Dienstag, 25. August 2009


العودة الى الأب



يسجّل النظام السوري منذ فترة محاولة عودة في سياسته الخارجية الى أسلوبه القديم والى بحثه عن أدوار متوازية كان يلعبها على مدى ثلاثة عقود خلت.

فبعد عامين عصيبين عليه في ال2005 وال2006 إثر اغتيال الرئيس الحريري واضطراره لسحب جيشه من لبنان وبدء التحقيق الدولي عمله، تنفّس نظام دمشق الصعداء تدريجياً ابتداء من العام 2007 مستفيداً من تفاقم المأزق الاميركي في العراق وحاجة الأميركيين الى تنسيق حدودي معه، ومن الرغبة الاسرائيلية في استقراره خوفاً من البديل المجهول على حدود الكيان العبري الشمالية، ومن الدعم التركي له الهادف الى إبقاء أكراد سوريا بعيدين عن أكراد العراق والمحافظة على جار جنوبي موالٍ ومريح. كما استفاد من حربي تموز 2006 في الجنوب اللبناني ثم كانون 2009 في غزة وما رافقهما وتلاهما من ارتباك دول ما يسمّى بمحور الإعتدال العربي ومصالحة بعضها له، ومن الانفتاح الأوروبي عليه والفرنسي تحديداً مع وصول ساركوزي، ثم من نهاية ولاية جورج بوش وعودة السياسة الأميركية الى البراغماتية بعد مرحلة إيديولوجية طويلة، فقرّر بدوره العودة الى أسلوب العمل الذي كان الرئيس الأسد الأب كرّسه طيلة سنوات حكمه.

ما هو هذا الأسلوب؟

يمكن تعريفه بوصفه تموضعات يسعى النظام السوري من خلالها الى إيجاد الحاجة الدولية لدور له في التوّسط لحلحلة مشاكل إقليمية (يتسبّب هو نفسه بخلق بعضها) بهدف قبض ثمن الحلحلة أو مقايضة الثمن المذكور بأمور أخرى تضمن للنظام إكسيره.

وللمراقب أن يتذكّر أن الأسد الأب كان صديقاً للاتحاد السوفياتي وساعياً في نفس الوقت الى فتح كل الخطوط مع الأميركيين، ثم حليفاً رئيسياً لإيران في حربها مع العراق وركناً من أركان "الثلاثي العربي" (الذي ضمّه الى السعودية ومصر، بعد مروره في "جبهة الصمود والتصدي"). وكان نظامه مساهماً في نشر الفوضى في لبنان ووسيطاً لتهدئة الأمور فيه، ومسهّلاً لخطف الأجانب في بيروت ثم مرسالاً بين دولهم والخاطفين.

واليوم، بعد ما يبدو انتهاءً لسنوات عزلة بدأت أميركية عام 2003 ثم صارت دولية وخليجية ومصرية بعد عام 2005، عاد النظام الى قديمه.

يتيح انتخاب رئيس جمهورية في لبنان بعد تعطيله الأمر لأشهر طويلة مقابل التطبيع معه، يدّعي القدرة على ضبط حزب الله وحماس واصطحابهما الى طاولة المفاوضات ويؤّمن الدعم اللوجستي والعسكري لهما، يترك الغرب يراهن على إمكانية فك ارتباطه بإيران شرط ضمان مستقبل حكمه ثم يؤكد ثبات تحالفه مع الجمهورية الإسلامية وقدرته على التأثير إيجاباً فيها وإفادة الغرب نفسه من تحالفه هذا (ولعلّ وساطته للإفراج عن الموظفة في السفارة الفرنسية في طهران والمدرّسة الفرنسية في إصفهان رسالة أراد توجيهها في هذا الاتجاه وحصل على شكر فرنسي حار لقاءها!)

والأهم، يدعو لحلف إيراني تركي سوري عراقي، ولا يمانع من حلف مواز مع السعودية ودول الخليج.

لكن هل سينجح هذه المرة في استعادة قديمه وتجديده؟ وهل ثمة حاجة اليوم الى "قطر ثانية" في المنطقة؟ وهل الخدمات "الصغيرة" (حتى الآن) تعني الدول الكبرى؟

قد يكون الجواب عن السؤال برسم ما سيجري في الأشهر القادمة بين إيران وإسرائيل والغرب في الشأن النووي وارتدادات ذلك عربياً ودولياً.

في الإنتظار، يدفع الشعب السوري ثمن ارتياح النظام المؤقت الى وضعه ونسيان عواصم "حقوق الإنسان" للسجناء السياسيين القابعين في زنزاناته.

ولاحقاً قد ندفع نحن اللبنانيين الثمن، إن لم نسرّع في إعادة تشكيل سلطاتنا السياسية وتحصين مؤسساتنا الأمنية. ذلك أننا اعتدنا أن يُصرف عندنا كل فائض في "نجاح" النظام السوري، كما كل فشل ذريع...

زياد ماجد
: مقال نُشر في موقع ناو ليبانون الالكتروني في 25 أغسطس 2009


---------------------------------------------------------------



أصول إشكاليات الحالة العربية في التاريخ المعاصر

وآفاق تطورها (1/3)

الدكتور عبدالله تركماني

شهد العالم العربي خلال القرن العشرين عدة أزمات تاريخية عميقة، دفعته إلى التحلل، وفي الوقت نفسه دفعت العناصر المكونة له إلى البحث عن أطر جديدة تلتئم من جديد عبرها، وتعيد تركيب نفسها وتوحيدها من خلالها، مما وفر لها إمكانية الاستمرار في البقاء.

وفي الحقيقة إننا أمام صعوبة كبيرة في اكتشاف قواعد اللعبة المعقدة، التي حكمت التأثير المتبادل بين العوامل الداخلية والخارجية، لما آلت إليه الحالة العربية. خاصة وأنّ الفكر السياسي العربي اعتاد على تحميل الاستعمار كل بلايا التأخر العربي، وأطلق العنان لديماغوجية رنانة تجعل من العداء للإمبريالية والصهيونية (وهو عداء مبرر تاريخياً وواقعياً) وسيلة للتنفيس عن الغضب، وصبه على العامل الخارجي الذي أصبح " شيطان العرب "، ليعفي العامل الداخلي من النقد.

لقد أدى الاحتكاك بالغرب إلى بلورة المفاهيم الحديثة عند العرب، إذ حملت الحضارة الغربية إلى الواقع العربي معانٍ جديدة شبيهة، إلى حد ما، بمعانيها في الغرب، ومختلفة عن معانيها العربية التقليدية في الجاهلية والإسلام والقرون الوسطى. فلا شك أنّ الاتصال بالغرب قد أتاح للعرب التعرف على وسائل الحياة النيابية (الدساتير والبرلمانات)، كما أنهم نقلوا الفكرة الحزبية إلى واقعهم السياسي والاجتماعي، فقامت الأحزاب القومية والماركسية والإسلامية والليبرالية، مما فتح المجال أمام إمكانية تحديث المجتمع العربي.

إنّ قراءة وثائق المؤتمر العربي الأول في العام 1913 تعطينا فكرة واضحة عن فهم القوميين العرب، في أوائل القرن العشرين، لمسألة الديمقراطية والحريات السياسية والمدنية، مما يجعلنا نستنتج أنّ وعي هذه المسألة كان يحكم الموقف السياسي والاجتماعي لكثير من المهتمين والمشاركين في الحياة السياسية العامة آنذاك، باعتبار أنّ ذلك أحد مكوّنات النهضة العربية الحديثة. وطوال التاريخ المعاصر للحركة العربية كان ثمة تلازم بين قضايا رئيسية ثلاث هي: استكمال الاستقلال الوطني، والخروج من التأخر، والوحدة العربية.

ولكنّ التجربة الواقعية للمشروع العربي قد أثبتت، خاصة بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، أنّ هناك أزمة فعلية في بنية هذا المشروع. فما هي أهم تجليات هذه الأزمة ؟ وما هي آفاق المشروع العربي المعاصر ؟

الوحدة العربية ومآلاتها

إنّ مشروع الوحدة العربية هو جوهر الحركة العربية الحديثة، بمثل ما هو هدفها في الوقت نفسه. ولذا فقد لازم الهدف الحركة منذ نشوئها، وتطور معها نمواً وضموراً، وصعوداً وهبوطاً. ولم تكن الوحدة مجرد توحيد سياسي فوقي لكيانات منفصلة في حدود سياسية، بل هي ـ أساساً ـ عملية توحيد مجتمعي داخلي، ومعركة شاملة للتحديث في الفكر والثقافة والسياسة وأنماط الحياة، في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة. ذلك أنه لا يمكن تجزئة المشروع النهضوي العربي، فهو مشروع متكامل تتداخل فيه مهمات التحديث الفكري والسياسي والثقافي مع مهمات النهوض الاقتصادي والاجتماعي، مع مهمات التحرر القومي.

ويمكن النظر إلى العمل العربي المعاصر من أجل الوحدة العربية، كحركة تغيير سياسي ـ اجتماعي ـ حضاري شامل، بما يعنيه ذلك من أنّ مفهوم العمل القومي مفهوم ديمقراطي لا يقوم على أسس عرقية، وهو تقدمي في مواجهة التأخر والاستعمار، هدفه تصفية عوامل التجزئة وإنشاء الدولة العربية الواحدة. مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلاف في مستويات التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي بين أقطار العالم العربي، وما يقتضيه ذلك من التنوع والاختلاف بين كل قطر من هذه الأقطار، وفي هذا السياق يمكن تصور وجود الوحدة مع التنوع.

ويبدو أنّ الثغرة الرئيسية في المشروع الوحدوي العربي خلال التاريخ العربي المعاصر، تكمن في إهمال الخصوصيات الوطنية/القطرية والمشاكل المحلية الواقعية. فلقد جرى رسم صورة وردية للواقع العربي، أوحت بأنّ الوحدة قائمة فعلاً في الجوهر، وأنّ تحولها واقعاً ملموساً أمر تمنعه الأسباب الخارجية. وبالرغم من أنّ الاستعمار قد انحسر تباعاً، على الأقل في شكله التقليدي، وترك كيانات عربية مستقلة، فإنّ الوحدة لم تتحقق، وعندما تحققت فإنها لم تتواصل، بل أنّ ما تلا الاستقلال الوطني هو واقع الكيانات القطرية لا واقع الوحدة.

ومع أنّ وقائع هذه الإقليمية والكيانية تعود إلى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، أي إلى ما قبل مرحلة الدولة المستقلة، فإنّ الحركة العربية المعاصرة لم تبذل جهداً يذكر في تحليل هذه الظاهرة، مما يشير إلى قصور معرفي وسياسي في آن واحد، عبر عن نفسه بغياب مقاربة واقعية لمسألة الوحدة ومشاريعها.

وفي كل الأحوال فإنّ التناقض الرئيسي في الواقع العربي هو التناقض القائم بين قوى التجزئة السياسية وقوى التوحيد السياسي، وحل هذا التناقض لن ينتج عن حتمية مسبقة، بل يحتاج إلى رؤية حقيقية للخصائص القطرية، بجميع جوانبها الإيجابية والسلبية. مما يؤكد أنّ سيرورة الاتحاد العربي هي ذاتها سيرورة التقدم العربي، سيرورة عقلنة وعلمنة ودمقرطة وتحديث المجتمع العربي.

وفي الواقع، بعد انهيار الجمهورية العربية المتحدة في العام 1961 بدأت سيرورة تاريخية ذات سمات نوعية خاصة، أبرزها قاطبة: ترسخ سلطة الدولة القطرية التي أقامت في داخلها بنى تحول بذاتها دون توجهها نحو الوحدة. وبهذه البنية النوعية الخاصة، قامت سلطة الدولة القطرية بمهمتين تتعارضان تعارضاً جذرياً مع مهام تجسيد الأمة لدولتها القومية: أولاهما، فقد فتتت مجتمعاتها بدل أن تدمجها، وأحيت القوى والمصالح ما قبل الوطنية والقومية (العشائرية، والطائفية، والجهوية)، بدل أن تميتها. وثانيتهما، وضعت حدوداً صارمة حيال الأقطار العربية الأخرى، بدل أن تفتح حدودها الخاصة تجاه أمتها، بينما فتحت الحدود مع الخارج غير العربي، سواء عبر التجارة، أو التبادل الثقافي، أو العلاقات السياسية.

وباختصار، فقد برز وضع جديد، الغرض منه تلبية جملة حاجات، تستجيب لمهام الحفاظ على وضع التجزئة، ولوظائف إعادة إنتاج التبعية، وذلك من خلال إقامة بنى داخل كل قطر تحول دون سير العالم العربي نحو التقدم على طريق وحدته.

إنّ شعار الوحدة العربية، رغم أهميته بالنسبة لقضايا العمل العربي في التاريخ المعاصر، أصبح أكثر صعوبة وتعقيداً. لأنه من جهة أولى، لم يدخل في إطار العمل والإنجاز المتواصل. ولأنه من جهة ثانية، لم ينمُ بشكل واضح ومتدرج. ولأنه من جهة ثالثة، اصطدم بتجارب فاشلة وبتراجعات متوالية. وفي ضوء هذا الواقع ، لم يعد يجدي طرح شعار الوحدة بصيغته العامة، إلا بمقدار ما تكون الصيغ عملية وواقعية، يمكن من خلالها تجسيد الهدف.

لقد دلت التجارب الوحدوية العربية المعاصرة أنّ مطلب الديمقراطية لا يقل أهمية عن الوحدة ذاتها، إذ إضافة إلى كونه مطلباً حيوياً للجماهير، فإنه المحتوى الحقيقي الفعلي للوحدة، وهو أيضا المناخ الذي يساعد على قيامها، ثم على استمرارها وحمايتها بعد أن تقوم. كما دلت على أنّ الوحدة لا تعني الدولة المركزية أو الاندماج الكامل والفوري لأجزاء الأمة العربية. وهكذا فقد تبلورت نظرية التدرج في تشييد الوحدة العربية المستندة على البعدين الاقتصادي والاجتماعي، حيث تستند هذه النظرية إلى أنّ الوحدة، بمنطق التاريخ المعاصر، تقوم على وحدات اقتصادية تمهد لها وتقود إليها، وهذه الوحدات الاقتصادية تتم بداية داخل كل قطر عربي، ومن ثم داخل كل مجموعة إقليمية عربية.

وفي الواقع تفرز المنطقة العربية أربعة تجمعات إقليمية رئيسية، تنبثق من اعتبارات متنوعة تعكس اهتمام أطرافها بمحيطهم الجغرافي المباشر، يقع اثنان منها في الجناح الأفريقي من العالم العربي هما: تجمع وادي النيل، والمغرب العربي الكبير. ويقع الآخران في الجناح المشرقي من العالم العربي هما: التجمع الخليجي، والهلال الخصيب. وبعد كل الأفكار والتجارب الوحدوية، التي عرفتها الأمة العربية في تاريخها المعاصر، تبلورت كتابات وحدوية جديدة، خاصة منذ سبعينيات القرن العشرين ، تتميز بـ " عقلنة الخطاب الوحدوي ". وهي تنطلق من أنّ الكتابات الرومانسية عن الوحدة العربية تساهم في إغناء الوجدان العربي، وتوسع دائرة الحلم العربي، لكنها لا تقيم الوحدة. إذ أنّ التأثير الحقيقي لا يتم إلا بعد فهم معطيات المحيط العربي، بكل متغيراته وثوابته. وهو ما يعني محاولة إنجاز الحسابات السياسية التاريخية والعقلانية، ومحاولة تعميق الوعي بالمصالح والمنافع والخيرات المشتركة.

ويحتل مفهوم الدولة الوطنية/القطرية مكانة هامة في الكتابات الوحدوية الجديدة، باعتبار أنّ تراكم خبرات بناء الدولة الوطنية الحديثة يساعد على إمكانية بلورة رؤية واقعية لكيفيات بناء الدولة القومية الواحدة. وعلى هذا الأساس، فإنّ البناء الوحدوي العربي، المستفيد من التجارب الوحدوية السابقة بما فيها بناء الدول الوطنية الحديثة، يعتبر بمثابة تعاقد قومي جديد، أساسه الخيار الديمقراطي الحر.

إنّ الوحدة العربية ليست عملية قيصرية إكراهية ضد كل الوقائع القائمة في العالم العربي، وإن كانت في جوهرها ثورة على جوانب كثيرة من تلك الوقائع، بل هي خيار طوعي حر وواعٍ يسلكه الأفراد والجماعات بفرادة مدركة لمصلحتها. كما أنّ علاقة الوحدة العربية بالتقدم هي علاقة السبب بالنتيجة، إذ أنّ كلاً منهما سبب للآخر ونتيجة له في آن واحد. فإذا كانت التجزئة محصلة التأخر التاريخي للأمة العربية والأوضاع الإمبريالية التي نشأت عنه، وعامل تكريسه وتعميقه، فإنّ الوحدة هي محصلة التقدم العربي والتحرر من السيطرة الإمبريالية ورافعتهما في آن واحد.

إنّ الروابط المعنوية التي تربط الشعوب العربية، على أهميتها بالنسبة للوحدة القومية، لا تكفي لإقامة البنيان السياسي المؤسساتي للدولة الواحدة. إذ أنّ هذا البنيان يحتاج، بالإضافة إلى العوامل المعنوية، إلى قاعدة مجتمعية مدنية، قائمة على وحدة التفاعل الحياتي والمعيشي، وعلى بنى سياسية ومؤسساتية داخل مجتمعاتها الوطنية، قبل أن تنتقل إلى الكيان القومي الواحد.

كما أنّ التجربة أثبتت أنّ الوحدة العربية ليست عقيدة أو أيديولوجية مغلقة على ذاتها بل هي مفهوم وهدف استراتيجي، يمكن أن تتلاقى على تحقيقه تيارات فكرية وسياسية متعددة. فوحدوية أي برنامج أو ممارسة، لم تعد تقاس بالشعار المرفوع، بل تقاس – أساساً - بمقدار نجاح هذا البرنامج أو الممارسة في إيجاد وقائع وحدوية فعلية على الأرض، تستقطب الجماهير إلى العمل الوحدوي.

مأزق السلطة والتنمية في العالم العربي المعاصر

تعتبر قضية السلطة وأشكالها أحد المعوّقات الهامة التي اعترضت العمل العربي المعاصر، وهي قضية ذات جانبين: أولهما، يتعلق بتركيبة السلطة الموروثة، بقسم منها، عن عهود ما قبل الرأسمالية، والتي تجددت بصيغ مختلفة، حتى في ظل التغيّرات والتحولات التي شهدتها بعض الأقطار العربية. وثانيهما، أنّ القوى القومية التي وصلت إلى السلطة لم تتصدَّ بالقدر الكافي وفي كل الظروف لهذه القضية كمهمة أساسية مطروحة عليها، بالرغم من أهميتها على صعيد تحقيق مهمات الثورة القومية الديمقراطية، بما فيها إنجاز مشاريع التنمية الشاملة، بل أنّ بعضها قد خضع إلى الانقلابات العسكرية التي تحولت إلى أعمال مغامرة مناقضة للتقدم ومجهضة للتطور.

لقد كانت الفترة من أوائل الخمسينيات إلى سنة 1967 مرحلة الأطروحة القومية التي تعززت بالسلطة والدولة، وقد كشفت المؤلفات العديدة للسياسيين القوميين عن المحتوى الواقعي لسلطة الأحزاب القومية، التي مزجت بين التضليل الداخلي والتضليل الخارجي. إذ كانت الأطروحة القومية، في السلطة، تضع نفسها مقابل التنمية ومقابل عصرنة البلاد وبنائها وطنياً. ولذلك فإنها لم تفشل فقط في إنجاز التنمية، وإنما عرقلت قيامها، واتهمت الشروع بها قطرياً بأنه " إقليمية ومصالح قطرية ضيقة ".

وهكذا يبدو أنّ الدولة الحديثة لم تمتد جذورها إلى الأقطار العربية، إذ بقيت السلطة العربية استبدادية واستغلالية في أغلب الأحيان. ويبدو أنّ إحدى المشكلات الكبرى للدولة العربية، التي ظهرت بعد نيل الاستقلال الوطني، أنها لم ترتبط بفكرة الحرية وفكرة العقلانية، بل ارتبطت بفكرة التوازن بين البداوة والدولة، حين مثلت البداوة حرية الأصل السابقة للدولة، ومثلت العشيرة المحافظة على بعض حرية التصرف داخل الدولة.

فلم يكن ظهور الدولة العربية، بعد مرحلة الاستقلال الوطني، نتاجاً لتفاعل التناقضات الاجتماعية وتطورها في صورة تجميعية جديدة، بل كان ظهوراً مصطنعاً وهامشياً، وقد تجلت هامشية دورها حين شرّعت ونظّمت وعمّقت الفوارق بين طاقمها وبين سائر المجتمع. وازداد الأمر سوءاً حين بدا أنّ التربع في سدة الحكم والسلطة لم يُخرجْ أكثر الفئات الحاكمة من فئويتها، بل فاقم هذه الفئوية وغذاها بالموارد التي وضعها الحكم المركزي بين يديها. وهكذا تحولت مرافق السلطة إلى أدوات تدعم مصالح الفئة الحاكمة، ونُظِّمَتِ الحياة السياسية بصورة حالت دون الطعن في مدى شرعية ذلك.

ولذلك فإنّ العالم العربي بقي متأخراً، فلم يستطع السيطرة على موارده ومصيره، وبقيت الفجوة الحضارية التي تفصل بينه وبين المجتمعات المتقدمة واسعة. وقد تميزت الأنظمة الاقتصادية العربية بـ: التبعية، والفجوة بين الأقطار العربية الغنية والفقيرة، والفجوة بين الأغنياء والفقراء داخل كل قطر عربي، وعدم التوازن بين القطاعات الاقتصادية.

إنّ مفهوم التنمية لا يستطيع الإفلات من إطار السياق التاريخي الذي تقع فيه تجربة المجتمع، بمعطياته وبمستويات أدائه ومؤسساته، وبإلحاح التحديات التي يواجهها والأهداف التي يضعها لنفسه. وعليه، فإنّ عملية التنمية كان يجب أن تكون معنية بكل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لأنها تتخطى مجرد تحقيق نمو في الناتج القومي الإجمالي لتشمل عدد من التبدلات الجوهرية في المعطيات والمؤسسات المختلفة، لتجهيز وظائفها لملاءمة اكتساب القدرة الإنتاجية المتزايدة التي تسمح برفع مستوى الإنتاج بشكل متواصل يتيح للمواطنين الحصول على مستويات معيشية وظروف حياة وفرص عمل مرضية.

وعلى ضوء تجربة العقود الخمسة الماضية في الحقل الاقتصادي والإنمائي العربي يتبين أنّ النتائج لم تكن مرضية للشعوب العربية، سواء أكان المعيار هو الإمكانات التي أتيحت أو الطموح المشروع. ويتساءل الكثيرون عما إذا كانت المكاسب الضئيلة التي تحققت كانت تناسب الثمن المدفوع من أجلها. فالخيارات التنموية العربية لم تفلح في تقليص الاعتماد المفرط على الخارج، أو تصحيح التشوه الهيكلي، أو الاختلال في التوازن القطاعي، أو المواءمة بين الجانبين المادي والإنساني للإنماء، أو زيادة مناعة الاقتصاد العربي تجاه تعاظم واتساع الاختراقات الخارجية.

لقد مرت محاولات التنمية العربية بأطوار عديدة مختلفة من قطر لآخر، سواء من ناحية حجم المجهود التنموي، أو من ناحية الممارسات التنموية، أو طبيعة دور الدولة الاقتصادي، أو حتى من ناحية بعض التفاصيل المتعلقة بالغايات المنشودة من التنمية. ومنذ أواسط ثمانينيات القرن الماضي بات واضحاً أنّ جهود التنمية العربية تواجه مأزقاً خانقاً، بفعل الإحباط الذاتي الناشئ عن ظروف التجزئة والتأخر من جهة، وعن قصور أساليب التنمية من جهة أخرى. ولكنّ هذه الأطوار ارتبطت، على الخصوص، بأنماط العلاقة العربية مع النظام الاقتصادي العالمي، وإن لا يمكن الحديث عن نسق واحد في سلوك الحكومات العربية بحكم تفاوت ظروفها وتجاربها.

لقد مثّل " الانتصار" النفطي نقطة تحول تاريخية في الموازين الاقتصادية الدولية. فقد استعادت الدول النفطية سيطرتها على ثرواتها ومواردها النفطية، وحققت تصحيحاً جزئياً في أسعار نفطها الخام. ومما ساعد في فاعلية هذا الإجراء اندلاع الحرب العربية - الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر 1973، واستخدام سلاح النفط العربي في خدمة هذه الحرب.

لقد تدفق المال النفطي سريعاً، بشكل مفاجئ، وبكميات تفوق قدرة الاقتصاديات النفطية على استيعابها في فترة قصيرة. وتكوّن فائض مالي كبير، سارعت الدول المتقدمة الغربية لاستيعابه من خلال قنواتها وشبكاتها المالية والاستثمارية والتجارية. وتم ترويج مشروعات ضخمة، وأنماط استهلاكية لاستنزاف الجزء الأكبر من تلك الموارد. وكان من أثر هذا التدفق المالي أن انتقل الثقل الاقتصادي العربي إلى " شبه الجزيرة العربية "، مغيّراً معه ميزان القوى داخل المجموعة العربية.

ومن ناحية أخرى، فقد تحول النزوح السكاني والهجرة البشرية من الشمال إلى الجنوب، حيث منابع النفط. وأصبح المتغيّر النفطي هو الأكثر تأثيراً في القرار العربي، والمسيرة الإنمائية، ومستوى النشاط الاقتصادي، والعمل العربي المشترك، مما برر تسمية هذه الحقبة بـ " الحقبة النفطية ". ومن الملاحظ أنه في الوقت الذي ينسب للعقد الأول من هذه الحقبة أنه أسهم في رفع معدلات النمو، واتساع نشاط المؤسسات، وإقامة المشاريع العربية المشتركة، فإنه حمل معه العديد من الآثار السلبية التي لحقت بعدد من الدول العربية.

ومما يجدر ذكره أنّ فترة الازدهار النفطي كانت قد عمقت من آثار التحديات التقليدية المتمثلة بالتأخر والتبعية والتجزئة. ولعل أخطر ما أفرزته تلك الفترة هو الازدياد السريع والكبير في التفاوت التنموي والدخل بين الأقطار العربية، وفي داخل كل منها، وازدياد الاختلال الهيكلي قطرياً وقومياً، وتزعزع التوازنات الاجتماعية.

لقد أفرزت فترة الازدهار النفطي اختلالاً واضحاً في التركيب الهيكلي للاقتصاديات العربية، وفي هيكل الطلب الاجتماعي. وكانت حصيلة هذه التغيّرات الهيكلية تحول بعض الاقتصاديات العربية من " اقتصاديات إنتاجية " إلى " اقتصاديات ريعية "، واستمرار بقاء القطاع النفطي قطاعاً علوياً، يكتفي بتحريك النشاط الاقتصادي من خلال الإنفاق القومي بدلاً من التشابك العضوي معه.

ومنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي تراكمت العديد من المؤشرات الخطيرة في تطور الاقتصاديات العربية من أهمها:

1 -
التدهور النسبي في القطاع الزراعي والارتفاع الكبير في نصيب الصناعات الاستخراجية وقطاع الخدمات.

2 -
تخلخل التوازن بين القطاعات والفئات الاجتماعية، وتوسع الفجوة بين الأرياف والمدن.

3 -
انخفاض موقع الصناعة التحويلية في هيكل الإنتاج القومي.

4 -
تركيز الاهتمام بالتنمية المادية وإغفال أهمية التنمية البشرية.

5 -
مهد النفط لمفهوم الدولة الريعية، حيث تمكنت الحكومات من أن " ترشو " قطاعات من المجتمع، بهدف توسيع قاعدة حكمها وسلطتها.

وما أن بلغنا منتصف الثمانينيات، إن لم يكن قبل ذلك، حتى تبين أنّ معظم الآمال التي بنيت في أوائل السبعينيات، على ثروة النفط وانتقال العمالة والمشروعات العربية المشتركة، كانت قصوراً مبنية على الرمال. ولم تكن خيبة الأمل هذه ناتجة عن مجرد أنّ الزيادة في إيرادات النفط قد أصابها الانتكاس في منتصف الثمانينيات نتيجة الانخفاض الكبير في أسعاره، بل ما تبين، مع مرور الوقت، من أنّ زيادة الإيرادات شيء، وزيادة القدرة على استخدام هذه الإيرادات والثروات في تحقيق التنمية العربية على أساس التكامل والشمول ووحدة الخطط والبرامج شيء مختلف تماما.

لقد صحت الأقطار العربية، في أواخر الثمانينيات، لتجد نفسها أمام عالم جديد، لم تهيء نفسها لمتطلباته وتحدياته، سواء بشكل جماعي أو انفرادي. فقد أصبح النظام الاقتصادي العالمي هو الأداة التي تستخدمها الدول الكبرى للهيمنة في المجالات السياسية والاقتصادية، بعد أن استطاعت الرأسمالية تطوير وسائل عملها. وفي ظل الواقع الجديد لم تعد الدول الكبرى معنية بالحوار مع دول الجنوب بشأن قضايا التنمية، بالرغم من عديد القرارات الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة التي اعتبرت التنمية حقاً من حقوق الإنسان والشعوب، وأكدت مسؤولية الدول المتقدمة عن تعزيز جهود العالم النامي بتقديم كافة التسهيلات له لتحقيق تنميته، على أساس المساواة في السيادة، والمنافع المتبادلة، والحقوق المتكافئة.

لقد أسفرت أغلب التجارب التنموية العربية عن نتائج تناقض أهداف التنمية الحقيقية: مزيد من التبعية للخارج، ومزيد من التفاوت في الدخول والثروة بين الناس، وارتفاع في أسعار المواد الأساسية والخدمات ومعدلات التضخم ومعدلات البطالة، وتراجع في الأداء الاقتصادي العام، ومشكلات في الصناعة الحديثة وأسلوب نقل التكنولوجيا، وضعف الاستثمار والادخار، وعدم قدرة الإنتاج الزراعي على سد الفجوة الغذائية، ومحدودية التفاعل والتكامل الاقتصادي بين الأقطار العربية، واستمرار نزوح الأموال العربية إلى الخارج.

بينما أصبحت المديونية إحدى السمات البارزة لأقطار العالم العربي، كما باتت تشكل مصدر قلق لأغلب الأقطار العربية. وقد وصلت المديونية العربية، في أواخر التسعينيات، إلى 375 مليار دولار.

وهكذا، فإنّ الخلل الأساسي في مشاريع التنمية العربية، خلال عقود ما بعد نيل الاستقلال الوطني، تكمن في كونها اندرجت ضمن وظيفة الحفاظ على الكيانات الوطنية/القطرية بالتوازنات السياسية - الاجتماعية التي تقوم عليها السلطات الحاكمة فيها، فكانت المحصلة أن بقي المشروع التنموي العربي عبارة عن مشاريع قطرية متجاورة مستقلة بعضها عن البعض الآخر، لا تخضع لخطط تنموية عربية تتجاوز إطار القطر وتعيد تقسيم العمل فيما بينها على صعيد عربي جماعي.

وفي هذا السياق، يتحمل التيار القومي، خاصة عندما وصلت أجنحة منه إلى السلطة، مسؤولية كبرى فيما آلت إليه الأوضاع العربية. إذ أنّ غياب الديمقراطية كان العثرة الكبرى أمام تحديث الأقطار العربية، والثغرة الأساسية في عدم تقدم الأمة، وفي عدم تحقيق الاندماج الوطني لشعوبها وحريتها ووحدتها. ولعل مسألة الديمقراطية هي من أهم الدروس التي يمكن أن نستخلصها من تاريخ العالم العربي المعاصر، فقد أدى إضعاف دور المواطن وتقليص المشاركة الحقيقية في العملية الإنمائية إلى ضعف الإنجازات التنموية الحقيقية، إذ أنّ التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لا يمكن تحقيقه واستمراره في ظل غياب الإصلاح السياسي، والاستناد إلى قاعدة ديمقراطية أوسع، وتمتع فعال بالحريات السياسية والفكرية.

تونس في 24/8/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

-----------------------------------------------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا