Freitag, 14. August 2009



أوباما وفظائع أبو غريب: مزيد من عار الحنث بالوعود
صبحي حديدي

14/08/2009

قبل أيام صدر، بالإنكليزية، كتاب غاري وينكلر 'معذَّبة: لندي إنغلاند، أبو غريب، والصور الفوتوغرافية التي هزّت العالم'، والذي يروي سيرة المجنّدة الأمريكية بطلة الصورة الأشهر عن فظائع سجن أبو غريب العراقي، حيث تظهر وهي تجرّ سجيناً عراقياً عارياً، مقيّداً من عنقه بطوق جلدي. هي المعذَّبة، بفتح الذال، وليست المعذِّبة التي تعرّف العالم بأسره على سحنتها، وزملائها، حين افتُضحت جرائم الجيش الأمريكي في ذلك السجن، ربيع سنة 2004؛ ليس لأنها لم تمارس التعذيب في يقين وينكلر، بل لأنها كانت بمثابة كبش فداء لقاء تبرئة كبار مجرمي الحرب، في وزارة العدل والبنتاغون والبيت الأبيض ذاته.
وإذا صحّ أنها، وستة من زملائها فقط، دفعوا الثمن بالنيابة عن المذنبين الكبار، فإنّ ذلك الثمن لا يجعل منهم ضحايا تعذيب في كلّ حال، بل يبرهن على شيوع المهزلة في القضاء العسكري الأمريكي، بعد استفحال المأساة في التغطية الأخلاقية لأفعال الجيوش الأمريكية هنا وهناك في العالم. لقد حُكم على إنغلاند بثلاث سنوات سجن، قضت نصفها وأُعفيت من إكمال النصف الثاني؛ وتلك كانت حال شارلز غرينر (خمس سنوات)، إيفان فردريك (أربع سنوات)، جيريمي سيفيتس (سنة، مع الطرد من الجيش)، سابرينا هارمان (صاحبة الصورة الشهيرة بدورها، حيث تقف ضاحكة خلف هرم من الموقوفين العراقيين العراة: ستة أشهر)، جيفال دافيز (ستة أشهر)، وميغان أمبول (الطرد من الجيش).
وفي شهر أيار (مايو) سنة 2004، كانت مجلة 'نيويوركر' الأمريكية قد نشرت، على موقعها الإلكتروني ثمّ في الطبعة الورقية لاحقاً، تحقيقاً مذهلاً للصحافي الأمريكي الشهير سيمور هيرش برهن فيه أنّ انفضاح أخبار الهمجية الأمريكية في ذلك السجن (كما كانت قد ترددت قبل أيام، مدعمة ببعض الصور الأولى، في البرنامج الإخباري 60 Minutes، على قناة CBS) هي الفصل الأوّل من مجلّد خزي رهيب، أشدّ مقتاً وبشاعة وشناعة. وأمّا في ناظر العالم، المراقب لما فعلته وتفعله أمريكا في أفغانستان قبل العراق، فإنّ تلك الهمجية كانت تتجاوز السياسات الأمنية، لتضرب بجذورها عميقاً في باطن ثقافة العنف، ونزعة التفوّق، وتحقير الآخر، وامتهان النفس الإنسانية، وشهوة الإستعباد...
وبالطبع، كما في كلّ سياقات مماثلة، يقتضي الإنصاف التذكير بأنّ هيرش هو المحقق الصحافي صاحب الفضل في تسليط الأضواء على جرائم حرب أمريكية وحشية، مثل مذبحة 'ماي لي' التي ارتُكبت في فييتنام بأمر من الضابط الأمريكي وليام كالي (قرابة 347 قتيلاً من المدنيين الفييتناميين)؛ ونبش حقائق مجزرة الرميلة، التي ارتكبها الجنرال الأمريكي باري ماكيفري غرب البصرة في 2/3/1991 (الجنرال هذا أصدر الأمر الحرفي التالي: 'تدبّروا طريقة تمكنني من ذبح كلّ هؤلاء العراقيين الأوغاد'... المنهارين المهزومين المنسحبين المتراجعين على الأوتوستراد 8 غرب حقل الرميلة)؛ وتفاصيل 'مذكرات التعذيب' الإدارية التي كتبها أمثال جون يو، أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا والمتعاقد مع وزارة العدل، وتضمنت تزويد الإدارة بالمسوّغات القانونية للإلتفاف على اتفاقية جنيف حول تحريم التعذيب.
تحقيق هيرش عن سجن أبو غريب أثبت أنّ الإدارة كانت تعرف، أو هكذا يقول المنطق البسيط، في ضوء التقرير الذي أعدّه العميد أنتونيو م. تاغوبا، وسلّمه إلى البنتاغون أواخر شباط (فبراير) ذلك العام، وانطوى على 53 صفحة حافلة بوقائع رهيبة حول إدارة السجون العراقية في ظلّ الإحتلال الأمريكي. وقال تاغوبا إنه في الفترة بين تشرين الأول (أكتوبر) وكانون الأول (ديسمبر)، سنة 2003، ارتكب الجيش الأمريكي أعمال تعذيب 'إجرامية، سادية، صاخبة، بذيئة، متلذّذة'، سرد التقرير بعضها، هكذا: صبّ السائل الفوسفوري أو الماء البارد على أجساد الموقوفين، الضرب باستخدام عصا المكنسة والكرسي، تهديد الموقوفين الذكور بالإغتصاب، السماح لأفراد الشرطة العسكرية أن يقطبوا جراح الموقوفين الذين يُصابون بجروح جرّاء التعذيب، اللواط بالموقوفين عن طريق استخدام المصابيح الكيماوية أو عصا المكنسة، واستخدام الكلاب العسكرية لإخافة الموقوفين وتهديدهم...
وأثناء صحوة ضمير، أو سعياً إلى تبييض الصفحة، كشف الرقيب فريدريك أنّ تقنيات التعذيب الأخرى كانت تتضمن إجبار الموقوفين الذكور على ارتداء ثياب داخلية نسائية. واللافت، هنا، أنّ الرجل حين استفسر عن هذه الممارسات، قيل له ببساطة: هكذا تريدنا المخابرات العسكرية أن نفعل! تفاصيل من هذا القبيل سردتها أيضاً العميد جانيس كاربينسكي، التي اقترن اسمها بهذه الممارسات لأنها كانت قائد فوج الشرطة العسكرية في العراق، والمسؤولة عن السجون الثلاثة التي ورثها الإحتلال الأمريكي من جلاّدي صدّام حسين. ففي مقابلة مع 'نيويورك تايمز'، قالت كاربينسكي إنّ عناصر المخابرات العسكرية وعناصر المخابرات المركزية هم الذين كانوا يتولون مسؤولية الخلية '1A'، وهي الوحدة الأمنية عالية السرّية التي تشرف على التحقيقات في سجن 'أبو غريب'، وأنّ هؤلاء تمنّوا عليها أن لا تتدخّل في شؤون تلك الخلية، بل أن تمتنع حتى عن دخول أيّ من الزنزانات التي تجري فيها التحقيقات!
التطورات اللاحقة لم تدع أيّ ظلّ للشكّ في أنّ تقنيات التعذيب، سواء في سجن أبو غريب أو في غوانتانامو أو في 'السجون الطائرة'، كانت تٌستخدم بعلم كبار رجال الإدارة: نائب الرئيس ديك شيني، مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس، وزير الدفاع دونالد رمسفيلد، مدير المخابرات المركزية جورج تنيت، وزير العدل بيل اشكروفت، والرئيس جورج بوش نفسه الذي كان على اطلاع تامّ بما يجري، وكان موافقاً عليه. وفي تقرير اللجنة العسكرية التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي، جاء أنّ رمسفيلد أجاز 15 'وسيلة تحقيق حادّة'، وأن نسخة من الوثيقة تلك طُبّقت حرفياً في سجن أبو غريب. وفي ما بعد سوف يقول جاك غولدسميث، رئيس مكتب الإرشاد القانوني في وزارة العدل: 'إذا عذّبتَ فإنّ لديك حجة قانونية للدفاع عن نفسك؛ وإذا تعذّرت تلك الحجة، فإنّ قانون التعذيب لا ينطبق عليك ما دمت تحت راية سلطة الرئيس'!
وإلى جانب سيرة لندي إنغلاند، كانت آخر فضائح القضية أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما ارتدّ عن وعده الإنتخابي، بأن تكون الشفافية القصوى هي سياسته بصدد هذا الملفّ، وقرّر عدم نشر المزيد من صور تلك الفظائع، معتبراً أنها 'ليست مثيرة على نحو خاصّ، إذا ما قورنت بالصور المؤلمة التي نتذكرها من أبو غريب'، وأنّ 'العاقبة المباشرة الاولى لنشرها هي إلهاب الرأي العام الأمريكي وتعريض قوّاتنا العسكرية على مخاطر أكبر'. والحال أنّ هذا ليس رأي العميد المتقاعد تاغوبا (الذي أحالته إدارة بوش إلى التقاعد سنة 2007، بسبب عدم رضائها عن تقريره، رغم أنه سعى إلى تبييض صفحة الكبار)، فهو يعتبر أنّ الصور ليست البتة أقلّ 'إثارة' من تلك التي يلمّح إليها أوباما، إذا لم تكن أفظع! ففي حوار مع صحيفة 'ديلي تلغراف' البريطانية، نشرته قبل أسابيع، قال تاغوبا إنّ الصور التي حظرت إدارة أوباما نشرها تمثّل مشاهد أقدام عسكريين أمريكيين على اغتصاب سجينات، واللواط بسجناء، والإعتداء الجنسي على آخرين باستخدام أدوات مثل المصابيح والأسلاك وأنابيب الفوسفور. وأضاف تاغوبا أن الصور تنطوي على مشاهد تعذيب، وامتهان، واغتصاب، وشتى مظاهر الإنحطاط. إن مجرد وصف تلك الصور مريع في حدّ ذاته، صدّقوني، فكيف بمشاهدتها'!
ويسود الاعتقاد بوجود قرابة 2000 صورة، تمثّل 400 حالة لإقدام المحققين العسكريين الأمريكيين على تعذيب الموقوفين، سعت إدارة بوش إلى حظر نشرها، واليوم تقتفي إدارة أوباما أثرها، بذريعة 'رفع معنويات' الجيش الأمريكي، وطيّ صفحة الماضي، والإنتقال إلى طور جديد. ليست هذه هي فلسفة العدل والقضاء والعقاب في ديمقراطية عريقة ودولة قانون، سيما إذا تذكّر المرء أن قرار أوباما بعدم نشر الصور إنما يعطل، ضمناً، حكماً قضائياً صريحاً قضى بنشرها، كان قد حصل عليه 'الإتحاد الأمريكي للحريات المدنية' سنة 2004، وخلال حملته الإنتخابية كان أوباما قد وعد بأن إدارته لن تستأنف ضدّ ذلك الحكم.
ورغم أنه لا يتردد في وصف وحشية تلك الصور، ويقول علانية: 'لم يعد هناك أدنى شكّ في أن إدارة بوش قد ارتكبت جرائم حرب، والسؤال الوحيد هو ما إذا كان الذين أمروا بالتعذيب سوف يخضعون للمساءلة'؛ فإنّ العميد المتقاعد تاغوبا يشفق على الرأي العام الامريكي من نشر تلك الصور. حتى هيرش، الذي كشف الفظائع منذ البدء، لا يبدو مستعداً للإفصاح عن كل الحقيقة، بخصوص ما تردد عن وجود حالات اغتصاب أطفال، ولكنه قال، في خطاب أمام 'الإتحاد الأمريكي للحريات المدنية'، إنّ أطفال السجينات العراقيات لم يتعرّضوا للإغتصاب، على مرأى ومسمع أمهاتهم، فحسب؛ بل جرى ذلك مع تسجيل بالصوت والصورة، وتلك التسجيلات هي اليوم بحوزة حكومة الولايات المتحدة!
ورغم هذا كلّه، نقلت صحيفة 'لوس أنجليس تايمز' الأمريكية، قبل أيام، أنّ وزير العدل في إدارة أوباما، إريك هولدر، ينوي نفض الغبار عن التكتيك الفاسد ذاته الذي اعتمدته الإدارة السالفة في معالجة ملفات سجن أبو غريب، أي إلقاء التهمة على عاتق حفنة محدودة من 'التفاحات الفاسدة'، لكي يبقى الصندوق سليماً طاهراً نقياً. وأعلن الوزير أنّ التحقيقات في تورط أجهزة عليا، في البنتاغون والمخابرات المركزية، سوف تكون 'ضيقة' النطاق، مقتصرة على 'ما إذا كان البعض قد ذهب أبعد من التقنيات'، المجازة في المذكرات التي صدرت عن إدارة بوش، وسمحت بالتعذيب. ولعل الأمر سوف يقتصر، وفق ما نقلت الصحيفة عن مصدر مطلع من داخل الوزارة، على التعذيب بواسطة الإغراق في الماء، وتحديداً ما جرى سنة 2002 مع السعودي زين العابدين محمد حسين (أبو زبيدة) والباكستاني ـ الكويتي خالد شيخ محمد، لإجبارهما على إقامة صلة بين منظمة 'القاعدة' ونظام صدّام حسين، لتبرير مخطط غزو العراق أمام الرأي العام الأمريكي والغربي.
ولقد بات جلياً اليوم أن تراجع أوباما عن وعوده بتأمين شفافية المعلومات حول سجن أبو غريب، إنما تم بضغط مباشر من رهط الجنرالات المتشددين في البنتاغون، من جهة أولى؛ والحملة الشعواء المتواصلة التي يشنّها ديك شيني، وتحتضنها مختلف وسائل الإعلام الأمريكية بحماس بالغ، من جهة ثانية. ولا ينبغي للمرء أن ينسى حقيقة اصطفاف الحزب الديمقراطي خلف معظم سياسات الرئيس السابق بوش، بصدد غزو أفغانستان والعراق وما سُمّي بـ 'الحملة على الإرهاب'، بما في ذلك التواطؤ على استخدام تقنيات التعذيب، والإبقاء على معتقل غوانتانامو، و'السجون الطائرة'، وسواها.
ويبقى أن من المشروع التساؤل عما إذا كان يجوز للضمير الإنساني أن ينتظر من أي رئيس أمريكي ـ أوباما، أول رئيس أسود؛ مثل أبراهام لنكولن، 'محرر العبيد؛ أو وودرو ولسون، بطل المثالية المؤمن بالتفوق العرقي للبيض ـ أن يرى صندوق التفاح الفاسد برمته، في جذور فساده الأخلاقية والثقافية التاريخية، وليس محض تفاحات فاسدة هنا أو هناك. وهيهات أن تلد الأرحام الأمريكية رئيساً على هذه الشاكلة!

' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
----------------------------------------------
سورية و'الطاعون'
د. عبدالوهاب الأفندي
14/08/2009

(1) لم يكن مستغرباً أن توقف حكومة بنيامين نتنياهو المفاوضات غير المباشرة مع سورية، وتطالب بدلاً منها بمفاوضات مباشرة. فالمعروف أن المفاوضات المباشرة بين سورية وإسرائيل قد أوقفت بعد أن تراجعت حكومة نتنياهو السابقة عن تعهدات زعمت سورية إن حكومة رابين قد أعطتها حول قبول الانسحاب من الجولان. ومنذ ذلك الوقت فإن كل حكومة إسرائيلية جاءت إلى السلطة كانت أكثر تشدداً من سابقتها.
(2)
سورية حققت على ما يبدو عدة نقاط ضد خصومها الإسرائيليين، خاصة عندما أجبرت إسرائيل على الانسحاب من لبنان تحت مطارق حزب الله المدعوم سورياً. ولكن إسرائيل حققت بالمقابل نصراً حين فرض على سورية الانسحاب من لبنان وهي تجرجر أذيال الخيبة بعد مقتل رفيق الحريري في عام 2005، فكانت تلك واحدة بواحدة.
(3)
فيما يبدو أنه قلب للأمور، تريد إسرائيل تجريد سورية من أوراق الضغط القليلة الموجودة بيدها حين تطالبها بالتخلي عن حزب الله وحماس وإيران، دون تعهد بمقابل، مثل الانسحاب من الجولان. وبالتالي فإن سورية لن تستطيع حتى إنجاز اتفاق على نهج كامب دايفيد ووادي عربة تتعهد فيه برفع الراية البيضاء وعدم تكدير صفو إسرائيل بصورة مباشرة أو غير مباشرة مقابل استرداد الجولان. فإسرائيل تريد من سورية أن تبصم على طريقة أوسلو بالتخلي عن كل 'كفاح مسلح' مقابل رضا إسرائيل لا غير. وكما قال نتنياهو من قبل، فإن عرضه لا يوجد فيه الأرض مقابل السلام، بل مجرد سلام مقابل سلام، أي استسلام غير مشروط.
(4)
إسرائيل نتنياهو تستطيع التصرف بهذه الثقة لأن العرب (والسوريين من بينهم) قد أعلنوا بالفعل خلو أيديهم من أي ورقة ضغط يمكن عبرها إجبار إسرائيل حتى على مجرد التفاوض. فالعرب أعلنوا أنهم لن يحاربوا، ولن يستخدموا سلاح النفط، بل حتى ولا سلاح المقاطعة. فلماذا تصدع أي حكومة إسرائيلية رأسها بتقديم تنازلات لا حاجة لها؟ لقد حصلت إسرائيل على السلام فعلاً بدون إعطاء العرب أي شيء.
(5)
الدول العربية لا تستطيع ان تحارب إسرائيل لأنها مشغولة سلفاً بحروب أخرى. فهناك حرب يخوضها كل نظام ضد شعبه، وهناك حروب تخوضها الأنظمة ضد بعضها البعض، أصالة أو بالوكالة عن آخرين.
(6)
النظام السوري تفوق على كل أقرانه في الهمة في محاربة شعبه حتى أخجلهم. فمجرد قيام بضعة مواطنين (والأصح أن يقال رعايا، لأنه لا توجد مواطنة في سورية) بعقد لقاء في شقة أحدهم لمناقشة شأن عام يشكل جريمة يعاقب عليها بالسجن. وقد سمعنا قبل بضع سنوات أن شباباً يافعين بلغوا بالكاد العشرين حكم عليهم بفترات سجن بلغت سبع سنوات لأنهم أنشأوا جمعية لنظافة الشوارع بغير إذن رسمي! هذا لم يكن يحدث حتى في أيام الاستعمار، ولا يحدث في الأراضي المحتلة. فهنيئاً للإخوة بهذا النصر المبين، والإنجاز الذي عجزت عن مثله الامبراطورية الفرنسية ووريثتها الإسرائيلية.
(7)
افتقاد الشرعية الديمقراطية ظل باستمرار كعب أخيل الأنظمة العربية في تعاملها مع إسرائيل، مما يسهل الضغط عليها. إسرائيل تحتج لدى أمريكا وغيرها بأنها لا تستطيع تفكيك المستوطنات خوفاً من سقوط الحكومة، أما العرب فليست لديهم حجة مماثلة. وقد ذكر أحد شهود مفاوضات كامب دايفيد أنه حينما كانت تستعصي الأمور في التحاور مع الجانب الإسرائيلي كان الوسيط الأمريكي يلجأ لأعضاء الوفد المتنفذين للضغط على مناحيم بيغين، أما في الجانب المصري فكان اللجوء إلى السادات الذي يفرض التنازلات على فريقه.
(8)
بالنسبة لإسرائيل فإن التحدي ظل هو الحصول على اعتراف الأنظمة العربية بحقها في الاحتفاظ بما نهبت، خاصة عبر التعامل المباشر مع الحكومات باعتباره أبرز مظاهر الاعتراف و'تطبيع' غير الطبيعي. ولهذا فإن نائب وزير الخارجية الإسرائيلي منح سورية خياراً أوحد: تفاوضوا معنا مباشرة ولا تعاملونا كأننا طاعون. وافعلوا ذلك صاغرين بغير قيد لأن خياراتكم محدودة وأنتم تحتاجوننا أكثر مما نحتاجكم.
(9)
هذا التشدد الإسرائيلي ظل يعطي ثماره، فالعرب عقدوا الاتفاقات غالباً مع أكثر الأنظمة الإسرائيلية تشدداً وعنصرية. ويمكن ببساطة أن يقال ان العرب مسؤولون وحدهم عن تدمير خط الاعتدال النسبي في إسرائيل لأنهم لا يصمدون ما يكفي لإعطاء مبررات للمعتدلين لإقناع الرأي العام الإسرائيلي بضرورة التنازل، بل طفقوا يتسابقون و'يهرولون' في تقديم التنازلات بما يخجل معتدلي إسرائيل ويسحب أوراقهم.
(10)
إن 'المعتدلين' في إسرائيل (إن صح التعبير) يحتاجون إلى 'شركاء' لهم حد أدنى من الصلابة، وليس إلى شركاء ترتعد فرائصهم. فلولا مطارق حزب الله لما استطاع باراك تسويق الانسحاب غير المشروط من لبنان لمواطنيه، ولولا ضربات حماس لما كان كبير الصقور شارون هو مهندس الانسحاب أحادي الجانب من غزة. ولكن لنكن منصفين، لماذا يتنازل نتنياهو عن شبر من الجولان لدولة لا تستطيع حتى حماية منشآتها العسكرية من هجمات إسرائيل بتصريحات نارية، ناهيك عن الدفاع بالسلاح؟
(11)
النظام السوري وأضرابه العرب هم ممن قال عنهم الشاعر إنهم لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل. اللهم إلا إذا كان المظلوم مدنياً سورياً أعزل يجتمع مع إخوانه في شقة دمشقية لمناقشة هموم وطن عجز عن استعادة أرضه المسلوبة. وعليه فإن مطالب إسرائيل بالمفاوضات المباشرة هي مطالب متواضعة، بل يجب أن تطالب الأنظمة العربية بدفع الجزية وإرسال الخراج إلى تل القدس المحتلة، وهو ما بدأ يفعله بعضهم سلفاً تحت أكثر من ستار.
----------------------------------------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا