

تحية الى ميشال كيلو
الياس خوري
لم يخرج ميشال كيلو من سجنه نتيجة عرائض الاحتجاج التي وقّعها المثقفون العرب. شرب المثقف الديموقراطي السوري الكأس حتى الثمالة، ودفع ثمن مواقفه المبدئية وشجاعته ثلاثة اعوام من عمره، أمضاها في سجن عدرا. حكاية ميشال كيلو مع السجن تحمل كل الأبعاد الرمزية لعلاقة المثقف بالسلطة في المجتمعات العربية. فهذا المثقف الوطني الديموقراطي المعارض، الذي ناضل طويلا من اجل إحياء المجتمع المدني في سوريا، وجد نفسه في مهجع يضم سجناء الحق العام. وضعوه مع تجار المخدرات واللصوص، كي يضيفوا الى معاناته بعدا جديدا، يتمثل في رفض الأنظمة الاستبدادية العربية اعتبار معارضيها سجناء سياسيين!
كان اعتقال كيلو ثم محاكمته وسجنه اشارة الى ان النظم الاستبدادية ترفض كل نقد، ولا تريد سوى مجتمع الصوت الواحد. وكانت "جريمة" ميشال كيلو الكبرى توقيعه "اعلان بيروت - دمشق، دمشق - بيروت"، الذي دعا الى اقامة علاقات سوية بين لبنان وسوريا.
لم يعد من المجدي تكرار المكرّر حول طبيعة النظام العربي، الذي يصنع سلطة الخوف، مستظلا انظمة الطوارئ الأبدية، التي تحاكم النيات، وتجعل كل مواطن عرضة للشبهات، والرأي الآخر جناية يعاقب عليها القانون. فهذه صارت احدى بديهيات الحياة الثقافية والاجتماعية العربية.
ما اريد التوقف عنده هو فشل المثقفين العرب في التأثير من اجل رفع المظالم عن زملائهم، بحيث صارت بياناتهم اشبه بلزوم ما لا يلزم، وفقدت قدرتها على الفعل ولو في صيغة دفاعية.
نستطيع إرجاع المسألة الى انهيار "ربيع دمشق"، بفعل اليد القمعية التي استخدمها النظام، في ظل ضمور القوى السياسية المعارضة، التي كانت مثخنة بالملاحقة والسجون. كما نستطيع إرجاع السبب الى البلبلة اللبنانية التي اعقبت حرب تموز 2006، حين بدأ المشروع الديموقراطي اللبناني الذي اطلقته انتفاضة الاستقلال يفقد جاذبيته، ويتحول جزءا من الصراع الطائفي الداخلي على السلطة.
هذان السببان ما كانا ليتخذا هذا الحجم لولا التراجع المخيف الذي ضرب مفاصل الحركة الوطنية الفلسطينية، بعد غياب عرفات، بحيث صارت المقاومة حكرا على الاسلاميين، وفقدت القوى العلمانية بوصلتها السياسية، في ظل نظام عربي اعلن ما يشبه الافلاس الشامل. وهذا ما اشارت اليه حرب غزة الوحشية، حين وقفت جميع الأنظمة العربية على شرفة الموت تتفرج على المأساة.
إرجاع العجز الى هذا السبب ليس كافيا، على رغم انه اساسي. فلقد استطاع النظام السوري، عبر الحرب في الاطراف وعبر الاطراف، ان يدّعي لنفسه النصر، وان يستعيد هيبته وقوته، نتيجة الحاجة اليه، كعامل ضبط لمنطقة مهددة بالانفجار في كل لحظة.
لم تشفع للمثقفين السوريين نضالاتهم ومواقفهم الناصعة، في دعم الثورة الفلسطينية، في احلك الظروف، اي حين كان النظام السوري يحاول تطويعها او قتل روحها النضالية، من تل الزعتر الى حرب المخيمات، فذاكرة بلادنا قصيرة. بل ان احد طبائع الاستبداد هو محو الذاكرة.
غير ان هذا التحليل على رغم وجاهته ليس كافيا. ففي الواقع المصري، حيث لا يلبس القمع قفازات مقاومة اسرائيل، نجد ان قدرة المثقفين في التأثير على قرارات قمع الثقافة والمثقفين، وملاحقة الصحافيين، تبدو محدودة جدا، إن لم نقل انها معدومة.
فالنظام المصري الذي يمارس السياسة النقيض للنظام السوري على المستوى الإقليمي، والذي انكشفت مواقفه خلالحرب غزة، يمارس قمعا شبيها بقمع شقيقه السوري، مستخدما خطابا مناقضا، ومع ذلك فإن يده القمعية لا تهتز امام صراخ النخب الثقافية المصرية، وهي تواجه محاولة وأد الثقافة الحديثة، وقمع حرية الكلمة.
المسألة اذاً، تتجاوز الخطاب السياسي المباشر للنظام. وعلى الرغم من اقتناعي التام بأن ازمة الحركة الوطنية في بلاد الشام، في سوريا ولبنان وفلسطين، يجب الخروج منها، من اجل صوغ خطاب ديموقراطي وعلماني جديد ومقاوم، فإن المسألة التي احاول تحليلها، تضرب عميقا في بنية الثقافة، وفي الشعور بالفشل والاحباط، الذي يحجّب المجتمع، ويدفع به الى الاستسلام للاستبداد. سواء أكان ذلك استبداد النظام، ام استبداد القوى الاصولية، ام استبداد امراء الطوائف "الديموقراطي" كما في لبنان.
هذا الاستسلام لا يمكن كسره الا عبر تقديم نموذج جديد للمثقف. وهنا تكمن اهمية ميشال كيلو ورفاقه.
المسألة ليست في الشجاعة او النبل الأخلاقي فقط، بل في اتخاذ قرار واع بالمواجهة، حتى حين تكون الأمور بالغة الصعوبة. وهي مواجهة جعلت كيلو ورفاقه يؤكدون مواقفهم المبدئية الديموقراطية والوطنية. فالديموقراطية لا تعني الاستسلام، بل هي الاساس الثابت لمقاومة الاحتلال، ورفض تحويل العالم العربي الى رجل العالم المريض.
الاستسلام الذليل لا تصنعه الديموقراطية، بل انظمة الاستبداد، لأن المسألة بالنسبة اليها ليست مصلحة الوطن، بل البقاء في السلطة. وهذا ما خبرناه في جميع مراحل الصراع العربي - الاسرائيلي، من حسني الزعيم الى انور السادات.
قرر ميشال كيلو ورفاقه ان يكونوا طليعة تغيير علاقة الثقافة بالمجتمع. ففكرة النهضة التي تبلورت، على شكل فكر توفيقي في مرحلة صعود الحركة القومية، في حاجة الى تأسيس جديد اليوم، يقوم على فكرتي الديموقراطية ورفض الاحتلال والوصاية الأجنبية. وهذه المهمة لا يقوم بها سوى مثقفين يواجهون السجن والمنافي بتفاؤل الارادة وحكمة التحدي.
يعرف ميشال كيلو ان اعوام السجن لم تذهب اهدارا. فلقد كان في سجنه، اكثر حرية من جلاّديه. وهو اليوم يجسد مع رفاقه السجناء، النموذج الحي لما جسّده فرج الله الحلو وحسين مروة ومهدي عامل وسمير قصير وجورج حاوي.
ألم يستشهد سمير قصير لأنه نادى باستقلال لبنان وديموقراطية سوريا وتحرير فلسطين؟
لميشال كيلو ورفاقه تحية حب وتقدير، فبهم يتجدد الأمل، ومن نضالهم نتعلم حكمة الصمود وبلاغة الصبر.
الياس خوري
................................................
ردود أفعال إيجابية على خطاب أوباما
ترحيب دولي بخطاب أوباما ترحيب دولي بخطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي وجهه إلى العالم الإسلامي من القاهرة، الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون يعتبره خطوة حاسمة لتجاوز الانقسامات والترويج للتفاهم بين الثقافات.
بدأت ردود الفعل تتوالى على الخطاب الذي وجهه الرئيس الأمريكي باراك أوباما اليوم الخميس ( 4 يونيو/حزيران 2009) إلى العالم الإسلامي من القاهرة. ففي برلين أعرب وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير عن أمله أن تشهد جهود السلام في الشرق الأوسط دفعة جديدة بعد خطاب أوباما وقال إن الخطاب يعطي "إشارة هامة لضرورة إحراز تقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط"، داعيا طرفي الصراع في الشرق الأوسط إلى عودة المحادثات المباشرة حول عملية السلام.
وأوروبيا فقد اعتبر الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا أن خطاب الرئيس الأميركي "سيدشن صفحة جديدة في العلاقات مع العالم العربي والإسلامي" وفي تسوية نزاعات الشرق الأوسط. وقال سولانا في تصريحات صحافية في بروكسل، نقلتها وكالة الأنباء الفرنسية، "لقد كان خطابا مميزا". وأضاف "لقد وجدت (في الخطاب) الكثير من الأمور التي تحدث عنها الاتحاد الأوروبي منذ بعض الوقت وأنا سعيد جدا للتعبير عنها بمثل هذا الوضوح والإقناع والتميز من قبل رئيس الولايات المتحدة".
بان كي مون: خطاب أوباما " خطوة حاسمة" لتجاوز الخلافات
خطاب أوباما يدشن بداية صفحة جديدة في العلاقات مع العالم العربي والإسلامي.
ووصفت الأمم المتحدة خطاب الرئيس الأمريكي بأنه " خطوة حاسمة" لتجاوز الخلافات. وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون: " أرحب بشدة برسالة السلام والتفاهم والوفاق " التي تضمنها الخطاب. وأضاف بان كي مون أن " كلمة الرئيس أوباما خطوة حاسمة لتجاوز الانقسامات والترويج للتفاهم بين الثقافات، وهو هدف رئيسي للأمم المتحدة ". وأشار الأمين العام إلى أن رسالة أوباما تفتح فصلا جديدا في العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي. وأعرب بان كي مون عن تفاؤله بأن تؤثر تلك الرسالة إيجابيا على جهود إنهاء الصراعات في الشرق الأوسط. وكان أوباما قال خلال خطابه الذي وجهه إلى العالم الإسلامي من جامعة القاهرة : " جئت إلى هنا ساعيا لبداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين في جميع أنحاء العالم تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل ".
إسرائيل تقول إنها تشارك اوباما الآمال في السلام
تفاؤل بأن تؤثر رسالة أوباما للعالم العربي إيجابيا على جهود إنهاء الصراعات في الشرق الأوسط من جانبها أعربت إسرائيل عن أملها في المصالحة مع العالمين العربي والإسلامي، لكنها أكدت أن أمنها هو العنصر الرئيسي في أي عملية سلام. وقالت الحكومة الإسرائيلية، في بيان صدر بعد الخطاب الذي ألقاه أوباما، إنها نشارك الرئيس الأمريكي أمله "في أن يؤذن الجهد الأمريكي ببدء عهد جديد يحقق نهاية للصراع واعترافا عربيا عاما بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي تعيش في أمن وسلام في الشرق الأوسط." وأضاف البيان إن إسرائيل ملتزمة بالسلام وستبذل قصارى جهدها لتوسيع دائرة السلام، لكنها تعتبر أن مصالحها الوطنية هي الأمن أولا وقبل كل شيء.
الرئاسة الفلسطينية: بداية لسياسة أمريكية جديدة
وعلى الجانب الفلسطيني قال الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة إن خطاب اوباما يمثل "بداية أمريكية جديدة ومختلفة ورسالة واضحة للإسرائيليين"، معتبرا في تصريح بثته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) أن "استعداد الرئيس الأمريكي للشراكة والاستماع وبناء الثقة ومواجهة التوتر وحديثه عن معاناة الفلسطينيين وأن الوقت قد حان لبناء الدولة الفلسطينية هو الخطوة الأولى والأساسية والضرورية لبناء سلام عادل وشامل في المنطقة".
(ع.ج.م/ دب أ/ أ ف ب/ رويترز)
تحرير: طارق أنكاي
............................................
قضايا وأحداث 06.06.2009
أوباما وساركوزي يت
فقان بشأن الملف النووي الإيراني ويختلفان حول تركياأوباما وساركوزي متفقان على النووي الإيراني والشرق الاوسط ومختلفان حول تركيافيما أعرب الرئيسان ساركوزي وأوباما عن اتفاقهما بشأن الملف النووي الإيراني وعملية السلام في الشرق الأوسط، أظهر الزعيمان خلافهما بشأن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي الذي يشجعه أوباما ويرفضه ساركوزي.
في محطته الأخيرة ضمن جولة شملت أربع دول في الشرق الأوسط وأوروبا، زار الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، اليوم السبت (6 يونيو/حزيران 2009) فرنسا للاحتفال مع الحلفاء بالذكرى الخامسة والستين لإنزال القوات في نورماندي خلال الحرب العالمية الثانية وهي العملية التي مهدت الطريق أمام الحلفاء لتحقيق الانتصار على قوات ألمانيا النازية.
واجتمع أوباما اليوم بنظيره الفرنسي، نيكولا ساركوزي، حيث ناقشا عددا من القضايا الثنائية والدولية، من بينها أفغانستان وعملية السلام في الشرق الأوسط والعلاقات مع روسيا. وفي الملف النووي الإيراني، حذر الرئيسان في مؤتمر صحفي مشترك عقب اللقاء إيران مجددا من السعي لتطوير أسلحة نووية. وأكد أوباما أن "امتلاك إيران لأسلحة نووية سيكون خطيرا للغاية للعالم بأسره"، مشيرا في هذا السياق إلى أن دولا أخرى في الشرق الأوسط ستتجه إلى تطوير أسلحة نووية أيضا. وأضاف قائلا: "إننا لا نستطيع قبول سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط". ومن جانبه أكد الرئيس الفرنسي أن باريس وواشنطن متفقتان في هذه القضية وأنهما لا يرغبان بوجود انتشار للأسلحة النووية.
عملية السلام في الشرق الاوسط
رؤساء الوزراء الكندي ستيفن هاربر والبريطاني غوردن براون والفرنسي فرنسوا فيون إضافة إلى الأمير تشارلز ممثلا لملكة بريطانيا اليزابيث الثانية، شاركوا أيضا في مراسم الاحتفال ومن ناحية أخرى، أعرب الرئيس الفرنسي عن "اتفاقه التام" مع خطاب الرئيس أوباما في القاهرة وقال إنه ألقى "خطابا مميزا". وأضاف ساركوزي في هذا السياق "لطالما انتظرنا من الولايات المتحدة، أكبر قوة في العالم، أن تتحمل مسؤولياتها لتجنب صدام الحضارات بين الشرق والغرب".
كما أشار ساركوزي إلى أنه لم يسبق في تاريخ البلدين أن شهدا تقاربا كبيرا مثلما هو الحال الآن حول قضايا أساسية من بينها كيفية التوصل لحل الصراع في الشرق الأوسط . وأضاف قائلا: "أخبرت أوباما إلى أي مدى نتفق معه حول قضية إسرائيل وفلسطين؛ أي إلى دولتين تعيشان جنبا إلى جنب". ومن ناحيته، أكد الرئيس أوباما أنه من مصلحة إسرائيل حل الصراع الشرق أوسطي بطريقة سلمية، داعيا الفلسطينيين في الوقت ذاته إلى نبذ العنف والتحريض. وأضاف "لا أتوقع حل مشكلة دامت 60 عاما بين عشية وضحاها، ولكن كما قلت من قبل أتوقع من الجانبين الاعتراف بارتباط مصيريهما"، وذلك وفقا لوكالة رويترز.
اختلاف حول انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي
تباين المواقف بين واشنطن وباريس بشأن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وفيما يتعلق بملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، بدت الخلافات حول هذه المسألة بين واسنطن وباريس واضحة للعيان. إذ صرح الرئيس الفرنسي في المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره الأميركي في كان (شمال غرب فرنسا) بأنهما"متفقان على الهدف (...) وهو أن تلعب تركيا دورها كاملا كجسر بين الشرق والغرب". وأوضح ساركوزي أن "الخلاف يكمن في الإجراءات. فموقف الولايات المتحدة التقليدي يؤيد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. أما موقفي، فلا يؤيد مثل ذلك". وأما الرئيس الأمريكي فقد أقر بأن بلاده لا يمكنها "إملاء الإجراءات المتعلقة بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي". غير أنه أكد أن انضماما كهذا سيكون "مهما" وكرر أن أنقرة "حليف مهم جدا في حلف شمال الأطلسي".
وأوضح أوباما أن ما تتطلع إليه الولايات المتحدة هو تشجيع المناقشات والعملية التي من شأنها أن تسمح لتركيا بأن تشعر بالاطمئنان حول علاقاتها مع فرنسا والولايات المتحدة ومجمل أوروبا. كما أكد أنه لا بد من إبلاغ المسلمين رسالة مفادها "أننا نأمل كثيرا في مشاركتهم في مجتمع دولي سلمي ومزدهر ومندمج اقتصاديا يتطور مع إدماجه الجميع وليس البعض فقط".
(ط.أ/ د.ب.أ/ رويترز/ ا.ف.ب)
تحرير: هشام العدم
.............................................
ثقافة ومجتمع 03.06.
2009ماتياس روه: "نعم للحرية الدينية، لا لقوانين خاصة للأقليات المسلمة"
بعض الخبراء يرى أن جوانب من الشريعة الإسلامية تُطبق بالفعل منذ فترة طويلة في أوروبا دون أن يؤدي ذلك إلى انتهاك "القانون الأساسي" يرى أستاذ القانون والخبير الألماني المعروف في الفقه الإسلامي، ماتياس روه، أن "الشريعة ليست سيناريو من الرعب وأننا لا نفهمها فهما صحيحا"، لكنه رفض في الوقت ذاته مطالب المسلمين في الغرب بقوانين خاصة لتنظيم شئونهم الدينية.
ذكر التقرير الأخير لهيئة حماية الدستور والذي نشر في 19 مايو/ أيار 2009، أن المنظمات الإسلامية في ألمانيا تسعى إلى خلق مجال لأتباعها حتى يتمكنوا من الحياة وفقا للشريعة الإسلامية في ألمانيا، ما أثار بعض المخاوف على المستوى الشعبي.
ويعتقد غالبية الألمان أن تطبيق الشريعة الإسلامية وقوانينها سيؤدي إلى اندثار مبادئ الحرية والمساواة المنصوص عليها في الدستور، حيث أنه بمجرد ذكر كلمة "الشريعة" يتبادر إلى ذهن الألمان الرجم وقطع اليد، رغم أن معظم البلاد الإسلامية لا تُطبق هذه "الحدود" في الوقت الحالي. ولكن في المقابل يرى بعض الخبراء أن جوانب من الشريعة الإسلامية تُطبق بالفع
ل منذ فترة طويلة دون أن يؤدي ذلك إلى انتهاك "القانون الأساسي".مفهوم الشريعة الإسلامية
ماتياس روه، رجل قانون ألماني وباحث في الشئون الإسلامية في جامعة إرلانجين الألمانية ويرى ماتياس روه، أستاذ القانون في جامعة إرلانجين الألمانية والخبير المعروف في الفقه الإسلامي، أن هناك صعوبات سواء بالنسبة للمسلمين أو غير المسلمين في تحديد نطاق مفهوم "الشريعة". وأوضح روه، الذي يترأس رابطة القانون العربي والإسلامي أن هناك مفهومين حاليين لمصطلح الشريعة، وكلاهما يثير بعضا من الحيرة والارتباك عند الحديث عنهما. المفهوم الأولى وهو الأعم والأشمل، حيث يُقصد بالشريعة كل القواعد الدينية والقانونية في الإسلام، أي يشمل التوحيد والعبادات مثل والصيام والحج. أما المفهوم الثاني للشريعة فيرى الباحث الألماني"أنه المفهوم بمعناه الضيق، والذي يثير خوف وقلق الكثيرين، حيث إن الشريعة وفقا للتفسير التقليدي تشتمل على جوانب قانون الأحوال الشخصية والميراث بالإضافة إلى قانون العقوبات الإسلامية".
الإسلام والعنف ضد المرأة
علماء الدين الإسلامي يرون أن القرآن لا يسمح باستخدام العنف ضد المرأة وكان موضوع الشريعة الإسلامية قد أثار جدلا في ألمانيا عندما رفضت قاضية ألمانية دعوى طلاق تقدمت بها مهاجرة مغربية في احدى محاكم فرانكفورت لتطليقها من زوجها بعد ضربه لها. وفي نطقها بالحكم عللت القاضية رفضها لطلب الطلاق الفوري، الذي تقدمت به الزوجة، بقولها "الإسلام يسمح للرجل بضرب زوجته". إلا أن القاضية قد أخطأت، حيث إن موقف علماء الدين الإسلامي في تلك المسألة هو أن القرآن لا يسمح باستخدام العنف ضد المرأة. كما أن الآية الشهيرة في سورة النساء التي يتخذها بعض الرجال حجة لضربهم أزواجهن يتم تفسيرها بشكل مختلف عن المقصود منها.
وفي هذا السياق ترى الطبيبة والحقوقية المغربية أسماء لمرابط أن الآية القرآنية لا تعطي الرجل الشرعية لاستخدام العنف ضد زوجته. وأضافت لمرابط "لا يوجد حديث نبوي يبين أن النبي رفع يده على احدى زوجاته. ونحن نفسر هذه الآية على أنها دعوة للرجل بالانفصال عن زوجته، إذا لم يتفق معها".
ومن الجدير بالذكر أنه تم رفع الحكم الذي صدر في فرانكفورت، لكنه أظهر من جديد أهمية معرفة الشريعة الإسلامية بشكل دقيق، وأوضح روه "أن الشريعة ليست سيناريو من الرعب"، ولا يمكن أن نقول إن "المرأة المسلمة في ألمانيا يجب أن نمنعها من الحياة وفقا للشريعة الإسلامية". كما أن جوانب من الشريعة تمارس بشكل يومي منذ فترة طويلة خاصا المتعلقة بالنواحي المالية والتأمين، بالإضافة إلى ممارسة الشعائر الدينية الأساسية. وأضاف روه أن"مواد الشريعة قابلة بالتأكيد إلى الإصلاح".
المحاكم المدنية تحل محل الشرعية
ويري الباحث الألماني أن الغرب يسعى منذ القرن التاسع عشر إلى الإصلاح في العالم الإسلامي، وتركز الاهتمام كما يرى روه على "العلاقات بين الجنسين وإلغاء مواد قانون العقوبات المتشدد"، وفي هذا الصدد يقول " كان هدفنا في القرن التاسع عشر هو التطوير في العالم الإسلامي، وفقدت المحاكم الشرعية الموجودة آنذاك سلطتها، لتحل محلها محاكم مدنية تأثرت بالقوانين الأوروبية خاصا بالقانون الفرنسي، ولكنها لم تتعرض إلى الجوانب المتعلقة بالميراث والأحوال الشخصية". بيد أن الجدل يدور حاليا،إذا كانت هذه التغيرات متوافقة مع الإسلام أم لا، ولم يتم التواصل حتى الآن إلى نهاية لهذا الجدل. وأضاف الباحث في الشئون الإسلامية "أننا لا نفهم الشريعة الإسلامية فهما صحيحا عندما نقف عند التفسير التقليدي لها".
الأقليات المسلمة في الغرب
: "الفصل بين الدين والدولة يعتبر احدى القيم السامية التي يجب الحفاظ عليها" ويسود في معظم الدول الإسلامية وكذلك في المجتمعات التي يتواجد فيها أقليات إسلامية كبيرة مثل الهند ما يسمى "بالانقسام الديني القانوني". وهذا يعنى أن الدستور والنظام القانوني في تلك المجتمعات هو نظام دنيوي، بنما تظل الأحوال الشخصية مثل قوانين الزوج والإرث خاضعة للدين وشأن داخلي للأقليات المسلمة. ويطالب المهاجرون العرب والمسلمون في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وهولندا بأن يسمح لهم بتطبيق مبادئ الشريعة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية الخاصة بهم.
ويرى روه أن هذا المطلب "غير مقبول"، حتى نتجنب مشكلة "ازدواجية القانون"، وأضاف أن"إنشاء محاكم الزواج الإسلامية في كندا، التي أُقيمت للتجربة، لم تسفر عن مزيد من الحرية". لكن في المقابل يرى الباحث الألماني أنها "أدت إلى مزيد من الضغوط على المرأة المسلمة" ووصف ما حدث في كندا "بالتطور غير السعيد". وأضاف أنه من المهم أن نوضح الإمكانيات المتاحة أمام المسلمين في ظل القوانين الأوروبية السائدة، والتي تسمح بالحرية الدينية، لممارسة أنشطتهم.
يذكر أن معظم الكنديين من ذوي الخلفية الإسلامية قد أبدوا رفضهم لمحاكم الطلاق الشرعية. ويرى روه أن المطالب المنادية بقوانين خاصة للمسلمين في أمريكا وانجلترا وهولندا تقف ورآها جماعات سياسية على صلة بجماعات متشددة في العالم الإسلامي. وخلص الباحث الألماني في النهاية إلى القول "نعم للحرية الدينية، لا لقوانين خاصة وفقا للانتماءات الدينية" وأكد على "أن الفصل بين الدين والدولة يعتبر احدى القيم السامية التي يجب الحفاظ عليها".
مارتينا سابرا/ ناصر علي
تحرير: هشام العدم
........................................