
الى الذين يصنعون الحرّية نيابة عنّا، ولنا !
فائق المير
موقع الرأي24/1/09
على مساحة الجسد والروح ينتشر عبق اللذين غادرتهم، ويدميني صوت أي منهم عبر الهاتف.. أيها الرفاق والأصدقاء: كيف هي الأحوال عندكم؟؟.
أمازالت "كتائب المداهمة ومكافحة الإرهاب "*، تستبيح كرامتكم وتحاصر أرضكم على ضيقها، وتنتهك حرمة حياتكم وأجسادكم!؟.
أمازال المخبرون والبلطجية يطاردونكم ويقضون مضجعكم؟ ويعبثون ويخربون كل ماهو إنساني وحميمي في حياتكم وعلاقاتكم؟.
وهل مازال الشبّيحة وأصحاب النفوذ هم "أسياد" المكان، والقابضين على كل موارد المعتقل، والمتحكّمين بكل أشكال التجارة الشرعية وغير الشرعية فيه؟. ومازلتم تدفعون لهم من حياتكم ثمن الماء والهواء والمكان والزمان؟. ومازال ممنوع عليكم الاختلاط ببقية السجناء والحديث معهم؟.
وهل مازالت تصادر حوائجكم الصغيرة (الكأس، والسخانة، والملعقة، ومصاصة المتة) وتباع بنفس اليوم إلى غيركم؟؟. ومازال مفروضا عليكم احترام جرائد السلطة وعدم تعريض صور المسؤلين فيها لأية إساءة، وعقوبة المخالفة عشرة أيام في زنازين البرد والقمل والجرب؟.
تحياتي الحارّة لكم جميعا وأنتم تدفعون عنا غائلة الفساد ومرارة التسلط بصمودكم البطولي وقولتكم الرائعة: لا لا لا لمن يمعن في تخريب الأوطان وتمزيق واهانة شعبها، وتسليط "كواسره" ومافياته ككوابيس على حياته اليومية.
تحية إلى فايز سارة، الذي يقاوم بجسده بالرغم من زحمة الأمراض والأوجاع فيه، تحية له وهو يصعد إلى سريره متكئا الى إرادة لاتلين، وروح مفعمة بالعزيمة والثقة بالمستقبل، وابتسامة لا تفارق وجهه.
والى محمود عيسى لأسأله: ماذا تبقى لك من "الحقوق" بعد أن حاصروك وأكلوا المكان من حولك، لكي لا تخرج الينا حاملا حريتك وإجازة في الحقوق. إنني على ثقة أنهم مهما فعلوا لن يستطيعوا النيل من جموح روحك ومن صلابة إرادتك.
وأسال كمال اللبواني: ماذا تبقى منك بعد كلّ هذا الحقد والكيد، وكل الأذى الذي طال جسدك، وبعد سيل التهم المضحكة والمبكية التي لفقوها بحقك، لكنّهم لم يد ركوا أنهم بذلك يضيفون إلى سجل كفاحك في وجه الاستبداد وساماً جديداً سيكون على الدوام موضع تقدير واحترام كل المناضلين والشرفاء من أبناء شعبنا الصابر. أحييك بحرارة، وأتمناك طليقا بيننا.
والى العزيز أبا أيهم "ميشيل كيلو": أيها السبعيني المخضرم، الذي أثرى بنضاله ونشاطه وقلمه، الحياة الثقافية والسياسية السورية، والتي اعتبرها المستبدون أشياء هدامة، وموهنة لعزيمة الأمة، ومضعفة لشعورها القومي، وقد عبروا عن ثقافتهم هذه خير تعبير حين القوا بك نزيلا في سجونهم جنيا إلى جنب مع مرتكبي أبشع الجرائم الأخلاقية من القوادين ومديرو بيوت الدعارة. سأراك كما ودعتك مفعما بالأمل حافلا بالحياة والأحلام التي دأبت على غرسها فينا وفي الحياة على السواء.
السيدة الفاضلة: فداء حوراني يا ابنة مدينة أبي الفداء البطلة وفخرها، ياماجدة النساء السوريات ورمز نضالهن، صحيح انك لم تكوني أولهن ممن وقفن في وجه طاغوت التسلط وأدمتهن مخالبه السامة، لكن وقفتك الصلبة والمشرّفة، عبرت أصدق تعبير عن معاناة كل السوريات خصوصا وعن تطلعات الشعب السوري على وجه العموم. ستبقين الوردة السورية الأجمل، التي نسجت من جراح السوريين وقهرهم، الرؤية والموقف نحو سوريا الحرة العزيزة، والتي ستعيد للشعب السوري حريته وكرامته.
إلى أبي جواد: أيها الدمشقي الأصيل، الذي أنعش ذاكرتنا لنستعيد مجد الأفاضل ممن عطّرت سيرتهم بلاد الياسمين: القوتلي، والخوري، والقباني، وآخرين كثر، أنت الآن في قبضتهم ليمنعوك من السير في شوارع وأزقة الحارات العتيقة وتلتقي بناسها ومغرميها من البزورية إلى القنوات إلى الميدان، كيلا تتحدث إليهم أكثر عن مافاتهم من أخبار السلطان والسلاطين، وتفضح المزيد من صفقاتهم وارتكابا تهم. لقد لمسوا فيك العزم والجرأة، ولن يسمحوا لأحد أن يخبر الشعب من هو سارق لقمة أطفاله والوالغ في أحلامهم النبيلة.
أبو سلام الحبيب: أيها المقبل دوماً على الحياة وعاشقها حتّى القدمين. أما زلت في اطمئنانك الهادئ تقول: "يداك أوكتا وفوك نفخ"؟. لابأس من بعض الشيب يزين مفرقك الحالك. ستظل أكبر من المحنة. وأحترم ولعك بالحرية.. ونحن بانتظارك.
إلى طلال – وجبر: أيها الصديقين الجميلين حدّ الوفاء، كلي ثقة أنكم ستجعلون للمكان معنى غير الوحشة والقهر، أنا واثق أن المعاني ستتسرب من بين أصابعكم، ومن صدى الضحكات التي تستفز بتحررها عقد النقص لدى سجانكم، ومن انهمار الكلمات ومن رنينها، ستشقون دروبا رحبة وسط زنزانتكم.... سلاما يليق بجمالكم.
أشدّ بحرارة على يدي المناضل أباحسين (علي العبد الله)، الذي ألف السجون وزنازينها باعتبارها ثمناً للحرية، وعربون وفاء للشعب الطيب الذي امتزج فيه بكل أصالة. بماذا أناديك وأنت العطر السيرة في كل مكان تطأه قدماك، اعتقد أن اللذين أرادوا امتحانك قد أدركوا أنهم واهمون، ترى كيف تعيش لحظاتك المرة والثقيلة بعد أن عزلوك عن العالم، وجربوا فيك أحطّ أساليب حقدهم ليخضعوك؟ وكيف توزع قلقك المتشعب؟، أعلى عائلتك التي تركتها لأجهزة الأمن تنغص عيشها؟ أم على ولديك محمد وعمر، (محمد) في غربته القسرية؟ أم عمر نزيل سجن صيدنايا والذي بقي مصيره مجهولا مثله مثل باقي نزلاء هذا السجن المرعب؟ كم أنت حين تتحمّل كل هذا الوجع وتصمد، وتبقى الابتسامة الممزوجة بالأمل على محيّاك ولا تفارقك في كل الأوقات. كم أكبر فيك كل هذا وكم أشتاق اليك حيث أنت، يامن تنمو أشجار الحرية في كفيه.
سلاما لعائلة (البنّي) الكريمة، والتي أصبحت التضحيات قدرها وجزأ من تقاليدها، ومطاردة الأشباح وعسس الليل وأذى السلطة طقسا من طقوس حياتها، ألا يكفي ما قدمته من قرابين؟ كل الحب والوفاء للرجال الأشاوس: أكرم وأنور صنوا الحرية، فأنتم في القلب دوما وحاضرون معنا وفي أفعالنا.
إلى أحمد طعمه وياسر العيتي... إلى مشعل وحبيب وماهر وعمر والشيخ ضرار ونزار.. وكل القابعين في سجون الاستبداد وأقبيته، والى كل الذين ضحوا وماتوا دفاعا عن كرامتهم وحرية شعبهم، سيثمر غرسكم لامحالة خمائل تظلل حياتنا وتحميها من لظى الفساد ونيران التسلط.
يتزايد عدد الأحبة والمشتاقون لكم، مثلما يتزايد شوقكم وشوقنا للحرية.
(*): كتائب المداهمة ومكافحة الارهاب: وهي تشكيل امني عسكري قوامه من الشرطة، يقوم بشكل دوري (شهري) باقتحام السجن وهومدجج بالقنابل الغازية والهراوات، ويقوم بتعرية النزلاء وجلدهم وتفتيشهم وتوجيه الاهانات المشينة لهم والعبث بمقتنياتهم او مصادرتها.
فائق المير
موقع الرأي24/1/09
على مساحة الجسد والروح ينتشر عبق اللذين غادرتهم، ويدميني صوت أي منهم عبر الهاتف.. أيها الرفاق والأصدقاء: كيف هي الأحوال عندكم؟؟.
أمازالت "كتائب المداهمة ومكافحة الإرهاب "*، تستبيح كرامتكم وتحاصر أرضكم على ضيقها، وتنتهك حرمة حياتكم وأجسادكم!؟.
أمازال المخبرون والبلطجية يطاردونكم ويقضون مضجعكم؟ ويعبثون ويخربون كل ماهو إنساني وحميمي في حياتكم وعلاقاتكم؟.
وهل مازال الشبّيحة وأصحاب النفوذ هم "أسياد" المكان، والقابضين على كل موارد المعتقل، والمتحكّمين بكل أشكال التجارة الشرعية وغير الشرعية فيه؟. ومازلتم تدفعون لهم من حياتكم ثمن الماء والهواء والمكان والزمان؟. ومازال ممنوع عليكم الاختلاط ببقية السجناء والحديث معهم؟.
وهل مازالت تصادر حوائجكم الصغيرة (الكأس، والسخانة، والملعقة، ومصاصة المتة) وتباع بنفس اليوم إلى غيركم؟؟. ومازال مفروضا عليكم احترام جرائد السلطة وعدم تعريض صور المسؤلين فيها لأية إساءة، وعقوبة المخالفة عشرة أيام في زنازين البرد والقمل والجرب؟.
تحياتي الحارّة لكم جميعا وأنتم تدفعون عنا غائلة الفساد ومرارة التسلط بصمودكم البطولي وقولتكم الرائعة: لا لا لا لمن يمعن في تخريب الأوطان وتمزيق واهانة شعبها، وتسليط "كواسره" ومافياته ككوابيس على حياته اليومية.
تحية إلى فايز سارة، الذي يقاوم بجسده بالرغم من زحمة الأمراض والأوجاع فيه، تحية له وهو يصعد إلى سريره متكئا الى إرادة لاتلين، وروح مفعمة بالعزيمة والثقة بالمستقبل، وابتسامة لا تفارق وجهه.
والى محمود عيسى لأسأله: ماذا تبقى لك من "الحقوق" بعد أن حاصروك وأكلوا المكان من حولك، لكي لا تخرج الينا حاملا حريتك وإجازة في الحقوق. إنني على ثقة أنهم مهما فعلوا لن يستطيعوا النيل من جموح روحك ومن صلابة إرادتك.
وأسال كمال اللبواني: ماذا تبقى منك بعد كلّ هذا الحقد والكيد، وكل الأذى الذي طال جسدك، وبعد سيل التهم المضحكة والمبكية التي لفقوها بحقك، لكنّهم لم يد ركوا أنهم بذلك يضيفون إلى سجل كفاحك في وجه الاستبداد وساماً جديداً سيكون على الدوام موضع تقدير واحترام كل المناضلين والشرفاء من أبناء شعبنا الصابر. أحييك بحرارة، وأتمناك طليقا بيننا.
والى العزيز أبا أيهم "ميشيل كيلو": أيها السبعيني المخضرم، الذي أثرى بنضاله ونشاطه وقلمه، الحياة الثقافية والسياسية السورية، والتي اعتبرها المستبدون أشياء هدامة، وموهنة لعزيمة الأمة، ومضعفة لشعورها القومي، وقد عبروا عن ثقافتهم هذه خير تعبير حين القوا بك نزيلا في سجونهم جنيا إلى جنب مع مرتكبي أبشع الجرائم الأخلاقية من القوادين ومديرو بيوت الدعارة. سأراك كما ودعتك مفعما بالأمل حافلا بالحياة والأحلام التي دأبت على غرسها فينا وفي الحياة على السواء.
السيدة الفاضلة: فداء حوراني يا ابنة مدينة أبي الفداء البطلة وفخرها، ياماجدة النساء السوريات ورمز نضالهن، صحيح انك لم تكوني أولهن ممن وقفن في وجه طاغوت التسلط وأدمتهن مخالبه السامة، لكن وقفتك الصلبة والمشرّفة، عبرت أصدق تعبير عن معاناة كل السوريات خصوصا وعن تطلعات الشعب السوري على وجه العموم. ستبقين الوردة السورية الأجمل، التي نسجت من جراح السوريين وقهرهم، الرؤية والموقف نحو سوريا الحرة العزيزة، والتي ستعيد للشعب السوري حريته وكرامته.
إلى أبي جواد: أيها الدمشقي الأصيل، الذي أنعش ذاكرتنا لنستعيد مجد الأفاضل ممن عطّرت سيرتهم بلاد الياسمين: القوتلي، والخوري، والقباني، وآخرين كثر، أنت الآن في قبضتهم ليمنعوك من السير في شوارع وأزقة الحارات العتيقة وتلتقي بناسها ومغرميها من البزورية إلى القنوات إلى الميدان، كيلا تتحدث إليهم أكثر عن مافاتهم من أخبار السلطان والسلاطين، وتفضح المزيد من صفقاتهم وارتكابا تهم. لقد لمسوا فيك العزم والجرأة، ولن يسمحوا لأحد أن يخبر الشعب من هو سارق لقمة أطفاله والوالغ في أحلامهم النبيلة.
أبو سلام الحبيب: أيها المقبل دوماً على الحياة وعاشقها حتّى القدمين. أما زلت في اطمئنانك الهادئ تقول: "يداك أوكتا وفوك نفخ"؟. لابأس من بعض الشيب يزين مفرقك الحالك. ستظل أكبر من المحنة. وأحترم ولعك بالحرية.. ونحن بانتظارك.
إلى طلال – وجبر: أيها الصديقين الجميلين حدّ الوفاء، كلي ثقة أنكم ستجعلون للمكان معنى غير الوحشة والقهر، أنا واثق أن المعاني ستتسرب من بين أصابعكم، ومن صدى الضحكات التي تستفز بتحررها عقد النقص لدى سجانكم، ومن انهمار الكلمات ومن رنينها، ستشقون دروبا رحبة وسط زنزانتكم.... سلاما يليق بجمالكم.
أشدّ بحرارة على يدي المناضل أباحسين (علي العبد الله)، الذي ألف السجون وزنازينها باعتبارها ثمناً للحرية، وعربون وفاء للشعب الطيب الذي امتزج فيه بكل أصالة. بماذا أناديك وأنت العطر السيرة في كل مكان تطأه قدماك، اعتقد أن اللذين أرادوا امتحانك قد أدركوا أنهم واهمون، ترى كيف تعيش لحظاتك المرة والثقيلة بعد أن عزلوك عن العالم، وجربوا فيك أحطّ أساليب حقدهم ليخضعوك؟ وكيف توزع قلقك المتشعب؟، أعلى عائلتك التي تركتها لأجهزة الأمن تنغص عيشها؟ أم على ولديك محمد وعمر، (محمد) في غربته القسرية؟ أم عمر نزيل سجن صيدنايا والذي بقي مصيره مجهولا مثله مثل باقي نزلاء هذا السجن المرعب؟ كم أنت حين تتحمّل كل هذا الوجع وتصمد، وتبقى الابتسامة الممزوجة بالأمل على محيّاك ولا تفارقك في كل الأوقات. كم أكبر فيك كل هذا وكم أشتاق اليك حيث أنت، يامن تنمو أشجار الحرية في كفيه.
سلاما لعائلة (البنّي) الكريمة، والتي أصبحت التضحيات قدرها وجزأ من تقاليدها، ومطاردة الأشباح وعسس الليل وأذى السلطة طقسا من طقوس حياتها، ألا يكفي ما قدمته من قرابين؟ كل الحب والوفاء للرجال الأشاوس: أكرم وأنور صنوا الحرية، فأنتم في القلب دوما وحاضرون معنا وفي أفعالنا.
إلى أحمد طعمه وياسر العيتي... إلى مشعل وحبيب وماهر وعمر والشيخ ضرار ونزار.. وكل القابعين في سجون الاستبداد وأقبيته، والى كل الذين ضحوا وماتوا دفاعا عن كرامتهم وحرية شعبهم، سيثمر غرسكم لامحالة خمائل تظلل حياتنا وتحميها من لظى الفساد ونيران التسلط.
يتزايد عدد الأحبة والمشتاقون لكم، مثلما يتزايد شوقكم وشوقنا للحرية.
(*): كتائب المداهمة ومكافحة الارهاب: وهي تشكيل امني عسكري قوامه من الشرطة، يقوم بشكل دوري (شهري) باقتحام السجن وهومدجج بالقنابل الغازية والهراوات، ويقوم بتعرية النزلاء وجلدهم وتفتيشهم وتوجيه الاهانات المشينة لهم والعبث بمقتنياتهم او مصادرتها.
--------------------------------------------------
أحلامنا قابلة للتحقّق أيضاً
رزان زيتونة
الجريدة 22/1/2009
لا نحتفي بذكرى مارتن لوثر كنغ هذا العام، فقط لنعزز الأمل بأن الأحلام العادلة قابلة للتحقق وإن طال الزمن. قبل ذلك، هو يجب أن يحضر بيننا الآن وفي هذه اللحظات، حيث نحن محاطون بصور بقايا مدينة وآلاف الأحلام التي استحالت رمادا، وحيث نرى العالم أعجز من أي وقت مضى على استحضار واستخدام ما راكمه خلال قرون، من مبادئ وقوانين تحمي النفس البشرية من موت لم يكن محتما ولا مفر منه على الإطلاق، وحيث نرى جرائم حرب ارتكبت يوما إثر آخر، مراكمة فضلا عن الجثث وحطام البيوت، أحقادا تحتاج مطرا أبديا لغسلها. الذكرى هذا العام ومثيلاتها في دول أخرى، يجب أن تؤرق المعتدين قبل أن تلهم الضحايا.
رائد حركة الحقوق المدنية الأميركي نفسه، قتل برصاص العنصرية بعد أن تعرض لعدة محاولات اغتيال، وبعد أربعين عاما على رحيله القسري، يعود هذا العام متصدرا عناوين الصحف وشاشات التلفزيون، وكأنه هو من انتخب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، وليس باراك أوباما مبعوثه الشخصي إلى الأرض.
القس كنغ لم يكن قديسا ينشر تعاليم المحبة واللاعنف بين أتباعه، بل كان مناضلا على الأرض وبين الآلاف ممن استطاع وآخرين دفعهم لإعلان رفضهم استمرار الظلم اللاحق بهم، ومجابهة التمييز العنصري وإعلان انتهاء زمن العبودية. هذا النضال اقتضى تدريبا وتخطيطا وعملا دؤوبا، وقد تراوح في أشكاله العديدة من المقاطعة الاقتصادية إلى المظاهرات السلمية إلى ممارسة الحق بدل المطالبة به، من قبيل دخول مجموعات صغيرة من الشبان إلى مطاعم ومقاهٍ ومكتباتٍ تطبق الفصل العنصري، وحلول مجموعة جديدة محلهم متى جرى اعتقال الأولى والتنكيل بها. وهو لم يكن حزبا أو تنظيما ينغلق على أعضائه بقدر ما كان رسالة عدالة وكرامة موجهة إلى الإنسان الأميركي بشكل عام، وهذا كان رهان كنغ بشكل أساسي، منبها دائما إلى ضرورة السيطرة على الغضب وكبح رود الفعل العنيفة تجاه العنف الوحشي الذي كانوا يتعرضون له في معرض نضالهم السلمي.
«الكراهية تولد الكراهية، العنف يولد العنف، الفظاظة تسبِّب فظاظة أكبر... علينا أن نقابل قوى الكراهية بقدرة المحبة، غايتنا ينبغي ألا تكون أبداً هزيمة الرجل الأبيض أو إذلاله، بل كسب صداقته وتفهّمه... وإبان الفوز بمكانتنا المشروعة، يجب ألا نرتكب أفعالا جائرة، ولا نسعى إلى ري تعطشنا إلى الحرية بالشرب من كأس المرارة والكراهية»، وفي ظل مثل هذا الخطاب، كان هنالك ولايزال، عنصريون في أميركا، يرون في مارتن لوثر كنغ «وحشا ارتدى زي قديس»! لكن حتى هؤلاء، لا يستطيعون تبرير موقفهم تجاهه إلا بعنصريتهم وحدها.
كنغ لم يكن مجرد حالم منفصل عن واقعه، كان يدرك تماما ما تجذر في مجتمعه من عنصرية قبيحة لم تتورع حتى عن القتل للتعبير عن قبحها.
ويقال إنه عندما سمع نبأ اغتيال الرئيس الأميركي جون كنيدي، قال لزوجته بأنه سيلاقي المصير نفسه «لأن مجتمعنا مجتمع مريض»، لكن ذلك لم يفقده الثقة بإمكانية النجاح، مستخدما جميع إمكاناته وشخصيته الكارزمية، ومستعينا أحيانا بخطاب ديني مسيحي يشحذ الإيمان ويكرس معاني المحبة والسلام.
وعندما بدأت الحرب الأميركية في الفيتنام، وقف بشجاعة ضد هذه الحرب التي وصفها باللاأخلاقية، مؤكدا أن رسالته للعدالة والسلام لا تقتصر على شعبه وأن حياة الضحايا الآخرين ليست أقل قيمة من حياة شعبه.
من سخرية القدر أن الشخص الذي نحتفي اليوم بنضاله السلمي وما حققته الحركة التي قادها إلى جانب آخرين كرسوا أنفسهم لقضية العدالة والمساواة، أن يكون ذلك في البلد الذي مارس ودعم عنفا غير مسبوق خلال السنوات القليلة الماضية ضد شعوب أخرى، لكن احتفاء معظم الأميركيين بالرئيس الجديد أوباما، واستحضار كنغ في الإعلام والذاكرة بهذه المناسبة، تبرهن أن رسالة كنغ قد توارت حينا لكنها لاتزال حاضرة في نفوس الكثيرين.
هذا لا يكفي بالتأكيد، لكن كنغ ومعه الآلاف، لم يطلبوا من الآخرين حمل قضيتهم والدفاع عنها، فهم رسموا طريقا ثالثا ينبذ الخذلان والاستسلام بالقدر نفسه الذي ينبذ فيه العنف ولغة الرصاص، وكانوا بالتأكيد مستعدين للتضحية ودفعوا بالفعل أثمانا باهظة، لكن ضمن استراتيجية عمل واضحة تعرف إلى أين المسير.
«أقول لكم اليوم أصدقائي، إنني على الرغم من مصاعب اللحظة وإحباطاتها، لايزال لدي حلم».
------------------------------------------------------
الشهابية الآن
عباس بيضون
السفير 24/1/2009
يصف نقولا ناصيف فؤاد شهاب بالصامت وهذا شائع عنه لكننا لا نجد رئيسا لبنانيا تكلم بقدر ما تكلم. فعن طريق معاونيه وأصحابه رأيناه لم يفوت موضوعاً بل سمعناه، من بعد، يتناول همومنا الحاضرة ويعلق عليها، حتى ينتهي القارئ لدى قراءته لقرابة الـ ٦٠٠ صفحة التي دون فيها نقولا ناصيف سيرة الرئيس الراحل الى ان الشهابية برنامج لليوم مثلما كانت للأمس. لا أظن ان هذه الموازنة غابت عن ناصيف وهو يكتب سيرة فؤاد شهاب، ولربما لم تغب عن محاوريه الذين استحضروا من حياة الرئيس ما رأوه عبراً ودروساً راهنة. مع ذلك فإن ما خطر لنقولا ناصيف ومحاوريه ليس بدعة ولا هجنة، فالأرجح ان هذا ما ركز في أذهان كثير من اللبنانيين. إنه يخامر كثيرين ولا يحتاج إلا إلى ان يخرج إلى العلن وأن يقال بملء الفم ليحضر بقوة، من كل تاريخنا القريب تبدو الشهابية وحدها جديرة بأن تستثار وان تستعاد. ذلك لأنها الوحيدة، في نظر عدد كبير، التي تضمنت تفكيراً في الواقع اللبناني. اذ يشيع بأن السياسة في لبنان منذ الاستقلال حتى عهد شهاب لم تكن سوى جريان الواقع وفرضه. لم تملك السياسات سوى الحرتقة ولم تنطو على مراجعة او تحر ولم تتضمن خطة مستقبلية او مشروعاً إلى الأمام حتى جاءت الشهابية. هذا على الأقل رأي الشهابية الآن في ما قبلها وما تلاها، انه انتصارها التاريخي وان يكن سلبياً. الآن تبدو معركة فؤاد شهاب أقرب إلى الفهم، والآن يبدو استنكافه أيضاً معقولاً واضحاً، والآن تبدو أبوته التاريخية أصرح، والآن يظهر مشروعه عضوياً ومستمراً. بوسع الأطراف اللبنانية أيضاً ان تتنازع التركة الشهابية والانساب الشهابي، كل من جهته، فالاستقلال والدولة والالتفات للمحيط العربي مطروحة اليوم ناهيك عما في شخصية الامير والناسك الجنرال من فتنة. بل ان قراءة كتاب نقولا تضرب باستمرار على باب الحاضر والمستقبل، لقد تنبأ فؤاد شهاب بالحرب الأهلية فقال قبيل وفاته إن لبنان مقبل على دمار كبير وتنبأ بانقسام الجيش، كان بحسب معاونيه وصحبته، يرى الحرب الأهلية قبل أن تقع. بل يراها قبل وقوعها بزمن بعيد، الشهابية، إذن كانت من حينها تخترق الزمن فلا عجب أن يخطر لكثيرين أنها جواب اليوم.
لا يحتاج المرء الى تحريض من أي نوع على التاريخ اللبناني القريب. الاستخفاف بل والاحتقار هما دأب كل من يرجع إلى التاريخ السياسي اللبناني. لدى الأغلبية هذا الشعور المدمر بانحطاط الطبقة السياسية اللبنانية، وهو شعور مدمر، أقول، لأنه لا يضعنا دائماً أمام خيارات واعية، وقد يتحول إلى نعرة لا تتدارك ما ينجم عنها.
أن تتحول الشهابية إلى تحريض من هذا النوع ليس بالتأكيد ما قامت لأجله. انها بالنسبة لكثيرين ايجاب اولا. أي اصلاح من الداخل وانجاز ملموس فلا فائدة من اعتبارها قوة نفي. لا فائدة من الوقوف عند جانبها التشهيري والفضحي للعلاقات اللبنانية التي ما لبثت ان التفت عليها. هكذا تنضاف الشهابية الى واحدة من عدمياتنا السياسية وتخرج من غير الباب الذي دخلت منه. لطالما قال فؤاد الشهاب، وايضا على ألسنة معاونيه، انه لم ينجح، لأنه رفض ان يكون ديكتاتوراً. من الممكن ان توضع عبارة كهذه في خدمة الديكتاتورية وتحبيذ الانقلاب. سيكون هذا للشهابية بعيداً عن نطاقها. لن تكون الشهابية شيئا اذا تحولت الى نعي للمجتمع والدولة. ان ميزتها في نظر صانعيها هي في مطرح آخر. لنقل انه نظرها الاستباقي ومبادرتها العملية. ميزتها انها من داخل الدولة وداخل النظام. هنا كان رهانها وهنا كانت معركتها ولا يمكن تصورها إلا في هذا الإطار. نجاحها وفشلها ضمنه.
مع ذلك فإن السؤال الذي يفوتنا، الآن هو هل كانت الشهابية حقاً قطيعة في النظام اللبناني. هل كانت بلا سابقة وبنت على لا شيء. يشير نقولا ناصيف الى قرب فؤاد شهاب من بشارة الخوري بل، ان واحداً من هوامش الكتاب الكثيرة ينسب الى الرئيس الشهابي انه باستقالته بعد عامين من تنصيبه أراد ان يرد الأمانة إلى الرئيس الاول بعد الاستقلال. لكن »الدستورية« هي الآن لنا غامضة إن كان لها في الاصل بناء واضح. بدت الشهابية من اكثر من وجه نقيضا للشمعونية فهل كانت حقا هكذا في العمق، ألم تسبق الشمعونية، مثلاً، الى محاولة استتباع الزعامات السياسية للسلطة. ألم تكن قبل الشهابية معادلاً سياسياً للقفزة الاقتصادية. الم تكن في جانب منها محاولة إدماج سريعة وربما رعناء تجنبتها الشهابية وآثرت عليها الموازنة الهادئة بدون ان تتخلى عن حلم إدماجي. بمعنى آخر ألم تحقق الشمعونية في محل ما التراكم الذي بنت عليه الشهابية. التراكم وربما البروفا الأولية. هذه أسئلة، مجرد اسئلة، لا أملك جواباً عليها. لكن تقديم الشهابية كقطيعة لا يستقيم منهجياً. لقد كانت الشهابية جواباً من داخل النظام اللبناني وينبغي ان يكون لديه استعداد لها. ثم انها في نظر اكثر المتحمسين لها كانت فرصة لهذا النظام لم يحسن استغلالها. لكنها لم تكن ممكنة الا في اطاره. إن استنتاج »شهابية ثورية« لا يعني الا اعدام خصوصيتها الفعلية، امكانها وانجازها، وردها هكذا واحدة من طوباوياتنا او عدمياتنا، لا فرق.
ثم ما هي الشهابية؟ هل هي في سيرة فؤاد شهاب، الامير الفقير الذي يرفع في بيته صورة الامير الشهابي الكبير؟ هل نجد هنا جذوراً أخرى لاحتقاره للطبقة السياسية، طبقة أكلة الجبنة؟ هل هي في تدينه المفرط وتمسكه بفقره ونسكه الطبيعي؟ هل هي في عسكريته وإيثاره ضباطه؟ هذه صفات بعضها اخلاقيات ارستقراطية منهارة، وبعضها قداسة لا تستقيم مع السياسة، وبعضها نظامية لا تسلم من الاستبداد، ثم انها جميعها لا تستوي والحصافة السياسية والتدبير العملي والقدرة على الموازنة التي نجدها في حكم الأمير الصغير. يفتننننا بالطبع ترفع فؤاد شهاب وقداسته ونسكه. في هذا الباب يروي نقولا ناصيف نقلاً عن معاوني الرئيس مآثر وعبرا رفيعة. لم يرفع اخاه في السلك الدبلوماسي طوال حكمه. قال للياس سركيس وكان احتد عليه »عليت صوتي عليك، لأن حجتي ضعيفة«. قال لعسكره ليلة انقلاب القوميين الاجتماعيين »سلّموني إليهم ولا تطلقوا الرصاص على اخواتكم«. استقال ليعيد الأمانة للرئيس بشارة الخوري. كل هذه أو بعضها كرامات لا تليق إلا بالقديسين. غير انها لا تتناسب مع سكوت عن تزوير الانتخابات أو غض عن شطب وجه ميشال ابو جوده ونسيم مجدلاني او تجاوزات أخرى بعضها فادح وفاحش.
ما هي الشهابية اذاً؟ هل هي الوطنية التي حدت بالرئيس الشهابي الى ملاقاة الرئيس جمال عبد الناصر على الحدود بين لبنان وسوريا والجلوس على الجانب اللبناني من الطاولة؟ هل هي التفاهم مع المحيط العربي؟ هل هي استقلال السلطة ومجلس الخدمة المدنية والتفتيش الإداري؟ هل هي الضمان الاجتماعي وإدماج العشائر وإنعاش المناطق النائية؟ هل هي في مواجهة السلطة بالعسكر وإنشاء حكومة موازية؟ هل هي الضبط السياسي للشعبة الثانية؟ باتت الشهابية بعيدة وليس هناك من يملك حق تفسيرها. ولكل ان يأخذ منها ما يشاء. لكن شهابية »اليوم« قد تغدو في حساب البعض ثورية او فاشية او تحريرية. يتحول التفاهم مع المحيط العربي الى نضال معاد للامبريالية، ونقد الطبقة السياسية الى عقل انقلابي، ويتحول التبشير بالدولة الى طوبى كلامية تجعل الدولة في حكم الاستحالة. لكن الشهابية لم تكن سوى العمل والتدبير وهي اليوم قد لا تكون سوى نوستالجيا للبنان لم يعد قائماً. لبنان يملك القدرة على أن يبقى في حدوده او ان يلاقي الآخرين على حدوده. لبنان يملك الاستعداد لبناء دولة راعية واستقلال نسبي للسلطة. كل هذا لا يملك اليوم مقوماته ولا الاستعداد له. ثمة لذلك خطر في أن تستعار الشهابية لمماهاة استبدادية مع المحيط، ولمجتمعات موازية ولتحريض ضمني على النظام وعلى الحلول السياسية، وقد يكون على »الشهابيين« أن يدافعوا عنها ضد انزياحات كهذه.
لا نعرف أين تنتهي الشهابية مع شهاب أو بعد شهاب. لكن الشهابية مع شهاب تبدو فن الموازنة، الوطنية اللبنانية مع الانتماء للمحيط العربي. الطبقة السياسية مع الدولة. السلطة مع العسكر. الضبط مع الدستور. قد تكون الشهابية من هذه الناحية الأكثر احتياطا. لقد تبرأت من أي حلم ادماجي أو راديكالي. لم تكن هذه وطنيتها ولا هذه دولتيتها. هي في ذلك نقيض الشمعونية بل المستفيدة الاولى من اخطائها. انها الموازنة ويخطئ من يسوقها بالقوة الى مسار طوباوي او ثوري. مع ذلك فان رد الاعتبار للشهابية قد يعني لدى البعض تجاوزاً للنقد الأساسي الذي ووجهت به الشهابية. أي الشطط العسكري والضبط العسكري للحياة السياسية والحريات. بالنسبة لهذا البعض لم تعد هذه التهمة ذات بال. أي لم تعد الرقابة العسكرية أمراً تؤاخذ عليه الشهابية بل لا يؤخذ عليه أحد. ثمة من يؤيد سلطة بأي ثمن ومن يؤمن في قرارته بأن لا قيام لنظام او قانون او دولة بدون قوة متجاوزة. لم تعد للديموقراطية لدى كثيرين قيمة القانون وكثيرون يتهمون الديموقراطية بأنها وراء الضعف الحالي. الآن نجد تمجيدا لقوة من أي نوع واتهاما للحرية بل واستضعافا لا يرحم لمن لا سند لهم سواها. انها تركة الضعف والإباحة والفلتان، ازدراء الحرية وتبرير كل قوة وكل ردع. ربما تُتَوسّل الشهابية لشيء كهذا، لكنها لا تربح من ذلك، لن يكون ذلك سوى قبرها.
شيء أخير نقوله في الشهابية. وحدها الشهابية في السجال اللبناني لم تصدر عن انقسام أهلي، وكم وهذا مستصعب في لبنان. ربما هو سبب نخبويتها ولا جماهيريتها. ربما هذا سبب سقوطها. قال فؤاد شهاب إنه مهما صار فسيبقى جده يحمل اسما مسلما »حسن«، ان المسيحيين رفضوه. هذا مثال نادر. كم مسيحياً وكم مسلماً جرّت عليه سياسة رفض جماعته. ستكون امثولته هذه ذخيرة للمستقبل، كان الرجل المفرط في التدين من الرقي بحيث صان دينه عن الاتجار السياسي. مع ذلك فإن سياسته »الوطنية« من حيث لم يحتسب، ابتعثت ردودا طائفية. لقد هددت توزيعا للسلطة ظن البعض انه أبدي وأوجدت ضدها تكتلا طائفيا. قد يكون هو نفسه الذي كان جاهزاً للحرب الأهلية القادمة. وطنية فؤاد شهاب جعلته يتحسس فورا الخطر، لقد رأى الحرب الاهلية امامه، فيما كان الراديكاليون والطوباويون يصنعونها وهم يحلمون في بحار أخرى. من يستعر الشهابية لراديكالية جديدة يضحي بها، فرغم سقوط الشهابية او خسارتها، فإن ميزتها الأكبر هي انها كانت إمكاناً وواقعاً، أن تاريخيتها تنبع من هذه الناحية، ورغم كل شيء فإن مرورها في حياتنا تعني أن ثمة حراكاً ما للنظام اللبناني
----------------------------------------------------
ثقافة ومجتمع
العنف ضد المرأة ـ مبادرات ألمانية لحشد الجهود الرسمية والشعبية للتصدي للظاهرة
العنف ضد المرأة ـ ظاهرة يتوجب على المجتمع محاربتها
في إطار الجهود المبذولة في ألمانيا للتصدي للعنف المنزلي ضد المرأة نظمت مراكز ومنظمات معنية بالدفاع عن حقوق المرأة ندوة في برلين تم خلالها تدارس وجوه ظاهرة العنف العائلي وإمكانيات الوقاية منه ومساعدة النساء المعرضات له.
يهرب في ألمانيا كل سنة أربعون ألف امرأة من العنف الزوجي ويلجأن إلى ما يعرف بـ "بيوت النساء". وبدأ الاهتمام بهذه الظاهرة يحوِل الأنظار شيئاً فشيئاً إلى الأضرار الاقتصادية الناجمة عن تعرض النساء للعنف المنزلي. فاستناداً إلى دراسة أجريت في هذا الجانب، يشكل العنف المنزلي سبب التغيب عن العمل في حوالي ربع الحالات. ومن هنا يتضح أن العنف ضد المرأة أصبح له تأثيرا ً اقتصادياً، فهو يخفض الإنتاج وبالتالي يصيب الشركات بشكل مباشر. لهذا بدأت هذه الشركات تطور وسائل وقائية ضد العنف المنزلي، مساهمة منها بذلك في حماية النساء المعرضات لهذا الخطر.
وحول هذه المشكلة نظم عدد من المراكز والمنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق المرأة ندوة في برلين تم خلالها تدارس وجوه ظاهرة العنف العائلي وإمكانيات الوقاية منه ومساعدة النساء المعرضات له. وفي هذا الإطار أشار وزير الاقتصاد في ولاية براندبورغ، هارالد فولف، إلى جوانب مهمة حيث قال: "سجلنا في السنة الماضية ثلاثة عشر ألف حالة من حالات العنف المنزلي، ويمكننا من خلال عروض المساعدة وحملات التوعية أن نلقي بعض الأضواء التي تكشف الأبعاد الخفية للظاهرة.". كما دعا المسئول الألماني إلى ضرورة الاستمرار في إزالة النقاب عن "المحرمات" التي يتخفي خلفها العنف المنزلي والتخلص من الشعور بأنه لا يمكن القيام بأي شيء للقضاء عليه.
العنف المنزلي يؤثر سلبا على أداء المرأة العملي
حملات ضد العنف ضد المرأة وخطوط تلفون للمساعدة ويمتدح هارالد فولف هذه المبادرة مؤكداً على ضرورة إخراج موضوع العنف ضد النساء من الحيز الخاص إلى الحيز الاجتماعي وإيصاله بالتالي إلى الشركات أيضا طالما يتعلق الأمر بالوقاية من العنف المنزلي وتحسين جو العمل. وتنبين نتائج إحدى الدراسات الأمريكية الأهمية الكبيرة لذلك. وأوضحت هذه الدراسة التي عرضتها سيراب ألتينيسك من منظمة تير ده فام، أن نحو ربع حالات تغيب النساء عن العمل يعود إلى العنف المنزلي وأن خمسة وسبعون بالمائة من ضحاياه يتعرضن للملاحقة في مكان العمل وذلك من خلال اتصالات هاتفية مزعجة أو تجريح نفساني أو زيارات غير مرغوب فيها.
كما أظهرت الدراسة أن حوالي ستة وخمسين بالمائة من مجموع النساء اللواتي يتعرضن للعنف الأسري يصلن متأخرات جداً إلى العمل بمعدل خمس مرات في الشهر على الأقل، وثمانية وعشرون بالمائة يغادرن مكان العمل بشكل مبكر حوالي خمس مرات في الشهر. وتلحق هذه الأوضاع أضراراً شتى بالشركات التي تعمل هؤلاء النسوة لديها. فكثيرات من المعرضات للعنف يحملن إصابات جسدية ويعانين من الأرق وعدم الانضباط في العمل وعدم الثقة بالنفس ومن الخوف. وكل هذه العوامل تؤثر على الدقة في العمل وتؤدي إلى التغيب عنه وتحبط أيضاً النساء الطامحات إلى النجاح في المهنة.
تضرر الشركات من ظاهرة العنف المنزلي
وقد تصل نتائج العنف إلى الشركات وتلحق بها ضررا. فقد تسوء سمعتها ويبتعد عنها الزبائن والعمال إن هم علموا أنها تُشغل أشخاصاً يمارسون العنف. وتقدر وزيرة الشؤون الاجتماعية في ولاية سكسونيا السفلى حجم الأضرار التي يلحقها العنف المنزلي سنوياً في ألمانيا بحوالي خمسة عشر مليار يورو. ويتضمن هذا المبلغ الأضرار الناجمة عن الخسائر الاقتصادية التي يسببها التغيب عن العمل، ونفقات المعالجة الطبية وتكاليف عمل الشرطة. وعلى الرغم من هذه الأرقام المثيرة للتشاؤم، ما يزال العديد من الشركات في ألمانيا يعتقدون أنه لا توجد حاجة للتصرف ويقولون إن العنف المنزلي هو شأن خاص، علماً أنه بإمكان الشركات تخفيض حالات العنف المنزلي وبالتالي تقليل الأضرار الاقتصادية الناجمة عن ذلك من خلال بذلها جهود قليلة نسبياً وانتهاج سياسة في مكان العمل تناهض العنف المنزلي.
ومن الأمور التي يمكن القيام بها في هذا الإطار تشجيع الشركات على التحدث عن موضوع العنف المنزلي وتقوية الانتباه إلى هذه المشكلة وتبيان العواقب المترتبة على ذلك. وغالباً ما تكون الزميلات أو الرؤساء الطرف الوحيد الذي يمكن للمرأة الحديث معه عن تعرضها للعنف المنزلي، كما تقول سيراب ألتينيسك من منظمة تير ده فام.
دعوة لحماية ضحايا العنف المنزلي
مبادرة جمعيات ومراكز معنية بالدفاع عن حقوق المرأة لإماطة اللثام هن ظاهرة العنف المنزلي ومن المهم أيضاً أن تشعر الضحية أنها ليست مضطرة لتبرير موقفها، وأنها ستلاقي الدعم والحماية من قبل رب العمل. والمهم في الأمر أيضاً أن تُمنح المرأة إمكانية الحديث عن مشكلتها بكل صراحة. كما يتعين عدم تقيم أوقات الغياب على أنها تصرف سيء يدعو إلى الشعور بالذنب. بالإضافة إلى ذلك ينبغي أيضاً توعية المصابات على عروض المساعدة. ومما لاشك فيه أن تطوير خطوط إرشادية في مكان العمل ضد العنف المنزلي وتنظيم دورات تعليمية وبرامج تدريبية للعاملات وتزويدهن بالمعلومات اللازمة، من شأنه أن يساعد بشكل في حل المشكلة. فعلى سبيل المثال تشارك العاملات في 160 مخبز في سلسلة مخازن كايزرز الشهيرة في هذه الحملة من خلال وضع الخبز داخل أكياس مكتوب فوقها "لا مكان هنا للعنف" ومدون فوقها أرقام مراكز المشورة التي يمكن الاستعانة بها.
الجدير بالذكر أنه في حي "نيو كولن" البرليني وحده، تم بيع خمسين ألف كيس من الفواكه والخضار مكتوب على كل واحد منها عبارة " فلنمنع العنف داخل الأسرة". وفي هذه السنة بيع خمسون ألف كيس يحمل شعار "العنف المنزلي يدمر العائلة والمجتمع"، وقد كُتبت هذه العبارة باللغة العربية أيضاً. وانضمت الشركة القائمة على تنظيف مدينة برلين إلى الحملة أيضاً كما تقول المتحدثة باسمها زبينه توملر: "بصفتنا شركة عامة نعتبر مشاركتنا في هذا المشروع ونقله إلى الرأي العام من الأمور البديهية، فعندما يقع شخص كل 14 يوماُ على الدرج أو يصطدم بالباب يكون الزملاء في العمل أول من يلاحظ أن هناك شيء ما غير عادي".
ويقدم مركز التوعية والمشورة البرليني الذي يحمل اسم "مبادرة ضد العنف ضد النساء" عن طريق رقم هاتف نجدة مساعدة سريعة ودعماً يومياً منذ عام 1999. ويتلقى المركز كل سنة حوالي سبعة آلاف صيحة استغاثة، ورقم الهاتف هذا مسجل فوق العديد من المنتجات. وهكذا أصبح مركز برلين للتدخل في حالات العنف المنزلي معروفاً في هذه الأثناء على نطاق واسع. وقد وعد وزير الاقتصاد في ولاية براندنبورغ هارالد فولف بتوفير دعم مالي مستقبلا لخط النجدة الذي يعتمد حتى الآن على التبرعات.
زابينه ريبيرغر/ إعداد: منى صالح
--------------------------------------------------------
