Donnerstag, 16. Juli 2009



تعليقاً وتعقيبا على قرار محكمة النقض السورية برفضها الطعن.. وتصديقها الحكم على أعضاء المجلس الوطني لإعلان دمشق نسوق مقالة الباحث سلام الكواكبي للمقارنة بين روايتة للحكم الصادر عن قضاء مستقل في بلد متحضر، وبين الواقع المزري لقضائنا المرتهن والتابع للأجهزة الأمنية
ثلاثون يورو مع وقف التنفيذ !


حكمت المحكمة حضورياً على المتهم الفلاني بمبلغ قدره ثلاثون يورو ينطح يورو مع وقف التنفيذ، وأسماه القاضي جلّ قدره، «غرامة مبدئية»، وذلك لأن المتهم اعترض سيارة رئيس الجمهورية الفرنسية حاملاً لوحة صغيرة كتب عليها: «اغرب من هنا أيها الأحمق المسكين». القصة بدأت عندما زار منذ أشهر عدة الرئيس المنتخب حديثاً حينها، المعرض الزراعي الذي تفتخر العاصمة الباريسية باحتضانه سنوياً، والذي يحتوي في ما يحتويه على حشد من المزارعين الذين يمثلون فرنسا الأرياف، فرنسا العميقة، وأحياناً، فرنسا غير المرحبة بالأجانب. وتكون هذه الزيارات عادة فرصة للظهور الإعلامي وإبلاء الشأن الزراعي بعض الاهتمام ضمن حقبة اقتصادية تعاني كل مجالاتها من أزمة تتخطى القطاع الزراعي، وتهمل خصوصاً جانبه الإنساني الذي يمنحه قيمته المضافة، بالمفهوم الرمزي لا المالي بكل تأكيد.
وسبق للرئيس جاك شيراك أن كان من أهم روّاد هذا المعرض، وكان يتلذذ بمداعبة المزارعين في أجنحتهم وبملاطفة أولادهم وبمشاركتهم تذوقهم منتجات الأرض، وكان يرفقها ببعض من النبيذ وكثير من اللمسات على رؤوس الأبقار. وكان أيضاً يعشق مصافحة الجموع مهما طال الوقت المخصص لذلك، بعيداً عن القيود البروتوكولية والأمنية.
أما خلفه المنتخب ديموقراطياً نيكولا ساركوزي، فقد حاول أن يسير على الخطى نفسها، راغباً في اكتساب شعبية يضيفها إلى الشعبوية التي أوصلته إلى سدة الحكم، ولكنه ظهر متوتراً ومنزعجاً على ما يبدو من كثرة «الرعاع» المحيطين به، إضافة إلى مزيج من روائح الروث والأجبان التي يعبق بها المكان... وهو المعتاد على ارتياد المطاعم الفاخرة ومعاشرة أصحاب الرولكس واليخوت من علية القوم، عجماً وعرباً.

ومحاولة منه للتخفيف من توتره، حاول التوجه إلى الناس بطبيعية مفتعلة، ومدّ يده لمصافحة أحد الزائرين، ولكنه لم يطلب قبل قيامه بذلك، «فيشة» عن الرجل، فلم يعرف أنه من معارضي سياساته ومن أعضاء شبكة «تربية بلا حدود» التي تواجه، كمنظمة مجتمع مدني، سياسات الحكومة في ما يخص التعامل مع التلامذة من أبناء المهاجرين. فرفض هذا المواطن الزائر المصافحة صارخاً: «آه لا، لا تلمسني!»، فجاءت ردة الفعل الساركوزية فورية، حين انفعل وقال له «اغرب من هنا أيها الأحمق المسكين.".
.
تصرفٌ رئاسيٌ انتقدته صحف اليمين كما اليسار، معتبرةً إياه خروجاً عن المسموح للرؤساء وضرورة تعاليهم عن الدخول في مهاترات صبيانية، بعيداً عن الحكم سلباً أم إيجاباً على تصرف المواطن (كلمة المواطن لها معنى في بعض الدول، ولله الحمد). ورأت الأقلام التي لا تخشى لومة لائم، أن ردود فعل الرئيس على الطريقة الشوارعية التي تكاثرت في فترة قصيرة، لا تليق بمنصبه، وعليه التمسك بحبال الصبر إن أراد الاستمرار في حكم شعب أقل ما يقال إنه لا يملّ من الشكوى و«النق». فطويت صفحة أخرى من هفوات رئيس الجمهورية، وبقيت وسائل الإعلام مستنفرة تترقب القادمات.
أما صاحبنا الذي طاله حكم المحكمة، فليس هو من رفض المصافحة، بل هو أراد، كما صرّح أمام القضاء، أن يُشير إلى أنه لا يليق برئيس الجمهورية التلفظ بمثل هذه العبارة. وكان المدعي العام، ليس الاشتراكي في هذه البلاد، وليس الثوري أيضاً ـــ إنه «عام» وحسب ـــ قد طلب عقوبة أكبر تصل إلى ألف يورو، مشيراً إلى أنه «عندما نشتم رئيس الجمهورية، فإننا نشتم المؤسسة». ولكن القضاء، غير الاستثنائي، ولا علاقة له بأمن الدولة ولا بأمزجتها، قرر غير ذلك، ورأى أن العقوبة الرمزية كافية لأن المطلوب «تحذير بسيط، وحيث إن المدعى عليه لم يقصد الهجوم والتعدي، ولكنه كان يريد فقط أن يعطي درساً في التهذيب ليس في محله، وكان عليه إن أراد فعلاً توجيه هذا الدرس، أن يذكر قبل الجملة السابقة عبارة تشير إلى أنه «من المعيب قول ما يلي» (...)، وبالتالي، فالمؤسسة غير معنية أبداً.
.
في ما ورد، نقاط عديدة يمكن لها أن تشعر المواطن العربي بالإحباط. فهو عندما يتابع خبراً مثل هذا، إن استطاع للإعلام وسيلة دون حجب وحجاب، فهو يرأف بحاله وبفقدانه لأبسط معايير المواطنة. وما يثير غضبه، هو الذي لا يتمتع بقضاء عادل وبحد أدنى من الحرية في أن يوجه لوماً وليس شتيمة إلى رئيس لجنة الحي في بلدته، أن محيطه القريب مليء بحاملي لواء مناكفة الغرب لأي سبب كان، الذين يرون أن مثالاً كهذا هو لتجميل صورة «الإمبريالية الاستعمارية الرجعية المتهالكة...»، فينبري إلى شاشات تلفزيونات الحكومات (العامة) أو الحكّام (الخاصة)، ليعدد مساوئ هذا الغرب الذي تتفكك مجتمعاته وتتقيد الحريات فيه، مستندين في ذلك إلى مخيلة حافظت على تقاليدها التمويهية منتقلة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين دون أن تنسى المرور في إسلاموآية متيقظة لكل انحلالا الأخلاق في الغرب والنائمة على كل انعدامات الحريات في الشرق.
.
المؤسسات المختلفة في دولة القانون، من قضاء عادل وعادي ونزيه، إلى مجالس منتخبة محلية وإقليمية وبرلمانية، إلى إعلام متنبّه ومتابع مهما اختلفت درجات النسبية، إلى مجتمع مدني يمارس دوره في التعاون أو النيابة عن المؤسسات الرسمية لإدارة بعض أمور العباد أو لممارسة الرقابة على الممارسات والتنويه والتوبيخ والإدانة... كلها وغيرها، تمثّل الهيكل الأساس لبناء دولة تطمح إلى التقدم والنمو الشامل لا الانتقائي، التقدم والنمو اللذين تفيد منهما العقول كما البطون وتُبنى على أساسهما المواطنية والانتماء.
.
ولكي يزيد الإحباط لدى البعض، نُمي إلينا أن المواطن الفرنسي المذكور، قد قرّر أن يحيل القضية إلى محكمة الاستئناف لأنه وجد تعسفاً في الحكم الصادر بحقه، رغم أنه حكم مع وقف التنفيذ. فهو يريد البراءة الكاملة والمطلقة، مقتنعاً بحقه الذي لا يُعلى عليه في أن يعبر عن رأيه في كل ما يخص شؤون البلاد، حتى لو احتاج الأمر لاستعمال الكلام الجارح. وفي حال أنصفه القضاء أكثر مما فعل، فالبراءة ستكون حتماً إدانة عارمة ومتحدية لكل الأنظمة التي تختزل المؤسسات وتستهين بفصل السلطات.

----------------------------------------------------------

مسمار القدومي ونعش فتح
16 - 07 - 2009

كتب: عريب الرنتاوي

لسنا في وضع يؤهلنا للحكم على صدقية ما بات يعرف بـ"محضر القدومي"، نسبة إلى الوثيقة التي أعلنها رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية وقال فيها أن مؤامرة استهدفت حياة الزعيم ياسر عرفات وعدد آخر من قادة المقاومة، نسجت خيوطها بين الرئيس عباس ومحمد دحلان من جهة وأريئيل شارون وشاؤول موفاز من جهة ثانية، وبحضور استخباراتي أمريكي رفيع المستوى في شهر آذار من العام 2004 في منتجعات البحر الأحمر.

لكننا مع ذلك نعرف: (1) أن عرفات لم يقض متزلجا على الجليد فوق جبال سويسرا، بل مسموم في مقاطعته المحاصرة والمدمرة، وعلى يد الموساد الإسرائيلي...(2) ونرجح أن يكون واحدا (أو أكثر) من نشطاء الدائرة الضيقة من مستشاريه ومساعديه قد تورط في مؤامرة اغتياله من الرأس حتى أخمص القدمين...(3) ونذكر بأن كثير مما ورد في الوثيقة دفعة واحدة، سبق لنا أن سمعناه وقرأناه – بالمفرق – وعلى مراحل، بما في ذلك حكاية التخلص من الرجل و"الاغتيال النظيف" و"الشعب الفلسطيني يستحق قيادة أفضل" و"رجل ليس ذي صلة" إلى غير مما كتب وقيل عن مداولات بهذا الشأن جرت بين أطراف المثلث المذكور في المحضر...(4) والأهم من كل هذا وذاك، أن معظم– إن لم يكن جميع - ما ورد في الوثيقة بالمعنى السياسي – لا الأمني – هو البرنامج المعلن لتيار داخل السلطة، سبق أن تمرد على عرفات في غزة، وقبلها حاصره في كامب ديفيد وانضم إلى جوقة الضاغطين عليه، ناهيك عن أن كل ما ورد في الوثيقة قد ترجم لاحقا، باغتيالات واعتقالات وتصفيات، وهو يتحول إلى سياسة رسمية تتحدث عنها رموز السلطة للصحافة العالمية بكل فخر واعتزاز، بل وتدرجه في عداد المكتسبات والمنجزات غير المسبوقة.

نقول ذلك ونحن نستغرب حفلة الردح التي قوبلت بها الوثيقة (المزعومة) من قبل جوقة من المطبلين والمزمرين وأصحاب المصالح، بالرغم من أن صاحبها يتحدث عن محضر، وقد عرضه على أعضاء في اللجنة المركزية قبل ثمانية أو تسعة أشهر، وليس قبل أيام فقط، وصاحب الوثيقة هو أحد القيادات التاريخية في فتح التي كان كثيرون ممن ينهالون عليه اليوم بالشتائم والقدح والذم، يخطبون وده قبل أيام، وليس سنوات، وفي عمان وليس في بيروت أو تونس أو دمشق، وبدل أن تبادر "القيادة المسؤولة" للشعب الفلسطيني إلى فتح تحقيق جدي في هذه المزاعم والاتهامات، لجلاء الغث من السمين، ومعاقبة المتواطئ والخائن ومورّج الأكاذيب والافتراءات، نراها تنهال بالشتيمة وتسارع في تقطيع الأواصر وحسم الخلاف من جانب واحد وعلى طريقة الحروب الاستباقية، بل ومن دون أن تكلف نفسها عناء الإجابة عن أسئلة التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس، ولماذا هذا الصمت، بل ولماذا الصمت عن جرائم أصغر، كان آخرها جريمة اغتيال كمال مدحت في لبنان.
لقد أفضى توقيت إعلان "الوثيقة"، أو بالأحرى الإعلان عنها بعد خمس سنوات تقريبا من وصولها إلى يد صاحبها، إلى إفقادها مصداقيتها تقريبا، سيما وأن مسافة أسبوعين لا أكثر، باتت تفصلنا عن مؤتمر فتح الذي سيعقد في الداخل بالضد من إرادة القدومي بل وفي مواجهته وبغرض تحجيمة هو وحلفائه، لكأن المسألة برمتها قد أدخلت في خانة النكايات والمناكفات وصراعات السلطة داخل فتح والمنظمة، وهذا اضعف الوثيقة وافقدها الكثير من بريقها.

والحقيقة أننا لا نتفق مع كل ما نسب إلى القدومي من مبررات ساقها لتفسير التأخير في نشر الوثيقة، ولا ندري أي شعور كان ينتاب الرجل وهو يشاهد من تآمر مع عدوه على قتل شريك كفاحه ومشوار دربه ياسر عرفات، يخوض انتخابات الرئاسة الفلسطينية قبل أربعة أعوام، ويحظى بثقة الشعب، لا ندري كيف قبل القدومي انتخاب أبو مازن في مناصبه المتعددة، وهو المتيقن بأنه قاتل ياسر عرفات، لا أدري ما الذي عناه القدومي بحديثه عن "قانون المحبة" الذي يعيد لفتح لحمتها ووحدتها قبل أسبوع واحد فقط، ومن عمان وعلى هامش اجتماع اللجنة المركزية الذي جمعه مع "أبو مازن"، وهل يقصد من ضمن ما يقصد "محبة" المتآمرين على حياة "أبو الوطنية الفلسطينية المعاصرة".

الخلاصة أننا أمام مشهد دال على تهالك الحركة الوطنية الفلسطينية وتهافتها، مجسدة على نحو خاص في عمودها الفقري: حركة فتح، واحسب أن هذا الفصل سيسجل في تاريخ الحركة بوصفه المسمار الأخير في نعشها، فإذا كانت اتهامات ترقى إلى مستوى الخيانة العظمى، تصدر عن الرجل الثاني فيها بحق الرجل الأول، تقابلها اتهامات بالخرف والهلوسة والهستيريا تصدر عن رجالات الصف الأول والثاني والثالث بحق الرجل الثاني في الحركة والمنظمة، إذا كانت اتهامات كهذه تمضي من دون وقفة أو تحقيق أو محاسبة أو مساءلة، فمتى تستيقظ الحركة، ومتى تدرك أن البساط قد سحب من تحت أقدامها تماما، وأنها تتحول يوما بعد آخر، إلى مجرد كشوف أسماء على لوائح الرواتب في سلطة تتحول بدورها إلى "صندوق للتقاعد والضمان الصحي والاجتماعي".
وبخلاف ما يعتبره البعض مخاوف من حدوث انشاقات واسعة، عمودية وأفقيه، ويحذرون منه، فإنني أطمئن الجميع بأن أمرا كهذا – على سوئه – لم يعد محتملا ولا مرجحا، فلا حواضن عربية وإقليمية لأي انشقاق، ولا زخم وحيوية لدى أي من فصائل المنظمة، لا فتح ولا فصائل اليسار، تجعلها في وضع يمكنها أو يدفعها للانشقاق، وكل ما سيترتب على هذه الوثيقة / الفضيحة، هو المزيد من الإحباط واليأس والكفر بالعمل الفلسطيني وفقدان الثقة بفتح وقيادتها ومشروعها.

حتى الانشقاقات التي كانت تاريخيا أمرا سيئا، أصبحت اليوم أمرا متعذرا، فما لضرب في ميت إيلام على مايبدو، وليست فتح وحدها من اندمج بالسلطة وتماهى مع حساباتها وأولوياتها وكشوفها، فالفصائل وقعت في الشرك ذاته، وهيهات أن تجد مناضلا فلسطينيا واحدا غير مدرج على كشوف الرواتب، ناهيك عن وسائل "الاحتواء الناعم" التي نجحت السلطة من خلالها في تدجين الفصائل اليسارية والوطنية، حتى بات جسم الحركة الوطنية الفلسطينية عصيا على الاستجابة للعلاج حتى وإن كان بالصدمات الكهربائية والكي بالنار أو الصواعق كتلك التي أنزلها "أبو اللطف" على رؤوسنا جميعا.

-----------------------------------------

هل تعود الشرعية الديمقراطية إلى موريتانيا ؟
عبدالله تركماني


2009 / 7 / 17

بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب ولد الشيخ عبد الله في 6 أغسطس/آب 2008، وبعد التوقيع على اتفاق المصالحة بداكار في 3 يونيو/حزيران الماضي لإنهاء الأزمة التي عصفت بموريتانيا منذ الانقلاب، بفعل تدخل المجتمع الدولي، وخاصة الديبلوماسية السنغالية، وإرغام قائد الانقلاب الجنرال ولد عبد العزيز على القبول بالحل بعد أن ظل يكابر طيلة عشرة أشهر ويعرّض البلد للخطر، حُدد يوم 18 يوليو/تموز الجاري لإجراء الانتخابات الرئاسية، ما يثير مجموعة تساؤلات:
هل سيثبت المجلس العسكري حياده وحرصه على شفافية الانتخابات ونزاهتها ؟ وهل سيبقى دور المؤسسة العسكرية حماية البلاد وعدم التدخل في الشؤون السياسية ؟ وهل يمكن التفاؤل بأنّ عودة الديمقراطية والحكم الرشيد بات قريبا في ربوع موريتانيا ؟ وهل سيتم تأهيل وتفعيل الطبيعة الجمهورية لنظام الحكم السياسي في موريتانيا على أساس من الحكمة والانفتاح في عملية تفاعل وتكامل وتطور واعٍ ومسؤول لخدمة مصالح الشعب الموريتاني ؟ وهل سيتم بناء جسور حقيقية وجادة للحوار الديمقراطي بين مختلف الفاعلين السياسيين ؟ وهل سيقود الصراع الانتخابي التنافسي موريتانيا لوضعية استقرار سياسي أم أنه سيؤجل الأزمة ؟
إنّ رهانات موريتانيا عديدة ومتشعبة بحق، نظراً لحجم التحديات وارتفاع مستوى التطلعات المشروعة لفئات اجتماعية عديدة ظلت خلال العقود الماضية من عمر الدولة تعاني الفقر والحرمان والتهميش. والرهان الأكبر هو ترسيخ الخيار الديمقراطي، الذي يعزز الشرعية الدستورية، ويحقق الاستقرار السياسي، ويوفر الثقة في من يتولون تحديد الخيارات المصيرية للدولة، ويفتح الأفق أمام التنمية الشاملة، بما فيها جذب الاستثمارات العربية والأجنبية.
لقد أكد زعيم المعارضة الديمقراطية أحمد ولد داداه أنّ الاتفاق الذي حصل، برعاية دولية، ليس اعترافاً ضمنياً من طرف المعارضة بالانقلابيين بل هم " أصبحوا مجرد طرف في الصراع السياسي بينما كانوا طرفاً مهيمناً على الساحة الوطنية نتيجة الانقلاب العسكري ".
وفي الواقع، بدأت الساحة السياسية الموريتانية في إعادة التشكل على أسس جديدة، إذ تتميز الانتخابات الرئاسية الحالية عن سابقاتها بأنها: أولاً - تجري في ظل تقاسم السلطة بين القوى السياسية الرئيسية في موريتانيا. وثانياً - الوزن الكبير للشخصيات الرئيسية المتنافسة في هذه الانتخابات، وتقارب حظوظها وإمكانياتها المادية وخبرتها السياسية.
ولكن، ستظل حظوظ العسكريين الحاليين وداعميهم البرلمانيين قوية في كسب الرهان، فقد فرض الجنرال ولد عبد العزيز نفسه على الحالة السياسية باعتباره فاعلاً رئيسياً لا يمكن تجاوزه. ثم أنه يعتبر حاكماً فعلياً للبلاد، يتمتع أمام الناخبين بصفة السلطة ذات الجاذبية المؤثرة جداً لكبار الناخبين الحاسمين أصلاً في أية انتخابات. ولكنه بعد ما تأكد من أنّ الانتخابات أصبحت بالفعل تعددية وتنافسية حقيقية، وأدرك أنّ المكاسب التي حققها في الماضي تحققت بالمجان، باعتباره المصارع الوحيد في الحلبة والكل من المشجعين، أما وقد دخل منافسون جدد إلى الحلبة، فإنّ الاستعراض الفردي لم يعد له معنى في ظل كونه أصبح يواجه أكبر تحالف انتخابي في تاريخ الانتخابات في موريتانيا ضده. ويبدو أنّ الجنرال، المطمئن جداً لعبور الشوط الأول، لا يخشى في منازلة الشوط الثاني شيئاً كصعود زعيم المعارضة أحمد ولد داداه معه لهذا الشوط، لأنّ ذلك لا يعني في هذه الحالة سوى تحالف جميع المرشحين الكبار وراء ولد داداه، الأمر الذي يجعل مهمة الجنرال في الفوز بالشوط الثاني غاية في التعقيد. أما إذا صعد العقيد علي ولد محمد فال، الذي قاد المرحلة الانتقالية 2005 – 2007 بجدارة، معه إلى الشوط الثاني فإنه يعتقد بضمان جيوب عديدة من ناخبي المعارضة، خاصة ذات الخطاب الشعبوي من إسلاميين وقوميين وجماهيريين.
أما المعارضة الموريتانية ستدخل الانتخابات القادمة بقواعد شعبية كبيرة ومؤثرة ومنظمة، لها تاريخ طويل وخبرة جيدة في اللعبة السياسية والانتخابية، وقد أثبتت هذه القواعد جديتها والتزامها السياسي عندما نزلت للشارع منذ أول يوم للانقلاب وحتى آخر يوم قبل التوصل لحل توافقي.
ومن بين الترشيحات برز ترشح ثلاثة من زعماء المعارضة: أحمد ولد داده زعيم حزب تكتل القوى الديمقراطية، أبرز أحزاب المعارضة. ومسعود ولد بلخير، مرشح الجبهة الوطنية للدفاع عن الديموقراطية. وجميل ولد منصور، رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية " تواصل " الإسلامي. وفيما يتطلع المعارض التاريخي العنيد ولد داداه إلى تتويج مسيرته النضالية الطويلة ضد الحكومات العسكرية والاستبداد السياسي بفوز تاريخي يبدو ممكناً إذا استمر في التحالف مع الجبهة المناوئة للانقلاب، فإنه سيكون من الصعب على أي من المرشحين حسم نتيجة الانتخابات لمصلحته في الجولة الأولى، بسبب الانقسام السياسي الحاد داخل البلاد ووجود كتل رئيسة كبيرة. وسيعمل كل مرشح على بناء تحالفات حزبية وأخرى قبلية وجهوية سياسية لضمان البقاء في السباق حتى الدور الثاني المقرر في 1 أغسطس/آب المقبل.
إنّ ما يجري في موريتانيا من حراك سياسي مسؤول يستحق وقفة تأمل من قبل جميع الفاعلين السياسيين العرب، فقد أثبتت النخبة السياسية الموريتانية، بمختلف ألوانها ومعتقداتها، مرونة في حواراتها للخروج من الأزمة الراهنة، كما دحرت الانقلاب العسكري من خلال التمسك بالخيار الديمقراطي. وتبدو أهمية ذلك من الدرس الذي يجب أن يتعلمه الطامعون بالحكم استناداً إلى قوة السلاح، ويجب أن تتعلمه الشعوب بتمسكها بخيار الديمقراطية الذي يمنحها الحق في اختيار حكامها.
ورغم أنّ اتفاق المصالحة في داكار أتاح لموريتانيا تنظيم انتخابات يشارك فيها الجميع، إلا أنه وضع البلاد، كما يرى مراقبون كثر، على فوهة بركان حيث إن أيا من الطرفين المتصارعين لن يقبل فوز الطرف الآخر. فقد لوح الجنرال ولد عبد العزيز بأنه ضحى مرتين لصالح موريتانيا من خلال انقلابين، وهو مستعد للتضحية لمرة ثالثة، وهو ما اعتبره مرشحو المعارضة إشارة لاحتمال تنظيم انقلاب عسكري في حالة عدم فوزه.
أما المعارضة فتعتبر أنّ فوز الجنرال أمر مستحيل، في ظل الوضعية الحالية، من دون أن يمارس التزوير عبر مسؤولي الإدارة المحلية وعبر السفراء والقناصلة الذين عينهم قبل استقالته والذين يدينون له بالولاء. وقد أجمل أحد الكتاب في صحيفة " تقدمي " خلاصة الموقف المنتظر من الانتخابات الحالية بالقول " المعطى المجهول في هذه الانتخابات هو موقف الجيش، هل سيقبل نتيجة الانتخابات ويقف ككل الجيوش الجمهورية خلف الرئيس المنتخب ؟ أم أن حليمة ستعود لعادتها القديمة ؟ ". ثم يجيب: " أعتقد أنّ الشهور الماضية كانت بمثابة درس للمؤسسة العسكرية خصوصاً أمام الرفض الداخلي والدولي المتزايد والجاد للانقلابات ".

-----------------------------------------------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا