحة الوطنية. وهو ما يولد وضعا يتطلب من الغرب رؤية بعيدة المدى، كما يرى الخبير الألماني راينر زوليش في تعليقه التالي.
تظل الإحصائيات ولغة الأرقام عاجزة بطبيعتها عن كشف كل الحقائق، وبالتالي فهي لن تسعفنا بالضرورة في محاولة فهم العلاقة التي قد تكون قائمة بين سلسلة التفجيرات التي ضربت بغداد وبين انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية. فمن الملفت أن عدد ضحايا العنف زاد في الأسابيع الأخيرة التي سبقت انسحاب القوات الأمريكية. وبعد انسحاب الأخيرة تراجعت وتيرة العنف نسبيا قبل انفجارها من جديد في شكل الاعتداءات التي استهدفت الآن بغداد.
وإذا سُمح باستخلاص عبرة مما حدث، فهي أن العراقيين غير آمنين سواء بتواجد الأمريكيين أو بغيابهم، صحيح أن الوضع الأمني قد تحسن بشكل عام خلال الأعوام الماضية، لكن مبالغة المسؤولين الأمريكيين والعراقيين في الحديث عن اقترابهم من التحكم التام في الوضع، يعكس في الواقع خللا غريبا في فهمهم لمعنى الأمن، فالعنف لا يزال سيد الموقف في العراق.
الإعلام وسراب الأمن
الخبير الالماني راينر زوليش: لا يكاد يمر يوم دون الإعلان عن أحداث عنف جديدة، لكن غالبتها لا تصل إلى علم الرأي العام. والمأساة هي أن وسائل الإعلام، بحكم المنطق الذي يتحكم في عملها، صارت تتجاهل أخبار "العنف في العراق". أخبار باتت "مستهلكة" ولم تعد تثير الرأي العام الدولي، ولم يعد أحد يعير أدنى اهتمام لانفجار حصيلة ضحاياه أربعة أو خمسة أشخاص. إلا أنه ما أن يصل العدد إلى مستوى مفزع كما هو الحال الآن، حتى تنطلق الآلية التي نعرفها وبشكل تلقائي، فيسارع مجلس الأمن الدولي والبيت الأبيض كما الاتحاد الأوروبي إلى إصدار بيانات الشجب والإدانة. وما أن تتناقل الشبكات التلفزيونية مشاهد القتلى والجرحى حتى تعم مشاعر التعاطف أحيانا، والغضب أحيانا أخرى. فيتساءل الكثيرون عن سر هذا الحقد ومنبعه، وعن الدوافع وراء الاستباحة المجانية لدماء الأبرياء.
يبدو الجواب بسيطا إلى درجة السخرية: إنهم يقدمون على ذلك لتحقيق هذا الهدف بعينه، فهم يستهدفون الأبرياء لزرع الرعب والخوف، وليست لهم أي مصلحة في عودة الهدوء والاستقرار إلى العراق. بل وتسعدهم موجة الاستنكار الدولية بنفس درجة ظهور جرائمهم على شاشات التلفزيون. فكلما زادت درجة الاهتمام الإعلامي زاد تأثير أعمالهم الإرهابية.
لا استقرار دون مصالحة وطنية
وأمام هذا الوضع لن تفيد أخلاق المهنة الصحافية في شيئ مهما كانت مثاليتها، فحين يكون الخطر الإرهابي داهما وآنيا، تبرز الحاجة إلى اتخاذ إجراءات أمنية قصوى أولا. لقد أعلنت الحكومة العراقية أنها ستعمل على سد الثغرات الأمنية، وهذه خطوة مهمة ولكنها غير كافية. فمادام العراق يغلي تحت نار الخلافات الطائفية والسياسية، فإن الإرهابيين سيجدون في ذلك مرتعا خصبا، كما سيجدون دائما من يتعاطف معهم داخل العراق ومن دول الجوار. إن مشاعر الثأر والانتقام وغياب الثقة لن تتلاشى بين عشية وضحاها. ونفس الأمر ينسحب على الجشع والتنافس على السلطة والثروة النفطية.
و يبدو إصرار الأمريكيين على الانسحاب من العراق وفق الأجندة التي حددوها بحلول عام 2011 للوهلة الأولى نوعا من المخاطرة، إلا أنه في الوقت ذاته قد يصلح كأداة ضغط لإجبار الحكومة العراقية على بذل جهود جدية لحل الخلافات الداخلية وتحقيق المصالحة الوطنية، وهي، في ذلك، تحتاج إلى دعم المجتمع الدولي.
تعليق: راينر زوليش
مراجعة: هيثم عبد العظيم
-----------------------------------------------

ثقافة ومجتمع 21.08.2009
جدل "البُركيني" يلهب من جديد المسابح في أوروبا
رداء السباحة الشرعي غير مرغوب فيه في مدينة فاليوسيساأقدم رئيس بلدية مدينة فاليوسيسا وعضو رابطة الشمال اليمينية على حظر "البركيني" الذي ترتديه النساء المحجبات وتعتبرنه لباسا "شرعيا" وهي حادثة جديدة تزيد من حدة الجدل الدائر في أوروبا حول قضية لباس سباحة المحجبات.
أعلن جانلوكا بانانو Gianluca Buonanno رئيس بلدية مدينة فاليوسيسا في شمال إيطاليا عن حظر ارتداء "البركيني" (كلمة تجمع كلمتا بركا أو برقع وبكيني وهو المايوه النسائي) وفرض غرامة مالية تصل إلى خمسمائة يورو على المخالفات لهذا الحظر. وعلل قراره بقوله بأن "رؤية امرأة ملثمة قد يخيف الأطفال، إضافة إلى المشاكل الصحية التي قد تنجم عن ذلك". وذهب بانانو أبعد من ذلك حين اعتبر أن الإيطاليين ليسوا ملزمين بالتسامح في كل مرة، وأضاف قائلا: "تصوروا لو أن غريبة تسبح بمايو السباحة "البيكيني" في بلد مسلم، فقد تكون العاقبة الإعدام أو قطع الرأس أو السجن أو الطرد. وإذا كان هذا القرار يزعج أحدا ما، فما عليه إلا أن يستحم في المغطس".
وتعتبر رابطة الشمال التي ينتمي إليها بانانو حزبا إقليميا يتزعمه أومبيرتو بوسي يقوم جزء كبير من برنامجه السياسي على مناهضة المهاجرين، وسبق لها أن طرحت العام الماضي على البرلمان الإيطالي مذكرة تهدف إلى حظر بناء المساجد والمراكز الثقافية في إيطالبا.
الجدل بدأ في فرنسا قبل ايطاليا
الجدل حول البركيني حاضر أيضا في الدول الإسلاميةوأثيرت نفس القضية في فرنسا قبل أيام، حين منعت سيدة فرنسية مسلمة تدعى كارول في الثلاثينات من عمرها، من نزول حمام سباحة عمومي في الضاحية الشرقية من باريس وهي ترتدي ما يسمى "اللباس الشرعي". وقالت كارول إنها كانت ترغب في الاستحمام دون إظهار جسدها، واعترفت بأنها تتفهم في أن خطوتها "قد تكون صادمة" على حد تعبيرها.
ويذكر أنه سُمح لكارول بالاستحمام في المسبح في المرة الأولى قبل أن تمنع في المرة الثانية بحكم أن القوانين المعمول بها في المسابح الفرنسية تمنع الاستحمام بالملابس كما ذكر دانييل جيوم نائب رئيس النقابة المكلفة بتسيير المسابح في منطقة فالمو Val-Maube. وقد حاولت كارول مقاضاة إدارة المسبح إلا أن القضاء رفض دعوتها.
مشكل حقيقي وتوظيفات مختلفة
البعض يرى في البركيني حفاظا على القيم الاسلامية، في حين يرى البعض الآخر أنه استفزاز لقيم الثقافة الغربيةوهناك من يرى أن اللغط الذي يحيط بخطاب بانانو وغيره، لا ينبغي، أن يخفي الجوانب الجدية التي يطرحها الجدل المثار حول ارتداء "البركيني" في المسابح الأوروبية، والذي يتعدى الأوساط التي توصف بالمتشددة وأحيانا المعادية للإسلام. بل أن هذه القضية أثيرت حتى في بعض الدول العربية كالمغرب ومصر حين منعت نساء محجبات من الاستحمام في مسابح عمومية.
و"البركيني" كالحجاب والبرقع، ليس مجرد لباس، وإنما هو رمز يعكس منظومة معينة من القيم، قد يرى فيها البعض مجرد تطبيق لتأويل معين للدين الإسلامي، بينما يرى فيها البعض الآخر استفزازا لقيم الثقافة الغربية التي تقوم على حرية المرأة وانعتاقها وحقها الطبيعي في التصرف في جسدها.
(ح.ز/د.ب.آ/أ.ف.ب/دويتشه فيله)
مراجعة: هيثم عبد العظيم
-----------------------------------------