
جريدة الرأي-
العدد 82-83
حزب الشعب الديمقراطي السوري
الافتتاحية:
الإدارة الأمريكية الجديدة
إدارة المهمات الصعبة
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ونشوء الترتيبات الدولية التي استولدتها نتائج الحرب، وبروز الولايات المتحدة كقطب أساس في العلاقات الدولية، لم تعد انتخابات الرئاسة الأمريكية شأناً داخلياً فقط، إنما شأن عالمي بامتياز. فالدور الجديد للدولة العظمى البازغة والصلاحيات الواسعة لرئيسها وإدارته تجعل للسياسات المعتمدة والقرارات المتخذة من قبل هذه الإدارة نتائج ملموسة وبالغة التاثير، ليس داخل الحدود الأمريكية فحسب بل تشمل العالم بأسره. فهذه السياسات تستدعي تفاعلات وردود أفعال، تطال الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في مختلف أنحاء العالم، وتؤثر على السلم العالمي والاستقرار الدولي والقضايا المشتركة للإنسان المعاصر ومستقبل حياته على الأرض.
جاءت الانتخابات الأخيرة التي حملت الرئيس المنتخب باراك أوباما إلى البيت الأبيض في هذا السياق.
وكان لا بد لها – أكثر من أي وقت مضى – أن تحصد الاهتمام والرهانات، وتبدو مثقلة بالكثير من المؤشرات والدلالات. فهي تأتي في ظروف الأحادية القطبية التي أورثها سقوط الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية وانهيار حلف وارسو وتربع الولايات المتحدة الأمريكية على قيادة العالم. يضاف إلى ذلك الحصاد المر على الصعيدين الأمريكي والعالمي الذي أنتجته حماقات وإخفاقات الإدارة السابقة، ونتائج سياسات اللبرالية الجديدة التي اعتمدت، وجعلت الوضع الأمريكي في أضعف نقاطه منذ أكثر من نصف قرن.
نتائج الانتخابات - مؤشرات ودلالات
أجمع المراقبون، داخل الولايات المتحدة وخارجها، على الطابع التاريخي لهذه الانتخابات. فهي تشكل انتصاراً للنظام الديمقراطي وللشعب الأمريكي على عهد العنصرية الطويل. حيث وضع انتخاب أوباما كأول رئيس من أصول أفريقية آخر مسمار في نعشه. وبانهيار حاجز الكراهية العرقية والدينية والإثنية يتحقق حلم مارتن لوثر كينغ ( داعية كبير للحقوق المدنية اغتيل عام 1965 ) بأن يعيش أطفاله في يوم من الأيام " بدولة لن تعاملهم حسب لون جلدهم، لكن حسب شخصياتهم ". من هنا استحق الحدث أن تقول عنه الصحافة الأمريكية " اليوم يصنع التاريخ ".
جاءت نتائج الانتخابات استفتاء على الفلسفة السياسية والنهج الأمريكيين. إذ فازت الواقعية المنفتحة في الحزب الديمقراطي الذي يمثل " يسار السياسة الأمريكية " على الأيديولوجيا المغلقة لليمين المحافظ الذي يمثله اللبراليون الجدد عندما هيمنوا على الإدارة الجمهورية في عهد بوش وطبعوها بطابعهم.
إن وجود كونغرس يقوده الديمقراطيون بمجلسي الشيوخ والنواب إلى جانب رئيس ديمقراطي بمواصفات شخصية وكارزمية واضحة، يوفر إمكانية جيدة لحصول عملية تغيير ملموس في واشنطن. فالتفويض الكاسح الذي حظي به الرئيس المنتخب والنهج الذي بشر به يرتبان عليه مسؤولية التصحيح والترميم لسياسات شاخت وانكشفت وبانت نتائجها الكارثية أمريكياً وعالمياً وفي منطقتنا بشكل بارز. ويمنحانه فرصة لإعادة صياغة " فرضيات البلاد " وأولوياتها الحقيقية ومسؤولياتها الدولية، وتشكيل رأي عام حولها. ويرى الناخب الأمريكي فيما قدمه في هذه الانتخابات أن الإفلات من نهج بوش وإدارته وشعاراته ليس امراً ممكناً فقط، لكنه مطلوب بقوة أيضاً. وهو يعول على الإدارة الجديدة أن تطلق عملية إعادة نظر بهذا الإرث ومراجعة لاستراتيجياته وتكتيكاته، في وقت تبدو فيه أمريكا قبل غيرها بحاجة لهذه المراجعة.
لقد وفرت البراغماتية، التي تسم العقل الغربي عموماً والأمريكي على وجه الخصوص، على الدوام آليات تصحيح ذاتي للمناهج والسياسات والتوجهات التي تطلقها النخب وتسود في المجتمعات. وتتكفل بها هذه المرة الديمقراطية الأمريكية بانتخابها إدارة جديدة، يمكن للمرء أن يتوقع منها تصحيحاً للسياسات والمواقف السابقة، وتحسيناً لصورة أمريكا في العالم بعد أن اسود وجهها من الخطايا والارتكابات الكبيرة لإدارة بوش الضارة بالمصالح الأمريكية والأمن والسلام الدوليين. وهذا ما يفسر الترحيب الدولي الواسع وغير المسبوق في التاريخ السياسي الأمريكي بهذا الحدث. حتى بدا وكأن العالم ينتخب رئيساً له. وتلك مأثرة تسجل للإدارة القادمة ومسؤولية في عنقها في الوقت نفسه. جعلت الأمريكيين العرب متفائلين بهذا الحدث على أنه " تحول تاريخي ".
تركة المحافظين الجدد
بعد ثماني سنوات متواصلة من حكم اليمين الديني المحافظ بإدارة جورج بوش الابن، تبدو حصيلة السياسات التي طبقت داخلياً وخارجياً كارثية ومدمرة. فالرئيس الذي يقود نظاماً علمانياً من أبرز النظم العلمانية المعاصرة، وفي الدولة الأعظم في العالم، يمارس عمله ويتخذ قراراته ( في بعض جوانبها ) على هدي رؤياه الدينية وتهويمات مبشريه وتعصبهم. ولا يتوانى عن الجهر بل الفخر بذلك.
ولم يكن الرئيس أوباما متفاجئاً بالوضع المزري لحصاد السنوات الثمانية الأولى من الألفية الثالثة والقرن الحادي والعشرين، الذي أنتجته تكتيكات بوش وتصرفاته الهوجاء والمتعجرفة، وقد أشار إليها في أكثر من مناسبة، خلال السباق إلى البيت الأبيض وكذلك في خطاب القسم. فالملفات التي تنتظره كبيرة وشائكة ومعقدة. ولن يكون أسلوب معالجتها والنجاح في تسوية قضاياها أمراً يسيراً ومتاحاً وراهناً. تستوي في ذلك الملفات الداخلية والدولية، وفي كافة المواقع السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية. وأهم ما في الأمر، كيف يستعيد صورة أمريكا ودورها المأمول بنظر الأمريكيين أولاً، وبنظر العالم ثانياً.
فعلى الصعيد الداخلي: تبرز الأزمة المالية، التي تسترت عليها طويلاً الإدارة السابقة. وحالات الإفلاس والفساد والاحتيال الكبرى والمتصاعدة ثقيلة في تركة السلف للخلف. وقد طالت عدداً من الشركات العملاقة والمؤسسات المالية الضخمة، وتطلبت تدخلاً إنقاذياً كبيراً ومباشراً من الدولة. وها هي اليوم تمتد للاقتصاد، وتتمظهر على شكل ركود كبير وكساد ضخم في سوق السلع والخدمات، وبطالة هائلة في اقتصاد هو الأضخم على الصعيد العالمي. وهناك الميزان التجاري الخاسر منذ السبعينات والعجز المزمن في الموازنة الذي يبلغ عام 2008 - 2009 أكثر من 1،2 تريليون دولار. ويعتقد أكثر الخبراء تفاؤلاً، أن تجاوز هذه الأزمة الاقتصادية لن يكون متاحاً قبل عقد من الزمن وبظل إجراءات جراحية مؤلمة.
وفي الشأن السياسي، يبدو الأمريكيون مرتبكين في الإجابة عن سؤالهم الصعب " لماذا يكرهوننا؟! " بعد حروب وصراعات وجروح دامية في العراق وأفغانستان والصومال، وأعمال الإرهاب المنتشرة في غير مكان من العالم. وكان ثمن ذلك 2،5 تريليون من الدولارات وخمسة آلاف من القتلى وأكثر من ثلاثة وأربعين ألف جريح ومعاق، مع قدر كبير من الجروح الثقافية والأخلاقية في الضمير الأمريكي وفقدان الهيبة والسمعة والمصداقية بتأثير ما جرى في " أبو غريب " و " غوانتنامو " والسجون السرية الأخرى، ما عرف منها وما لم يكشف النقاب عنها بعد.
وعلى الصعيد الخارجي: يظهر بوضوح فشل السياسة الأمريكية المنصرمة في جعل " العالم أكثر أمناً "، كما أعلنت عن ذلك مراراً عند تسلمها السلطة، وفي مستهل أي عمل دموي ومتغطرس قامت به. بل أصبح العالم أقل أمناً بكثير مما كان عليه عند مجيئها، نتيجة الفوقية والأحادية والأيديولوجيا الدينية المحافظة التي طبقت.
فلقد دخلت العلاقات الثنائية بينها وبين روسيا في حال من التوتر الظاهر، بدأ يأخذ اشكالاً عدة، أبرزها إنشاء نظام صاروخي روسي جديد في كالينغراد (بين بولندا وليتوانيا) كرد على المشروع الأمريكي لإقامة نظام صاروخي في بولندا وتشيكيا. ويشكل الصدام بين الدولتين في جورجيا والقفقاس، والتحدي الروسي القادم إلى الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية معالم واضحة للإخفاق الأمريكي في إرساء السلام العالمي على قاعدة متينة. بما يشير إلى بوادر بروز للاستقطاب الدولي ومخاوف من عودة الحرب الباردة والثنائية القطبية من جديد.
كما تاتي ملاحظات الحلفاء الأوروبيين ( ساركوزي – براون ) على برامج التدخلات الأمريكية في العالم، وملاحظات ألمانيا وكندا بشأن إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان، وتواتر انسحابات الدول المشاركة في قوات التحالف الدولي في العراق، إضافة إلى فشلها في تحقيق الاستقرار فيه لتزيد الصعوبات أمام السياسة الأمريكية الدولية، وتُوقعها في مزيد من العزلة، وتعرضها لكثير من صنوف الفشل، وتضعضع المكانة الأمريكية دولياً. دون أن ننسى حراجة موقفها من التوتر المتصاعد بين الهند والباكستان على خلفية الأعمال الإرهابية في مومباي، وتواضع دورها في موضوع القرصنة على السفن التجارية قرب الشواطىء الصومالية.
وبالترافق مع الفشل في معالجة الملف النووي لكل من إيران وكوريا الشمالية، واجهت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وقضاياه الشائكة فشلاً مثيلاً، لأنها قامت على إدارة سلبية لما أسمته " عملية السلام " دون الدفع بها إلى نتائج إيجابية ملموسة. ورغم أنها أول إدارة أمريكية طرحت حل الدولتين لموضوع الصراع العربي الإسرائيلي، ونادت بضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة خلال عام 2008، إلا أنها لم تستطع أن تكسب حتى ثقة نفسها بقدرتها على تحقيق هذا المشروع، ناهيك بثقة أصحاب العلاقة والمحيط العربي والمجتمع الدولي بذلك. وأبقت على دعمها غير المحدود للطرف الإسرائيلي وممالأته في قضايا تعلن معارضتها، كاستمرار الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري. وجعلت الفلسطينيين مجتمعاً وسلطة وطنية يدفعون ثمن أخطائهم وضريبة أطماع الإسرائيليين. ففي سنوات التفاوض الضائعة برعايتها، كان على الفلسطينيين أن يدفعوا دائماً ليقبض الإسرائيليون دائماً. وبفضل ذلك تمكنت إسرائيل من الإفلات الدائم من العقاب، وأقله اللوم على جرائمها المتكررة بحق شعب فلسطين وشعوب المنطقة. وليس ما جرى ويجري على أرض غزة بين نهاية عام ومطلع عام آخر إلا النموذج الفاجر للمجازر وأعمال الإرهاب التي تمارسها إسرائيل، المغطاة أمريكياً إلى حد التواطؤ، وهي تخالف الأعراف والمواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان، وتضرب عرض الحائط بقرارات الأمم المتحدة.
وهكذا وبفضل المعالجة العرجاء لقضايا المنطقة، وإهمال دور العرب وشراكتهم اللائقة في حل قضاياها، فقد جعلت الإدارة الأمريكية إيران أكبر مستفيد من نتائج أعمالها وسياساتها، مما أدى إلى دخول النفوذ الإيراني في المعادلة العربية وحضوره بقوة في جميع قضاياها ووصوله إلى شاطىء المتوسط. ودفعت الإرهاب ليصبح أحد مفاعيل العمل السياسي المستمرة فيها. ورمت بقضايا الشعوب في حماية استقلالها وأمنها الوطني، وفي تحقيق التنمية والديمقراطية والحداثة إلى الصفوف الخلفية. وتركت المنطقة في حالة انتظارية بوضع هش وقضايا معلقة، تهددها التوترات بين الدول والانقسامات داخل المجتمعات. كما تعبث فيها يد الإرهاب بين حين وآخر، لتأخذ مجرى الصراعات خارج الحدود السلمية. وما زالت سلطات الاستبداد بكل صلفها وفسادها تحتجز إرادة الشعوب في التغيير، وتهيمن على مقدراتها، وتعبث بأمن المنطقة وتحول دون استقرارها ونهوضها.
الإدارة الجديدة والتحديات المفروضة
" طريق وعر أمام مسافر " بهذه الكلمات المختصرة صور المحللون مهمة الرئيس الجديد في البيت الأبيض، وهي كذلك بالفعل. غير أن قدرته ( مع فريق عمله ) التي برزت في صياغة برنامجه للحكم ووقائع حملته الانتخابية يضفيان شيئاً من التفاؤل بإمكانية تحقيق شعاره " التغيير والأمل " الذي مكنه من جمع الفئات الشابة والنساء وناخبي الأقليات المختلفة على خياراته، وحقق انتخابه من أجل أن تتصالح أمريكا مع نفسها، وتعود إلى " روحها الدستورية والإنسانية ". وتشير كتبه المنشورة والمعبرة عن فلسفته وخياراته كسياسي طموح إلى أنه مدرك للمشاكل التي تواجه بلاده والاستحقاقات التي تنتظرها.
على الرغم من ذلك، تحذر بعض الأوساط من الإفراط في التفاؤل والاندفاع نحو تطلعات غير واقعية. فلابد من ملاحظة الحقائق السياسية في المواقع الملموسة، حيث تصنع السياسة وحيث تكون موضوعاً لها. فالرئيس الأمريكي – أي رئيس – لا يبتعد كثيراً عن الحدود التي ترسمها مصالح بلاده ومؤسساتها الكبرى، وهي راسخة وثقيلة الوطء. وهذا يفسر اختلاف الخطاب السياسي والمواقف المتخذة للرؤساء الأمريكيين بعد خروجهم من البيت البيض عنه أثناء وجودهم فيه.
من دون شك ستكون معالجة القضايا الداخلية موضوع الانكباب الأول للإدارة الجديدة ومحور الجهد الرئيس لعملها. ومن الملفات ذات الأولوية داخلياً: الأوضاع المالية والاقتصادية – البطالة وفرص العمل – المدارس – المواصلات – الدعم الاجتماعي، إضافة لقضايا أقل أهمية كالمعتقدات الدينية والإجهاض وغيرها... وبالإجمال فإن برنامج أوباما وسطي على الصعيد الاجتماعي.
تأتي السياسة الدولية والأوضاع العالمية في الأهمية الثانية. ورغم أن المصالح الأمريكية الاستراتيجية في الفضاء الدولي لا تتغير بتغير الرئيس أو الحزب الحاكم، إلا أن ثبات المصالح لا يحول دون مقاربات مختلفة ومتباينة للقضايا موضوع الاشتباك على الساحة الدولية. ولأن الأرضية التي ينطلق منها فكر أوباما السياسي واقعية وليست أيديولوجية، فمن المرجح أن تتأثر بهذا القدر او ذاك بالوقائع الجديدة على الصعيد الدولي والمناخات التي تحدثها تلك الوقائع. وتنطلق لبناء سياسة جديدة للأمن القومي الأمريكي لاتعتمد على القوة العسكرية وحدها، إنما على تعاضد القوة العسكرية مع " الدبلوماسية الفعالة ".
فالحديث عن " مسارات وآليات تفاوض "، والعمل على إقامة تعاون " بناء وإيجابي " للتوصل إلى " استقرار دولي "، وكثرة الحديث عن رغبة أوباما وقدرته على تطوير صياغة جديدة متوازنة لأدوار واشنطن على الساحة الدولية وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، كل ذلك يفترض بروز أشكال جديدة للعلاقة مع حلفائه في أوروبا وآسيا، تقوم على احترام الأدوار وزيادة التعاون بين الأفرقاء ومراعاة ميزان المصالح بالنسبة للجميع. كما يفترض إعادة النظر بالعلاقة مع القوى الدولية الصاعدة وتلك التي تطمح لاستعادة دور مفقود على أساس شروط متوازنة للأمن الاقتصادي والعسكري والحضور السياسي في المحيط الإقليمي للدول عبر مراعاة مصالح الآخرين. ومن الطبيعي أن يتم الدخول على خط المصالحة الوطنية لتأمين السلم والاستقرار الداخلي في مسرح العمليات العسكرية للجيوش الأمريكية في كل من العراق وأفغانستان. وهو مسعى خضعت لموجباته الإدارة الراحلة وبدأت به.
إن توسيع دائرة البراغماتية في العلاقات الدولية، يقتضي أيضاً إعادة تقييم لدور الأمم المتحدة، ورفع يد الهيمنة الأمريكية الأحادية عنها. فتجاهل دور الأمم المتحدة، وتدخل الإدارة الأمريكية في عملها بشكل سافر، أساء للجانبين معاً، وأفقد المنظمة الأممية الكثير من ألقها. فلا بد من استعادة دور الأمم المتحدة في تنظيم العلاقات الدولية، وحماية حقوق الشعوب ومستقبل البشرية.
وفي شؤون المنطقة، يحتل الشرق الأوسط مساحة واسعة من جدول اعمال الرئيس الأمريكي وإدارته العتيدة. فبعض القضايا متفجر، وبعضها مستعر بحرارة عالية، والبعض الآخر متفاقم لدرجة الاستعصاء. وجميع هذه القضايا متصلة ببعضها بوشائج شتى، وتتبادل التأثر والتأثير. ويبدو أن تقرير بيكر – هاملتون، وما طرحه بشأن المنطقة، سيكون من الوثائق الموضوعة على طاولة الرئيس.
أثناء حملته الانتخابية كشف المرشح الرئاسي أوباما عن أفكار وتوجهات ومقاربات لهذه القضايا متباينة مع ما نفذته إدارة بلاده. ففي الملف الإيراني، أشار إلى أنه " يفضل الحوار على العمل العسكري ". إلا أن الرئيس المنتخب أوباما وفي أول مؤتمر صحفي له، أعلن أنه " لن يقبل بإيران دولة نووية ". مما يشير إلى انزياحات السياسات في الواقع وأثناء ممارسة السلطة عنها في البرامج الانتخابية ووعودها السخية في أوضاع الراحة.
الشرق الأوسط والمهمات الراهنة
جاء في نصيحة قدمها لأوباما اثنان من المستشارين السابقين للرئيس الأمريكي في شؤون الأمن القومي ضرورة " إعطاء أولوية لعملية السلام العربية الإسرائيلية " وعدم الإقدام على شيء يهدد بالتراجع، لأن هناك " فرصة متاحة ".وبغض النظر عن مدى استجابة الإدارة الأمريكية لهذه النصيحة، فهي تعلم جيداً أنه لا يمكن التعامل مع قضايا المنطقة المختلفة بمعزل عن تأثيرات القضية الفلسطينية. وتعلم أيضاً أنها بحاجة إلى شراكة العرب في الحرب على الإرهاب وفي ضمان الاستقرار في الشرق الوسط. فالعرب طرف في جميع قضايا المنطقة وعليها أن تصوغ علاقات جديدة معهم. وهنا لا بد من القول أيضاً: بأن إعادة صياغة العلاقات العربية الأمريكية بشكل أفضل مرهون بدور عربي موحد، ويعرف مايريد. وهذا مشروط بأن يبدي أصحاب القضية قدرة على وضع حقوقهم ومصالحهم موضع الاهتمام لانتزاعها.
من المؤكد أن يقوم الرئيس الأمريكي الجديد بإجراءات تحد من العدائية للإسلام والكف عن وصفه بالإرهاب. وسيعمل على إقفال سجن غوانتنامو ومحاولة التطهر الأخلاقي من ذيوله وذيول أساليب التعذيب التي مورست، والتنصل من تصرفات جيشه وشركاته الأمنية. كما يمكن أن يتبارى سفراؤه ودبلوماسيوه بالتعبير عن تضامنهم الإنساني مع العرب وقضاياهم، وتقديم مساعدات عن طريق وكالة الغوث. غير أن ذلك لا يغني ولا يسمن من جوع.
ما يتطلع إليه العرب من ترحيبهم بالتغيير الحاصل والمأمول في الإدارة الأمريكية أعمق من ذلك. فهو يمس الجوهر فيما تعاني منه المنطقة. لأنه لم يعد هناك متسع من الوقت لإضاعته. فتفاقم القضايا وطول إهمالها وحجم الظلم والقهر فيها وصل حد الخطر والتفجر والتهديد بالفوضى الشاملة.
- لابد من وضع حد لاحتلال العراق وخروج القوات الأجنبية منه، على أن لايكون خروجاً من الباب لعودة من النافذة عن طريق المعاهدات والاتفاقات المفروضة والقواعد العسكرية... وقد كان الرئيس أوباما ضد الحرب على العراق، ومن دعاة البحث عن مخرج مناسب أسماه " انسحاب مسؤول ".
- لابد من من ضمان وحدة العراق واستقلاله وكف يد التدخل الإيراني والتدخلات الأخرى في شؤونه، ومساعدته في بناء الدولة الديمقراطية العصرية.
نتائج الانتخابات - مؤشرات ودلالات
أجمع المراقبون، داخل الولايات المتحدة وخارجها، على الطابع التاريخي لهذه الانتخابات. فهي تشكل انتصاراً للنظام الديمقراطي وللشعب الأمريكي على عهد العنصرية الطويل. حيث وضع انتخاب أوباما كأول رئيس من أصول أفريقية آخر مسمار في نعشه. وبانهيار حاجز الكراهية العرقية والدينية والإثنية يتحقق حلم مارتن لوثر كينغ ( داعية كبير للحقوق المدنية اغتيل عام 1965 ) بأن يعيش أطفاله في يوم من الأيام " بدولة لن تعاملهم حسب لون جلدهم، لكن حسب شخصياتهم ". من هنا استحق الحدث أن تقول عنه الصحافة الأمريكية " اليوم يصنع التاريخ ".
جاءت نتائج الانتخابات استفتاء على الفلسفة السياسية والنهج الأمريكيين. إذ فازت الواقعية المنفتحة في الحزب الديمقراطي الذي يمثل " يسار السياسة الأمريكية " على الأيديولوجيا المغلقة لليمين المحافظ الذي يمثله اللبراليون الجدد عندما هيمنوا على الإدارة الجمهورية في عهد بوش وطبعوها بطابعهم.
إن وجود كونغرس يقوده الديمقراطيون بمجلسي الشيوخ والنواب إلى جانب رئيس ديمقراطي بمواصفات شخصية وكارزمية واضحة، يوفر إمكانية جيدة لحصول عملية تغيير ملموس في واشنطن. فالتفويض الكاسح الذي حظي به الرئيس المنتخب والنهج الذي بشر به يرتبان عليه مسؤولية التصحيح والترميم لسياسات شاخت وانكشفت وبانت نتائجها الكارثية أمريكياً وعالمياً وفي منطقتنا بشكل بارز. ويمنحانه فرصة لإعادة صياغة " فرضيات البلاد " وأولوياتها الحقيقية ومسؤولياتها الدولية، وتشكيل رأي عام حولها. ويرى الناخب الأمريكي فيما قدمه في هذه الانتخابات أن الإفلات من نهج بوش وإدارته وشعاراته ليس امراً ممكناً فقط، لكنه مطلوب بقوة أيضاً. وهو يعول على الإدارة الجديدة أن تطلق عملية إعادة نظر بهذا الإرث ومراجعة لاستراتيجياته وتكتيكاته، في وقت تبدو فيه أمريكا قبل غيرها بحاجة لهذه المراجعة.
لقد وفرت البراغماتية، التي تسم العقل الغربي عموماً والأمريكي على وجه الخصوص، على الدوام آليات تصحيح ذاتي للمناهج والسياسات والتوجهات التي تطلقها النخب وتسود في المجتمعات. وتتكفل بها هذه المرة الديمقراطية الأمريكية بانتخابها إدارة جديدة، يمكن للمرء أن يتوقع منها تصحيحاً للسياسات والمواقف السابقة، وتحسيناً لصورة أمريكا في العالم بعد أن اسود وجهها من الخطايا والارتكابات الكبيرة لإدارة بوش الضارة بالمصالح الأمريكية والأمن والسلام الدوليين. وهذا ما يفسر الترحيب الدولي الواسع وغير المسبوق في التاريخ السياسي الأمريكي بهذا الحدث. حتى بدا وكأن العالم ينتخب رئيساً له. وتلك مأثرة تسجل للإدارة القادمة ومسؤولية في عنقها في الوقت نفسه. جعلت الأمريكيين العرب متفائلين بهذا الحدث على أنه " تحول تاريخي ".
تركة المحافظين الجدد
بعد ثماني سنوات متواصلة من حكم اليمين الديني المحافظ بإدارة جورج بوش الابن، تبدو حصيلة السياسات التي طبقت داخلياً وخارجياً كارثية ومدمرة. فالرئيس الذي يقود نظاماً علمانياً من أبرز النظم العلمانية المعاصرة، وفي الدولة الأعظم في العالم، يمارس عمله ويتخذ قراراته ( في بعض جوانبها ) على هدي رؤياه الدينية وتهويمات مبشريه وتعصبهم. ولا يتوانى عن الجهر بل الفخر بذلك.
ولم يكن الرئيس أوباما متفاجئاً بالوضع المزري لحصاد السنوات الثمانية الأولى من الألفية الثالثة والقرن الحادي والعشرين، الذي أنتجته تكتيكات بوش وتصرفاته الهوجاء والمتعجرفة، وقد أشار إليها في أكثر من مناسبة، خلال السباق إلى البيت الأبيض وكذلك في خطاب القسم. فالملفات التي تنتظره كبيرة وشائكة ومعقدة. ولن يكون أسلوب معالجتها والنجاح في تسوية قضاياها أمراً يسيراً ومتاحاً وراهناً. تستوي في ذلك الملفات الداخلية والدولية، وفي كافة المواقع السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية. وأهم ما في الأمر، كيف يستعيد صورة أمريكا ودورها المأمول بنظر الأمريكيين أولاً، وبنظر العالم ثانياً.
فعلى الصعيد الداخلي: تبرز الأزمة المالية، التي تسترت عليها طويلاً الإدارة السابقة. وحالات الإفلاس والفساد والاحتيال الكبرى والمتصاعدة ثقيلة في تركة السلف للخلف. وقد طالت عدداً من الشركات العملاقة والمؤسسات المالية الضخمة، وتطلبت تدخلاً إنقاذياً كبيراً ومباشراً من الدولة. وها هي اليوم تمتد للاقتصاد، وتتمظهر على شكل ركود كبير وكساد ضخم في سوق السلع والخدمات، وبطالة هائلة في اقتصاد هو الأضخم على الصعيد العالمي. وهناك الميزان التجاري الخاسر منذ السبعينات والعجز المزمن في الموازنة الذي يبلغ عام 2008 - 2009 أكثر من 1،2 تريليون دولار. ويعتقد أكثر الخبراء تفاؤلاً، أن تجاوز هذه الأزمة الاقتصادية لن يكون متاحاً قبل عقد من الزمن وبظل إجراءات جراحية مؤلمة.
وفي الشأن السياسي، يبدو الأمريكيون مرتبكين في الإجابة عن سؤالهم الصعب " لماذا يكرهوننا؟! " بعد حروب وصراعات وجروح دامية في العراق وأفغانستان والصومال، وأعمال الإرهاب المنتشرة في غير مكان من العالم. وكان ثمن ذلك 2،5 تريليون من الدولارات وخمسة آلاف من القتلى وأكثر من ثلاثة وأربعين ألف جريح ومعاق، مع قدر كبير من الجروح الثقافية والأخلاقية في الضمير الأمريكي وفقدان الهيبة والسمعة والمصداقية بتأثير ما جرى في " أبو غريب " و " غوانتنامو " والسجون السرية الأخرى، ما عرف منها وما لم يكشف النقاب عنها بعد.
وعلى الصعيد الخارجي: يظهر بوضوح فشل السياسة الأمريكية المنصرمة في جعل " العالم أكثر أمناً "، كما أعلنت عن ذلك مراراً عند تسلمها السلطة، وفي مستهل أي عمل دموي ومتغطرس قامت به. بل أصبح العالم أقل أمناً بكثير مما كان عليه عند مجيئها، نتيجة الفوقية والأحادية والأيديولوجيا الدينية المحافظة التي طبقت.
فلقد دخلت العلاقات الثنائية بينها وبين روسيا في حال من التوتر الظاهر، بدأ يأخذ اشكالاً عدة، أبرزها إنشاء نظام صاروخي روسي جديد في كالينغراد (بين بولندا وليتوانيا) كرد على المشروع الأمريكي لإقامة نظام صاروخي في بولندا وتشيكيا. ويشكل الصدام بين الدولتين في جورجيا والقفقاس، والتحدي الروسي القادم إلى الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية معالم واضحة للإخفاق الأمريكي في إرساء السلام العالمي على قاعدة متينة. بما يشير إلى بوادر بروز للاستقطاب الدولي ومخاوف من عودة الحرب الباردة والثنائية القطبية من جديد.
كما تاتي ملاحظات الحلفاء الأوروبيين ( ساركوزي – براون ) على برامج التدخلات الأمريكية في العالم، وملاحظات ألمانيا وكندا بشأن إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان، وتواتر انسحابات الدول المشاركة في قوات التحالف الدولي في العراق، إضافة إلى فشلها في تحقيق الاستقرار فيه لتزيد الصعوبات أمام السياسة الأمريكية الدولية، وتُوقعها في مزيد من العزلة، وتعرضها لكثير من صنوف الفشل، وتضعضع المكانة الأمريكية دولياً. دون أن ننسى حراجة موقفها من التوتر المتصاعد بين الهند والباكستان على خلفية الأعمال الإرهابية في مومباي، وتواضع دورها في موضوع القرصنة على السفن التجارية قرب الشواطىء الصومالية.
وبالترافق مع الفشل في معالجة الملف النووي لكل من إيران وكوريا الشمالية، واجهت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وقضاياه الشائكة فشلاً مثيلاً، لأنها قامت على إدارة سلبية لما أسمته " عملية السلام " دون الدفع بها إلى نتائج إيجابية ملموسة. ورغم أنها أول إدارة أمريكية طرحت حل الدولتين لموضوع الصراع العربي الإسرائيلي، ونادت بضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة خلال عام 2008، إلا أنها لم تستطع أن تكسب حتى ثقة نفسها بقدرتها على تحقيق هذا المشروع، ناهيك بثقة أصحاب العلاقة والمحيط العربي والمجتمع الدولي بذلك. وأبقت على دعمها غير المحدود للطرف الإسرائيلي وممالأته في قضايا تعلن معارضتها، كاستمرار الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري. وجعلت الفلسطينيين مجتمعاً وسلطة وطنية يدفعون ثمن أخطائهم وضريبة أطماع الإسرائيليين. ففي سنوات التفاوض الضائعة برعايتها، كان على الفلسطينيين أن يدفعوا دائماً ليقبض الإسرائيليون دائماً. وبفضل ذلك تمكنت إسرائيل من الإفلات الدائم من العقاب، وأقله اللوم على جرائمها المتكررة بحق شعب فلسطين وشعوب المنطقة. وليس ما جرى ويجري على أرض غزة بين نهاية عام ومطلع عام آخر إلا النموذج الفاجر للمجازر وأعمال الإرهاب التي تمارسها إسرائيل، المغطاة أمريكياً إلى حد التواطؤ، وهي تخالف الأعراف والمواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان، وتضرب عرض الحائط بقرارات الأمم المتحدة.
وهكذا وبفضل المعالجة العرجاء لقضايا المنطقة، وإهمال دور العرب وشراكتهم اللائقة في حل قضاياها، فقد جعلت الإدارة الأمريكية إيران أكبر مستفيد من نتائج أعمالها وسياساتها، مما أدى إلى دخول النفوذ الإيراني في المعادلة العربية وحضوره بقوة في جميع قضاياها ووصوله إلى شاطىء المتوسط. ودفعت الإرهاب ليصبح أحد مفاعيل العمل السياسي المستمرة فيها. ورمت بقضايا الشعوب في حماية استقلالها وأمنها الوطني، وفي تحقيق التنمية والديمقراطية والحداثة إلى الصفوف الخلفية. وتركت المنطقة في حالة انتظارية بوضع هش وقضايا معلقة، تهددها التوترات بين الدول والانقسامات داخل المجتمعات. كما تعبث فيها يد الإرهاب بين حين وآخر، لتأخذ مجرى الصراعات خارج الحدود السلمية. وما زالت سلطات الاستبداد بكل صلفها وفسادها تحتجز إرادة الشعوب في التغيير، وتهيمن على مقدراتها، وتعبث بأمن المنطقة وتحول دون استقرارها ونهوضها.
الإدارة الجديدة والتحديات المفروضة
" طريق وعر أمام مسافر " بهذه الكلمات المختصرة صور المحللون مهمة الرئيس الجديد في البيت الأبيض، وهي كذلك بالفعل. غير أن قدرته ( مع فريق عمله ) التي برزت في صياغة برنامجه للحكم ووقائع حملته الانتخابية يضفيان شيئاً من التفاؤل بإمكانية تحقيق شعاره " التغيير والأمل " الذي مكنه من جمع الفئات الشابة والنساء وناخبي الأقليات المختلفة على خياراته، وحقق انتخابه من أجل أن تتصالح أمريكا مع نفسها، وتعود إلى " روحها الدستورية والإنسانية ". وتشير كتبه المنشورة والمعبرة عن فلسفته وخياراته كسياسي طموح إلى أنه مدرك للمشاكل التي تواجه بلاده والاستحقاقات التي تنتظرها.
على الرغم من ذلك، تحذر بعض الأوساط من الإفراط في التفاؤل والاندفاع نحو تطلعات غير واقعية. فلابد من ملاحظة الحقائق السياسية في المواقع الملموسة، حيث تصنع السياسة وحيث تكون موضوعاً لها. فالرئيس الأمريكي – أي رئيس – لا يبتعد كثيراً عن الحدود التي ترسمها مصالح بلاده ومؤسساتها الكبرى، وهي راسخة وثقيلة الوطء. وهذا يفسر اختلاف الخطاب السياسي والمواقف المتخذة للرؤساء الأمريكيين بعد خروجهم من البيت البيض عنه أثناء وجودهم فيه.
من دون شك ستكون معالجة القضايا الداخلية موضوع الانكباب الأول للإدارة الجديدة ومحور الجهد الرئيس لعملها. ومن الملفات ذات الأولوية داخلياً: الأوضاع المالية والاقتصادية – البطالة وفرص العمل – المدارس – المواصلات – الدعم الاجتماعي، إضافة لقضايا أقل أهمية كالمعتقدات الدينية والإجهاض وغيرها... وبالإجمال فإن برنامج أوباما وسطي على الصعيد الاجتماعي.
تأتي السياسة الدولية والأوضاع العالمية في الأهمية الثانية. ورغم أن المصالح الأمريكية الاستراتيجية في الفضاء الدولي لا تتغير بتغير الرئيس أو الحزب الحاكم، إلا أن ثبات المصالح لا يحول دون مقاربات مختلفة ومتباينة للقضايا موضوع الاشتباك على الساحة الدولية. ولأن الأرضية التي ينطلق منها فكر أوباما السياسي واقعية وليست أيديولوجية، فمن المرجح أن تتأثر بهذا القدر او ذاك بالوقائع الجديدة على الصعيد الدولي والمناخات التي تحدثها تلك الوقائع. وتنطلق لبناء سياسة جديدة للأمن القومي الأمريكي لاتعتمد على القوة العسكرية وحدها، إنما على تعاضد القوة العسكرية مع " الدبلوماسية الفعالة ".
فالحديث عن " مسارات وآليات تفاوض "، والعمل على إقامة تعاون " بناء وإيجابي " للتوصل إلى " استقرار دولي "، وكثرة الحديث عن رغبة أوباما وقدرته على تطوير صياغة جديدة متوازنة لأدوار واشنطن على الساحة الدولية وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، كل ذلك يفترض بروز أشكال جديدة للعلاقة مع حلفائه في أوروبا وآسيا، تقوم على احترام الأدوار وزيادة التعاون بين الأفرقاء ومراعاة ميزان المصالح بالنسبة للجميع. كما يفترض إعادة النظر بالعلاقة مع القوى الدولية الصاعدة وتلك التي تطمح لاستعادة دور مفقود على أساس شروط متوازنة للأمن الاقتصادي والعسكري والحضور السياسي في المحيط الإقليمي للدول عبر مراعاة مصالح الآخرين. ومن الطبيعي أن يتم الدخول على خط المصالحة الوطنية لتأمين السلم والاستقرار الداخلي في مسرح العمليات العسكرية للجيوش الأمريكية في كل من العراق وأفغانستان. وهو مسعى خضعت لموجباته الإدارة الراحلة وبدأت به.
إن توسيع دائرة البراغماتية في العلاقات الدولية، يقتضي أيضاً إعادة تقييم لدور الأمم المتحدة، ورفع يد الهيمنة الأمريكية الأحادية عنها. فتجاهل دور الأمم المتحدة، وتدخل الإدارة الأمريكية في عملها بشكل سافر، أساء للجانبين معاً، وأفقد المنظمة الأممية الكثير من ألقها. فلا بد من استعادة دور الأمم المتحدة في تنظيم العلاقات الدولية، وحماية حقوق الشعوب ومستقبل البشرية.
وفي شؤون المنطقة، يحتل الشرق الأوسط مساحة واسعة من جدول اعمال الرئيس الأمريكي وإدارته العتيدة. فبعض القضايا متفجر، وبعضها مستعر بحرارة عالية، والبعض الآخر متفاقم لدرجة الاستعصاء. وجميع هذه القضايا متصلة ببعضها بوشائج شتى، وتتبادل التأثر والتأثير. ويبدو أن تقرير بيكر – هاملتون، وما طرحه بشأن المنطقة، سيكون من الوثائق الموضوعة على طاولة الرئيس.
أثناء حملته الانتخابية كشف المرشح الرئاسي أوباما عن أفكار وتوجهات ومقاربات لهذه القضايا متباينة مع ما نفذته إدارة بلاده. ففي الملف الإيراني، أشار إلى أنه " يفضل الحوار على العمل العسكري ". إلا أن الرئيس المنتخب أوباما وفي أول مؤتمر صحفي له، أعلن أنه " لن يقبل بإيران دولة نووية ". مما يشير إلى انزياحات السياسات في الواقع وأثناء ممارسة السلطة عنها في البرامج الانتخابية ووعودها السخية في أوضاع الراحة.
الشرق الأوسط والمهمات الراهنة
جاء في نصيحة قدمها لأوباما اثنان من المستشارين السابقين للرئيس الأمريكي في شؤون الأمن القومي ضرورة " إعطاء أولوية لعملية السلام العربية الإسرائيلية " وعدم الإقدام على شيء يهدد بالتراجع، لأن هناك " فرصة متاحة ".وبغض النظر عن مدى استجابة الإدارة الأمريكية لهذه النصيحة، فهي تعلم جيداً أنه لا يمكن التعامل مع قضايا المنطقة المختلفة بمعزل عن تأثيرات القضية الفلسطينية. وتعلم أيضاً أنها بحاجة إلى شراكة العرب في الحرب على الإرهاب وفي ضمان الاستقرار في الشرق الوسط. فالعرب طرف في جميع قضايا المنطقة وعليها أن تصوغ علاقات جديدة معهم. وهنا لا بد من القول أيضاً: بأن إعادة صياغة العلاقات العربية الأمريكية بشكل أفضل مرهون بدور عربي موحد، ويعرف مايريد. وهذا مشروط بأن يبدي أصحاب القضية قدرة على وضع حقوقهم ومصالحهم موضع الاهتمام لانتزاعها.
من المؤكد أن يقوم الرئيس الأمريكي الجديد بإجراءات تحد من العدائية للإسلام والكف عن وصفه بالإرهاب. وسيعمل على إقفال سجن غوانتنامو ومحاولة التطهر الأخلاقي من ذيوله وذيول أساليب التعذيب التي مورست، والتنصل من تصرفات جيشه وشركاته الأمنية. كما يمكن أن يتبارى سفراؤه ودبلوماسيوه بالتعبير عن تضامنهم الإنساني مع العرب وقضاياهم، وتقديم مساعدات عن طريق وكالة الغوث. غير أن ذلك لا يغني ولا يسمن من جوع.
ما يتطلع إليه العرب من ترحيبهم بالتغيير الحاصل والمأمول في الإدارة الأمريكية أعمق من ذلك. فهو يمس الجوهر فيما تعاني منه المنطقة. لأنه لم يعد هناك متسع من الوقت لإضاعته. فتفاقم القضايا وطول إهمالها وحجم الظلم والقهر فيها وصل حد الخطر والتفجر والتهديد بالفوضى الشاملة.
- لابد من وضع حد لاحتلال العراق وخروج القوات الأجنبية منه، على أن لايكون خروجاً من الباب لعودة من النافذة عن طريق المعاهدات والاتفاقات المفروضة والقواعد العسكرية... وقد كان الرئيس أوباما ضد الحرب على العراق، ومن دعاة البحث عن مخرج مناسب أسماه " انسحاب مسؤول ".
- لابد من من ضمان وحدة العراق واستقلاله وكف يد التدخل الإيراني والتدخلات الأخرى في شؤونه، ومساعدته في بناء الدولة الديمقراطية العصرية.
-إعادة العراق إلى موقعه كجزء من المعادلة العربية، وإعادة الوضع العربي ليصبح جزءاً من المعادلة العراقية.
- احترام سيادة واستقلال دول المنطقة، وضمان عدم التدخل في شؤونها والاعتداء عليها بالأصالة أو بالوكالة.
-احترام إرادة الشعوب في بناء حياتها، ودعم قضية الديمقراطية في المنطقة بالأساليب الديمقراطية والسلمية.
-وضع حد للعربدة الإسرائيلية في تجاهل الحقوق العربية وفرض الأمر الواقع على الفلسطينيين، باستمرار احتلال الأرض والاستيطان وأعمال الإرهاب والتنكيل والحصار والمجازر المتنقلة.
-الدفع باتجاه تحقيق مشروع الاستقلال الوطني للشعب الفلسطيني على الضفة والقطاع، وبناء الدولة القابلة للحياة وعاصمتها القدس.
والعمل على وقف الاستيطان وحل مشكلة اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة. طالما أبدى السيد الجديد للبيت البيض توجهاً للانخراط " البناء " في عملية السلام.
- دعم المبادرة العربية للسلام.
مؤشرات أخرى يقدمها كثيرون، تشكك بقدرة أوباما على التغيير الإيجابي المأمول. تركز على مصالح الولايات المتحدة الثابتة في المنطقة والتزامها الدائم بأمن إسرائيل وتحقيق مصالحها وتفوقها، مستندة إلى كثرة أصدقائها في الإدارة الجديدة. وأن أوباما أولاً وآخراً ابن المؤسسة الحاكمة وراعي مصالحها، ولا يستطيع الفكاك منها. خاصة وأن بعض تصريحاته تدعم " وحدة القدس كعاصمة لإسرائيل ".
الواقع مؤلم، والمهام صعبة لكنها مطلوبة.
صعوبة الواقع العنيد لم تكن لتحول دون الأمل بتغييره والعمل على ذلك أبداً. وإلا لما كان للسياسة في أي يوم من الأيام موقع في عالم القوى والمصالح المتلاطمة.
- دعم المبادرة العربية للسلام.
مؤشرات أخرى يقدمها كثيرون، تشكك بقدرة أوباما على التغيير الإيجابي المأمول. تركز على مصالح الولايات المتحدة الثابتة في المنطقة والتزامها الدائم بأمن إسرائيل وتحقيق مصالحها وتفوقها، مستندة إلى كثرة أصدقائها في الإدارة الجديدة. وأن أوباما أولاً وآخراً ابن المؤسسة الحاكمة وراعي مصالحها، ولا يستطيع الفكاك منها. خاصة وأن بعض تصريحاته تدعم " وحدة القدس كعاصمة لإسرائيل ".
الواقع مؤلم، والمهام صعبة لكنها مطلوبة.
صعوبة الواقع العنيد لم تكن لتحول دون الأمل بتغييره والعمل على ذلك أبداً. وإلا لما كان للسياسة في أي يوم من الأيام موقع في عالم القوى والمصالح المتلاطمة.