"اختيار كلينتون لن يحدث تغييرات كبيرة على السياسة الأمريكية في الشرق الوسط"
الرئيس المنتخب يسعى إلى تجاوز خلافات وانشقاقات داخل الحزب"
رحبت ألمانيا بالحكومة الأمريكية الجديدة وباختيار هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية الأمريكية، لكن الخبيرة الألمانية يوهانسن حذرت من عقد آمال كبيرة في أن تحدث الوزيرة المرتقبة تغييرات على السياسة الأمريكية إزاء الشرق الأوسط.
قوبلت التشكيلة الحكومية الجديدة التي أعلن عنها مساء أمس الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما بترحيب أوروبي واسع. وحظي اختيار السيدة الأولى سابقا في البيت الأبيض، هيلاري كلينتون، وزيرة للخارجية مباركة من عدد من وزراء الخارجية الأوروبيين، على غرار الفرنسي كوشنير والبريطاني ميليباند. وبهذا الاختيار ستصبح هيلاري كلينتون ثالث امرأة بعد مادلين أولبرايت وكوندوليزا رايس، تتولى منصب وزارة الخارجية.
ومن جانبها رحبت برلين بتشكيلة الحكومة الأمريكية المُقبلة، حيث أعرب وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير اليوم في لاهاي الهولاندية عن تفاؤله بأن الحكومة الأمريكية الجديدة ستعمل على حل الأزمات في بؤر التوتر في عدد من المناطق على غرار أفغانستان والدول المجاورة. وأكد على ثقته بأن الحكومة الأمريكية الجديدة ستشارك في إيجاد حل سلمي للصراع في الشرق الأوسط. وفيما يتعلق بتولي هيلاري كلينتون منصب وزيرة الخارجية الأمريكية، أعرب الوزير الألماني عن ترحيبه وتفاؤله بأن التعاون معها سيتسم بالثقة المتبادلة، إلا أنه لفت النظر في الوقت نفسه إلى ضرورة مناقشة بعض الأمور مع الإدارة الأمريكية الجديدة. وفي السياق نفسه، وصف مسؤول السياسة الخارجية بالحزب الاشتراكي الديمقراطي رولف موتسينش قرار اختيار هيلاري كلينتون كوزيرة للخارجية بـ"الخبر الجيد". وقال موتسينش إنه يجب أن يعطي صناع القرار الجدد فرصة للدبلوماسية بعد القرارات الخاطئة الفادحة التي اتخذتها إدارة جورج بوش.
اختيار كلينتون لتجاوز خلافات الماضي ودعم الصف الديمقراطي
ترحيب ألماني بالتشكيل الحكومي الجديد
على صعيد آخر، ترى الخبيرة الألمانية في شؤون الشرق الأوسط من المعهد الألماني لأبحاث السلام والسياسات الأمنية في مدينة هامبورغ مارغريت يوهانسن أن اختيار باراك أوباما لمنافسته السابقة على الرئاسة الأمريكية هيلاري كلينتون قد تكون له أبعاد شخصية، ذلك أن الرئيس المنتخب يسعى إلى تجاوز خلافات وانشقاقات داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي والاستفادة من علاقاتها وخبرتها السياسية التي جمعتها أثناء فترة تولي زوجها الرئاسة، وكذلك كسيناتورة ولاية نيويورك في مجلس الشيوخ الأمريكي. وبينما يرى بعض المراقبين أن شعبية هيلاري كلينتون في العالم قد تساعد على تلميع صورة السياسية الخارجية الأمريكية في عدد من المناطق، أعربت مارغريت بوهانسين عن تحفظها تجاه اختيار سيدة أمريكا الأولى سابقا لتولي منصب وزيرة الخارجية الأمريكية وقالت إن هيلاري كلينتون، وعلى الرغم من أنها سياسية محنكة وذات تجارب سياسية طويلة، إلا أن تجاربها السياسية تقتصر على الصعيد الداخلي بينما تفتقد إلى التجربة على الصعيد الخارجي. وأشارت مارغريت يوهانسين إلى أن هيلاري كلينتون قد تكون مازالت تتطلع إلى الفوز بكرسي الرئاسة في الولايات المتحدة بعد أوباما وبالتالي فإن هذا المنصب يُعد الأفضل ليُمهّد لها الطريق لتحقيق آمالها السياسية.
"مواقف كلينتون تجاه بعض البلدان تتسم بالشدة"
وتوقعت الخبيرة الألمانية في شؤون الشرق الأوسط أن اختيار هيلاري كلينتون لن يجلب معه تغييرات كبيرة في السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، مُشيرة إلى مواقف كلينتون الصارمة تجاه بعض دول المنطقة، والتي كانت أعلنت عنها خلال حملتها الانتخابية. الجدير بالذكر أن كلينتون كانت انتقدت بشدة دعوة منافسها على الرئاسة الأمريكية آنذاك، باراك أوباما، إلى خوض محادثات مُباشرة مع إيران وسوريا وكوريا الشمالية ووصفتها "بالساذجة". وتقول يوهانسين إن موقف هيلاري من إيران يتسم بالشدة، ذلك أنها لم تستبعد مثلا شن ضربة عسكرية ضد طهران إن لم تتراجع عن طموحاتها النووية. كما وصفت موقفها في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بأنه موقف يميل إلى تأييد الطرف الإسرائيلي على حساب الطرف الفلسطيني، مشيرة إلى موقفها المؤيد لبناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية مثلا، وكذلك موقفها الرافض لحركة حماس والتي تصفها بأنها منظمة إرهابية، وهو ما سيصعب من دورها من جهة في التوفيق بين الشقّين المتنازعين في الأراضي الفلسطينية، ومن جهة أخرى في تسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
"مواقف كلينتون تجاه بعض البلدان تتسم بالشدة"
وتوقعت الخبيرة الألمانية في شؤون الشرق الأوسط أن اختيار هيلاري كلينتون لن يجلب معه تغييرات كبيرة في السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، مُشيرة إلى مواقف كلينتون الصارمة تجاه بعض دول المنطقة، والتي كانت أعلنت عنها خلال حملتها الانتخابية. الجدير بالذكر أن كلينتون كانت انتقدت بشدة دعوة منافسها على الرئاسة الأمريكية آنذاك، باراك أوباما، إلى خوض محادثات مُباشرة مع إيران وسوريا وكوريا الشمالية ووصفتها "بالساذجة". وتقول يوهانسين إن موقف هيلاري من إيران يتسم بالشدة، ذلك أنها لم تستبعد مثلا شن ضربة عسكرية ضد طهران إن لم تتراجع عن طموحاتها النووية. كما وصفت موقفها في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بأنه موقف يميل إلى تأييد الطرف الإسرائيلي على حساب الطرف الفلسطيني، مشيرة إلى موقفها المؤيد لبناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية مثلا، وكذلك موقفها الرافض لحركة حماس والتي تصفها بأنها منظمة إرهابية، وهو ما سيصعب من دورها من جهة في التوفيق بين الشقّين المتنازعين في الأراضي الفلسطينية، ومن جهة أخرى في تسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
الخبيرة الألمانية لا تتوقع تغيراً في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط
غير أن يوهانسين لفتت النظر في الوقت نفسه إلى موقف هيلاري كلينتون الرافض للحضور العسكري الأمريكي في العراق وإلى دعوتها إشراك الدول المجاورة له في محادثات السلام. بيد أن ذلك لم يمنع الخبيرة في الشؤون الشرق أوسطية من التحذير من تعليق آمال كبيرة في أن تسلك هيلاري كلينتون مسارا سياسيا على الصعيد الخارجي يغاير السياسة الخارجية الأمريكية الحالية، وأعربت يوهانسين عن اعتقادها بعدم حدوث تغيير في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وقالت إنها تتوقع أن تبقى "النقاط الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط على ماهو عليه، باستثناء العراق" في إشارة إلى وعد أوباما بسحب القوات الأمريكية من أراضيه خلال فترة زمنية محددة.
وشددت الخبيرة الألمانية من معهد أبحاث السلام والدراسات الأمنية في مدينة هامبوغ على أن توقعاتها مبنية على تصريحات هيلاري كلينتون خلال الحملة الانتخابية التي خاضتها ضد منافسها آنذاك باراك أوباما. وقالت إنه لا يمكن الحكم بصفة نهائية على دور كلينتون في المنطقة إلا بعد أن تتولى مهام منصبها.
يذكر أن هيلاري كلينتون ستتولى وزارة الخارجية بداية من 20 يناير/كانون الثاني، أما الجنرال جيمس جونز فسيشغل منصب مستشار للأمن القومي، في حين تتولى سوزان رايس منصب مندوبة في الأمم المتحدة، مع الإبقاء على روبرت غيتس في منصبه كوزير دفاع.
شمس العياري
وشددت الخبيرة الألمانية من معهد أبحاث السلام والدراسات الأمنية في مدينة هامبوغ على أن توقعاتها مبنية على تصريحات هيلاري كلينتون خلال الحملة الانتخابية التي خاضتها ضد منافسها آنذاك باراك أوباما. وقالت إنه لا يمكن الحكم بصفة نهائية على دور كلينتون في المنطقة إلا بعد أن تتولى مهام منصبها.
يذكر أن هيلاري كلينتون ستتولى وزارة الخارجية بداية من 20 يناير/كانون الثاني، أما الجنرال جيمس جونز فسيشغل منصب مستشار للأمن القومي، في حين تتولى سوزان رايس منصب مندوبة في الأمم المتحدة، مع الإبقاء على روبرت غيتس في منصبه كوزير دفاع.
شمس العياري
---------------------------------------------------------
مدارات - مسرح القتل
أدونيس الحياة - 22/01/09//
-1-
الجدار العازل، المستوطنات، حصر الفلسطينيين في غزة وحصارهم، تجويعاً وبطالةً، تدمير المحرّمات في الحروب: المستشفيات، المعابد، المدارس، منازل الأبرياء، مقوّمات الحياة ومن ضمنها الماء والكهرباء، آلاف القتلى والجرحى، وفوق ذلك عزل غزّة عن العالم:
هذا كله، في نظر الديموقراطيات الغربية، لا شيء! منطق يشوّه الحقيقة والعقل والمنطق.
وداخلَ هذا «المنطق»، أو بقوّته، يَنْشقُّ العرب، أو «يُشقّون»، سياسياً، واقتصادياً.
مسرح قَتْلٍ وفتكٍ وتدميرٍ و «تصفيقٍ»، لا مثيل له في التاريخ.
-2-
قلت، وأكرر هنا: لستُ متعاطفاً مع «حماس»، عقائدياً، أو إيديولوجياً. وهو ما يمكن ان يُناقَش ويُقوّم، على حدة. غير أنّ هذا لا علاقة له بنضالها من أجل حقوقها الوطنيّة والإنسانيّة المشروعة. ولا يُمكن القبول باتخاذ مُعتقداتها ذريعة لقتل شعب، وتدمير ارضٍ أو احتلالها، وإنكار حقوق. ولا معنى ولا محلّ لتهمة «الإرهاب» هنا. خصوصاً أنها تهمة لاحقت كل من تحرّك من اجل استعادة حقه في فلسطين، مسلمين ومسيحيين.
-3-
لم تعرف المؤسسة السياسية العربية، مؤسسة السّلطة والقيادة والعلاقات الدولية، امتهاناً في تاريخها كلّه، كما تعرفه اليوم، في فلسطين. لا من إسرائيل، وحدها، بل من العالم أجمع.
حقاً، يبدو العرب، اليوم، كأنّ أرضهم الخصبة، الكريمة، العالية، مجرّد صحراء، مجرّد مساحاتٍ سائبة، وكأنّهم، جماعاتٍ وشعوباً، مجرّدُ أعدادٍ فائضةٍ عن حاجة العالم، وينبغي التخلّص منها، أو وضعها في «مَعازل»، بطريقة أو أخرى.
والفاجع السّاخر، في هذا كلّه، هو ان العرب أعطوا كل شيء لإسرائيل و «ديموقراطياتها الغربية»، بالاعتراف والعلاقات الديبلوماسية – أعطوا كل شيء: السلام، والثروة، والقواعد العسكرية، وأسواق التجارة والاستهلاك، والمحالفات من كل نوع، دون أن يأخذوا، مقابل ذلك، أي شيء، بل دونَ ان يُمنّ عليهم حتى بالاعتراف ان لهم حقوقاً، وأنهم موجودون، بشراً كبقية البشر، لا أشباحاً ولا عبيداً. وهذا ما تُواصل تأكيده الحرب الإسرائيلية على غزة (عليهم جميعاً). فهذه الحرب ليست لاجتثاث «الإرهاب الحماسي» وصواريخه، وإنما هي حرب لاجتثاث «الهوية»، شعباً وبلاداً – مقوّمات، وأسساً تاريخية وثقافية وعمرانية واقتصادية. حربٌ تخرُق، الى ذلك، جميع الحُرمات التي توصي بها القوانين الإنسانية في الحروب، تخرقها جميعاً، فتقتل الأطفالَ والنساء، وتدمّر البيوت والمدارس والجوامع والمستشفيات، ومراكز الأمم المتحدة نفسها، الرَّمز الدوليَّ لحقوق الإنسان.
نعم، ليس هناك امتهان في التاريخ كله، كمثل هذا الامتهان الذي يعيشه العرب، اليوم.
وفي هذه «الخِلْطيّة» الإسرائيلية، التي تتبنّاها الديموقراطيات الغربية، تُطلقُ صفة «الإرهاب» على من يدافع عن أرضه، ويبرّأ منها من يغتصبها، ويستوطنُها.
والسؤال المحيّر هو: من أين يَجيء هذا الاستعدادُ، عند السلطات العربية، لقبول هذا الامتهان، والسَّيْر في مخططاته؟
-4-
في كل حالٍ، وتلك هي ذُروة الانحدار الكارثي، أخشى ان تكون المسألة الآن قد أصبحت أبعد من «حماس»: من التنابُذ أو التعاطف معها. وأصبحت أبعد من غزة، ومن الخلاف أو الاتفاق الفلسطيني – الفلسطيني، أو العربي – العربي، وأخشى أن تكون قد أصبحت أبعدَ من فلسطين نفسها.
المسألة هي: دولةٌ – عضوٌ في هيئة الأمم المتحدة، تضرب عرضَ الحائط بقوانين هذه الهيئة ومبادئها، تعطي لنفسها الحقوق والمطامع التي تشتهيها (كل مطمع لها هو حق لها!)، دولة تستأثر بالحق، غصباً عن هذه الهيئة، بالقضاء حرْبياً، على أية قوة عربية لا تطمئنُّ إليها، متى شاءت. وبالطرق التي تشاء، وبالأسلحة العالية التطور، فتْكاً وتدميراً، سواءٌ كانت هذه القوة «فرْداً»، أو «جماعةً» أو «دولةً». وهي طرقٌ تشهد حرب غزّة أنها لا تقيم أي وزنٍ للحياة ومقوّماتها، أو للإنسان نفسه، حتى ليبدو ان «عدوّها» ليس إلا ذريعة للإبادة العمياء دون تمييز. وهو استئثارٌ يتم بتواطؤ، أو رضوخ عربي، ويتم كذلك بنوع من المباركة الدولية.
القضاء على «حماس» هو، بهذا المعنى، ليس إلا قضاءً على الفلسطيني نفسه، مباشرةً، وعلى العربيّ نفسه، مُداورَةً. تعزّز ما أقوله المؤسسة الإسرائيلية السياسية: فهي ترفض ان ترسمَ حداً أو تعترف بحدود بينها، بوصفها دولةً، وبين فلسطين بوصفها «دولةً» مجاورة. وترفض ان تحدد «وضع» الأشخاص غير اليهود الذين يقيمون في إسرائيل. وترفض ان تعطي لرئيس السلطة الفلسطينية أية حرية، حتى حرية الانتقال، أو أية استقلالية في أبسط جزء من أجزاء فلسطين «الفلسطينية». وترفض الى ذلك ان تنسحب من الأرض العربية التي تغتصبها، احتلالاً، في سورية ولبنان.
-5-
ما الواقع العربيّ، اليوم، في ضوء «حرب غزة» أو غزْوها؟ أولاً – فقدت معظم الأنظمة العربية، مشروعية تمثيل حقوق شعوبها في الحياة الكريمة، الحرة، المستقلة، فقدتها، ديموقراطياً وإنسانياً وأخلاقياً.
ثانياً – لا تبدو «حماس»، في هذا الضوء، مجرّد تنظيم سياسي – عسكري – ديني، ولا تبدو أنّها «دينيّة» أكثر من غيرها، إلا بالشعارات التي ليست، في التحليل الواقعي الأخير إلا خطاباً غيبياً، مما وراء الواقع (وهل إسرائيل في واقعيتها دولة علمانيّة، أو غير دينية؟).
على العكس، تبدو «حماس»، في هذا الضوء، كأنها «بصيصُ» عالم آخذٍ بالانطفاء، أو كأنها «انفجارٌ» صغيرٌ في عالم سياسي عربي كبير وخامد. وتبدو، بوصفها كذلك، كأنها «أملٌّ كامنٌ» ضد المؤسسة السياسية العربية، وضد المؤسسة الإسرائيلية السياسيّة، في آن.
ثالثاً – كل شيء، في هذا الضوء، يُشير الى ان الأمن المؤسسيّ العربيّ، آخذٌ من الآن فصاعداً بالوقوع في قبضة الأمن المؤسسيّ الإسرائيلي.
رابعاً – الانتصار على «حماس» بوصفها «تنْظيماً»، هو في هذا الضوء، انتصارٌ محدود وموقّت في معركة ستكون طويلة الأمد. و «طول الأمد» هنا هو، بالضبط، ما تريده إسرائيل. فهو يتيح لها ان «تهضم» جيداً، وأن «تستوطن» جيداً، وأن «تمحو» و «تروض» جيداً، وأن «تُهيمن» جيداً، بحيث يستنزفُ العالمُ السياسي العربي طاقاته كلها في ما لا يُجدي، وبحيث تُعيد بناءه، كما تشاء، وفقاً للإيقاع الذي تشاء.
خامساً – ليس «قتلُ» غزّة، في هذا الضوء، إلا مجرّد فصل في «مسرح القتل». فصل تجريب لقتل «العواصم» العربية.
و «عقاب» العرب هنا ليس واقعاً على «سلوكهم» بل هو واقع على «وجودهم»، وفقاً لتعبير محمد حسنين هيكل.
سادساً – ليست الولايات المتحدة إلا حجاباً – ستاراً لهذا المسرح التراجيدي. خصوصاً انه ليس لإسرائيل التي تُخْرجه وتديره إلا «القوة» – قوة البطش والتدمير. وليست الولايات المتحدة إلاّ «الخزّان» الأكبر للوقود الذي تحتاج إليه هذه القوة.
لكن إســـرائــيل، في هذه «الانتصارات» التي ستحـــققها، لن تكون في نظر التاريخ الإنساني العادل، وفي نظر الحقيقة والعقل، وفي النظر الإنساني بحصر الدلالة، إلا انتهاكاً للإنسان وحقوقه، وللحرية، والحقيقة، والعقل.
سابعاً – «مسرح القتل» هذا، تنعرضُ فيه مرحلةٌ حاسمةٌ من مراحل انقراضنا: انقراض ذلك الألَق الذي عاش خمسة عشرَ قرْناً وكان اسمُه: العرب.
أدونيس الحياة - 22/01/09//
-1-
الجدار العازل، المستوطنات، حصر الفلسطينيين في غزة وحصارهم، تجويعاً وبطالةً، تدمير المحرّمات في الحروب: المستشفيات، المعابد، المدارس، منازل الأبرياء، مقوّمات الحياة ومن ضمنها الماء والكهرباء، آلاف القتلى والجرحى، وفوق ذلك عزل غزّة عن العالم:
هذا كله، في نظر الديموقراطيات الغربية، لا شيء! منطق يشوّه الحقيقة والعقل والمنطق.
وداخلَ هذا «المنطق»، أو بقوّته، يَنْشقُّ العرب، أو «يُشقّون»، سياسياً، واقتصادياً.
مسرح قَتْلٍ وفتكٍ وتدميرٍ و «تصفيقٍ»، لا مثيل له في التاريخ.
-2-
قلت، وأكرر هنا: لستُ متعاطفاً مع «حماس»، عقائدياً، أو إيديولوجياً. وهو ما يمكن ان يُناقَش ويُقوّم، على حدة. غير أنّ هذا لا علاقة له بنضالها من أجل حقوقها الوطنيّة والإنسانيّة المشروعة. ولا يُمكن القبول باتخاذ مُعتقداتها ذريعة لقتل شعب، وتدمير ارضٍ أو احتلالها، وإنكار حقوق. ولا معنى ولا محلّ لتهمة «الإرهاب» هنا. خصوصاً أنها تهمة لاحقت كل من تحرّك من اجل استعادة حقه في فلسطين، مسلمين ومسيحيين.
-3-
لم تعرف المؤسسة السياسية العربية، مؤسسة السّلطة والقيادة والعلاقات الدولية، امتهاناً في تاريخها كلّه، كما تعرفه اليوم، في فلسطين. لا من إسرائيل، وحدها، بل من العالم أجمع.
حقاً، يبدو العرب، اليوم، كأنّ أرضهم الخصبة، الكريمة، العالية، مجرّد صحراء، مجرّد مساحاتٍ سائبة، وكأنّهم، جماعاتٍ وشعوباً، مجرّدُ أعدادٍ فائضةٍ عن حاجة العالم، وينبغي التخلّص منها، أو وضعها في «مَعازل»، بطريقة أو أخرى.
والفاجع السّاخر، في هذا كلّه، هو ان العرب أعطوا كل شيء لإسرائيل و «ديموقراطياتها الغربية»، بالاعتراف والعلاقات الديبلوماسية – أعطوا كل شيء: السلام، والثروة، والقواعد العسكرية، وأسواق التجارة والاستهلاك، والمحالفات من كل نوع، دون أن يأخذوا، مقابل ذلك، أي شيء، بل دونَ ان يُمنّ عليهم حتى بالاعتراف ان لهم حقوقاً، وأنهم موجودون، بشراً كبقية البشر، لا أشباحاً ولا عبيداً. وهذا ما تُواصل تأكيده الحرب الإسرائيلية على غزة (عليهم جميعاً). فهذه الحرب ليست لاجتثاث «الإرهاب الحماسي» وصواريخه، وإنما هي حرب لاجتثاث «الهوية»، شعباً وبلاداً – مقوّمات، وأسساً تاريخية وثقافية وعمرانية واقتصادية. حربٌ تخرُق، الى ذلك، جميع الحُرمات التي توصي بها القوانين الإنسانية في الحروب، تخرقها جميعاً، فتقتل الأطفالَ والنساء، وتدمّر البيوت والمدارس والجوامع والمستشفيات، ومراكز الأمم المتحدة نفسها، الرَّمز الدوليَّ لحقوق الإنسان.
نعم، ليس هناك امتهان في التاريخ كله، كمثل هذا الامتهان الذي يعيشه العرب، اليوم.
وفي هذه «الخِلْطيّة» الإسرائيلية، التي تتبنّاها الديموقراطيات الغربية، تُطلقُ صفة «الإرهاب» على من يدافع عن أرضه، ويبرّأ منها من يغتصبها، ويستوطنُها.
والسؤال المحيّر هو: من أين يَجيء هذا الاستعدادُ، عند السلطات العربية، لقبول هذا الامتهان، والسَّيْر في مخططاته؟
-4-
في كل حالٍ، وتلك هي ذُروة الانحدار الكارثي، أخشى ان تكون المسألة الآن قد أصبحت أبعد من «حماس»: من التنابُذ أو التعاطف معها. وأصبحت أبعد من غزة، ومن الخلاف أو الاتفاق الفلسطيني – الفلسطيني، أو العربي – العربي، وأخشى أن تكون قد أصبحت أبعدَ من فلسطين نفسها.
المسألة هي: دولةٌ – عضوٌ في هيئة الأمم المتحدة، تضرب عرضَ الحائط بقوانين هذه الهيئة ومبادئها، تعطي لنفسها الحقوق والمطامع التي تشتهيها (كل مطمع لها هو حق لها!)، دولة تستأثر بالحق، غصباً عن هذه الهيئة، بالقضاء حرْبياً، على أية قوة عربية لا تطمئنُّ إليها، متى شاءت. وبالطرق التي تشاء، وبالأسلحة العالية التطور، فتْكاً وتدميراً، سواءٌ كانت هذه القوة «فرْداً»، أو «جماعةً» أو «دولةً». وهي طرقٌ تشهد حرب غزّة أنها لا تقيم أي وزنٍ للحياة ومقوّماتها، أو للإنسان نفسه، حتى ليبدو ان «عدوّها» ليس إلا ذريعة للإبادة العمياء دون تمييز. وهو استئثارٌ يتم بتواطؤ، أو رضوخ عربي، ويتم كذلك بنوع من المباركة الدولية.
القضاء على «حماس» هو، بهذا المعنى، ليس إلا قضاءً على الفلسطيني نفسه، مباشرةً، وعلى العربيّ نفسه، مُداورَةً. تعزّز ما أقوله المؤسسة الإسرائيلية السياسية: فهي ترفض ان ترسمَ حداً أو تعترف بحدود بينها، بوصفها دولةً، وبين فلسطين بوصفها «دولةً» مجاورة. وترفض ان تحدد «وضع» الأشخاص غير اليهود الذين يقيمون في إسرائيل. وترفض ان تعطي لرئيس السلطة الفلسطينية أية حرية، حتى حرية الانتقال، أو أية استقلالية في أبسط جزء من أجزاء فلسطين «الفلسطينية». وترفض الى ذلك ان تنسحب من الأرض العربية التي تغتصبها، احتلالاً، في سورية ولبنان.
-5-
ما الواقع العربيّ، اليوم، في ضوء «حرب غزة» أو غزْوها؟ أولاً – فقدت معظم الأنظمة العربية، مشروعية تمثيل حقوق شعوبها في الحياة الكريمة، الحرة، المستقلة، فقدتها، ديموقراطياً وإنسانياً وأخلاقياً.
ثانياً – لا تبدو «حماس»، في هذا الضوء، مجرّد تنظيم سياسي – عسكري – ديني، ولا تبدو أنّها «دينيّة» أكثر من غيرها، إلا بالشعارات التي ليست، في التحليل الواقعي الأخير إلا خطاباً غيبياً، مما وراء الواقع (وهل إسرائيل في واقعيتها دولة علمانيّة، أو غير دينية؟).
على العكس، تبدو «حماس»، في هذا الضوء، كأنها «بصيصُ» عالم آخذٍ بالانطفاء، أو كأنها «انفجارٌ» صغيرٌ في عالم سياسي عربي كبير وخامد. وتبدو، بوصفها كذلك، كأنها «أملٌّ كامنٌ» ضد المؤسسة السياسية العربية، وضد المؤسسة الإسرائيلية السياسيّة، في آن.
ثالثاً – كل شيء، في هذا الضوء، يُشير الى ان الأمن المؤسسيّ العربيّ، آخذٌ من الآن فصاعداً بالوقوع في قبضة الأمن المؤسسيّ الإسرائيلي.
رابعاً – الانتصار على «حماس» بوصفها «تنْظيماً»، هو في هذا الضوء، انتصارٌ محدود وموقّت في معركة ستكون طويلة الأمد. و «طول الأمد» هنا هو، بالضبط، ما تريده إسرائيل. فهو يتيح لها ان «تهضم» جيداً، وأن «تستوطن» جيداً، وأن «تمحو» و «تروض» جيداً، وأن «تُهيمن» جيداً، بحيث يستنزفُ العالمُ السياسي العربي طاقاته كلها في ما لا يُجدي، وبحيث تُعيد بناءه، كما تشاء، وفقاً للإيقاع الذي تشاء.
خامساً – ليس «قتلُ» غزّة، في هذا الضوء، إلا مجرّد فصل في «مسرح القتل». فصل تجريب لقتل «العواصم» العربية.
و «عقاب» العرب هنا ليس واقعاً على «سلوكهم» بل هو واقع على «وجودهم»، وفقاً لتعبير محمد حسنين هيكل.
سادساً – ليست الولايات المتحدة إلا حجاباً – ستاراً لهذا المسرح التراجيدي. خصوصاً انه ليس لإسرائيل التي تُخْرجه وتديره إلا «القوة» – قوة البطش والتدمير. وليست الولايات المتحدة إلاّ «الخزّان» الأكبر للوقود الذي تحتاج إليه هذه القوة.
لكن إســـرائــيل، في هذه «الانتصارات» التي ستحـــققها، لن تكون في نظر التاريخ الإنساني العادل، وفي نظر الحقيقة والعقل، وفي النظر الإنساني بحصر الدلالة، إلا انتهاكاً للإنسان وحقوقه، وللحرية، والحقيقة، والعقل.
سابعاً – «مسرح القتل» هذا، تنعرضُ فيه مرحلةٌ حاسمةٌ من مراحل انقراضنا: انقراض ذلك الألَق الذي عاش خمسة عشرَ قرْناً وكان اسمُه: العرب.
------------------------------------------------------
محاكمة كاتب ومعارض سوري في دمشق
موقع إيلاف - الثلاثاء 20 كانون الثاني/ يناير 2009
بهية مارديني من دمشق: اعرب المحامي خليل معتوق محامي الكاتب والمعارض السوري حبيب صالح الذي يُحاكم اليوم في تصريح خاص لايلاف، اعرب عن امله ان تتغير الاتهامات الموجهة إلى صالح والتي تصل عقوبتها للإعدام.
وكانت اجهزة الأمن السورية القت القبض على صالح، 61عاماً، بتاريخ 6 مايو 2008 من دون إبداء أية أسباب، وتجري اليوم محاكمته لمطالبة النيابة العامة باساس الدعوى.
وترى عائلة صالح أن إلقاء القبض عليه قد يكون ذو علاقة بنشر مجموعة من المقالات على عدد من المواقع الالكترونية، والتي احتوت على كتابات تنتقد الحكومة السورية وأحدها موقع إيلاف.
هذا وقضى صالح فترات سابقة في السجن.
وسوريا لم تزل، بحسب منظمات دولية، تطبق قوانين الطوارئ التي أعلنت قبل 45 سنة مضت، كما أن القوانين التي تحكم استخدام الانترنت في سوريا تتسم بالقسوة الشديدة.
الشباب غير الإسلاميين في سجن صيدنايا العسكري بخير
الى ذلك قالت مصادر متطابقة لايلاف ان السجناء في سجن صيدنايا العسكري من المجموعات الغير اسلامية بخير، فيما لم تقدم اية معلومات عن السجناء الاسلاميين، وافاد المحامي معتوق انه قابل شابا كرديا أنهى محكوميته في سجن صيدنايا العسكري واسمه" زنار" وقال ان عمر علي العبد الله ورفاقه وجميع الشباب المدونين والمعتقلين على خلفية غير اسلامية بخير.
وطمأن معتوق نقلا عن زنار، العائلات، وقال "ان الشباب بوضع صحي جيد وخدمي جيد دون اية اساءة من قبل السلطات ".
واكد ان ادارة السجن في صيدنايا كان تعاملها خلال فترة احداث صيدنايا مع الشباب جيدا وحتى ان ادارة السجن حمت الشباب من أي مخاطر عليهم داخل السجن ووضعتهم في جناح واحد مشترك.
واشار الى ان الشباب عمر عبد الله ومجموعته الذين سميوا بالديمقراطيين وكريم عربجي في جناح متفرقات في سجن صيدنايا العسكري.
الى ذلك قال ابراهيم عيسى عضو مجلس ادارة المنظمة الوطنية لحقوق الانسان في سوريا في تصريح خاص لايلاف ان هناك معتقلين في الجزيرة السورية وهم درويش غالب درويش وهو مهندس وغير منتم للاحزاب السياسية وتم تفتيش منزله وصادروا كتبه كما اعتقل فواز كانو وعددا من الاكراد، واعتبر ان هذه الاعتقالات بحسب قانون الطوارىء ودون مذكرة قضائية، واوضح انه بتاريخ 13-11 2009 تم اعتقال درويش غالب درويش وفي اليوم الثاني تم مداهمة منزله وقامت نفس الدورية بمصادرة كتب وفي تاريخ 17-1 -2009 تم اعتقال مهندس زراعي فواز كانو على خلفية تعليمهما اللغة الكردية، وان هذا الاعتقال غير شرعي وغير دستوري، معتبرا ان اعتقالهما سبب الاحتقان لفئات الشعب الكردي، مطالبا باطلاق سراحهما والكف عن مثل هذه الاعتقالات والافراج عن كافة معتقلي الرأي والضمير تمكينا للوحدة الوطنية.
في الغضون قال مصطفى اوسو رئيس المنظمة الكردية للدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة في سوريا ( DAD )، أن العسكري برخدان خالد حمو من أهالي قرية بوراز التابعة لمنطقة عين العرب في محافظة حلب قتل الاثنين في ظروف غامضة، أثناء تأديته الخدمة الإلزامية في إحدى القطعات العسكرية في محافظة الحسكة.
واعتبر اوسو انه قد بدأت ظاهرة قتل الجنود من أصول كردية الذين يؤدون الخدمة الإلزامية في الجيش السوري، بالظهور والتنامي بعد أحداث الثاني عشر من آذار 2004 وقال انه يقدر عدد هؤلاء الجنود الذين قتلوا في ظروف غامضة منذ ذلك الوقت وحتى الآن بحوالي خمسة عشر شخصاً، محملا السلطات السورية المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم، باعتبارها المسئولة أولاً وأخيراً عن أمن المواطن، وطالبها بإجراء تحقيق نزيه وشفاف وعادل في هذه الحوادث، لتحديد المسئولين عنها وإنزال أقسى العقوبات بحقهم وتعويض ذوي الضحايا عما لحق بهم من أضرار مادية ومعنوية.
-------------------------------------------------------
جولة جديدة من النقاش الفكري والسياسي مع السيد سلامة كيله (3)
كاظم حبيب
الحوار المتمدن - العدد: 2536 - 2009 / 1 / 24
2009 / 1 / 24
بدأت إشكالية الحركة الاشتراكية العالمية مع بدء التباين في مواقف قيادات الحركة الاشتراكية العالمية إزاء الحرب الاستعمارية الأولى , حرب إعادة توزيع مناطق النفوذ بين الدول الاستعمارية وإنهاء وجود الدولة العثمانية بين عامي 1914-1918 , ثم سقوط القيصرية في العام شباط/فبراير 1917 وتشكيل حكومة كيرنسكي. وبعد عدة شهور , أي في أكتوبر من العام 1917 , قام البولشفيك بقيادة لينين بالثورة على حكومة كيرنسكي واسقطوا نظامه وأقاموا الدولة السوفييتية الفتية. وفي هذا الفترة تعمق الخلاف بين قطبي الحركة الاشتراكية المنشفيك والبولشفيك , وظهرت تدريجاً الأحزاب الشيوعية , خاصة عصبة سپارتاكوس بقيادة روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت , والذي تحول فيما بعد إلى (الحزب الشيوعي الألماني) في العام 1918 , وهي التي سمحت في العام 1919 بتشكيل الأممية الشيوعية تحت توجيه وإشراف وقيادة فلاديمير إيليچ لينين.لقد لعب لينين دوراً ثورياً كبيراً من الناحيتين النظرية والعملية في الثورة الروسية وفي الدفع باتجاه بروز الحركة الشيوعية (الأممية الثالثة) والدفع باتجاه تشكيل الأحزاب الشيوعية في المزيد من بلدان العالم لتوسيع الحركة ومواجهة الأحزاب الاشتراكية للأممية الثانية وللتضامن مع الدولة السوفييتية الجديدة وتقديم الدعم الدولي لها. إلا أن لينين كان قد بدأ عملياً وقبل ذاك بسنوات بـ "روسنة" الفكر الماركسي من خلال نشاطه الفكري والعملي حول الثورة الروسية وكتاباته الكثيرة في هذا الصدد. ولم يكن في هذا أي خلل حين تقرأ الماركسية في ضوء ظروف كل بلد من البلدان. ولكن الخلل برز حين صدر لينين الفكر الماركسي المروسن (من روسية) إلى العالم كله عبر مؤتمرات الحركة الشيوعية أو أحزابها الجديدة لتكون هادية لها ومرشدة لنضالها. وفي العام 1919/1920 أدرك لينين الأخطاء التي ارتكبها الحزب بقيادته وتنظيراته بشأن البناء الاشتراكي في دولة سوفييتية لا تزال متخلفة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ووعياً شعبياً. وهنا عمد إلى طرح برنامج "سياسته الاقتصادية الجديدة" (نيپ) في العام 1920 والذي أدرك فيها أهمية عدم قفز المراحل وحرقها , بل لا بد من إنجاز مهمات الثورة الديمقراطية بقيادة الحزب الشيوعي السوفييتي. ولكن لينين لم يستطع تغيير الوجهة العامة للحزب والدولة السوفييتية , إذ سرعان ما تمرض وأُبعد تدريجاً عن قيادة وتوجيه الحزب فكرياً وسياسياً من الناحية الفعلية منذ العام 1922 تقريباً ليحل محله عملياً وقبل وفاته في العام 1924 بفترة طويلة , جوزيف ستالين. إن خطأ السياسة السوفييتية لم يبرز على الصعيد الروسي حسب , بل وعلى الصعيد الدولي حين تصور لينين وأغلب قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي قرب نهاية الرأسمالية وقرب إمكانية بناء الاشتراكية وتصدير هذا الفكر إلى العالم كله. لقد كان هروباً إلى أمام بكل معنى الكلمة. لا يمكن الادعاء بأي حال بأن الفكر اللينيني قد أُبعد عن الدراسة والتثقيف في المدارس الحزبية والجامعات والتثقيف العام لصالح فكر ستالين , إذ أن ستالين كان نفسه لينينياً واعتمد اللينينية في الممارسة العملية , ثم طرح أفكاره الخاصة بما يخص بناء الحزب والدولة والمجتمع الاشتراكي والفرد البولشفي (راجع كراس في سبيل تكوين بولشفي لجوزيف ستالين 1935). وكانت إضافاته هزيلة وصدى باهت لأفكار لينين من الناحية النظرية , ولكنها كانت تعتمد القوة والقمع والقسوة في الممارسة العملية. ولقد تشوهت في الممارسة حتى تلك الأفكار السليمة والعبقرية للينين. لقد مارس ستالين العنف وليس الطوعية في الموقف من التحولات الاقتصادية والاجتماعية , سواء أكان ذلك بالنسبة إلى المسألة الزراعية وبناء الكولخوزات والسوفخوزات (كان لينين يدعو إلى الطوعية في الانتماء أو في تشكيل هذه المنشآت) , أم بشن حملة عنف فعلي ضد الكولاك وأغنياء ومتوسطي الفلاحين لصالح تشكيل الجمعيات التعاونية والمزارع الحكومية , أم بالنسبة للموقف من القطاع الخاص والقطاع الحكومي , أم بالنسبة لجرائم القتل والسجن والنفي بالنسبة لمخالفي وجهات نظره ومنتقدي افكاره وسياساته التي لم تعد سراً على أحد , بل فضحها القادة السوفييت أنفسهم ومنذ الخمسينات. ثم تم الكشف عن الكثير من جرائم ستالين فيما بعد ونشر وهي موثقة. لقد كانت هناك مدرسة فكرية لينينة في الجانبين النظري والعملي لكل الحركة الشيوعية العالمية , للأممية البروليتارية , الأممية الثالثة , وليس للحزب الشيوعي السوفييتي وحده , وهي التي حققت شيئاً استثنائياً في الجانب الفكري , حيث حولت الفكر الماركسي أو النظرية الماركسية إلى شيء أشبه بالدين , وإلى عقيدة جامدة حقاً وامتلاك الحقيقة كلها والحق في امتلاك واحتكار الصواب كله , وإلى أصولية قاهرة بدلاً من جعلها فكراً متحرراً ومفتوحاً ومتفاعلاً مع الأفكار والتيارات الفكرية الأخرى ومنهجاً متطوراً بتطور مختلف العلوم والتقنيات والاكتشافات العلمية على الصعيد العالمي. إن فشل المدرسة السوفييتية في الفكر والسياسة السوفييتية والنموذج السوفييتي وما ماثلها في الدول الاشتراكية الأخرى والأحزاب الشيوعية التي لم تكن في الحكم , لا يعني بأي حال فشل المنهج الماركسي أو المنهج المادي العلمي المتطور كأداة للتحليل أو فشل الفكر الاشتراكي بشكل عام. فالفكر الماركسي يرفض الاستغلال والاستعباد وقهر الإنسان والاستعمار والاضطهاد القومي ويدعو إلى الحرية والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية. ولهذا لم يكن فرنسيس فوكوياما في كتابه الموسوم "نهاية التاريخ" على صواب , إذ سرعان ما تراجع عنه , حين تراءا له بأن الاشتراكية ماتت وأن الرأسمالية انتصرت وإلى الأبد , إذ لا يمكن تصور العالم دون حركة دائبة وتطور مستمر وتغيير غير منقطع , كما لم يكن الراحل صموئيل هنتنكتون على صواب حين حاول إبعاد الأنظار عن الصراع الطبقي , عن الصراع بين العمل ورأس المال , واعتبار أن الصراع قد أصبح يدور في المجال الديني , صراع بين أتباع الأديان , وخاصة صراع الحضارة المسيحية الغربية ضد الحضارة الإسلامية الشرقية , أو صراع المسيحيين ضد المسلمين بشكل خاص , كما تجلى وورد في كتاباته التي نشرت منذ أوائل التسعينات , ثم في كتابه الموسوم "صدام الحضارات" الذي صدر في العام 1996. لقد لعبت الأحزاب الشيوعية في الدول العربية وفي عموم منطقة الشرق الأوسط دوراً مهماً وكبيراً في نضال شعوبها باتجاهات عدة , فقد:1 . شاركت بفعالية وطليعية في عملية التنوير والتوعية الفكرية والسياسية في مجتمعات كانت في الغالب الأعم متخلفة اقتصادياً ويسيطر على شعوبها الفكر الديني الغيبي والخرافات والمؤسسة الدينية المحافظة؛2 . وشاركت بفعالية في النضال ضد الهيمنة الاستعمارية الأجنبية وحققت مع القوى الأخرى والجماهير الشعبية نجاحات مهمة على هذا الطريق؛3 . كما شاركت في النضال من أجل حل المسألة الزراعية لصالح فقراء وصغار الفلاحين لتصفية العلاقات الإنتاجية الأبوية وشبه الإقطاعية الاستغلالية المتخلفة؛4 . وشاركت في النضال من أجل بناء حياة سياسة حرة وديمقراطية وحياة دستورية مؤسسية؛5 . وشاركت في النضال من أجل تحرير المرأة وحريتها ومساواتها بالرجل ودورها في الحياة العامة؛6 . كما ناضلت من أجل التصنيع باعتباره الأساس المادي للتنمية الاقتصادية المستديمة وضد تشوه البنية الاقتصادية الوحيدة الجانب وضد الاستغلال والبطالة والفقر والحرمان؛7 . وناضلت من أجل تغيير البنية الاجتماعية المتخلفة لصالح نشوء الطبقات والفئات الحديثة , الطبقة العاملة والبرجوازية الصناعية , وتوسيع قاعدة المثقفين ودورهم في الحياة العامة؛ 8 . وعملت من أجل تعزيز العلاقات بين شعوب ودول العالم العربي والتضامن النضالي لتحريرها وانتزاع سيادتها واستقلالها الوطني , ومن أجل التنسيق والتكامل الاقتصادي.9. كما ناضلت ضد الصهيونية منذ تأسيسها وساندت نضال الشعب الفلسطيني في سبيل التخلص من الهيمنة البريطانية وإقامة الدولة الفلسطينية العلمانية حيث يعيش أتباع كل الديانات تحت شعار " الدين لله والوطن للجميع ".10 . وفي هذا النضال قدمت كل الأحزاب الشيوعية في منطقة الشرق الأوسط , ومنها بشكل خاص الحزب الشيوعي العراقي , التضحيات الكبيرة من أجل تلك الأهداف النبيلة و من أجل مجتمع أفضل وحياة أكثر سعادة وبهاءً وعدالة وسلاماً. وقد كانت السجون العراقية مليئة بمناضلي هذا الحزب ومؤيديه , وبشكل خاص في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ولكنها في الوقت نفسه ارتكبت بعض الأخطاء في هذا النضال , وليس هناك من حزب سياسي يناضل في بلد مثل بلداننا لا يرتكب بعض الأخطاء صغيرة كانت أم كبيرة. وأبرز تلك الأخطاء علاقة تلك الأحزاب بالمرجعية السوفييتية التي لم تساهم في تعزيز استقلاليتها ودورها الفكري والسياسي , بل ساهمت بقوة في خلق أو نشوء إتكالية فكرية وسياسية كبيرة وغير اعتيادية من خلال الاعتماد على الفكر والسياسة التي أنتجها مركز الحركة الشيوعية , الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي والمؤسسات الفكرية السوفييتية أو الأخذ بمبدأ دكتاتورية البروليتاريا. لقد أدت هذه الاتكالية إلى خمول وكسل فكريين لدى قادة وكوادر الأحزاب الشيوعية وإلى ضعف المبادرة في التفكير واكتشاف الجديد والتحليل المستقل بما يتناغم وواقع بلدانهم بشكل عام. ولم تكن هذه الحالة عامة وشاملة , إذ كانت هناك استثناءات واضحة. فسياسة فهد الداخلية وصياغته لشعارات الحزب النضالية وربطه القضايا الوطنية العامة بمصالح الفئات الاجتماعية كانت معبرة بصورة دقيقة عن واقع العراق الفعلي , في حين كانت سياساته وماقفه الأممية أو الدولية متطابقة مع السياسات السوفييتية , رغم أنها لم تكن بالضرورة متطابقة مع الواقع والحاجة العراقية. لا شك في أن مرجعية الأحزاب الشيوعية للكومنترن والأممية الثالثة , رغم حل الكومنترن في العام 1942 , كان يعني مرجعية الحزب الشيوعي السوفييتي للحركة الشيوعية كلها , وكان هذا الموقف خطأ فادحاً بالنسبة للحركة الشيوعية , إذ أن الدولة السوفييتية كانت تُخضع تلك المرجعية الشيوعية لصالح سياساتها الدولية والإقليمية وليس بالضرورة لصالح الحركة الشيوعية أو لهذا الحزب أو ذاك في البلد المعني , وهذا ما حصل فعلاً في فترة حكم البعث , على سبيل المثال لا الحصر , حيث كانت العلاقات السوفييتية مع الدولة البعثية في العراق وعلاقات الحزب الشيوعي السوفييتي مع حزب البعث هي الأخرى متينة حتى حين أنهى حزب البعث تحالفه مع الحزب الشيوعي العراقي بالقوة , إذ مرّ خلال ثلاث سنوات أكثر من 100 ألف عراقية وعراقي بمعتقلات وأجهزة أمن النظام حيث أُجبر الحزب الشيوعي العراقي على مغادرة "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" وإنهاء التحالف على طريقة "أخاك مجبر لا بطل!", ولكن الحزب الشيوعي العراقي لم يلتزم بالموقف السوفييتي ولم يأخذ بنصيحة الحزب الشيوعيي السوفييتي , الأخ الأكبر , بضرورة العودة إلى التحالف مع البعث والدولة البعثية , بل رفع السلاح بوجه حزب البعث وحكمه لحماية رفاقه ونفسه وشارك مع القوى الوطنية الأخرى , ومنها الأحزاب الكردستانية وبعض القوى العربية والآشورية في النضال ضد حكم البعث الصدامي الإجرامي , الذي التزمته بعض القوى القومية العربية , وبشكل خاص المؤتمر القومي العربي , ونست أو تناست جرائمه بحق الشعب وشوفينيته وعنصريته وأساليبه السياسية والقمعية الفاشية التي طالت قوى قومية وقوى بعيثية أيضاً. لقد واجهت الأحزاب الشيوعية الكثير من المصاعب وعانت منها في ظل تلك الأوضاع السيئة التي سادت في الدول العربية وغياب الحياة الدستورية الديمقراطية. ونتيجة لتلك التعقيدات والأوضاع وبسبب المرجعية السوفييتية بشكل مباشر أو غير مباشر , ارتكبت الأحزاب الشيوعية في الدول العربي العديد من الأخطاء , ولكنها ساهمت بالكثير من الجوانب المشرقة في النضال الوطني والقومي. ولكن هكذا نشأت هذه الأحزاب في ظل الأممية الثالثة وتحملت عبء الدفاع عن الدولة السوفييتية الفتية في ظل أهداف هذه الدولة التي عكست مع نهوضها حلم البشرية في التخلص من الاستغلال والفقر والفاقة والعيش في أجواء الحرية والديمقراطية والسلام. ومن المؤسف أن هذه الدولة , وكذلك الدول الديمقراطية الشعبية المماثلة لها التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وكانت أعضاء في مجلس التعاضد الاقتصادي , لم تلتزم بذلك الحلم الإنساني النبيل بل أخلت بمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان , ومن ثم أخلت بالعدالة الاجتماعية , الذي كان شعارها الأول , وحولت أحزابها ودولها إلى خدمة البيروقراطية الحزبية والحكومية , خدمة النخبة الحاكمة التي أدانتها منذ البدء روزا لوكسمبورغ , إذ رأت فيها بنظرة ثاقبة ما يمكن أن يحصل في بلد متخلف يريد بناء الاشتراكية بإقلية حزبية. وهذا الاتجاه في المدرسة اللينينية , هو الذي هيمن على هذه الأحزاب والدول وهو الذي ألحق أفدح الأضرار بالفكر الماركسي واساء على منهجه العلمي , إذ باسمه جرى كل ذلك , في حين أن هذه الأحزاب في الدول الاشتراكية لم تلتزم بالمنهج الماركسي , بل التزمت بالفكر اللينيني والستاليني حتى بعد إدانتها للفكر الستاليني وممارساته الإرهابية بحق الشعوب السوفييتية وبحق الشيوعيين الألمان وهيمنته الفعلية على سياسة الدول الاشتراكية والأحزاب الشيوعية فيها , وعلى العلاقة مع الكثير من الأحزاب الشيوعية في الدول العربية , ومنها الحزب الشيوعي السوري بأغلب تكتلاته , والذي لا يزال يعاني من تبعات تلك السياسة رغم غياب الاتحاد السوفييتي مثلاً.ولهذا كانت الهزة شديدة حين انهارت الدولة السوفييتية في صفوف الأحزاب الشيوعية والحركة اليسارية في الدول العربية وفي بلدان كثيرة أخرى. وقد بدأ بعضها بإعادة النظر بالجوانب الفكرية والسياسية , بعضها نجح نسبياً , وبعضها الآخر لم ينجح في ذلك , وبعضها الثالث لم يجد ضرورة لإعادة النظر بكل ما حصل واعتبر أن ما حصل في الاتحاد السوفييتي لم يكن سوى مؤامرة خارجية على الدول الاشتراكية! وعجز عن رؤية النخر الداخلي الذي مارسه الحزب ومارسته الدولة السوفييتية ذاتها بنظامها البيروقراطي الشمولي. وهؤلاء لا زالوا على النهج سائرين , وهم يصطدمون يومياً بحقائق الحياة ولكنهم لم يعودوا قادرين على التغيير ووعي الواقع الجديد في العالم. والمثل الإنجليزي يقول : " الحقائق صخور صلدة من لا يعترف بها يصطدم بها ويشج رأسه". لقد بذل الحزب الشيوعي العراقي جهداً على هذا السبيل , ولكني لم اجد هذا كافياً , لهذا وجهت رسالة مفتوحة لقيادة وأعضاء الحزب الشيوعي العراقي قبل عقد مؤتمرة الثامن ضمنتها تصوراتي الشخصية عن وضع الحزب وضرورات التغيير ومجالات هذا التغيير في الفكر والتنظيم والسياسة. ليس من حقي ولا أريد أن افرض رأيي على الحزب الشيوعي العراقي , إذ لا أملك بدوري وبالضرورة الحقيقة جزئياً أو كليا. والمسألة بالمحصلة النهائية تعود للحزب ذاته وهو الذي يقرر كيف يفترض فيه أن يمارس سياساته , وعلى القوى ان تحترم السياسات التي يقررها أي حزب من الأحزاب مع الاحتفاظ بحقها في النقد , إذ أن هذه الأحزاب تدخل ضمن الشأن العام الذي يمكن ويجب نقدها حين يستوجب الأمر ذلك. والمشكلة لدى بعض الأشخاص أنهم لا يسمعون إلا صوتهم وحين يرون صورتهم في المرآة يرون وجوهم جميلة , في حين يرى الآخرون شيئاً آخر. فهم ينتقدون الآخر , ولكنهم لا يدركون مدى الأخطاء التي يرتكبوها في كتاباتهم , سواء بالمقالات التي ينشرونها أم في بعض التعليقات التي ترد على بعض المقالات. وأدعي أن السيد سلامة كيله أحدهم. لا شك في أن التحالف مع حزب البعث العربي الاشتراكي كان خطأً تاريخياً ارتكبته قيادة الحزب الشيوعي العراقي , وكنت أحدهم وأتحمل مسؤوليتي في هذا أيضاً. وقد أصدر الحزب الشيوعي العراقي تقييما لتلك الفترة حيث سجل بوضوح الأخطاء التي ارتكبها في هذا الصدد , وكنت أحد أعضاء اللجنة الثلاثية التي وضعت مسودة ذلك التقييم في دمشق في العام 1981. ولا بد لي هنا من الإشارة الواضحة إلى أن رفع شعار "معاً نحو بناء الاشتراكية" لم يدرس في اللجنة المركزية التي كنت عضواً فيها , وفوجئ المؤتمر الثالث بالشعار وهو معلق في أحد اركان خيمة المؤتمر. وكان المسؤول عن رفع هذا الشعار السكرتير الأول والمكتب السياسي وسكرتارية اللجنة المركزية. ومع ذلك تتحمل القيادة كلها هذا الخطأ الفادح. كما أن القول بأن صدام حسين هو كاسترو العراق , كان بدوره من تحليلات وعنديات السيد عزيز محمد , السكرتير الأول للحزب , وربما بالتنسيق مع المكتب السياسي والسكرتارية أو مع بعض الأعضاء فيهما , حينذاك , ولم يكن في الحزب سوى قلة قليلة تفكر بهذه الطريقة. وحين التقيت بصدام حسين أكثر من ساعة ونصف الساعة في شهر أيلول/سبتمبر 1976 أثناء انعقاد المؤتمر الزراعي , أي بعد المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي العراقي بعدة شهور , ووجهت نقداً صريحاً لسياسة البعث إزاء مجمل الوضع في العراق وإزاء مواقفه من الحزب الشيوعي العراقي , إضافة إلى ما طرحته من على منصة المؤتمر من نقد شديد لسياسة البعث علناً ونقل عبر شاشات التلفزة وشاهدته جمهرة كبيرة من العراقيات والعراقيين. وفي حينها أبلغت الحزب بتقرير شاف وواف عن اللقاء وتفاصيل النقاش وخلاصته أن التحالف مع البعث قد اصبح من الماضي وأن البعث متجه صوب تصفية علاقاته مع الحزب الشيوعي وعلى الحزب أن يأخذ حذره. لم أكن متفقاً مع هذا الشعار البائس. اليكم هذه الحقيقة. في الوقت الذي أعدم صدام حسين 34 شيوعياً وديمقراطياً في العراق , قام صدام حسين في الوقت نفسه بإرسال منحة مالية إلى كوباً قدرها مائة مليون دولار أمريكي ,و على إثر ذلك منح فيدل كاسترو أكبر وسام كوبي , وسام خوزيه مارتيه لهذا الدكتاتور بعد أن نظمت زيارة خاصة له إلى كوبا. وحين حضرت المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الكوبي في العام 1985 ممثلا ً عن الحزب , قدمت احتجاجاً شفوياً على ذلك العمل المشين وتحدثت مع سكرتارية اللجنة المركزية إزاء تلك الإساءة التي لحقت بالحزب والتغطية المقصودة على عمليات الإعدام التي مارسها صدام حسين في العراق. لقد كان الخطأ الكبير الذي ارتكبته قيادة الحزب في حينها , كما أرى , قد برز في قناعة قيادة الحزب الشيوعي بطريق التطور اللارأسمالي صوب الاشتراكية , والذي انتقدته في المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي في العام 1970 حين طرحه الرفيق الراحل عامر عبد الله في المؤتمر , كما انتقدت الوجهة في أكثر من دراسة ومقال لي في الستينيات في مجلة دراسات عربية اللبنانية وفي مجلة الطليعة المصرية في العام 1968 وفي رسالة الدكتوراه التي دافعت عنها في الشهر الأول من عام 1968 , والتي كانت تبحث في "طبيعة إجراءات التأميم في جمهورية مصر العربية" , حيث أشرت فيها إلى أن هذا الطريق يمكن أن يتحقق تحت قيادة الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي فقط , إذ يمكن للبرجوازية الصغيرة أن تتخذ جملة من الإجراءات لكنها لا يمكن أن تقود النضال على هذا الطريق صوب الاشتراكية. كنت مخطئاً في مسألة واحدة وهي أن ليس هناك طريقا باسم طريق التطور اللارأسمالي أصلاً ومن حيث المبدأ , وكنت مقتنعاً بأن البرجوازية الصغيرة عاجزة عن وعي وإدراك واستيعاب أهمية وضرورة الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية للمجتمع , وأنها أقامت نظماً استبدادية في الدول العربية حيثما وصلت إلى السلطة. وتقدم سوريا خير دليل على طبيعة البرجوازية الصغيرة وسلوكها واستبدادية نظامها السياسي القمعي , وكذا الحال بالنسبة إلى ليبيا أو العراق في عهد البعث المشئوم. كما يتجلى الاستبداد في الفكر القومي اليميني والشوفيني , بل حتى في الفكر القومي المتياسر.
2009 / 1 / 24
بدأت إشكالية الحركة الاشتراكية العالمية مع بدء التباين في مواقف قيادات الحركة الاشتراكية العالمية إزاء الحرب الاستعمارية الأولى , حرب إعادة توزيع مناطق النفوذ بين الدول الاستعمارية وإنهاء وجود الدولة العثمانية بين عامي 1914-1918 , ثم سقوط القيصرية في العام شباط/فبراير 1917 وتشكيل حكومة كيرنسكي. وبعد عدة شهور , أي في أكتوبر من العام 1917 , قام البولشفيك بقيادة لينين بالثورة على حكومة كيرنسكي واسقطوا نظامه وأقاموا الدولة السوفييتية الفتية. وفي هذا الفترة تعمق الخلاف بين قطبي الحركة الاشتراكية المنشفيك والبولشفيك , وظهرت تدريجاً الأحزاب الشيوعية , خاصة عصبة سپارتاكوس بقيادة روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت , والذي تحول فيما بعد إلى (الحزب الشيوعي الألماني) في العام 1918 , وهي التي سمحت في العام 1919 بتشكيل الأممية الشيوعية تحت توجيه وإشراف وقيادة فلاديمير إيليچ لينين.لقد لعب لينين دوراً ثورياً كبيراً من الناحيتين النظرية والعملية في الثورة الروسية وفي الدفع باتجاه بروز الحركة الشيوعية (الأممية الثالثة) والدفع باتجاه تشكيل الأحزاب الشيوعية في المزيد من بلدان العالم لتوسيع الحركة ومواجهة الأحزاب الاشتراكية للأممية الثانية وللتضامن مع الدولة السوفييتية الجديدة وتقديم الدعم الدولي لها. إلا أن لينين كان قد بدأ عملياً وقبل ذاك بسنوات بـ "روسنة" الفكر الماركسي من خلال نشاطه الفكري والعملي حول الثورة الروسية وكتاباته الكثيرة في هذا الصدد. ولم يكن في هذا أي خلل حين تقرأ الماركسية في ضوء ظروف كل بلد من البلدان. ولكن الخلل برز حين صدر لينين الفكر الماركسي المروسن (من روسية) إلى العالم كله عبر مؤتمرات الحركة الشيوعية أو أحزابها الجديدة لتكون هادية لها ومرشدة لنضالها. وفي العام 1919/1920 أدرك لينين الأخطاء التي ارتكبها الحزب بقيادته وتنظيراته بشأن البناء الاشتراكي في دولة سوفييتية لا تزال متخلفة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ووعياً شعبياً. وهنا عمد إلى طرح برنامج "سياسته الاقتصادية الجديدة" (نيپ) في العام 1920 والذي أدرك فيها أهمية عدم قفز المراحل وحرقها , بل لا بد من إنجاز مهمات الثورة الديمقراطية بقيادة الحزب الشيوعي السوفييتي. ولكن لينين لم يستطع تغيير الوجهة العامة للحزب والدولة السوفييتية , إذ سرعان ما تمرض وأُبعد تدريجاً عن قيادة وتوجيه الحزب فكرياً وسياسياً من الناحية الفعلية منذ العام 1922 تقريباً ليحل محله عملياً وقبل وفاته في العام 1924 بفترة طويلة , جوزيف ستالين. إن خطأ السياسة السوفييتية لم يبرز على الصعيد الروسي حسب , بل وعلى الصعيد الدولي حين تصور لينين وأغلب قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي قرب نهاية الرأسمالية وقرب إمكانية بناء الاشتراكية وتصدير هذا الفكر إلى العالم كله. لقد كان هروباً إلى أمام بكل معنى الكلمة. لا يمكن الادعاء بأي حال بأن الفكر اللينيني قد أُبعد عن الدراسة والتثقيف في المدارس الحزبية والجامعات والتثقيف العام لصالح فكر ستالين , إذ أن ستالين كان نفسه لينينياً واعتمد اللينينية في الممارسة العملية , ثم طرح أفكاره الخاصة بما يخص بناء الحزب والدولة والمجتمع الاشتراكي والفرد البولشفي (راجع كراس في سبيل تكوين بولشفي لجوزيف ستالين 1935). وكانت إضافاته هزيلة وصدى باهت لأفكار لينين من الناحية النظرية , ولكنها كانت تعتمد القوة والقمع والقسوة في الممارسة العملية. ولقد تشوهت في الممارسة حتى تلك الأفكار السليمة والعبقرية للينين. لقد مارس ستالين العنف وليس الطوعية في الموقف من التحولات الاقتصادية والاجتماعية , سواء أكان ذلك بالنسبة إلى المسألة الزراعية وبناء الكولخوزات والسوفخوزات (كان لينين يدعو إلى الطوعية في الانتماء أو في تشكيل هذه المنشآت) , أم بشن حملة عنف فعلي ضد الكولاك وأغنياء ومتوسطي الفلاحين لصالح تشكيل الجمعيات التعاونية والمزارع الحكومية , أم بالنسبة للموقف من القطاع الخاص والقطاع الحكومي , أم بالنسبة لجرائم القتل والسجن والنفي بالنسبة لمخالفي وجهات نظره ومنتقدي افكاره وسياساته التي لم تعد سراً على أحد , بل فضحها القادة السوفييت أنفسهم ومنذ الخمسينات. ثم تم الكشف عن الكثير من جرائم ستالين فيما بعد ونشر وهي موثقة. لقد كانت هناك مدرسة فكرية لينينة في الجانبين النظري والعملي لكل الحركة الشيوعية العالمية , للأممية البروليتارية , الأممية الثالثة , وليس للحزب الشيوعي السوفييتي وحده , وهي التي حققت شيئاً استثنائياً في الجانب الفكري , حيث حولت الفكر الماركسي أو النظرية الماركسية إلى شيء أشبه بالدين , وإلى عقيدة جامدة حقاً وامتلاك الحقيقة كلها والحق في امتلاك واحتكار الصواب كله , وإلى أصولية قاهرة بدلاً من جعلها فكراً متحرراً ومفتوحاً ومتفاعلاً مع الأفكار والتيارات الفكرية الأخرى ومنهجاً متطوراً بتطور مختلف العلوم والتقنيات والاكتشافات العلمية على الصعيد العالمي. إن فشل المدرسة السوفييتية في الفكر والسياسة السوفييتية والنموذج السوفييتي وما ماثلها في الدول الاشتراكية الأخرى والأحزاب الشيوعية التي لم تكن في الحكم , لا يعني بأي حال فشل المنهج الماركسي أو المنهج المادي العلمي المتطور كأداة للتحليل أو فشل الفكر الاشتراكي بشكل عام. فالفكر الماركسي يرفض الاستغلال والاستعباد وقهر الإنسان والاستعمار والاضطهاد القومي ويدعو إلى الحرية والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية. ولهذا لم يكن فرنسيس فوكوياما في كتابه الموسوم "نهاية التاريخ" على صواب , إذ سرعان ما تراجع عنه , حين تراءا له بأن الاشتراكية ماتت وأن الرأسمالية انتصرت وإلى الأبد , إذ لا يمكن تصور العالم دون حركة دائبة وتطور مستمر وتغيير غير منقطع , كما لم يكن الراحل صموئيل هنتنكتون على صواب حين حاول إبعاد الأنظار عن الصراع الطبقي , عن الصراع بين العمل ورأس المال , واعتبار أن الصراع قد أصبح يدور في المجال الديني , صراع بين أتباع الأديان , وخاصة صراع الحضارة المسيحية الغربية ضد الحضارة الإسلامية الشرقية , أو صراع المسيحيين ضد المسلمين بشكل خاص , كما تجلى وورد في كتاباته التي نشرت منذ أوائل التسعينات , ثم في كتابه الموسوم "صدام الحضارات" الذي صدر في العام 1996. لقد لعبت الأحزاب الشيوعية في الدول العربية وفي عموم منطقة الشرق الأوسط دوراً مهماً وكبيراً في نضال شعوبها باتجاهات عدة , فقد:1 . شاركت بفعالية وطليعية في عملية التنوير والتوعية الفكرية والسياسية في مجتمعات كانت في الغالب الأعم متخلفة اقتصادياً ويسيطر على شعوبها الفكر الديني الغيبي والخرافات والمؤسسة الدينية المحافظة؛2 . وشاركت بفعالية في النضال ضد الهيمنة الاستعمارية الأجنبية وحققت مع القوى الأخرى والجماهير الشعبية نجاحات مهمة على هذا الطريق؛3 . كما شاركت في النضال من أجل حل المسألة الزراعية لصالح فقراء وصغار الفلاحين لتصفية العلاقات الإنتاجية الأبوية وشبه الإقطاعية الاستغلالية المتخلفة؛4 . وشاركت في النضال من أجل بناء حياة سياسة حرة وديمقراطية وحياة دستورية مؤسسية؛5 . وشاركت في النضال من أجل تحرير المرأة وحريتها ومساواتها بالرجل ودورها في الحياة العامة؛6 . كما ناضلت من أجل التصنيع باعتباره الأساس المادي للتنمية الاقتصادية المستديمة وضد تشوه البنية الاقتصادية الوحيدة الجانب وضد الاستغلال والبطالة والفقر والحرمان؛7 . وناضلت من أجل تغيير البنية الاجتماعية المتخلفة لصالح نشوء الطبقات والفئات الحديثة , الطبقة العاملة والبرجوازية الصناعية , وتوسيع قاعدة المثقفين ودورهم في الحياة العامة؛ 8 . وعملت من أجل تعزيز العلاقات بين شعوب ودول العالم العربي والتضامن النضالي لتحريرها وانتزاع سيادتها واستقلالها الوطني , ومن أجل التنسيق والتكامل الاقتصادي.9. كما ناضلت ضد الصهيونية منذ تأسيسها وساندت نضال الشعب الفلسطيني في سبيل التخلص من الهيمنة البريطانية وإقامة الدولة الفلسطينية العلمانية حيث يعيش أتباع كل الديانات تحت شعار " الدين لله والوطن للجميع ".10 . وفي هذا النضال قدمت كل الأحزاب الشيوعية في منطقة الشرق الأوسط , ومنها بشكل خاص الحزب الشيوعي العراقي , التضحيات الكبيرة من أجل تلك الأهداف النبيلة و من أجل مجتمع أفضل وحياة أكثر سعادة وبهاءً وعدالة وسلاماً. وقد كانت السجون العراقية مليئة بمناضلي هذا الحزب ومؤيديه , وبشكل خاص في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ولكنها في الوقت نفسه ارتكبت بعض الأخطاء في هذا النضال , وليس هناك من حزب سياسي يناضل في بلد مثل بلداننا لا يرتكب بعض الأخطاء صغيرة كانت أم كبيرة. وأبرز تلك الأخطاء علاقة تلك الأحزاب بالمرجعية السوفييتية التي لم تساهم في تعزيز استقلاليتها ودورها الفكري والسياسي , بل ساهمت بقوة في خلق أو نشوء إتكالية فكرية وسياسية كبيرة وغير اعتيادية من خلال الاعتماد على الفكر والسياسة التي أنتجها مركز الحركة الشيوعية , الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي والمؤسسات الفكرية السوفييتية أو الأخذ بمبدأ دكتاتورية البروليتاريا. لقد أدت هذه الاتكالية إلى خمول وكسل فكريين لدى قادة وكوادر الأحزاب الشيوعية وإلى ضعف المبادرة في التفكير واكتشاف الجديد والتحليل المستقل بما يتناغم وواقع بلدانهم بشكل عام. ولم تكن هذه الحالة عامة وشاملة , إذ كانت هناك استثناءات واضحة. فسياسة فهد الداخلية وصياغته لشعارات الحزب النضالية وربطه القضايا الوطنية العامة بمصالح الفئات الاجتماعية كانت معبرة بصورة دقيقة عن واقع العراق الفعلي , في حين كانت سياساته وماقفه الأممية أو الدولية متطابقة مع السياسات السوفييتية , رغم أنها لم تكن بالضرورة متطابقة مع الواقع والحاجة العراقية. لا شك في أن مرجعية الأحزاب الشيوعية للكومنترن والأممية الثالثة , رغم حل الكومنترن في العام 1942 , كان يعني مرجعية الحزب الشيوعي السوفييتي للحركة الشيوعية كلها , وكان هذا الموقف خطأ فادحاً بالنسبة للحركة الشيوعية , إذ أن الدولة السوفييتية كانت تُخضع تلك المرجعية الشيوعية لصالح سياساتها الدولية والإقليمية وليس بالضرورة لصالح الحركة الشيوعية أو لهذا الحزب أو ذاك في البلد المعني , وهذا ما حصل فعلاً في فترة حكم البعث , على سبيل المثال لا الحصر , حيث كانت العلاقات السوفييتية مع الدولة البعثية في العراق وعلاقات الحزب الشيوعي السوفييتي مع حزب البعث هي الأخرى متينة حتى حين أنهى حزب البعث تحالفه مع الحزب الشيوعي العراقي بالقوة , إذ مرّ خلال ثلاث سنوات أكثر من 100 ألف عراقية وعراقي بمعتقلات وأجهزة أمن النظام حيث أُجبر الحزب الشيوعي العراقي على مغادرة "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" وإنهاء التحالف على طريقة "أخاك مجبر لا بطل!", ولكن الحزب الشيوعي العراقي لم يلتزم بالموقف السوفييتي ولم يأخذ بنصيحة الحزب الشيوعيي السوفييتي , الأخ الأكبر , بضرورة العودة إلى التحالف مع البعث والدولة البعثية , بل رفع السلاح بوجه حزب البعث وحكمه لحماية رفاقه ونفسه وشارك مع القوى الوطنية الأخرى , ومنها الأحزاب الكردستانية وبعض القوى العربية والآشورية في النضال ضد حكم البعث الصدامي الإجرامي , الذي التزمته بعض القوى القومية العربية , وبشكل خاص المؤتمر القومي العربي , ونست أو تناست جرائمه بحق الشعب وشوفينيته وعنصريته وأساليبه السياسية والقمعية الفاشية التي طالت قوى قومية وقوى بعيثية أيضاً. لقد واجهت الأحزاب الشيوعية الكثير من المصاعب وعانت منها في ظل تلك الأوضاع السيئة التي سادت في الدول العربية وغياب الحياة الدستورية الديمقراطية. ونتيجة لتلك التعقيدات والأوضاع وبسبب المرجعية السوفييتية بشكل مباشر أو غير مباشر , ارتكبت الأحزاب الشيوعية في الدول العربي العديد من الأخطاء , ولكنها ساهمت بالكثير من الجوانب المشرقة في النضال الوطني والقومي. ولكن هكذا نشأت هذه الأحزاب في ظل الأممية الثالثة وتحملت عبء الدفاع عن الدولة السوفييتية الفتية في ظل أهداف هذه الدولة التي عكست مع نهوضها حلم البشرية في التخلص من الاستغلال والفقر والفاقة والعيش في أجواء الحرية والديمقراطية والسلام. ومن المؤسف أن هذه الدولة , وكذلك الدول الديمقراطية الشعبية المماثلة لها التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وكانت أعضاء في مجلس التعاضد الاقتصادي , لم تلتزم بذلك الحلم الإنساني النبيل بل أخلت بمبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان , ومن ثم أخلت بالعدالة الاجتماعية , الذي كان شعارها الأول , وحولت أحزابها ودولها إلى خدمة البيروقراطية الحزبية والحكومية , خدمة النخبة الحاكمة التي أدانتها منذ البدء روزا لوكسمبورغ , إذ رأت فيها بنظرة ثاقبة ما يمكن أن يحصل في بلد متخلف يريد بناء الاشتراكية بإقلية حزبية. وهذا الاتجاه في المدرسة اللينينية , هو الذي هيمن على هذه الأحزاب والدول وهو الذي ألحق أفدح الأضرار بالفكر الماركسي واساء على منهجه العلمي , إذ باسمه جرى كل ذلك , في حين أن هذه الأحزاب في الدول الاشتراكية لم تلتزم بالمنهج الماركسي , بل التزمت بالفكر اللينيني والستاليني حتى بعد إدانتها للفكر الستاليني وممارساته الإرهابية بحق الشعوب السوفييتية وبحق الشيوعيين الألمان وهيمنته الفعلية على سياسة الدول الاشتراكية والأحزاب الشيوعية فيها , وعلى العلاقة مع الكثير من الأحزاب الشيوعية في الدول العربية , ومنها الحزب الشيوعي السوري بأغلب تكتلاته , والذي لا يزال يعاني من تبعات تلك السياسة رغم غياب الاتحاد السوفييتي مثلاً.ولهذا كانت الهزة شديدة حين انهارت الدولة السوفييتية في صفوف الأحزاب الشيوعية والحركة اليسارية في الدول العربية وفي بلدان كثيرة أخرى. وقد بدأ بعضها بإعادة النظر بالجوانب الفكرية والسياسية , بعضها نجح نسبياً , وبعضها الآخر لم ينجح في ذلك , وبعضها الثالث لم يجد ضرورة لإعادة النظر بكل ما حصل واعتبر أن ما حصل في الاتحاد السوفييتي لم يكن سوى مؤامرة خارجية على الدول الاشتراكية! وعجز عن رؤية النخر الداخلي الذي مارسه الحزب ومارسته الدولة السوفييتية ذاتها بنظامها البيروقراطي الشمولي. وهؤلاء لا زالوا على النهج سائرين , وهم يصطدمون يومياً بحقائق الحياة ولكنهم لم يعودوا قادرين على التغيير ووعي الواقع الجديد في العالم. والمثل الإنجليزي يقول : " الحقائق صخور صلدة من لا يعترف بها يصطدم بها ويشج رأسه". لقد بذل الحزب الشيوعي العراقي جهداً على هذا السبيل , ولكني لم اجد هذا كافياً , لهذا وجهت رسالة مفتوحة لقيادة وأعضاء الحزب الشيوعي العراقي قبل عقد مؤتمرة الثامن ضمنتها تصوراتي الشخصية عن وضع الحزب وضرورات التغيير ومجالات هذا التغيير في الفكر والتنظيم والسياسة. ليس من حقي ولا أريد أن افرض رأيي على الحزب الشيوعي العراقي , إذ لا أملك بدوري وبالضرورة الحقيقة جزئياً أو كليا. والمسألة بالمحصلة النهائية تعود للحزب ذاته وهو الذي يقرر كيف يفترض فيه أن يمارس سياساته , وعلى القوى ان تحترم السياسات التي يقررها أي حزب من الأحزاب مع الاحتفاظ بحقها في النقد , إذ أن هذه الأحزاب تدخل ضمن الشأن العام الذي يمكن ويجب نقدها حين يستوجب الأمر ذلك. والمشكلة لدى بعض الأشخاص أنهم لا يسمعون إلا صوتهم وحين يرون صورتهم في المرآة يرون وجوهم جميلة , في حين يرى الآخرون شيئاً آخر. فهم ينتقدون الآخر , ولكنهم لا يدركون مدى الأخطاء التي يرتكبوها في كتاباتهم , سواء بالمقالات التي ينشرونها أم في بعض التعليقات التي ترد على بعض المقالات. وأدعي أن السيد سلامة كيله أحدهم. لا شك في أن التحالف مع حزب البعث العربي الاشتراكي كان خطأً تاريخياً ارتكبته قيادة الحزب الشيوعي العراقي , وكنت أحدهم وأتحمل مسؤوليتي في هذا أيضاً. وقد أصدر الحزب الشيوعي العراقي تقييما لتلك الفترة حيث سجل بوضوح الأخطاء التي ارتكبها في هذا الصدد , وكنت أحد أعضاء اللجنة الثلاثية التي وضعت مسودة ذلك التقييم في دمشق في العام 1981. ولا بد لي هنا من الإشارة الواضحة إلى أن رفع شعار "معاً نحو بناء الاشتراكية" لم يدرس في اللجنة المركزية التي كنت عضواً فيها , وفوجئ المؤتمر الثالث بالشعار وهو معلق في أحد اركان خيمة المؤتمر. وكان المسؤول عن رفع هذا الشعار السكرتير الأول والمكتب السياسي وسكرتارية اللجنة المركزية. ومع ذلك تتحمل القيادة كلها هذا الخطأ الفادح. كما أن القول بأن صدام حسين هو كاسترو العراق , كان بدوره من تحليلات وعنديات السيد عزيز محمد , السكرتير الأول للحزب , وربما بالتنسيق مع المكتب السياسي والسكرتارية أو مع بعض الأعضاء فيهما , حينذاك , ولم يكن في الحزب سوى قلة قليلة تفكر بهذه الطريقة. وحين التقيت بصدام حسين أكثر من ساعة ونصف الساعة في شهر أيلول/سبتمبر 1976 أثناء انعقاد المؤتمر الزراعي , أي بعد المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي العراقي بعدة شهور , ووجهت نقداً صريحاً لسياسة البعث إزاء مجمل الوضع في العراق وإزاء مواقفه من الحزب الشيوعي العراقي , إضافة إلى ما طرحته من على منصة المؤتمر من نقد شديد لسياسة البعث علناً ونقل عبر شاشات التلفزة وشاهدته جمهرة كبيرة من العراقيات والعراقيين. وفي حينها أبلغت الحزب بتقرير شاف وواف عن اللقاء وتفاصيل النقاش وخلاصته أن التحالف مع البعث قد اصبح من الماضي وأن البعث متجه صوب تصفية علاقاته مع الحزب الشيوعي وعلى الحزب أن يأخذ حذره. لم أكن متفقاً مع هذا الشعار البائس. اليكم هذه الحقيقة. في الوقت الذي أعدم صدام حسين 34 شيوعياً وديمقراطياً في العراق , قام صدام حسين في الوقت نفسه بإرسال منحة مالية إلى كوباً قدرها مائة مليون دولار أمريكي ,و على إثر ذلك منح فيدل كاسترو أكبر وسام كوبي , وسام خوزيه مارتيه لهذا الدكتاتور بعد أن نظمت زيارة خاصة له إلى كوبا. وحين حضرت المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الكوبي في العام 1985 ممثلا ً عن الحزب , قدمت احتجاجاً شفوياً على ذلك العمل المشين وتحدثت مع سكرتارية اللجنة المركزية إزاء تلك الإساءة التي لحقت بالحزب والتغطية المقصودة على عمليات الإعدام التي مارسها صدام حسين في العراق. لقد كان الخطأ الكبير الذي ارتكبته قيادة الحزب في حينها , كما أرى , قد برز في قناعة قيادة الحزب الشيوعي بطريق التطور اللارأسمالي صوب الاشتراكية , والذي انتقدته في المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي في العام 1970 حين طرحه الرفيق الراحل عامر عبد الله في المؤتمر , كما انتقدت الوجهة في أكثر من دراسة ومقال لي في الستينيات في مجلة دراسات عربية اللبنانية وفي مجلة الطليعة المصرية في العام 1968 وفي رسالة الدكتوراه التي دافعت عنها في الشهر الأول من عام 1968 , والتي كانت تبحث في "طبيعة إجراءات التأميم في جمهورية مصر العربية" , حيث أشرت فيها إلى أن هذا الطريق يمكن أن يتحقق تحت قيادة الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي فقط , إذ يمكن للبرجوازية الصغيرة أن تتخذ جملة من الإجراءات لكنها لا يمكن أن تقود النضال على هذا الطريق صوب الاشتراكية. كنت مخطئاً في مسألة واحدة وهي أن ليس هناك طريقا باسم طريق التطور اللارأسمالي أصلاً ومن حيث المبدأ , وكنت مقتنعاً بأن البرجوازية الصغيرة عاجزة عن وعي وإدراك واستيعاب أهمية وضرورة الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية للمجتمع , وأنها أقامت نظماً استبدادية في الدول العربية حيثما وصلت إلى السلطة. وتقدم سوريا خير دليل على طبيعة البرجوازية الصغيرة وسلوكها واستبدادية نظامها السياسي القمعي , وكذا الحال بالنسبة إلى ليبيا أو العراق في عهد البعث المشئوم. كما يتجلى الاستبداد في الفكر القومي اليميني والشوفيني , بل حتى في الفكر القومي المتياسر.
22/1/2009 كاظم حبيب