الإنتخابات الإيرانية والبحث عن بدائل هوية منشطرة
صبحي حديدي
19/06/2009
أياً كان الاختلاف حول طبيعة الملابسات التي اكتنفت الإنتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة، فإنّ المتغيرات التي سبقتها وأعقبتها، وبالتالي صنعت خصوصيتها بالقياس إلى جميع الرئاسيات التسع الماضية، ليست محلّ اختلاف كما يلوح: إيران قبلها كانت في حال، وإيران بعدها ينبغي أن تصير في حال أخرى جديدة. وملايين الإيرانيين الذين تظاهروا في طهران (لعلّهم سيتظاهرون في مدن أخرى ابتداءً من اليوم، في ضوء ما سيقوله المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، آية الله محمد علي خامنئي، في خطبة صلاة الجمعة)، لم تعد أغراضهم في النزول إلى الشارع تقتصر على تأييد الرئيس الفائز أو المرشحين الخاسرين.
لقد صار الإحتقان في الشارع يدور حول صيغة الجمهورية الإيرانية الثالثة، بعد الأولى التي أطاحت بالشاه في شباط (فبراير) 1979، والثانية التي تبلورت ـ حسب تشخيص آية الله الخميني نفسه ـ بعد أشهر من احتلال السفارة الأمريكية في طهران: هل ستسير على نهج أمثال محمود أحمدي نجاد، ومحمود هاشمي شهرودي رئيس السلطة القضائية الإيرانية، ويد الله جواني (رئيس المكتب السياسي للحرس الثوري الذي هدّد، قبيل الإنتخابات، بسحق كلّ 'ثورة مخملية'، حتى إذا كانت خضراء اللون!)، على اختلاف اجتهاداتهم؛ أم تقتفي درب الإصلاحات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما يقترحها أمثال محمد خاتمي ومير حسين موسوي ومهدي كروبي، على اختلاف برامجهم، هنا أيضاً؟
وبمعزل عن التباين الجلي في الشعار الرئيسي للمتظاهرين المؤيدين لموسوي (الذي يقول: 'أين صوتي؟')، ونظيره الشعار الأكثر شيوعاً في التظاهرات المؤيدة لأحمدي نجاد (ويقول: 'نحن في طاعة القائد'، والمقصود خامنئي، بالطبع)، فإنّ المناخ العامّ لا يوحي برفض حالٍ قائمة أو التمسك بها، بقدر ما يشير إلى أن تبدّل المزاج الشعبي صار أمراً واقعاً على الطرفين. ذلك لا يعني البتة أنّ المتغيرات الراهنة منقطعة الصلة عن الماضي، البعيد منه والقريب، ففي الصفّ الإصلاحي، ثمة ما يذكّر بأجواء الشارع الإيراني سنة 1953، حين خرجت إلى الشارع حشود جماهيرية هائلة دفاعاً عن رئيس الوزراء محمد مصدق، ضدّ الشاه؛ وفي الصفّ الآخر، وبعيداً عن أيّ توصيف تعميمي يضع جميع الشرائح في سلّة واحدة، ثمّة ما يذكّر بكلّ التظاهرات المضادة التي واجهها مرشحو الرئاسة الإصلاحيون على امتداد الإنتخابات السابقة.
هل ينطوي هذا التناظر على تناقض، سياسي أو عقائدي أو حتى سوسيولوجي؟ إذا جاز الحديث عن تناقض من أيّ طراز هنا، فإنه لن يكون إلا من طينة التناقض الذي يدفع اليوم رجلاً مثل علي أكبر محتشمي (مؤسس الحرس الثوري، والمشرف على تأسيس 'حزب الله' في لبنان، والسفير الإيراني الأسبق ـ والأهمّ، حتى إشعار آخر ـ في سورية) إلى المطالبة بلجنة عليا للتحقيق في... تزوير الإنتخابات الرئاسية الأخيرة! وإذا كان محتشمي قد تغيّر، وسبحان مَن لا يتغيّر، ومثله تفعل زهراء إشراقي حفيدة آية الله الخميني (التي اعتُقلت بسبب احتجاجها على تزوير الإنتخابات)، أو يفعل مير حسين موسوي نفسه (رئيس تحرير صحيفة 'جمهوريي إسلام'، وصاحب المقالات النارية ضدّ خصوم الثورة الإسلامية، والفتى المدلل عند الإمام الخميني، ورئيس الوزراء طيلة الحرب العراقية ـ الإيرانية، بل آخر رئيس وزراء إيراني)؛ فلماذا لا يدبّ التناقض في قلب شارع الثورة الإسلامية، مثل رجالاتها؟ ولماذا، في استعادة القول المأثور، لا تأكل الثورة بعض أبنائها؟
وصاحب هذه السطور ليس من المؤمنين بأنّ أحمدي نجاد قد سرق الفوز من حسين موسوي، رغم أنّ مؤشرات وقوع بعض التزوير ليست صارخة وجلية فحسب، بل هي مخجلة إذْ تصدر عن جهة يتوجّب أنها تعمل وفق مبدأ الحديث النبوي الذي يقول: مَن غشّنا ليس منّا. وفي الحديث عن التزوير، لعلَ من الخير أن نترك جانباً حكاية الرسالة المثيرة التي يتداولها أنصار موسوي على نطاق واسع (ومفادها أنّ وزارة الداخلية كتبت إلى خامنئي، ليلة إغلاق صناديق الإقتراع، تبلغه بأنّ موسوي فاز في الإنتخابات، وتطلب رأيه في ما يتوجب فعله بالنظر إلى أنّ توجيهات المرشد الأعلى كانت تحثّ على القيام بكلّ ما يكفل فوز أحمدي نجاد)، لأنها قد تكون مزوّرة، ببساطة. ليس منطقياً أن تتراسل الوزارة مع السلطة الأعلى في إيران، عن طريق موظف مفوّض من وزير الداخلية صادق محصولي؛ وليس معقولاً أن تُناقش مسائل حساسة كهذه، على مستوى مراسلات خطية بيروقراطية؛ وليست مقنعة، أخيراً، الأرقام التي تنصّ عليها الرسالة: 19 مليون صوت لموسوي، و13.3 لمهدي كروبي، و5. 6 لأحمدي نجاد، و38.716 لمحسن رضائي).
براهين التزوير الملموسة يمكن العثور عليها في حجم التصويت الذي ناله المرشح الثالث، كروبي، في مناطق تدين له بالولاء الصريح. فهل من المعقول أن يخسر كروبي في مسقط رأسه، لورستان، وبفارق يبلغ 65' لصالح أحمدي نجاد؟ وكيف حدث أنه، هو الذي كاد أن يهزم أحمدي نجاد في انتخابات 2005، وانتهى الفارق بينهما إلى 700 ألف صوت فقط، وصوّتت له معظم الولايات الغربية بمعدّل 20' ضدّ خصمه؛ يُهزم اليوم في الولايات ذاتها، بمعدّل... 110' لصالح أحمدي نجاد؟
بعد الإقرار بأنّ المنطق البسيط يشير إلى أنّ التزوير لا يمكن أن يغيب عن نتائج كهذه، فإنّ المنطق ذاته يدفع إلى الإقرار بأنّ شعبية أحمدي نجاد ليست ضئيلة أو محدودة بالقياس إلى خصومه، وبالمقارنة مع موسوي بصفة خاصة، بل لعلّ ما يحظى به من تأييد راهن في الشارع الإيراني إنما يعود إلى ما اتخذه في دورته الرئاسية الأولى من مواقف متشددة، تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عموماً، وفي ملفّ إيران النووي بصفة خاصة. وبين المتغيرات التي تخصّه أنه، وهو أوّل رئيس إيراني يقبّل يد خامنئي علانية، غمز من قناة المرشد الأعلى علانية أيضاً، في مناظرة تلفزيونية، حين وجّه تهمة الفساد إلى عدد من شاغلي المناصب العليا الذين لا يعيّنون إلا بقرارات خاصة صادرة عن خامنئي.
وإذا صحّ أن أحمدي نجاد هو مرشّح خامنئي المفضّل، وخير مَن ينحني له صاغراً مؤيداً، فإنّ الرجل ليس مجرّد ألعوبة في يد المرشد الأعلى، بل يمكن القول إنه اليوم رأس الحربة في صفّ المحافظين المتشددين، وبالتالي ليس مبالغة التفكير بأنّ خامنئي لم يكن يقبل غيره لمنصب الرئاسة، استناداً إلى الإعتبارين معاً: أنه ضعيف طيّع، أمام المرشد الأعلى؛ وقويّ شرس أمام الآخرين، خصوماً كانوا أم حلفاء.
ولقد اقترن صعود نجاد بتبدّلات في الخطاب السياسي ـ العقائدي، بدأت مطلع 2006 بما يشبه الفتوى التي أصدرها محسن غرافيان، تلميذ آية الله مصباح يزدي الذي يُعتبر الأبّ الروحي والمرشد الديني لأحمدي نجاد، تجيز استخدام السلاح النووي، وذلك على نقيض الآراء السابقة التي كانت تعتبره مخالفة للشريعة الإسلامية لأنه سلاح يفتك بالبشر جماعياً وبلا تمييز. ولم تمض بضعة أيام حتى نقلت وكالة الانباء الإيرانية هذه التصريحات، ممّا عنى أنها باتت جزءاً من السياسة الرسمية العليا للدولة.
وفي الأصل كان انتخاب أحمدي نجاد حدثاً إيرانياً شعبوياً بامتياز، وكانت شرائح واسعة من أبناء الشعب الإيراني، والفقراء منهم وأبناء الريف بخاصة، تصغي بشغف فائق إلى خطابه الذي يمزج بين التعبئة الدينية ودغدغة المشاعر القومية والتحريض العاطفي ضدّ الغرب والولايات المتحدة. فوق هذا، كان الرجل لا يكفّ عن تكرار مواقفه إزاء توطيد النهج المحافظ للثورة الإسلامية عبر إحياء تراث الإمام الخميني، وتضخيم النزاع حول تخصيب اليورانيوم بحيث ينقلب إلى قضية قومية بامتياز، والطعن في صحّة الهولوكوست ضمن دعوة أعرض إلى محو إسرائيل من الوجود.
وكان جلياً أنّ أحمدي نجاد يستغلّ قضية مشروعة من حيث المبدأ، هي حقّ إيران في حيازة التكنولوجيا النووية المدنية، أو حتى حقّها في تخصيب اليورانيوم لأسباب عسكرية بالنظر إلى أنّ الدولة العبرية تمتلك القنبلة النووية لتوّها، ولا أحد في المجتمع الدولي يتفوّه بكلمة اعتراض واحدة، كما أنّ وكالة الطاقة النووية لم تتجاسر حتى الآن على تفتيش المنشآت النووية الإسرائيلية. وكانت السياسات الوحشية لجيش الإحتلال الإسرائيلي ضدّ الشعب الفلسطيني تتيح له أن يرفع سقف الخطاب المعادي للدولة العبرية.
ومن حيث بنية النظام كان صعود أحمدي نجاد قد مثّل صراعاً ضارياً على السلطة الفعلية، ليس بين المحافظين والإصلاحيين كما كانت الحال في ولايتَيْ الرئيس السابق محمد خاتمي، بل بين أجنحة الفئات المحافظة ذاتها أساساً، وفي أعلى هرم السلطة. ومن المعروف أنّ الرئيس الإيراني هزم منافسه المحافظ والرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في جولة ثانية بنسبة 62'، وأنّ نسبة المشاركة بلغت 60'، ممّا دلّ على أنّ الإصلاحيين قاطعوا الإنتخابات عملياً. وهكذا انتقل مركز القوّة من المجموعة الدينية ـ البيروقراطية المحافظة التي مثّلها آيات الله التلقيديون، إلى المجموعة الدينية ـ العسكرية المتشددة كما يمثلها تحالف الجيل الثاني من آيات الله، والحرس الجمهوري، وأجهزة الإستخبارات المعروفة باسم الـ'باسجي'.
ولسوف تبرهن الأسابيع القادمة على صحة، أو جدوى، ما يُقال عن تشكّل محور سياسي ـ عقائدي جديد، مؤلف من رفسنجاني (الذي يشغل اليوم موقعاً حساساً هو رئاسة مصلحة تشخيص النظام)، وخاتمي، وحسين موسوي، وكروبي، وعلي لاريجاني (الذي انتقل من رئاسة مجلس الأمن القومي إلى رئاسة البرلمان)، وعمدة طهران محمد باقر قاليباف. ويُفترض في هذا التحالف أن يكون خصماً لأحمدي نجاد، ومن ورائه تحالف المجموعة الدينية ـ العسكرية المتشددة، وأن يكون جدول أعمال الصراع هو اقتصاد البلاد، ومستوى المعيشة المتدهور، وملفات الفساد، وعزلة إيران الدولية، والإدارة الأفضل للنزاع مع الغرب حول الملفّ النووي.
ولاية الفقيه، مع ذلك، هي المسألة التي لن يتنازع فيها الفريقان، رغم أنها الأعظم شأناً، وهي التي تجعل من أيّ رئيس إيراني، إصلاحياً منفتحاً كان أم تقليدياً متشدداً، أداة في يد الفقيه الوالي، صاحب الصلاحيات الأوسع في السلطات الثلاث: تسمية أعضاء مجلس المرشدين، ومجلس القضاء الأعلى، ورئاسة القيادة العليا للقوات المسلحة (بما في ذلك تعيين أو عزل رئيس الأركان، وقائد الحرس الثوري، وأعضاء مجلس الدفاع الأعلى، وقادة صنوف الأسلحة) وإعلان الحرب والسلام والتعبئة، وإقرار أسماء المرشحين للإنتخابات الرئاسية، وتوقيع مرسوم تسمية رئيس الجمهورية بعد الإنتخابات، وإدانة وعزل الرئيس بموجب أسباب تتعلق بالمصلحة الوطنية، وإصدار مختلف أنواع مراسيم العفو العام...
إيران حبلى بالمتغيرات، وآمال التغيير، والبحث عن بدائل لهوية راهنة منشطرة، منعزلة، ومنكسرة أيضاً. وما لم تنتصر الأمّة على مبدأ ولاية الفقيه، ويُطوى في الشكل كما في المحتوى، لا معنى لأيّ صراع بين شعار 'أين صوتي' وشعار 'نحن في طاعة القائد'، لأنّ كلّ الأصوات سوف تنتهي عند عتبة المرشد الأعلى، ولا مناص من أن يتفيأ بعباءته أحمدي نجاد وحسين موسوي، مثلما فعل قبلهما هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي. هنا الابتداء، وهنا نهاية المطاف!
' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
----------------------------------------------
منظمة الفاو: أكثر من مليار شخص يعانون الجوع وسوء التغذية هذا العام
الجمعة يونيو 19 2009
روما - ، د ب أ - أعلنت منظمة الزراعة والغذاء التابعة للأمم المتحدة (الفاو) اليوم الجمعة في العاصمة الإيطالية روما أن عدد الأشخاص الذين يعانون الفقر وسوء التغذية سيتخطى العام الحالي حاجز المليار شخص نتيجة للتداعيات السلبية للأزمة المالية والاقتصادية العالمية.
وأضافت المنظمة في بيانها أن هذا العدد يمثل تقريبا سدس سكان الكرة الأرضية ويزيد بمقدار 100 مليون شخص عن إحصائية عام 2008.
وفي رد فعله على التطور الرهيب لأعداد الجوعى على مستوى العالم قال المدير العام لمنظمة الفاو الدكتور جاك ضيوف إن هذه الأزمة الصامتة للجوع من شأنها أن تشكل تهديدا خطيرا للأمن والسلم الدوليين.
وأضاف ضيوف "نحتاج بصورة ملحة إجماعا على ضرورة اقتلاع الجوع من جذوره على وجه السرعة مطالبا بسرعة إعداد البرامج الخاصة بهذا الهدف ".
في المقابل كانت المنظمة الدولية التي تتخذ من روما مقرا لها قد خفضت من توقعاتها بشأن عدد الجوعى عام 2008 من 936 مليون إلى 915 مليون شخص بسبب التحسن الذي طرأ على المعونات الغذائية بأفضل مما كان متوقعا.
غير أن المنظمة أشارت في بيانها إلى أن المعونات الغذائية المقدمة للفقراء تراجعت منذ ذلك الوقت بسبب تدني الدخول وازدياد معدلات البطالة في ظل الأزمة العالمية.
وذكرت المنظمة أن تباطؤ الاقتصاد عالميا مصحوبا بارتفاع حاد في أسعار السلع الغذائية أديا إلى زيادة عدد الأشخاص الذين يعانون الفقر والجوع هذا العام بمقدار 100 مليون شخص مقارنة بالعام الماضي.
---------------------------------------------
* ميشال كيلو للمتضامني
ن معه: الحرية لا تقوم من دون الكلمةصحيفة السفير اللبنانية – الأربعاء 17 حزيران/ يونيو 2009
وجه الكاتب السوري المعروف ميشال كيلو رسالة حميمة إلى كل من ناصر قضيته فاعترض على اعتقاله ومحاكمته وسجنه بتهم تقوم على الاشتباه نتيجة الوشاية.
هنا نص الرسالة التي حرص ميشال كيلو على توجيهها إلى «السفير»:
صديقي العزيز
تحية ومودة وبعد
هذه الرسالة موجهة إليك، مثلما أرجو أن يعتبرها موجهة إليه ذلك العدد الكبير من الأصدقاء والأشخاص، الذين تضامنوا معي ومع رفاقي ودافعوا عن حقنا في الحرية والأمن خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
صديقي العزيز، أعرف أنك تضامنت مع حريتي من منطلق الاقتناع، وليس لأنك تنتظر الشكر مني. لكنني أود أن أشكرك: أولا لأنك جعلت من نفسك مدافعا لا يلين عن حقوق وحريات أناس لا تعرف كثيرين منهم. وثانيا لأنك تمسكت بالحقيقة، ولم تؤخذ بالكذب، بغض النظر عن الجهة التي يصدر عنها. وثالثا لأنك ترى في حرية سواك حريتك الشخصية، وأنك تسعى إليها وتتعامل معها بقلق وحسرة من فقد شيئا يريد استرداده، بما أن حياته تفقد معناها بدونه، فلا محل للاستكانة أو للصبر في طلبه، ولا تحتمل استعادته أي تسويف أو إرجاء.
لن أقول لصاحب رأي مثلك إن رجل الكلمة يكون كذلك إن هو ألزم نفسه بأن يكون رجل حرية أيضا، وان الكلمة تفقد قيمتها، إذا لم تكن كلمة للحرية قبل كل شيء، فالحرية لا تقوم أو تعيش دون الكلمة، التي في البدء كانت، ومنها بدأ ويبدأ وسيبدأ كل شيء الى أبد الدهر، لذلك يجب أن يكون لها الأولية على أي أمر عداها، ويجب أن تكون الأصل الذي به يتعين وجود الإنسان، الكائن الوحيد الذي خلقه الله كي يعيش من قيم معنوية تتمحور جميعها حول الحرية. ألم يعرّف أرسطو الإنسان بالحرية، حين اعتبره ذاتاً حرة وجديرة بالحرية بغض النظر عن تعييناتها الموضوعية؟ ألا يؤكد تاريخ البشرية، بدوره، أن تغييب الحرية أو قتلها نزل دوماً بالإنسان الى درك محض بهيمي، وأدى الى محن وكوارث حلت بتلك الشعوب والأمم، التي فقد أبناؤها حريتهم، إما لأن حكامها كبتوا حريتها بالقسر، أو لأنهم غلّبوا عليها اعتبارات تتصل بقيم ومصالح خاصة بهم، تجافي الحرية كقيمة وكمصلحة هي الأساس بين قيم ومصالح الإنسان. دعني أصارحك، صديقي العزيز، أنني رأيت في دفاعك عن حرية غيرك هذا الوجه بالذات، الذي رأيت فيه شيئا يتخطى السياسة وحساباتها ومواقفها الى الدفاع عن إنسانية الإنسان، لأن هذا الدفاع بالذات يستطيع رد البهيمية عنه، وإنقاذ روحانيته، التي لا يكون أو يبقى إنسانا إن هو أضاعها بتقاعسه، أو إن هي سلبت منه بالقوة أو بالاستغفال.
لن أفوت هذه الفرصة دون أعبر مرة أخرى عن امتناني القلبي لكل من دافع عن حريتي من كتّاب ومثقفين ومواطنين عاديين ومؤسسات، هنا وفي الوطن العربي والعالم، وقد كان هؤلاء، لحسن الحظ، من الكثرة بحيث يصعب إيراد أسمائهم، لكنني سأذكر واحدا منهم أشعر نحوه بامتنان خاص هو رجل السيف والقلم دولة الرئيس سليم الحص، وإني لأعاهد هؤلاء الأصدقاء جميعا أن لا أنسى ما حييت أفضالهم، والأثر الطيب الذي كانت كتاباتهم ومطالباتهم تتركه في نفسي، والذي ساعدني على مواجهة ما شاب قضيتي من ظلم وما عرفته من أكاذيب، وإن لم يصدقها أحد على كل حال، حتى بعض من أطلقوها، جعلتني مرة مرتزقا يقبض المال ثمنا لمواقفه، وأخرى متآمرا يمد يده إلى الأجانب ضد النظام القائم في بلده.
أخيرا، أود التذكير بمن بقوا وراء قضبان سجن عدره، وبضرورة استمرار المطالبة بحريتهم والتضامن معهم، ليس فقط لأنهم من محبي شعبهم ووطنهم المخلصين، بل كذلك لأن حرمانهم من حريتهم يبقي حريتنا منتهكة وناقصة، وينغص عيشنا.
أتمنى لك ولجميع الأصدقاء، الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، الصحة والسعادة. ليهبنا الله جميعا القوة، كي نحتمل العيش في هذا الزمن العربي الرديء.
--------------------------------------------------

قانون الأحوال الشخصية السوري الجديد) أي انصاف سيقدمه لهن قانون العار؟
16 June, 2009 فلورنس غزلان
دخل الأب ساحة الدار بعد أن ترك سيارة الأجرة تنتظر أمام الباب الخارجي ، وطلب من ابنة الثالثة عشر ربيعاً، أن تسرع لأنهم ينووون اصطحابها للمحكمة كي تلتقي القاضي الذي سيعقد قرانها على عريسها الكهل ( الذي يكبرها بأكثر من عشرين عاما)، فقالت له بخجل وخشية أستطيع الحضور فثيابي لابأس بها ، لكنه أشار باصبعه نحو والدتها قائلا: " لا... قومي إلى خزانتك والتقطي أحد ثيابك الطويلة التقليدية وألبسيها لابنتك" استغربت الابنة والأم معاً وبعيون مفتوحة متسائلة رفعنها نحوه، لكنه لم يجب بل باقتضاب قال: نفذن ما أقول والزمن الصمت...وهكذا كان...خرجت الصغيرة تجر ذيل الثوب وراءها لتبدو أكبر من عمرها و ترفعه بإحدى يديها كي لا تطأ في أطرافه رغم نضجها المبكر، لكن البراءة لايمكن محوها من محياها الطفولي ولا من ظفائرها الطويلة فوق ظهرها...فطلب إليها أيضاً أن تضع غطاء للرأس يخفي شعرها الجميل ويلفع براءتها...ففعلت...لكن دموع الأم انزلقت فوق خديها رغما عنها...فهي وحدها من فهم اللُعبة، لكن دورها لايتعدى الصمت والخضوع!... ولم تتمكن سوى من رفع يديها للسماء بعد أن غادرتها الابنة مع والدها قائلة:" روح ربي يحاسبك على جريمتك"، خرجت الصغيرة تنفذ حكم الاعدام بحياتها طائعة لاتدري أين تساق..وفي داخل السيارة كان المحامي العتيد شقيق العريس ينتظر بنفاذ صبر، فقد رفض القاضي السابق المناط بعقد القران عندما قرأ عمر الرجل المختار لزواج الفتاة ورأى الفارق الشاسع أن يقوم بمهمة جُرمية بجدارة، لكن الأخ المحامي انتظر مدة وجيزة لتناط المهمة بقاضٍ آخر تربطه به صداقة حميمة ويمكنه أن ينفذ المهمة المطلوبة، وهكذا حصل، فقد أُجل عقد القران حتى ظهور القاضي الجديد، ــ والذي يبدو أنه يحمل نفس جينات اللجنة السورية التي وضعت مشروع قانون الأحوال الشخصية" العار" ــ وبتواطؤ تام مع الأب المجرم الأول في القضية.
حملوها إلى المحكمة مطأطئة الرأس لتجيب القاضي الذي رأى في ثوبها حجماً يستحق أن يمارس النكاح الشرعي ويمكنه أن يقوم بمهمة الزواج وبمسؤولية الأسرة من حمل وولادة وعمل، فقد تكفل ثوب الأم وغطاء الرأس بإتمام الصفقة، والتحايل على القانون وإثبات أن حجمها ونضجها المبكر يكفي لأن تكون زوجة لرجل كهل تولده يحمل نفس التاريخ لمولد والدها الذي يجرها لحتفها
لأن الزوجة الجديدة التي دخلت البيت لتصبح ضُرة لأمها أشارت عليه بالتخلص من بنات الزوجة الأولى " القديمة" ليخلو لها الجو وتتفرد بإدارة دفة البيت ، فالزوجة القديمة مسكينة وبسيطة ويمكن إهمالها والتلاعب بمصيرها ، وهكذا كانت ابنة الثالثة عشر ضحيتها الأولى.
ليست هذه القصة من اختراع الخيال، ولا من صنع الابداع الأدبي ولا الخيال العلمي الفضائي المستورد من عالم التقدم الفضائي، بل هي محض واقع معاش وحي ناطق، وصاحبتها تحمل نفس الجذور والدماء التي أحملها ، نعم هي ابنة ماض قريب ، لكنه يتكرر يومياً في بلاد الفقر الإنساني والقانوني والثقافي،هي قصة لواحدة من بنات بلدنا الموبوء بأنظمة وقوانين استمدت من شريعة غاب واستباحة واستلاب لكل حق إنساني.
هي صورة تنطق وتصرخ بوجه من يسمح له ضميره الميت أن يكون عضوا في لجنة تضع مشروع العار لقانون الأحوال الشخصية السوري، والذي انتظرته نساء الوطن عمراً ورفعت من أجل انصافهن العرائض ونشرت الآراء والمواقف ورويت الحكايات والشواهد على مدى الجرم والظلم والإجحاف الواقع على نساءنا نصف المجتمع وقنطرة بنائه ونواة أسرته وأساسه المتين، والذي لن يقوم ولن ينهض ولن يتمكن من التطور والوصول لأي نتيجة حضارية طالما أنه يقوم على التمييز بين الجنسين ويفضل الجنس الذكوي ويجعل منه قواماً على المرأة بكل شيء، ويملك الحق في تسيير دفة الحياة، يمنحها للتفوق الفحلي الذكوري ويحرمها ويمنعها على الأنثى المرأة باعتبارها الضلع القاصر الأعوج والعقل الأضعف الأهوج والذي يمكن التلاعب به حيث تتحكم به مشاعره وعواطفه وأمومته أي أنه الأكثر إنسانية ورقة وأخلاقاً في التعامل والسلوك، حين يوجهون النقد للمرأة ويغمزون من قدراتها في وجه يمكنه أن يكون سبة ولعنة عليها حسب اعتقاداتهم المشبوهة والمشوهة للحقيقة، لكن هذه النقاط هي لمصلحتها وبدلا من أن تكون مذمة وسبة فإني أرى فيها صفة رائعة تزيدها رفعة وسموا وقيمة ــ وعلى رأي المثل الشعبي..( جاءوا يعيرون الورد فقالوا له : يا أحمر الخدين)! ،وبفضل قانونهم الطالباني الجديد، شرعوا لأنفسهم حق منح الحياة والحكم بالموت على المرأة بالذات، أختهم وابنتهم وزوجتهم.
هذه اللجنة التي اختيرت دون أن نعلم ماهي مواصفات تميزها وتفردها التي تتمتع بها لتصبح من يمسك بأنشوطة الحبل فوق رقاب النساء أولاً، وفوق رقاب العباد بشتى أنواعهم وأجناسهم وانتماءاتهم المذهبية ثانياً.
كان الأمل يحدوهن في سوريا، حين رفعن مشروع قانون يحق من خلاله للمرأة أن تمنح الجنسية على الأقل لأبنائها، حين تتزوج بغريب عن الوطن، كان الأمل يحدوهن بأن يتغير قانون الموت بحق المرأة وتنصفها عدالة بلادها فتعاقب قاتلها تحت يافطة الشرف، كما يعاقب أي قاتل وأي شحص يحسب نفسه القاضي والحاكم الناهي، الذي يحق له أن ينهي حياة من كتب عليها أن تكون أخته أو زوجته ...فيضع حداً لحياتها..ومازالت هذه القوانين تعيث فسادا وتنشر رعبا متواصلا وتقتل دون حسيب أو رقيب، ويخرج القاتل ويعيش حياه طبيعية ويجد من ترضى أن تشاركه حياته وينجب وتستمر دورة الحياة وكأنه لم يفعل شيئا ، بل يُمنح شهادة شرف وبطولة! ، وكأنه ملك راية التحرير...وكيف نحرر الأوطان من عقلية وخرافة ربط الشرف الرجولي بجسد امرأة تحمله ولا تملك عليه حقاً؟!.
ثم جاء القانون الجديد المنتظر،ــ ( أنصحكم بالعودة لمشروع القانون المنشور على صفحات موقع كلنا شركاء ، وموقع نساء سوريا ) ــ ليعيدنا إلى عصر الحريم وليجعل من سوريا دولة (طالبانية ) بجدارة..هذه البلاد صاحبة الدعاية والادعاء بأن لها حزباً يقود الدولة والمجتمع ويحمل راية العلمانية!!!..
فأي علمانية في قانون يبيح زواج القاصر؟ واية علمانية في قانون يبيح زواج المُغتَصِب من المُغتَصَبة؟ وأي قانون ينشر الطائفية والتمييز على أساس المذهب؟ وهو الذي يدين السياسيين حين يرفعون الصوت مطالبين بالتساوي والانصاف بين المواطنين على أساس المواطنة فيدعي عليهم بإثارة النعرات الطائفية والمذهبية!! فحين يفرق القانون بين درزي وعلوي ، بين مسيحي وموسوي، بين سني وشيعي، فهل هو قانون وطني يساوي بين أبناء الوطن الواحد ويعدل بينهم؟ أم أنه قانون طائفي بامتياز؟
حين يجعل للدرزي محكمته ، وللمسيحي محكمته، وللمسلم محكمته، فهل نحن مواطنون نعيش تحت سقف وطن واحد؟ هل نتساوى في الميراث والطلاق والزواج والموت؟ لا أبداً بل لم يقتصر على هذا الشأن، وإنما سمح قضاة العسف واضعي قانون أفغانستان الطالباني للمسيحي أن يتزوج بامرأة ثانية...وبهذا يدخل الإسلام من أبوابه العريضة، أبواب الأسلمة بالزواج من ثانية...أبواب توحيد المواطنين تحت يافطة مذهبية واحدة ربما هذا مايقصده أعضاء اللجنة الموقرة!.
في الوقت الذي يتكاثر فيه سكان سورية ويتضاعف عددهم كل عشرين سنة بشكل مذهل لا يحتمل ولا يتناسب مع مقدرات البلد ولا مع اقتصاده المتدني وضعف ثرواته ونفاذها بشكل مضطرد ونتيجة حتمية لكثرة التزاوج وتعدده، فبدلاً من تحديد النسل والانجاب، ومنع الزواج بأكثر من واحدة كحل هام وأساسي من أجل الحد من التكاثر والخوف من المستقبل المرعب في سوريا، يسمح القانون الجديد بالزواج من أربعة لمن ينضوي تحت يافطة الإسلام ، ويمنح الحق للمسيحي بالزواج من ثانية لو مر على الزواج ستة أشهر دون أن تعترض أو تكتشف زوجته الأولى هذا الزواج!!
هل هناك حكمة وفهم ودراسة للوضع الإنساني والاقتصادي أكثر من هذه اللجنة المحنكة والخبيرة والمختارة لفهم الأوضاع وتلافي المشاكل وحل القضايا الملحة للوطن؟ !
كيف ينتقد النظام في صحفه الصفراء نظام التقسيم الطائفي والمحاصصة في لبنان ويدس ويغمز منها تحت اسم المقاومة الوطنية، وتحت يافطة العروبة والوحدة والمواطنة! ويطبق بحق مواطنيه في سورية قانونا طالبياً طائفياً يُميز ويفرق بين الطوائف ؟
هل من يطالب بتوحيد القانون والمساواة بين المواطنين أمام قانون واحد يَجمع ولا يفرق، يُوحد ولا يُميز بين طائفة واخرى وبين حق من ينتمي لهذا المذهب أو ذاك في الزواج والطلاق والميراث، طالما أن معظم الطوائف كالدروز والعلويين والاسماعيليين والشيعة كلها فروع من أصل واحد يسمى الإسلام ، وطالما أن بقية الطوائف المسيحية من أرثوذكسية وبروتستنتية وكاثوليكية وآشورية وغيرها كلها تحت يافطة المسيحية وبقية صغيرة من الطائفةالموسوية، والجميع ينتمي لأديان سماوية معترف بها وتعتبر من أهل الكتاب...أي أنه يحق للمسلم والمسلمة والمسيحي والمسيحية التزاوج والتصاهروالحصول على نفس الميراث، ولا يوجد أي نص أو آية قرآنية تمنع مثل هذا التزاوج والتصاهر ، وإنما مجرد رؤية وتعارف وضعته الدولة العثمانية ومازال يعمل به ولا يستند لنص شرعي...
نريد قانونا واحداً موحداً دون تمييز بين طائفة وأخرى ، قانونا غير طائفي قانوناً لاينتمي لعصر الحريم ولا لسلفية آل طالبان...
فهل ما نطالب به كثير وكبير على استيعاب النظام وعقله وحزبه العلماني؟
أم أنه علماني في الدعاية فقط وفي السياسة المحصورة في توزيع المناصب والدوائر، أما قوانين البلاد فتنتمي لأكبر المدارس السلفية ؟
ارفعوا أيديكم عن كاهل المواطن وعن التمييز بين المواطنين وعن اضطهاد المرأة وإغراقها بعصر العتمة والظلام أيها الظلاميون .
فلورنس غزلان ــ باريس 16/6/2009
-------------------------------------------------
التنشئة السياسية وأدواتها

18 June, عبدالله تركماني
بلورة الرؤى الصحيحة وتحسين السبل العملية المفضية إلى تنشئة سياسية عصرية يتطلبان – بداية – الانطلاق من التلازم العضوي بين التربوي والاجتماعي والسياسي في المناهج الدراسية، بما يؤدي إلى تنقيتها من التصورات السلبية المتصلة بالآخر. بحيث لا تكتفي هذه التنشئة بحشد ذهن المتعلم بمعلومات حول الكرامة والحرية والمساواة والاختلاف فحسب، وإنما تقوم على أساس أن يمارس تلك الحقوق، وأن يؤمن بها وجدانيا، وأن يعترف بها كحقوق للآخرين، وأن يحترمها كمبادئ ذات قيمة عليا.
وهكذا، يجوز اعتبار التنشئة السياسية " تنشئة عمل " أكثر مما هي " تنشئة نظر ". وذلك ما يسمح باعتبار التنشئة السياسية ترمي إلى تكوين المواطن المتشبع بالقيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان، القادر على ممارستها في سلوكه اليومي من خلال تمسكه بحقوقه واحترامه لحقوق غيره، الحريص على حقوق ومصالح المجتمع بقدر حرصه على حقوقه ودفاعه عنها.
إنها ثقافة المساهمة التي تقوم على اعتبار الأفراد مواطنين من حقهم المساهمة في الحياة العامة والتأثير على المنظومة السياسية وتوجيه عملها في أوطانهم، وهي التي تسمح بالوصول إلى الديمقراطية وتحقيقها. فالثقافة السياسية الديمقراطية هي " مزيج بين التطلعات المختلفة وأحيانا المتناقضة للأفراد والمجموعات الجزئية، بحيث تمكّن الديمقراطية من التعبير، في الآن نفسه، عن التنوع والخصوصية والوحدة من جهة، وعن الانسجام دون استسلام من جهة ثانية، وعن المساهمة والالتزام دون تهريج من جهة ثالثة. وكل هذا يعني أنّ الثقافة السياسية الديمقراطية هي ثقافة التوازن والاعتدال " (1).
وفي الحقيقة فإنّ هذا النمط من التنشئة والثقافة السياسية يندرج ضمن إطار " التربية المواطنية " التي موضوعها هو " تشكيل المواطن وتنميته ". هي تربية على المواطنية وتربية في المواطنية. إنها عملية شاقة ومتواصلة، إذ ينبغي السعي باستمرار إلى تكوين المواطن وتنمية وعيه بنظام حقوقه وواجباته وترسيخ سلوكه وتطوير مستوى مشاركته في حياة جماعة المواطنين التي ينتمي إليها، وهي ليست سوى وسيلة من وسائل تنوير المواطن بحقيقته من حيث أنه عضو حرٌّ في الدولة، يتساوى مبدئيا مع سائر أعضائها في الحقوق والواجبات، ويشارك في حياتها على جميع الأصعدة.
وبداية تسعى التنشئة السياسية ذات التوجه الديمقراطي إلى تعزيز التعددية في الآراء والمواقف، وإلى تطوير السياسات التي تخدم الإنسان. ونعتقد أنّ من الصحيح القول: إنّ استقلال الفرد وحريته الفكرية وشعوره بالكرامة وقدرته على الابتكار ينبغي أن تكون من القيم الرفيعة للمجتمع البشري، وتعتبرها مجتمعات بشرية كثيرة على هذا النحو.
وللتنشئة السياسية طرق وأهداف مختلفة، وفي مقاربتنا هذه نتحدث عن الطريقة التي تقوم على الشعور بالكرامة الإنسانية، وعلى ممارسة الحرية والابتكار واستقلال الفكر، وعلى تأكيد الذات والإعراب عن الشخصية وتوكيد الحضور الذاتي، وعلى ممارسة النقد. ومن شأن طريقة التنشئة هذه أن تنشئ فردا ناقدا ومناقشا ومحاورا، مقلّبا للأمور، دارسا لها. وبطريقة التنشئة هذه يزداد إقرار الناس بأهمية الجهد الشخصي في اكتساب المكانة الاجتماعية وفي جمع الثروة المادية وفي أداء الوظائف في شتى المجالات.
وبإشاعة هذه الطريقة في التنشئة السياسية يزداد الوعي العام بأهمية الحوار، بوصفه وسيلة لتحقيق التماسك الاجتماعي، وبوصفه وسيلة لمحاولة التوصل إلى الأحكام السديدة الرشيدة، ويحل الحوار محل أسلوب الفرض والإملاء والاستبداد بالرأي. وبإشاعة هذه الطريقة في التنشئة يتعزز وينتشر الرأي في أنّ التوصل إلى معرفة الحقيقة هو نتيجة عملية فكرية، يستطيع أن يشارك ويسهم فيها الناس من كل الطوائف والأجناس والفئات والطبقات، وفي أنّ الملكات اللازم توفرها لاكتشاف الحقيقة ملكات تُكتسب، وفي أنه - بالتالي - يمكن لأي امرئ أن يدلي بدلوه في عملية محاولة التوصل إلى الحقيقة، ولأن يشارك في اتخاذ القرار مشاركة بنّاءة، ولأن يكون عضوا فاعلا في شؤون المجتمع الذي يعيش فيه.
ومن أجل تجديد الثقافة السياسية يمكن الإشارة إلى أهم القواعد والمبادئ المفيدة للتنشئة السياسية المعاصرة (2) :
(1) - اعتبار ساحة الفعل السياسي مفتوحة على الدوام على قوى ومجموعات سياسية أخرى ذات تصورات فكرية وسياسية متباينة، سواء تم اعتبارها ضمن صنف الحلفاء أو المنافسين أو الخصوم من جهة، واعتبار التحول والتغيير - من جهة أخرى - قانونا راسخا في كل واقع سياسي. الأمر الذي يفرض على المرء اعتماد قدر كبير من المرونة في التعامل مع الشأن السياسي تمكّنه من القدرة على التكيّف مع معطيات الواقع المتحول.
(2) - ضرورة التزام الخطاب العقلاني والواقعي في العمل السياسي، لما يتيحه ذلك من إمكانية الإحاطة بالواقع الشامل والتعرف على العوامل المؤثّرة في سيرورة تطوره. إذ أنّ الواقعية والعقلانية تقتضيان تقديرا دقيقا للإمكانيات الفعلية للذات التي تتوخى الفعل والتغيير في وضع سياسي ما، ذلك أنّ تضخيم تلك الإمكانيات يترتب عنه رسم خطط وبرامج للممارسة مكلفة ماديا وفاشلة عمليا، وفي ذلك هدر للطاقات في معارك مجانية أو غير متكافئة قد تنتهي إلى كارثة محققة.
(3) - اعتماد ثقافة الحوار انتصارا لفكرة أو دفاعا عن موقف وحماية لمصلحة خاصة أو عامة. وفي سياق ذلك ينبغي الحرص على عدم اعتماد الأساليب المتطرفة في التعاطي مع قضايا الخلاف، فقد تسيء الحدة المفرطة في الجدل السياسي بين المواقف المتعارضة إلى القضية موضوع الحوار، إذا لم تعرف الأطراف المختلفة كيف ومتى تترك للمارسة هامشا يسمح باختبار مختلف الآراء والأطروحات وتمييز الصائب منها عن الخاطىء.
(1) - د. عبد الفتاح عمر: الثقافة السياسية والديمقراطية – عن كتاب: التربية على حقوق الإنسان والديمقراطية في الوطن العربي، منشورات المعهد العربي لحقوق الإنسان – 1994 .
(2) - د. عبدالله تركماني: نحو تجديد الثقافة السياسية العربية – عن صحيفة " الوقت " البحرينية، 6 أبريل/نيسان 2006.
تونس في 14/6/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 18/6/2009.
-----------------------------------------------

قضايا وأحداث 19.06.2009
خامنئي يدافع عن فوز احمدي نجاد ويدعو إلى وقف التظاهرات
خامينائي يعتبر النصر الذي حققه الرئيس أحمدي نجاد بإعادة انتخابه مستحقطالب قادة الاتحاد الأوروبي إيران بالسماح بالتظاهرات السلمية الرافضة لنتائج الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل، وذلك بعدما دعا المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية إلى وقف هذه التظاهرات. وميركل تصف كلمة خامنئي "مخيبة للآمال".
اعتبر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي اليوم الجمعة (19 مايو/جزيران 2009) أن "الشعب اختار من يريد" لرئاسته، داعيا إلى وقف التظاهرات الرافضة لنتائج الانتخابات التي فاز فيها الرئيس محمود احمدي نجاد بولاية ثانية. وقال خامنئي في خطبة صلاة الجمعة التي أمها في جامعة طهران إن "النزال الدائر في الشارع خطأ، وأريده أن ينتهي"، مشددا على أنه "لن يرضخ للشارع" معتبرا أن النصر الذي حققه الرئيس أحمدي نجاد بإعادة انتخابه مستحق.
هذا وحذر خامنئي، الذي يعتبر رأس السلطة في الجمهورية الإيرانية، المعارضة من أنها ستتحمل مسئولية أي أحداث عنف قد تحصل جراء الاحتجاجات الجارية. وأبدا معرضته لوسائل الاحتجاج معربا أنها يجب أن تكون عبر الوسائل القانونية رافضا ما اعتبره " أية مبادرات غير قانونية".
ردود فعل أوروبية
ميركل ترى أن كلمة خامنئي التي هاجم فيها قوى أجنبية لتشكيكها في نتائج انتخابات إيران "مخيبة للأمل"

فيما قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن كلمة الزعيم الأعلى الإيراني آية الله على خامنئي التي هاجم فيها قوى أجنبية لتشكيكها في نتائج انتخابات إيران "مخيبة للأمل"، شدد رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون على أن "العالم بأسره ينظر إلى إيران" وليس فقط بريطانيا التي "ستواصل الإدلاء برأيها" في حال المساس بحقوق الإنسان. وقال إثر القمة الأوروبية في بروكسل متناولا الوضع في إيران: "اعتقد إنه أمر سليم بالنسبة ألينا أن ندافع عن حقوق الإنسان وأن نعبر عن رأينا ضد القمع وأن ندين العنف ومنع وسيلة إعلام حرة من القيام بعملها". وأضاف قائلا:"سنواصل القيام بذلك".
من ناحيته دعا الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي القادة الإيرانيين إلى "عدم ارتكاب ما لا يمكن إصلاحه" وقال في مؤتمر صحافي عقب القمة الأوروبية في بروكسل إن "انبثاق شارع إيراني يطالب بمزيد من الشفافية ومستقبل أفضل، خبر سار، وآمل أن لا يفعل القادة الحاليون شيئا لا يمكن إصلاحه". وتابع "لا نريد إعطاء الانطباع بأن الخارج، بكل ما تحمله هذه العبارة من معاني، يتدخل في الانتخابات الإيرانية، لدينا قيم وقناعات". وأضاف "لكن عندما نرى نتائج متناقضة إلى هذا الحد فان أوروبا لو صمتت لن تنسجم مع قيمها (...) أنا دائما من الداعين إلى الحوار مع إيران لكن عندما يجب التنديد فإننا نندد".
وقد طالب قادة الاتحاد اليوم إيران بالسماح للشعب "بالتجمع والتعبير" عن رأيه سلميا وذلك بعدما دعا المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي إلى وقف التظاهرات الرافضة لإعادة انتخاب الرئيس محمود احمدي نجاد.
مخاوف من تصعيد التوتر بين السلطة والمتظاهرين
من يملك السلطة الحقيقية في إيران؟

من جانبها، دعت نافي بيلاي، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، إيران اليوم الجمعة إلى كبح جماح ميليشيا إسلامية متهمة بممارسة أعمال عنف ضد محتجين. وقالت بيلاي، القاضية السابقة بمحكمة جرائم الحرب التابعة للامم المتحدة: "الاستخدام المحتمل غير المشروع للقوة المفرطة وأعمال العنف من قبل أعضاء ميليشيا الباسيج قد ينتهك القانونين الإيراني والدولي."
وحذرت المسؤولة الأممية أيضا من أن الوضع في البلاد قد يشهد مزيدا من التردي معربة عن قلقها بشأن العدد المتزايد من نشطاء حقوق الإنسان والمعارضين الذين ألقي القبض عليهم منذ الانتخابات الرئاسية قبل أسبوع. وفي هذا السياق دعت بيلاري الحكومة الإيرانية إلى ضمان عدم لجوء أعضاء الميليشيا والأجهزة الأمنية النظامية لأعمال العنف غير المشروعة. واعتبرت المسؤولة الأممية أن تصرف هذه الجهات خارج إطار القانون فسيؤدي هذا إلى تدهور خطير في الوضع الأمني قد تؤدي إلى مأساة كبرى. وجاء نداؤها بعد اجتماع غير معلن مع شيرين عبادي الحاصلة على جائزة نوبل.
(ط.أ/ د ب أ/ رويترز/ أ ف ب)
تحرير:
----------------------------------------------