Samstag, 27. Juni 2009


راهن الشرق الأوسط: مراجعات قاصرة ونبوءات فاسدة
صبحي حديدي


خصّصت أسبوعية 'تايم' الأمريكية غلاف عددها الأخير للإحتفاء بمرور عشرين سنة على العام 1989، أو 'عام المعجزات' كما سارت تسميته على أكثر من لسان في حينه، واختارت طائفة من الأحداث الفاصلة التي سبقته أو عاصرته، فاشتركت في صناعته، بينها هذه: سقوط جدار برلين، 'الثورة الروسية'، بمبادرة ميخائيل غورباتشيف؛ نداء الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، الداعي إلى تهديم جدار برلين؛ ارتقاء صيغة الإنترنت، على يد تيم برنرز ـ لي؛ أحداث ساحة تيانانمن، في الصين، اجتماع نلسون مانديلا وف. و. دوكليرك، وما أعقبه من إسقاط نظام الأبارتيد في جنوب أفريقيا؛ اغتيال العلامة عبد الله عزام زعيم، أحد أبرز قيادات المجاهدين الأفغان، في بيشاور؛ إنسحاب القوات الفييتنامية من كمبوديا؛ منح جائزة نوبل للسلام على الدالاي لاما، الزعيم الروحي لإقليم التبت؛ موت 92 من مشجعي فريق ليفربول لكرة القدم، في ستاد هلزبورو؛ تجربة الإنصهار البارد، بما انطوت عليه من آمال، وأوهام، حول بدائل الطاقة الشمسية؛ رواية سلمان رشدي 'الآيات الشيطانية'، وفتوى الإمام الخميني؛ ترخيص زواج المثليين للمرّة الأولى، في الدانمرك؛ أولى بذور تلفزيون الواقع، مع مسلسل 'عائلة سمبسون'.

غير أن النبرة، في ما يخصّ الوقائع السياسية، لم تكن احتفائية تماماً، أو بدت بعيدة عن روح الغطرسة التي اكتنفت تغطية 'تايم' ذاتها لتلك الوقائع إياها، في أزمانها؛ كما أنها خلت من بلاغة انتصار الغرب، وانطواء صفحة الحرب الباردة، وإعلان نهاية التاريخ. الواقعية، وحسّ وطأة الراهن، ومسحة لا تخفى من التشاؤم، هي سمات استعادة 'تايم' لوقائع تلك السنة العجائبية، وهي في هذا لا تنفرد عن نغمة الإستعادات التي تسود هنا وهناك في الإعلام الأمريكي، بهدي من ضغط الحاضر على الماضي، وعلى المستقبل أيضاً. وفي هذا نقرأ مقالة الكاتب والمفكر السياسي روبرت د. كابلان، في مجلة 'أتلانتيك' الأمريكية، التي تتساءل: 'إيران، العراق، كوريا الشمالية: ماذا بعد'؛ فتأخذ الإجابة صيغة نعوة صريحة لفلسفة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، حول 'محور الشرّ'.

لكنّ كابلان هذا كان، في خريف 2006، قد زوّدنا بنعوة من طراز آخر: 'البلدان الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط وبلاد فارس لم يكن لها إلا القليل من المعنى قبل القرن العشرين. فلسطين ولبنان وسورية والعراق لم تكن سوى تعبيرات جغرافية غامضة، وأمّا الأردن فلم يكن في الوارد أصلاً. وحين نزيل الخطوط الرسمية على الخريطة، فإننا سنجد رسماً عشوائياً بأصابع اليد لتكتلات سكانية سنّية وشيعية تتناقض مع الحدود الوطنية (...) وإذا كان في الشرق الأوسط جزء يتشابه على نحو مبهم مع يوغوسلافيا السابقة، فإنه المنطقة من لبنان حتى إيران، حيث نواجه انحلال نظام الدولة الذي ظلّ، طيلة عقود، الحلّ الكفيل باضمحلال الإمبراطورية العثمانية'.

هذا اقتباس من مقالة بعنوان 'تحريك التاريخ'، نشرها كابلان في الطبعة الأوروبية من صحيفة 'وول ستريت جورنال' الأمريكية، واستهلها بالزعم أنّ أيّ زعيم منذ نابليون بونابرت لم يعكّر صفو الشرق الأوسط كما فعل ويفعل الرئيس الأمريكي جورج بوش (الابن، طبعاً)؛ وختمها بتشجيع الأخير على المزيد من تهشيم النظام ما بعد ـ العثماني هذا، حيث لن تكون العواقب أشدّ كارثية ممّا جرى بعد تقويض الإمبراطورية السوفييتية. وليس دون فضيلة المصارحة، وإنْ تجرّدت من كلّ قيمة أخلاقية أو حتى نفاقية، أنّ كابلان هتك المسكوت عنه، ولم يتردد في بلوغ الخلاصة التالية، بالحرف: 'بدل الديمقراطية، خير لإدارة بوش أن تستقرّ على نوع من إدارة الحكم اياً كانت، ولنفكّرْ في خرائط العصور الوسطى حيث لم تكن هنالك حدود واضحة، بل مجرّد مناطق غير متمايزة في كردستان وبلاد الرافدين وسواهما، خاضعة للتأثير الفارسي'.

وللإيضاح، أوربما لمزيد من تفصيل مشهد يبدو في حدّ ذاته مكشوفاً مفصّلاً، توقف كابلان عند معيار انهيار البلقان التاريخي الذي تفكك، أو بالأحرى تَبَلْقَن، على مراحل عدّة لا بدّ أن تُختتم بانحلال 'دويلات الباحة الداخلية' مثل سورية والعراق، أو كما عبّر الرجل: سورية الكبرى وبلاد الرافدين. كانت مخاطر العراق ما قبل الغزو الأمريكي تتمثل في استمرار دكتاتور مثل صدّام حسين على رأس 'مجموعة رعاع من السنّة'، وتخيّلوا كيف ستكون الحال مع ارتفاع أسعار النفط وتحوّل النظام إلى قوّة إقليمية غنّية قوية، يتابع كابلان. سورية، من جانبها، سوف تراكم المزيد من الإنقسامات الطائفية والإثنية، وستتفاقم أزمات نظامها الدكتاتوري، ويتسع نطاق الصحوة الدينية في صفوف أغلبيتها السنية، وستنقلب هذه وسواها إلى عوامل شبه مستقرّة، معيقة لأيّ إصلاح ديمقراطي. ما الحلّ، إذاً؟ الغزو العسكري في العراق (كما فعلت إدارة بوش)، وأمّا سورية فإنّ كابلان يسكت عن الحلّ العسكري المماثل، وكأنه يستبطن تفكيك البلد... إلى خرائط العصور الوسطى!

وقبيل انقضاء القرن العشرين، وربما من أجل إلقاء تحية وداع نبوئية على عقده الأخير، كان كابلان قد وضع دراسة مماثلة عن سلام الشرق الأوسط، نشرتها 'أتلانتيك' أيضاً، ونهضت على سلسلة نبوءات واسعة الخيال، متحرّرة بالمطلق من أي وازع في استخدام حقّ التكهن السياسي. وهو اليوم يعيد إنتاج خطوطها الرئيسية دون تغيير يُذكر، وكأنّ كلّ الاحداث الجسام التي شهدتها المنطقة، والعالم بأسره، لم تكذّب أياً من تلك النبوءات. وتجدر الإشارة إلى أنّ كابلان ليس متأملاً عادياً للمشهد الشرق ـ أوسطي، وليس مجرّد كاتب يلقي الخلاصات على عواهنها. لقد مارس ويمارس تأثيراً شبه سحري على كثير من صانعي القرار وراسمي السياسات في الولايات المتحدة، داخل الإدارة وخارجها، طيلة عقود. ومنذ العام 1993 يتربّع على عرش تأويل 'العالم الجديد'، بوصفه واحداً من أكثر الكتّاب جسارة على التفكير في المحظور، وحماساً لصياغة سيناريوهات مستقبلية حول مسير الأرض نحو الكوارث.

وفي ذلك العام كان قد نشر كتابه 'أشباح البلقان' مع سقوط القذائف الأولى في حرب البوسنة، فتلقفته الدوائر المختصة في البيت الأبيض واعتمدته كوثيقة تحليلية للماضي والحاضر والمستقبل. وفي كتابها 'على الحافة'، كادت إليزابيث درو أن تقسم بأغلظ الأيمان أن تخطيطات كابلان هي التي ردعت (نعم: ردعت!) إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، فحالت دون تطبيق سيناريوهات عسكرية أشدّ بأساً في يوغوسلافيا العتيقة. بعد عام واحد نشر دراسة كارثية أخرى، حول أفريقيا هذه المرة، بعنوان 'الفوضى القادمة' اعتبر فيها أنّ القارّة السوداء لم تعد بكراً، ولكنها ساحرة شيطانية حبلى بآلاف الأهوال المرشحة للإنتقال بالعدوى إلى أصقاع العالم المتمدن، وغير المتمدن. ومرّة أخرى تلقفت الإدارة خطّ تفكير الرجل، بل وذهب تيموثي ورث (مساعد الرئيس للشؤون الدولية، آنذاك) إلى حدّ وصف المقال بـ 'الإنذار الهام'، وأخذ يقتبس فقرات كاملة منه كلما توجّب على الإدارة أن تواجه قضية أفريقية.

ولأنّ كابلان سائح نشط في الشرق الأوسط، ولا يمرّ عام دون أن يقطع أصقاع بلداننا بهدف جلاء الغموض وتأويل المستعصي، فإنه بالتالي يعتبر نفسه الأقدر على رصد التبدلات السلوكية والمزاجية التي تعقب التبدلات السياسية والاجتماعية. خذوا وادي النيل على سبيل المثال: لم يعد من قبيل الصواب، في قناعته، القول إن المصريين هم 'طليان العالم العربي'، لأنّ استبدال الفقر الريفي بالفقر المديني جعل المصريين يفقدون الكثير من طبائعهم وأمزجتهم التقليدية، وهم اليوم أكثر حدّة وأقلّ مرحاً، أكثر سوداوية وأقلّ احتمالاً للمشاقّ، أكثر تماهياً مع الخطاب الأصولي وأقلّ وعياً بمتغيرات العصر. أو خذوا مثال إيران: مَنْ يتجوّل اليوم في هذا البلد، بعد زيارة مصر مباشرة، ويجد المساجد شبه خالية، والصحف تنتقد فساد السلطة، والناس تناسوا شعارات عداء أمريكا وأي شيطان أكبر غربي سواها... فإنّ المرء سوف يرتاب في أنّ إيران ـ وليس مصر ـ هي البلد الذي تتمتع فيه الولايات المتحدة بنفوذ أقوى وعلاقات دبلوماسية أطيب!

يهود إسرائيل، من جانبهم، سوف يلعبون الدور ذاته الذي لعبه أجدادهم في الشرق الأوسط زمن القرون الوسطى، أي دور الوسطاء الاقتصاديين بين قبائل وأفخاذ وزمر تتصارع وتتنافس دونما استقرار حول معطيات سلطة واحدة، أو في مركز عمراني محدد متجانس. ويقول كابلان إنّ المجتمع الإسرائيلي يتبرجز أكثر فأكثر، في حين أنّ القشرة العليا من ضباط الجيش تتديّن أكثر فأكثر، فما الذي يستنتجه العرّاف: خير على خير، كما يقول، لأنّ انتقال المجتمع الإسرائيلي خطوة متقدمة على طريق الموقف المادّي من الحياة، وانتقال الجيش خطوة على طريق الموقف الروحي، أمر ليس في صالح إسرائيل وحدها، بل في صالح المنطقة بأسرها. لا كلمة، بالطبع، عن انتقال هذا المجتمع وجيشه، بالتكافل والتضامن، خطوة أثر أخرى على طريق الموقف الهمجي البربري من الفلسطينيين ضحايا الإحتلال.

السلام بين إسرائيل والعرب سوف يجلب (بالرضى أو بالإكراه) المشاريع والإستثمارات المشتركة، وتقاسم الثروات والمياه، والنموّ الاقتصادي، وكل ما يحلم به شمعون بيريس. ولكنّ ذلك كله لن يحرّر الجماهير العربية الغفيرة من وطأة الإنفجار الديمغرافي المقترن بتدهور الحياة السياسية والمؤسسات المدنية، وستحدث المعجزة المزدوجة التالية، حسب كابلان دائماً:
ـ الفئات الاجتماعية العربية التي تحتل مراتب عليا في السلّم الطبقي، سوف تقترب أكثر فأكثر من المواطن الإسرائيلي النموذجي المتوسط (الذي يتمتع برفاه اقتصادي متقدّم على جيرانه)، وسيجري الإقتراب على مختلف المستويات، بما في ذلك الميول السيكولوجية اليومية والثقافية والحضارية؛
ـ الفئات العربية الأفقر سوف تنأى أكثر فأكثر عن التحالف أعلاه، ولن تدور خطوط الإنقسام بين إسرائيل وهذا أو ذاك من الأنظمة العربية، بل بين الجماهير العربية الفقيرة في قطب أوّل، وإسرائيل مضافاً إليها الأنظمة العربية كافة في قطب ثان مقابل.

ههنا يكرّر التاريخ أمثولة البلقان والبلقنة، على نحو معكوس، كما هي حال التاريخ حين يكرر نفسه: مسيحيو الشرق سوف يلاقون المصير ذاته الذي لاقاه مسلمو البلقان. وههنا، أيضاً، سوف تبدأ الأحلام الإثنية القديمة في الاستيقاظ من سبات طويل، ثم تنقلب إلى مشاريع دويلات لا تفلح في تهدئة جنونها سوى نيران الحرب وأنهار الدماء. سورية ستنقسم إلى دويلات، وستلحق بها مصر، ثمّ تركيا وإيران. وعند هذه النقطة من السيناريو ينسى كابلان المعيار الطبقي الذي اتكأ عليه مراراً، وينساق على هواه في تحويل الطبقة إلى حلم إثني، والإنتماء الديني إلى مشروع قومي.

وإذا كانت سيناريوهات كابلان تتناول الشرق الأوسط بوصفه المنطقة المفضّلة لاستصدار نبوءاته، والسلام العربي ـ الإسرائيلي كحاضنة للتغيّرات الكبرى السياسية والاقتصادية والسوسيولوجية؛ فإنّ سيناريوهات أسبوعية 'تايم' لا تنتخب من أحداث المنطقة المشاركة في صنع اعاجيب العام 1989 إلا اغتيال عبد الله عزام وفتوى الإمام الخميني بحقّ سلمان رشدي، متجاهلة كلّ ما مرّ بالمنطقة من أحداث جسام. وبين هذه وذاك، ثمة في الشرق الأوسط كلّ ما يعتمل ويلتهب ويشتعل، فيحرق النبوءات الفاسدة قبل أن يأتي على المراجعات القاصرة!

' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
------------------------------------------------

مشعل إذ يرد التحية لأوباما بمثلها
27 - 06 - 2009

كتب: عريب الرنتاوي

اختار رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل، أن يرد التحية للرئيس الأمريكي باراك أوباما بمثلها وبقدرها، من دون زيادة أو نقصان، وقد حاكت كلمات "خطاب دمشق" الكلمات الإيجابية المحفوفة بالحذر التي تضمنها "خطاب القاهرة"، فعبارة "نعم ولكن" ظلت سيدة الموقف و"الجملة الشرطية" في خطاب أبو الوليد من ألفه إلى يائه:

• "إننا نلمس تغييراً في النبرة والخطاب الأمريكي تجاه المنطقة وتجاه العالم الإسلامي، ونحن رحبنا بذلك، ونقدّر أي تغيير تقديراً موضوعياً....ولكننا لا نُسحر بالخطابات، بل نبحث عن التغيير في السياسات على الأرض".

• "إن الحديث الأمريكي اليوم عن تجميد الاستيطان وعن الدولة الفلسطينية أمر جيد....لكنه ليس جديداً، كما أنه ليس كافياً".

• "نحن وإن رحبنا بالتغيير في لغة أوباما....لكننا بكل وضوح لم نتجاوز هذا الحد طالما بقي التغيير في حدود اللغة".

أما النتيجة التي يخلص إليها مشعل بعد كل هذه الجملة الشرطية، فهي التعبير عن التقدير لـ"لغة أوباما الجديدة تجاه حماس"، باعتبارها خطوة أولى في الاتجاه الصحيح نحو الحوار المباشر وغير المشروط.
نبرة جديدة ولغة جديدة في خطاب خالد مشعل، ولكن من دون مواقف جديدة أو سياسات مغايرة، وهذا بالضبط ما كان فعله الرئيس الأمريكي في القاهرة: نبرة جديدة ولغة جديدة حيال حماس، ولكن مع الالتزام بالمواقف القديمة والسياسات ذاتها، ما يعني أن الطريق ما زال طويلا قبل أن نرى مقاربة جديدة و"خطوة أولى" تصدر من هنا أو هناك، بيد أن ما حصل كفيل بإطلاق العديد من المبادرات والوساطات، وقمين بشحن الهمم وشخذ المخيّلة لاجتراح مخارج وحلول تبني على النوايا الطيبة المتبادلة، وتجسّر الفجوة القديمة المتجددة بين المواقف والمواقع.

مشعل لم يكرس كل خطابه للرد على خطاب أوباما، وإن كان قد خصص جُلّه لهذا الغرض، فالرجل توّج مسار التحولات في مواقف حركة حماس وبرنامجها الوطني، مستلهما بالكامل برنامج منظمة التحرير الفلسطينية ومشروعها الوطني (عندما كانت المنظمة منظمة والبرنامج برنامجا)، برنامج العودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، باعتباره برنامج الحد الأدنى المشترك والمقبول من شعبنا، من دون أن يرهنه أو يقايضه بهدنة طويلة الأمد، ومن دون أن يصفه بالمؤقت والمرحلي، ومن غير أن يحيطه بشروط من نوع عدم الاعتراف بإسرائيل أو غير ذلك.

والحقيقة أن خالد مشعل في خطاب دمشق، اقترب بحماس من منظمة التحرير بالكامل، ليس من حيث تعريفها لأهداف النضال الوطني الفلسطيني وبرنامجه فحسب، بل ومن حيث تحديدها لأدوات هذا الكفاح ووسائله، فهو تحدث عن الحق في مقاومة الاحتلال، وهذا موقف المنظمة من الناحية الرسمية على أقل تقدير، وهو دعا لمزاوجة بين التفاوض والمقاومة، وهذا رأي الغالبية الغالبة من الشعب الفلسطيني بقواه وفصائله الحية، وهو تحدث عن المقاومة كوسيلة وليس كهدف، وعن المقاومة المُبصِرة للتطورات من حولها لا عن مقاومة عمياء.

أحسب أن خطاب خالد مشعل في دمشق، يوّفر بما تضمنه من روحية إيجابية ولغة جديدة ومواقف متطورة، أرضية صلبة لاستعادة وحدة الشعب والمؤسسات والمنظمة والسلطة في فلسطين، إن خلصت نوايا الأطراف وصدقت "مواقفها المعلنة"، كما أحسب أن نظرة منصفة للخطاب بعيون موضوعية لم يضربها "رمد المعايير المزدوجة" كفيلة بالتأسيس لحوار بين حماس والمجتمع الدولي، اللهم إلا إذا كان المطلوب من حماس أن ترفع الرايات البيضاء أمام فريق من الفلسطينيين في الحوار الوطني الداخلي، وأمام إسرائيل في المفاوضات الإقليمية المقبلة، وهذا ما سترفضه الحركة، وسنرفضه معها وإلى جانبها، فالراية البيضاء إن رفعت في سياقات كهذه ستكون إيذانا بهزيمة الشعب الفلسطيني واستسلامه، وليس هزيمة للحركة، وهذا ما نربأ بحماس عنه، وهذا ما رفضه خالد مشعل على أية حال عندما قال: "أنّ أولوية حماس ليس اعتراف الآخرين بها، ولكنْ اعترافهم بحقوق شعبنا وحقه في تقرير المصير
------------------------------------------

يحدثونك عن أوباما
26 - 06 - 2009
كتب: عريب الرنتاوي

يحدثك القادمون من واشنطن، من دبلوماسييين وباحثين وخبراء، عن شخصية الرئيس أوباما ونزاهته وقوة تأثيره، وعن إصراره على "إحداث فرق" في السياسة الخارجية، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط وبالأخص على ساحة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وأنت إذ تتابع بكل اهتمام ما يعرض على مسامعك من آراء وتقديرات وتكهنات، لا تقوى على مغادرة تحفظك القديم، المبني على إرث طويل من الفشل والانحياز والخذلان، وتكتفي بالقول: "Too nice to be true".

من جملة ما تسمع وتعرف أن الرجل تقدم بخطاب انفتاحي جريء وغير مسبوق على العالمين العربي والإسلامي، وهذا صحيح...وأن للرجل مقاربات تراوح بين الحوار والدبلوماسية في التعامل مع معظم ملفات المنطقة المفتوحة والمتفجرة، وهذا صحيح أيضا...وأن الرجل وزّع ضغوطه على العرب (بمن فيهم الفلسطينيين) والإسرائيليين على حد سواء، من دون أن يخص بها جانب واحد، وهذا صحيح كذلك، وأن إدارته وجدت نفسها في اشتباك مع إسرائيل حول ملفي إيران وفلسطين وهذا أمر صحيح أيضا وأيضا.
ومن جملة ما تسمع وتعرف، أن الرجل لم يترك الملفات الحاسمة لربع الساعة الأخير من ولايته، بل شرع في تفتيحها قبل أن يستقر في بيته الأبيض، وأنه كلف مجموعة من الشخصيات السياسيين والمساعدين المشهود لهم بالخبرة والجلد، وإلى حد ما النزاهة، بالتعاطي مع الملفات الأكثر حساسية (جورج ميتشيل- فلسطين، ريتشارد هولبروك لأفغانستان والباكستان)، وعندما وجد أن اختياراته في غير محلها (دينس روس – إيران)، عاجل مرؤوسيه بالتراجع عنها.

من جملة ما تسمع وما لا تعرف، أن الرجل أحدث بمواقفه ومقارباته الجريئة، ما يشبه الهزة الأرضية داخل الإيباك (اللوبي اليهودي اليميني)، وأن ثمة لوبي يهودي صاعد ينافح عن رؤية أوباما وحل الدولتين (لوبي يساري)، وأن ما يقرب من ثلاثة أرباع يهود أمريكا يؤيدن أوباما ويصوتون له، ما يعني أن إسرائيل تكاد تفقد أحد أهم أذرعتها الابتزازية والاستفزازية في العاصمة الأمريكية.
من جملة ما تسمع وما لا تعرف، أن الرجل أحال مجموعة من الخبراء والمستشارين العاملين معه، إلى ما يشبه خلية النحل، لإعداد أفكاره وخططه للمرحلة المقبل، وأن هذه الأفكار وإن كانت لا تبتعد كثيرا من "ورقة كلينتون" إلا إن ما يميزها عنها، هو أنها ستمتلك أقداما تسير عليها، وأذرع قوية تجدف بها في بحر الشرق الأوسط متلاطم الأمواج.
من جملة ما تسمع وما لا تعرف، أن الرجل وفريقه يتحدث عن عملية مجدولة زمنيا، غير مفتوحة على المماطلة والتسويف، لها معايير إنجاز وتوقيتات، وأنه مطلع أتم الاطلاع على مواقف الأطراف ونواياها وحساسياتها، من منها يريد التقدم الجاد على درب الحل النهائي، ومن منها يسعى في التسويف والمماطلة.

أوباما لا يغلق بابا، هكذا يحدثونك عنه، لا في وجه إيران (اقترح حوارا استراتيجيا معها)، ولا في وجه سوريا (أعاد سفيره لدمشق بعد غياب 4 سنوات)، لا في وجه حزب الله ولا حتى في وجه حركة حماس التي اعتمد حيالها لغة مختلفة، بيد أنه لن يكون في وارد تغيير مواقفه من شروط الرباعية الدولية، وإن كان سيكون أكثر تفهما للكيفية التي ستصوغ بها حماس قبولها بهذه المطالب.
أوباما لم يغلق الباب في وجه "الخطة ب" للتعامل مع حكومة نتنياهو، وفي هذا السياق، هناك من يحدثك عن مفاجأة وشيكة، أو بالأحرى ليست بعيدة، من نوع فرط الائتلاف الحالي بانسحاب حزب العمل منه، وإعادة تركيبه بإضافة كاديما وتسيبي ليفني إلى صفوفه، وربما بالذهاب إلى انتخابات مبكرة مع مطلع العام القادم.

ثمة من يذهب أبعد من ذلك في التفاصيل، لكن النتيجة التي تخرج بها ان رياح التغيير في واشنطن أعمق وأشد مما نتصور، وأن الرئيس الأمريكي قرر أن يدخل التاريخ على ما يبدو، ليس من بوابة "أول رئيس أسود" بل وإلى جانب الرؤساء الكبار الذين لم نعد نرى مثلهم كثيرا في عصرنا الحديث، عصر الزعماء المفصلين على مقاس الوجبات السريعة.
قد يكون هذا الكلام مبالغا فيه، وقد تنتهي زوبعة أوباما في فنجان، لكن ما يجب أن لا يفوت عن بال أي منها، حكومات ولاعبين غير "دولاتيين" كحماس مثلا، هو أن ثمة جديد يطرأ على الساحة الدولية، لم تعد معه كثير من المقولات والفرضيات والسياسات القديمة صالحة للاستخدام والتسويق، وأن الأمر بحاجة لمراجعة تنتهي إلى اشتقاق مبادرات وسياسات ومواقف جديدة.

----------------------------------------------
إيران .. إلى أين ؟
الدكتور عبدالله تركماني

حظيت انتخابات الرئاسة الإيرانية، في 12 يونيو/حزيران الجاري، باهتمام كبير على المستويين الإقليمي والدولي، وذلك لما لإيران من أهمية استراتيجية في استقرار منطقة الشرق الأوسط، ولما تمخضت عنه من مفاجآت كثيرة لم تكن متوقعة لدى الكثيرين، مما يثير الكثير من الأسئلة:

ماذا يحدث في إيران ؟ هل هو الإعلان عن سيطرة المحافظين على زمام الحكم ؟ أم أنّ الأمر يتعلق بمنعطف مهم في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية يتمثل في استياء نسبة كبيرة من الإيرانيين من الطريقة التي تدار بها بلدهم ؟ هل يستطيع المحافظون الاستجابة لمطالب الإيرانيين، وخاصة فئة الشباب التي تعاني من البطالة والتهميش ؟ هل أخطأ المحافظون في أجهزة الحرس الثوري ومؤسسات الدولة الإيرانية الحساب هذه المرة ؟ هل هي ثورة مخملية سياسية واجتماعية جامعة ؟ أم هي مجرد احتجاجات ومظاهرات سرعان ما تنقشع وتختفي لتعود الأمور إلى سالف عهدها ؟

يبدو من الصعب التنبؤ باتجاه التطورات في إيران، لأنّ النظام السياسي الإيراني يكتسب بعدين: ديني يتمثل بمؤسسة المرشد الأعلى " ولاية الفقيه "، وسياسي يتمثل بالجمهورية الإسلامية. مما جعل هذا النظام يعيش تناقضا في بنيته بين مركبه " الجمهوري " القائم على سلطة الشعب، ومركبه " الإسلامي " المجسد في ولاية الفقيه.

إنّ رأي الولي الفقيه لا يناقش لأنه " معصوم عن الخطأ "، وقد كان حاسما في خطابه الذي أدلى به في 19 يونيو/حزيران الجاري، عندما أبدى تأييده لنتائج الانتخابات، وشدد على نزاهتها، وحمّل المرشحين الإصلاحيين مسؤولية أية نتائج يمكن أن تترتب عن أية إراقة للدماء في حال حدوث صدامات بين المتظاهرين ورجال الأمن، أي ما يعني بأنّ أفق الإصلاح من داخل نظام الجمهورية الإسلامية مُغلق تماما، وهذه هي حال الأنظمة الشمولية كلها.

وفي اليوم الثاني رد المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي في رسالة إلى الشعب الإيراني " يريد الشعب الإيراني أن يعرف كيف تمت اللعبة ومن قام بلعبها والتخطيط لها، لقد شهد يوم الانتخابات خروجا واسعا عن القانون، وأدعو الناس إلى عدم الاستسلام لهذا المخطط الخطير، وعدم الاستسلام أمام الفساد وخيانة الأمانة لأولئك المسؤولين، والتي ستسفر عن إضعاف دعائم الجمهورية الإسلامية في إيران وتعطي الفرصة للأكاذيب والديكتاتورية ".

لقد فتحت الانتخابات الأبواب لاكتشاف الوجه الحقيقي لإيران، الذي برز في الانقسام الحاد داخل بنية النظام، لدرجة أنّ الحرس الثوري حذر من ثورة مخملية يقودها الإصلاحي مير حسين موسوي، ومعه الرئيسين السابقين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، تستهدف تقييد صلاحيات المرشد الأعلى، والعمل على إجراء تغيير حقيقي في المعادلات القائمة في صلب بنية النظام.

‏ إنّ إيران تواجه أخطر تحدياتها منذ قيام الثورة الإسلامية في عام 1979,‏ مع ظهور طبقة وسطى تحمل رؤية مختلفة للمستقبل‏,‏ تعيش في المدن الإيرانية بعد أن غادرت أصولها الريفية‏,‏ تخنقها الأزمة الاقتصادية‏,‏ وتتطلع إلى حياة أفضل عجزت حكومة الرئيس أحمدي نجاد عن توفيرها برغم فوائض البترول الضخمة التي تحققت لإيران مع ارتفاع أسعاره‏,‏ كما ترغب في مشاركة ديموقراطية أوسع‏,‏ ولا تتعاطف مع السلطة المطلقة لشخص فرد يحكم باسم " ولاية الفقيه " كل مؤسسات السلطة‏,‏ ولا يستطيع أحد أن يراجع مواقفه أو قراراته.

ومن المفارقات الملفتة للانتباه أن إسرائيل تُعَد، بحسب كثير من المحللين، الرابح الأكبر من إعادة انتخاب نجاد، على أساس أنّ فوز موسوي كمعتدل من شأنه أن يخفف من الضغوط الدولية على إيران، من دون أن تكون الأخطار التي تمثلها قد تلاشت أو خفت حدتها، كما أنّ بقاء نجاد سيساعد حكومة نتنياهو على إبقاء خيار توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية.

وسواء ظل نجاد رئيسا أو سقط، وسواء أُخمدت أو استمرت المعارضة، فإنّ إيران عمليا تغيّرت. فإيران الأمس لن تستمر مهما أفرزت الأحداث الحالية: لن يقدر المتطرفون، حتى لو حافظوا على كل الحكم، تجاهل الفريق الضخم الذي يرفض ويعارض أطروحاتهم بما فيها سياساتهم الخارجية.

ولكن، ثمة احتمال أن يتجه النظام إلى مزيد من انغماس الحرس الثوري في الحياة السياسية، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من تفاقم ظاهرة عسكرة السياسة في إيران، وتحول الجمهورية الإسلامية إلى نظام استبدادي تسلطي يسيطر عليه العسكريون. وهو خيار وارد في حال نجاح التيار الإصلاحي في إطالة أمد الأزمة السياسية وفرض خيار إجراء انتخابات رئاسية أخرى جديدة.

وهكذا، يواجه نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحديات حقيقية وحرجة، وبالذات مدى قدرته على احتواء الأزمة من ناحية، ومدى قدرته على التكيّف مع المطالب الجديدة والمتجددة، وعلى الأخص مطالب التغيير. وإذا ما فشل النظام في هذا الاختبار فإنّ العد التنازلي يكون قد بدأ، وأنّ التحدي الحقيقي الذي سيواجه إيران سيكون من الداخل أكثر من كونه خارجيا.


تونس في 21/6/2009 الدكتور عبدالله تركماني

كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 25/6/2009.
------------------------------------------------
قضايا وأحداث 26.06.2009
ظاهرة العنف في الجزائر وإشكاليات تجاوزه
العنف العبثي في الجزائر بين مؤيد ومعارض لمواجهته بالعنف والتعذيبشهدت الجزائر منذ أوائل تسعينات القرن الماضي أشكال تعذيب اشد قسوة ارتكبتها جماعات مسلحة وجهات تابعة لقوات الأمن، غير أن كيفية مواجهتها تعرف خلافات جوهرية عدة بين مكونات المجتمع المدني والحكومة.

ازدادت ظاهرة التعذيب حدة في الجزائر بعد إلغاء الانتخابات التي كادت الجبهة الإسلامية للإنقاذ أن تفوز بها عام 1991. ومن نتائج العنف الذي تلى هذه الانتخابات حالة "رشيدة" التي اغتصبها أفراد من الجماعة الإسلامية المسلحة، ذات توجهات التكفير والهجرة، بعد أن أخذوها من بيت أهلها في قرية تقع أعالي مدينة الأربعاء جنوب غرب العاصمة الجزائر.

التقاليد الاجتماعية تعيق تفهم حالة الضحية

البشير عبد الملك، أحد ضحايا التعذيب وعنف السلطة في الجزائر تروي رشيدة بأنها تعرضت لشتى أنواع الضرب المبرح و الاستغلال الفاحش، وتضيف: "تم التعدي على شرفي، وقُتل أكثر من تعدى علي لاحقا، لكن بعضهم لا زال حيا يرزق ويرفض الاعتذار لي ولمن تعرضن لمثل هذه التعديات أمثالي". ولا تبدو رشيدة على ضوء ذلك مستعدة للمصالحة: " أرفض العفو عمن فعل بي ما فعل، و لا أعترف لا بالمصالحة و لا بالوئام المدني". وتعيش رشيدة اليوم، لدى عمتها، بعيدة عن والديها، بسبب العار الذي تشعر به. وتكمن مشكلتها التي تشكل مأزقا في هذا السياق بتعاطف المجتمع الجزائري معها من جهة، وعدم تفهمه لوضعها بسبب ثقل التقاليد التي تقيده من جهة أخرى. وهي بذلك تُعامل كمتهمة مع أنها بريئة.

ومن أشكال التعذيب أيضا ما تعرّض له البشير عبد المالك من ولاية البيض جنوب غرب العاصمة الجزائر، يقول البشير بأن قوات الدرك عذبته بالكهرباء إلى أن أصيب بالشلل عام 1994، ثم أطلق سراحه بعد أن ثبتت براءته. غير أن أحدا لم يعتذر له حتى الآن، ولم تقبل أية محكمة القضايا التي رفعها بحجة عدم الاختصاص. ويحلم المذكور بأن يجمعه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالمجموعة التي عذبته كي يعفو عنها علنا، بعد أن تعترف بما فعلت به، تماما كما فعل نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا. ويعيش الذكور في وضع صعب للغاية حاليا: "أعيش مع عائلتي بمساعدة حكومية لا تتعدى 3000 دينار "30 يورو" في الشهر وأكاد أتسول كي أعيلها".

محاولات لضمان حقوق الإنسان وفق المعايير الدولية

منظمات حقوق الإنسان في الجزائر أمامها ملفات ضخمة لإنتهاكات حقوق الإنسان يطالب الكثير من الضحايا أمثال البشير الرئيس بوتفليقة بالنظر في أوضاعهم و معاملتهم بالشكل اللائق، لكن الرئيس حزم أمره وقرر استفتاء الشعب في مناسبتين على المصالحة الوطنية كي ينزل المسلحين من الجبال من أجل التصالح والعفو المتبادل والوئام المدني. ويعلق المحلل السياسي ناصر الدين سعدي، على قرارات بوتفليقة بالقول: " لا يمكنه أن يحقق جميع المطالب بالتحقيق في هذه المسألة والنظر في المسألة الأخرى، هناك اتفاقات بالعفو عن مسلحين تم التفاوض معهم، وهناك رجال أمن تقتضي المصلحة عدم كشف هوياتهم، وعلى من تلقى التعويض أن يقبل به، وأن يقبل العفو دون الجلوس مع من عذبه وإلا تحول الوضع إلى فوضى عارمة". هذا على صعيد محاولات إحلال الأمن داخل البلاد، أما على الصعيد الدولي فقامت القيادة الجزائرية بالتوقيع على خمسة اتفاقات مع الأمم المتحدة و اليونسكو تتعلق كلها بحقوق الإنسان والطفل والمرأة.

و انعكست هذه السياسة الدولية داخليا، بجهاز يتبع رئاسة الجمهورية هو اللجنة الاستشارية للدفاع عن حقوق الإنسان، يرأسها المحامي فاروق قسنطيني، ومهمته سماع شكاوى المواطنين الذين يتعرضوا للتعذيب. وقدم قسنطيني تقارير عدة للرئيس الجزائري، نتج عنها قرارات في غاية الرقة على المتهمين، إذ حظّر على مصالح الأمن ضرب أو لمس أي متهم أثناء التحقيق، ويشمل هذا القرار اللصوص والمجرمين والمغتصبين والإرهابيين، أي أن بوتفليقة يحاول نقل ما يطبق في الغرب إلى الجزائر، لكن السؤال هو: هل جلب له هذا الأمر استحسان الشارع بالإجماع؟

صعوبة تفهم الشارع لفكرة عدم تعذيب المجرمين

هناك عدد كبير من المواطنين الذين يرفضون هذا التوجه. فحمزة مثلا، وهو شاب في الخامسة والعشرين من عمره يرى المسألة من زاوية أخرى : "تخيل معي رجلا اختطف ثلاثة أطفال واغتصبهم بعد ذلك ثم قتلهم، وبعد ذلك وجدت مصالح الأمن قبر اثنين، ورفض هو التصريح بالقبر الثالث، هل سنواصل التحقيق مع هذا المجرم بالكلام؟ أنا لا أوافق، يجب أن يعذب كما عذب الأطفال الأبرياء، وعقابه هو أن يتألم كما تألم الأبرياء لا أن يوضع في السجن فقط".

تمثل نظرة حمزة، حالة اجتماعية واسعة الانتشار، إذ ان الجزائريين عامة، لا يرون مشكلة في تعذيب إرهابي يرفض التصريح بمكان تواجد مخبر المتفجرات، التي تستعمل في تدمير الأماكن العامة، وعليه فإن الذين يتفهمون توجه الرئيس المتعلق بعدم تعذيب المجرمين يجدون أنفسهم في ورطة عندما يحاولون إقناع الرأي به. وهذا هو واقع الرابطة الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان، التي يرأسها بوشاشي الذي يقول في هذا السياق: " لابد أن نصل كمجتمع جزائري إلى مستوى احترام حقوق جميع المتهمين، واستجوابهم دون تعذيب، وهذا هو المنصوص عليه في القوانين الوطنية والاتفاقات التي أبرمتها الجزائر مع المنظمات الدولية".

الكاتب: هيثم رباني- الجزائر.

تحرير: ابراهيم محمد
-----------------------------------------------------

تعليقات الصحف الألمانية 26 حزيران/ يونيو 2009

"مؤتمر الإسلام" في ألمانيا، وزيارة المستشارة الألمانية لواشنطن، والوضع في إيران من أبرز الموضوعات التي تناولتها الصحف الألمانية الصادرة اليوم الجمعة.

تناول الصحف الألمانية الصادرة صباح هذا اليوم ـ من ضمن ما تناولته ـ التعليق على "مؤتمر الإسلام" الذي عقد أمس الخميس في برلين، ثم عرجت على زيارة ميركل للولايات المتحدة الأمريكية وطبيعة العلاقة الخاصة بين ميركل والرئيس الأمريكي باراك أوباما، علاوة على التطرق إلى الشأن الإيراني في ظل الأوضاع التي تعيشها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ونبدأ بصحيفة فرانكفورتر ألغيماينه تسايتونغFrankfurter Allgemeine Zeitung التي تناولت بنظرة متفائلة "مؤتمر الإسلام"، إذ كتبت تقول:

"(...) للمرة الأولى في ألمانيا يتم الحديث على مستوى سياسي رفيع مع المسلمين وليس فقط حولهم. وحتى لو كان هناك من المسلمين الذين يعيشون في ألمانيا من لم يشعر بأنه ممثل في هذا المؤتمر، إلا أنه بلا شك شعر بما قاله وزير الداخلية فولفغانغ شويبله من أن 'المسلمين مرحب بهم في ألمانيا'. من ناحية أخرى أظهرت النقاشات الحادة التي سادت المؤتمر، التعددية التي يتسم بها أيضا مجتمع المسلمين المهاجرين في ألمانيا. وبما أن الأهداف التي وضعت لم يكن بالإمكان تحقيقها في ثلاث سنوات، فإنه يمكن اعتبار نهاية هذا المؤتمر بداية مملوءة بالتفاؤل."


وحول أول زيارة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى واشنطن في ولاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما تناولت صحيفة مونشنر ميركور Münchener Merkur طبيعة العلاقات بين ميركل وأوباما، وكتبت:

"نادرا ما كانت هناك في السابق اتصالات مكثفة خلال وقت قصير بين رئيس الحكومة الألمانية والرئيس الأمريكي كما بين ميركل وأوباما، ابتداء بقمة مجموعة العشرين في لندن، ومرورا بقمة الناتو في ستراسبورغ، والقمة الأوروبية في براغ، وزيارات أوباما لبادن- بادن ودريسدن وبوخنفالد في ألمانيا، إضافة إلى المحادثات الهاتفية والمؤتمرات المرئية عن بعد (بالفديو). ومن ينظر إلى ذلك من الناحية الواقعية يظن بأن المستشارة الألمانية تقربت أكثر إلى الرئيس الأمريكي منذ توليه منصبه. لكن رغم أن ميركل تقربت إلى أوباما أكثر من أي رئيس حكومة آخر في العالم، إلا أن الملاحظ هو أن هناك فجوة واضحة بينهما سببها الشك وعدم الثقة الكبيران اللذان يطبعان علاقاتهما."

وحول الوضع المضطرب في إيران وكيفية تعامل الحكومة الإيرانية معه كتبت صحيفة نويه أوسنابروكه تسايتونغ Neue Osnabrücker Zeitung تقول:

"ستظل إيران بعيدة جدا عن أي تغيير في نظامها السياسي، وذلك لعدم توفر المعطيات الأساسية لذلك؛ فالقيادة الإيرانية فقدت مصداقيتها أو حتى إيديولوجيتها، بل وبالدرجة الأولى انحطاط الأجهزة الأمنية. لذا فإن النتيجة الأكثر احتمالا للاضطرابات الحالية التي تشهدها إيران هي أن النظام الحاكم الذي يطمح إلى الاستقرار، سيلجأ من خلال سياسة معتدلة بعض الشيء، إلى التخلي عن مرحلة الثورة الحماسية التي تحمل في طياتها إرهابا فكريا كبيرا وحروبا دفاعية مدمرة ضد قوى أجنبية. وهو إذا نجح في ذلك سيكون قد حقق تقدما."

إعداد: مجاهد عبد العزيز

تحرير: عبده جميل المخلافي
--------------------------------------------------------
إدوارد سعيد والسؤال العلماني

صبحي حديدي
كنتُ، الأسبوع الماضي، ضيف ‘رابطة الإعلاميين العرب’ في برلين، حيث تشرّفت بإلقاء محاضرة عن حياة وأعمال الناقد والمفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد (1935 ـ 2003)، أتيح لي في نهايتها، وعبر طائفة واسعة من الأسئلة التي طرحها الحضور، أن أتعلّم المزيد عن جانب مركزي في شخصية الراحل الكبير: أنه كان، ويظلّ، رجل الأسئلة الجدلية المفتوحة، وليس الإجابات القارّة المغلقة؛ وباعث القلق والتشكك والبحث، وليس حامل الإستقرار والطمأنينة واليقين… تماماً كما أراد لنفسه من نفسه، وأراد لها من الآخرين.
ذلك الحوار البرليني، على اختلاف هواجس المشاركين فيه، بدا لي فصلاً جديداً من سيرورة حوارية اكتنفت عمل سعيد على الدوام، منذ كتاباته السجالية، والإشكالية، المبكّرة وحتى أيامنا هذه، بعد مرور ستّ سنوات على رحيله الفاجع. الدليل الأحدث عهداً هو العمل المميّز الذي حرّره اثنان من كبار أعلام النظرية النقدية المعاصرة، و. ج. ت. ميتشل وهومي بابا، وصدر بعنوان ‘إدوارد سعيد: متابعة الحديث’، لكي يعكس روحية ‘محادثة انقطعت، وزيارة لها تتمة، ورسالة تنتظر جواباً، وسؤال معلّق في الفضاء’، كما جاء في تعريف الناشر (مطبعة جامعة شيكاغو). وللمرء أن يدرك طبيعة الحوار الذي يتمّ استئنافه، إذا استعرض لائحة المشاركين فيه، طيّ صفحات الكتاب: ليلى أبو لغد، دانييل بيرنبويم، عقيل بلغرامي، بول بوفيه، تيموثي برينان، نوام شومسكي، راناجيت جحا، هاري هاروتينيان، ساري مقدسي، عامر مفتي، روجر أوين، غيان براكاش، دان رابينوفيتز، جاكلين روز، وغاياتري سبيفاك.
وفي مطلع الثمانينيات كان سعيد قد طوّر سلسلة مفاهيم جديدة تصبّ في هذه الدائرة، الحوارية النقدية الإنشقاقية، فتحدّث عن ‘النظرية المترحلة’، حيث الأفكار والنظريات تسافر مثل البشر ومدارس التفكير، منطلقة من شهادة ميلاد، ونقطة بدء، ومسار رحيل، وشروط وصول، ومقتضيات رحيل جديد؛ و’النقد الديني’، حيث يجري نسخ الثقافة إلى شعائر وشعائر مضادة، وإلى لافتات مطلقة تلغي أي تمييز جدلي. غير أنّ الأهمّ بينها كان مفهوم ‘النقد العلماني’، الذي استخدمه سعيد في مقالة تمهيدية لكتابه ‘العالم، النصّ، والناقد’، 1983، جاءت بمثابة ردّ فعل شجاع على انحدار النظريات النقدية الأمريكية نحو نزعة تجريدية تقدّس النصّ في ذاته، وتعزله عن محيطاته الاجتماعية والثقافية والسياسية والتاريخية، بل تجعله بديل التاريخ أحياناً.
المفارقة، كما أوضح سعيد، أنّ هذا الميل إلى عدم التدخّل في الشؤون المحيطة بالنصّ الأدبي، كان قد ترافق مع صعود الفلسفة الريغانية، وتكريس نزعة التدخل العسكري في شؤون الشعوب الداخلية، وتعزيز التوجهات اليمينية في مسائل سياسية وفكرية وثقافية شتى.
وكتب سعيد: ‘ليست ممارسة نقدية تلك التي تُشَرْعِن الوضع القائم، أو تلتحق بصفوف طبقة من الكهنة والميتافيزيقيين الدوغمائيين. إنّ كلّ مقالة في هذا الكتاب تشدّد على الرابطة بين النصوص والوقائع الوجودية للحياة الإنسانية، وللسياسة والمجتمعات والأحداث. ذلك لأنّ حقائق القوّة والسلطة ـ فضلاً عن أشكال المقاومة التي يبديها رجال ونساء وحركات اجتماعية، في وجه المؤسسات والسلطات ومراكز الجمود العقائدي ـ هي عينها الحقائق التي تجعل النصوص ممكنة، وتُسلمها إلى قرّائها، وتجلب اهتمام النقاد. وإني أقترح أن تكون تلك الحقائق هي الجديرة بأن تصبح محطّ اعتبار النقد والوعي النقدي’. ولقد قصد وضع تلك الحقائق في صلب الممارسة النقدية، بأشكالها الأربعة السائدة: النقد العملي، كما يتجلى في المراجعات وموادّ الصحافة الأدبية؛ وتاريخ الأدب، كما يُمارس في اختصاصات أكاديمية تدرس الآداب الكلاسيكية وفقه اللغة والحضارات؛ والنقد الثالث القائم على تثمين الأعمال الأدبية، وتأويل مضامينها، ودراسة أشكالها؛ وأخيراً، النقد الذي يستولد النظرية الأدبية، في غمرة اشتغاله على النصوص.
وفي جزء لاحق من مقالته، توقف سعيد عند مثال الناقد الألماني الكبير إريك أورباخ، الذي وجد نفسه، أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، منفياً في مدينة إسطنبول التي توجّب أن تمثّل في نظره ـ كأوروبي يهودي هارب من النازية الألمانية، ومتمرس بالآداب الرومانية ـ شخصية ‘التركي المخيف’، و’الإسلام الرهيب’، والسوط المسلط على الكون المسيحي، وتجسيد الردّة الشرقية الكبرى. لكن أورباخ رأى في المنفى التركي فضاء مختلفاً للعيش والعطاء، ولاح له أنّ النأي عن موطنه ألمانيا هو الذي سيهبه فرصة إنجاز ذلك العمل النقدي الرائع، ‘المحاكاة: تمثيل الواقع في الأدب الغربي’، 1946. أكثر من هذا، يقرّ أورباخ أنّ إنجاز الكتاب لم يكن ممكناً لو أنه بقي في أوروبا، بالنظر إلى حجم ما كان سيخضع له من ضغوطات ناجمة عن شبكات الثقافة الغربية السائدة، المهيمنة عليه والمتقاطعة في وجدانه وبصيرته.
ويستخلص سعيد أنّ أمام ناقد هذا العصر أن يختار بين موقعين: التواطؤ مع الثقافة الطاغية، في مختلف صلاتها بأنظمة القوّة وأنساق السلطة؛ أو النظر، على نحو علماني منفتح ومفتوح، إلى الإنتاج الأدبي في صلاته الوثيقة بالعالم الاجتماعي والسياسي والثقافي. وبين هذا الخيار أو ذاك، ثمة دائماً خطر مسخ المنهج النقدي إلى صنم جامد، وإلى كتلة إيديولوجية صمّاء يمكن أن تقتل في الناقد روح المقاومة والشكّ والموقف العلماني، فتحيل النقد إلى ديانة أو عقيدة. وغنيّ عن القول إنّ حاجة النقد العربي المعاصر إلى هذا الدرس، قبل سواه، ليست ماسّة فحسب؛ بل هي، كذلك، أحد أرقى أشكال الوفاء للمعلّم الكبير الراحل.
---------------------------------------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا