تباشير
صبحي حديدي
30/01/2009
القرارات الأولى للرئيس الأمريكي باراك أوباما تميل إلى ترسيخ حال من التأرجح الوسطي بين قطبين متضادين من الطمأنة وإثارة القلق، الصواب والخطل، أو الجودة والرداءة لمَن يشاء، وذلك في مسائل جدّية كبرى، سياسية وأمنية كونية (الشرق الأوسط، أفغانستان، ما يُسمّى بـ 'الحملة على الإرهاب')؛ أو في أخرى دستورية وحقوقية عزيزة على خطابه الأخلاقي (ترخيص أو حظر التعذيب في المؤسسات الحكومية الامريكية).
وإذا كان البعض، وكاتب هذه السطور في عدادهم، لا يرون ضيراً في منح أوباما فضيلة الشكّ في أنه سيتولى تنفيذ أجندة تغيير داخلية أمريكية واسعة النطاق، وهذا هو الجوهر في سلسلة الأسباب التي حملته إلى البيت الأبيض رغم محتده ولون بشرته؛ فإنّ منحه الفضيلة ذاتها بصدد شؤون العالم ما وراء المحيط، وشجون بلداننا وأقاليمنا الشرق ـ أوسطية تحديداً، ليس محطّ ارتياب شديد فحسب، بل يتوجّب أن يكون محطّ يقين بأنّ الكثير من السياسات العتيقة ستبقى على حالها في البيت الأبيض.
ففي المسائل الأخلاقية، أصدر أوباما سلسلة أوامر رئاسية تنفيذية، قضت بإغلاق معتقل غوانتانامو خلال سنة (وليس خلال الـ 100 يوم الأولى من إدارته، كما وعد أثناء الحملة الإنتخابية)، وتضمنت تعليق محاكمات المعتقلين، كما أوحت بوقف عمليات التعذيب. وقال أوباما، في مراسم التوقيع على هذه الأوامر: 'الرسالة التي نبعث بها إلى العالم هي أنّ الولايات المتحدة تنوي متابعة النضال الحالي ضدّ العنف والإرهاب، وسنفعل هذا بيقظة، وسنفعل هذا بشكل فعّال، وسنفعل هذا بطريقة تتطابق مع قِيَمنا ومُثُلنا'. ولن يكتمل هذا التصريح إلا بالعبارة اللاحقة، الدراماتيكية: 'أستطيع القول، دون استثناء أو مواربة، إنّ الولايات المتحدة لن تعذّب'.
هل صدق أوباما، حقاً؟ كلا، بادىء ذي بدء، لأنّ الأمر التنفيذي ذاته يحظر على سائر موظفي الحكومة الأمريكية م
مارسة التعذيب مباشرة، بانفسهم، ولكنه لا يحظر إشرافهم على عمليات التعذيب في أماكن أخرى من العالم (بينها، على سبيل المثال لا الحصر، إسرائيل ومصر والسعودية والعراق والأردن وسورية (وحكاية المواطن السوري ـ الكندي ماهر عرّار هي المثال الأشهر) وأثيوبيا والباكستان وأفغانستان وأندونيسيا وأوزبكستان وتايلاند والفليبين ونيجيريا وكولومبيا... وثانياً، لأنّ الأمر التنفيذي لا يمنع المؤسسات الحكومية الأمريكية من تمويل عمليات التعذيب، وتدريب المحقّقين، وتزويدهم بالمعلومات والمعدّات، على نحو يصفه الصحافي الأمريكي ألان نايرن في صيغة الطرافة السوداء هذه: الجلاد بالنيابة يحقّق ويعذّب في غرفة، والمندوب الأمريكي يجلس في الغرفة المجاورة، ولكنه يسمع ويدوّن ويلقّن!والحال أنّ خيار ترخيص التعذيب كما اعتمده الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، ونظّر له نائبه ديك شيني، كان قد أسقط ورقة التوت وحدها عن تراث طويل في التعذيب الخفيّ، غير المباشر أو عن طريق التفويض والإنابة، بدأ منذ قرار وقف التعذيب الذي كان يُمارس علانية في فييتنام، كما تواصل بصفة خاصة في عهود ج. ف. كنيدي (السلفادور)، وبوش الأب وبيل كلينتون (هاييتي وغواتيمالا). ولعلّه ليس من المبالغة التأكيد بأنّ هذا النسق في التعذيب أسفر عن عذابات أكبر بكثير ممّا سبّبته أو كانت ستتسبّب به طرائق التعذيب الأمريكية العلنية، سواء من حيث اتساع النطاق الجغرافي لنسق يشمل عشرات البلدان شرقاً وغرباً، أو من حيث وحشية 'تقنيات' التعذيب ذاتها حين يُعهد بها إلى أنظمة استبداد ودكتاتوريات عسكرية لا تسري فيها سوى قوانين الطوارىء والأحكام العرفية.
ولأنه خبير على الأرض بمثل هذه الممارسات، وسبق للسلطات الأندونيسية ان أعتقلته بسبب تغطيته لإحدى المذابح في تيمور الشرقية مطلع التسعينيات، يتوقف نايرن عند تفصيل بالغ الخطورة في الأمر التنفيذي الخاصّ بوقف التعذيب. ذلك لأنّ النصّ يشير إلى حظر التعذيب بحقّ 'شخص في عهدة، أو تحت السيطرة الفعلية لموظّف أو مستخدم، أو وكيل لحكومة الولايات المتحدة، أو موقوف داخل مقرّ تملكه، أو تديره، أو تسيطر عليه دائرة أو وكالة للولايات المتحدة، في أيّ نزاع مسلّح...'. والخطورة ذات شقّين، هنا: أنّ الأمر لا ينصّ صراحة على منع الأمريكيين من ممارسة التعذيب في مواقع خارج تصنيف 'النزاع المسلّح'، من جهة أولى؛ وأنّ الغالبية الساحقة من المواقع التي تشهد معظم عمليات التعذيب بالإنابة، لا تُعدّ مناطق نزاع مسلّح في كلّ حال، من جهة ثانية!
كذلك يبدو أوباما وكأنه استردّ باليد اليسرى ما لاح أنه وهب باليد اليمنى، في الشؤون السياسية الكونية: إيجابيات تسمية السناتور الديمقراطي السابق جورج ميتشل مبعوث الإدارة إلى الشرق الأوسط، أتت عليها سلبيات (لكي لا نقول: فضيحة!) تسمية ريتشارد هولبروك مبعوثاً خاصاً إلى أفغانستان والباكستان. إذْ كيف يقرأ المرء الحكمة الرئاسية التي كانت وراء تسميتين متناقضتين، في آن معاً، وفي ذات اللحظة: رجل مثل ميتشل (حسن السمعة، ليبرالي، يحظى بمصداقية معقولة، وفي رصيده نجاح باهر في إرلندا)، وآخر مثل هولبروك (سيئ السمعة، بدلالة تستّره على رادوفان كراجتش، صقر في صفوف 'المحافظين الجدد الديمقراطيين'، وحامل فشل ذريع في تيمور الشرقية كما في البلقان)؟
إجابة أول
ى تقول إنّ صمت أوباما، المشين تماماً، اثناء انفلات الوحشية الإسرائيلية من كلّ عقال في غزّة، والتشديد مجدداً على انحيازات البيت الأبيض الثابتة القديمة/الجديدة حول أمن الدولة العبرية وتجميل همجيتها، كان يقتضي ذرّ بعض الرماد في عيون العرب، عن طريق إرسال ميتشل: الرجل الطيّب الوديع الذي ولدته أمّ عربية لبنانية. وفي المقابل كان يقينه المتشدد، الذي ردّده مراراً وتكراراً، بأنّ أفغانستان هي الخطر الأوّل الذي يتهدد أمريكا، يقوده بالضرورة إلى إرسال ميتشل... ليس قبل أن تتكفّل قاذفة أمريكية بقتل 15 مدنياً باكستانياً، وتكون هذه هي أولى الدماء البريئة التي تسفكها أمريكا في عهد إدارة أوباما.ومن الطريف أنّ سجلّ هولبروك، المهني والشخصي، كان يسير على نقيض تامّ من عبارة الإطراء الجوفاء التي استخدمها أوباما في توصيفه: أنه 'أحد الدبلوماسيين الأكثر موهبة بين أبناء جيله'. ففي الملفّ الأندونيسي يحفظ التاريخ لهذا الدبلوماسي الأريب أنه، من موقعه كرئيس لمكتب شؤون جنوب آسيا والباسيفيكي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، أوصى باستئناف إرسال شحنات الأسلحة إلى نظام سوهارتو، على الرغم من الحصار الذي كان مفروضاً على أندونيسيا بعد سلسلة مذابح أودت بحياة قرابة 200 ألف نسمة. ولم يكن غريباً أنه تعاون، بشكل وثيق وعلني وصاخب، مع أحد كبار المحافظين الجدد، بول ولفوفيتز دون سواه، لإبعاد شبح الحرب في تيمور الشرقية عن مسائل السجال العامّ حول السياسة الخارجية، وذلك خلال حملات الإنتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2000.
ومن غير المستبعد أن يكون أحد مستشاري أوباما قد نصح بتعيين هولبروك بعد إقامة مقارنة حرفية بين أدواره في توقيع اتفاقية دايتون في البوسنة والهرسك، على وقع قاذفات الحلف الأطلسي، وبين احتمال نجاحه في تحقيق السلام الأفغاني ـ الأفغاني... ما دامت القاذفات ذاتها تهدر في سماء أفغانستان! وإذا جاز القول بأنّ الحلّ العسكري في البلد أسفر عن فشل ذريع إثر آخر، وانتهى إلى نتائج معاكسة تماماً، فإنّ الحلّ الآخر العسكري لن يكون في متناول هولبروك وهو يحلّ في أفغانستان مؤمناً كلّ الإيمان بقرار أوباما برفع الوجود العسكري الأمريكي هناك، عدداً وعدّة، وفرض 'الحلّ الأمني' عن طريق القوّة. وبالطبع، لأنه من طينة المحافظين الجدد في الحزب الديمقراطي، سوف يتعنت هولبروك في الحوار مع مجموعات الطالبان، وهذا في ذاته نذير أوّل، وحاسم، بأنّ العملية السياسية لن تفضي إلى مخرج.
ولعلّ من حقّ المرء، مانح فضيلة الشكّ إلى أوباما في أجندة التغيير الجوهري داخلياً، ومانعها عنه في أجندة التغيير الجوهري خارجياً، أن يستذكر هنا سلسلة الأخطاء التي سردها الجنرال المتقاعد أنتوني زيني، في كتابه 'جاهزية القتال' الذي وقّعه مع الكاتب والروائي توم كلانسي، بصدد الغزو الأمريكي للعراق. إنها تصلح تذكرة لنا، في قراءة تباشير سياسة أوباما الشرق ـ أوسطية إجمالاُ. لقد اعتبر زيني أنّ إدارة بوش الابن ارتكبت العديد من الأخطاء، بينها: القناعة بأنّ سياسة الاحتواء غير مفيدة أو معطّلة، في حين أنّ الحقائق تقول إنها نفعت مع الإتحاد السوفييتي، وتنفع اليوم مع كوريا الشمالية؛ وثانياً، الاستراتيجية في ذاتها كانت خرقاء: 'لم أستطع تصديق ما كنت أسمعه حول فوائد هذه الخطوة الاستراتيجية، وأنّ الطريق إلى القدس تمرّ عبر بغداد، حين يكون العكس تماماً هو الصحيح: الطريق إلى بغداد تمرّ عبر القدس'؛ وثالثاً، ذلك الخطأ الذي تكرّر منذ تجربة فييتنام، أي خلق المبرّرات الزائفة من أجل ضمان التأييد الشعبي لقرار الذهاب إلى الحرب؛ ورابعاً، ولعلّه الخطأ الأكبر في رأي زيني، هو الوثوق الأعمى برهط 'حرب عصابات غوتشي'، التعبير الساخر الذي استخدمه في وصف المعارضة العراقية التي تعاملت مع البنتاغون بصفة خاصة، ولفّقت الكثير من المعلومات، وزيّنت لرجال الإدارة أنّ المغامرة العسكرية نزهة... أو لعلّنا، في التماس قراءة أخرى، نذهب إلى زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد كارتر، والمهندس الأبرز (حسب معظم التحليلات) وراء توريط السوفييت في أفغانستان، ثمّ إطلاق تلك 'الصناعة الجهادية' التي أنتجت الطالبان والأفغان العرب وأسامة بن لادن... وتتمة المسمّيات والأسماء التي تقضّ مضجع أمريكا اليوم. ومنذ سنة 2004، في كتابه 'الإختيار: هيمنة عالمية أم قيادة عالمية'، حاول بريجنسكي تحديد موقع الولايات المتحدة في هذا العالم المعولَم، والقضايا التي تجابه السياسة الخارجية الأمريكية، كما اقترح سلسلة أطروحات خلاصية، أو طهورية متسامية حكيمة عقلانية، كما شاء الإيحاء. أطروحته بسيطة، وإنْ كانت حصيلتها عكسية وعواقبها وخيمة: الواقع العالمي بعد الحرب الباردة وزلزال 11/9 وضع الولايات المتحدة في موقع فريد لأمّة قادرة على تأمين الإستقرار العالمي من خلال السيطرة العسكرية، وقادرة في الآن ذاته على تهديد الإستقرار الدولي من خلال الوسيلة العسكرية إياها. وإدارة بوش الابن، بصفة خاصة، كانت أمام واحد من خيارين: إمّا الهيمنة على العالم، أو قيادته. والمؤشرات المتوفرة قادت بريجنسكي إلى اليقين بأنّ تلك الإدارة تميل، على نحو خطير، نحو الخيار الأوّل. وممّا له دلالة خاصة أنّ السياقات التاريخية، ساعة صدور كتاب بريجنسكي (البربرية الأمريكية في سجن أبو غريب، النازية الإسرائيلية في رفح، خطاب بوش أمام 'اللجنة الأمريكية ـ الإسرائيلية للشؤون العامة'، الـ 'إيباك'...)، أفقدت أطروحات الرجل من معظم جدواها الفكرية، لكي لا نقول إنها سحبتها ببساطة من السجال.
من غير المرجّح، مع ذلك، أنّ تباشير سياسات أوباما الشرق ـ أوسطية سوف تتفادى ما حذّر منه مجرّبون وصقور من أمثال زيني وبريجنسكي، فكيف بالطيّبين أو الخبثاء من أمثال ميتشل وهولبروك. إذْ من الجلي أنّ تلك السياسات محكومة بثوابت كبرى عريقة راسخة، وهي بالتالي ليست سياسات من صنع أوباما تماماً، أو من تدبيره بنسبة عالية تكفي لتصنيفها في خانة الجديد الذي يرى النور... تحت أية شمس!
' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
----------------------------------------------------------
أردوغان يغادر دافوس غاضبا بعد مشادة كلامية مع الرئيس الإسرائيلي

مشادة حادة بين أردوغان وبيريز على هامش منتدى دافوساحتشد الآلاف في اسطنبول لاستقبال رئيس الوزراء التركي بعد انسحابه من منتدى دافوس إثر مشادة حادة مع الرئيس الإسرائيلي على خلفية أحداث غزة. أردوغان اتهم إسرائيل بقتل الفلسطينيين، وبيريز دافع بانفعال عن حملة بلاده.
يبدو أن نيران الحرب المنتهية في غزة لم تخمد بعد، بل وصل بعض جمرها إلى منتدى دافوس الاقتصادي العالمي رغم الثلوج السويسرية التي ينعقد المنتدى وسطها. فقد شهدت الندوة التي تناولت الوضع في غزة على هامش منتدى دافوس مشادة كلامية حادة ونادرة الحدوث بين رئيس الوزراء التركي، رجب طيب اردوغان، والرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، انسحب على إثرها الأول غاضبا بسبب عدم إعطائه فرصة للرد بعد مداخلة مطولة للرئيس الإسرائيلي.
وبدأ النقاش في الندوة التي شارك فيها أيضا أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون وأمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، بدعوة وجهها بان كي مون بضرورة عودة عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط إلى مسارها، ودعا المانحين إلى التبرع لمساعدة قطاع غزة لجمع 613 مليون دولار يحتاجها السكان الذين تضرروا من الهجوم الإسرائيلي على القطاع. وقال با كي مون، الذي زار غزة مؤخرا "إن جميع المدارس قد هُدمت، وفقد الناس أصدقاء وأقارب لهم. لقد وضحت لي هناك الحاجة إلى التحرك بأقصى سرعة ممكنة".
أردوغان: "إسرائيل تعرف جيدا كيف تقتل الأطفال"

حرارة النزاع في غزة وصلت إلى منتدى دافوس المحاط بالثلوج من جانبه أدان رئيس الوزراء التركي، خلال كلمته في المنتدى، استخدام إسرائيل "غير المتكافئ للقوة " خلال عمليتها العسكرية التي استمرت ثلاثة أسابيع في قطاع غزة، وطالب خلالها بإدراج حركة حماس في العملية السياسية. وألقى بيريز بعدها خطبة طويلة دافع خلالها عن العملية العسكرية التي شنتها بلاده في غزة وألقى باللائمة في إراقة الدماء على حركة حماس، وقال إن حماية الإسرائيليين من الهجمات الصاروخية كان أمرا مطلوبا. وفي مداخلته سأل الرئيس الإسرائيلي، اردوغان بصوت عال وملوحا بيده بعصبية باتجاهه: ماذا ستكون ردة فعلك لو أن الصواريخ تسقط كل ليلة على اسطنبول.
وقال بيريز، الذي حاز على حائزة نوبل للسلام عن جهوده في التوصل إلى اتفاق مع منظمة التحرير الفلسطي
نية في تسعينيات القرن الماضي "لا نستسلم أبدا.. طوال حياتي أحارب من أجل السلام".بعدها طالب أردوغان، الذي بدا ثائرا، بالحق في الرد من رئيس الجلسة الذي منحه دقيقة واحدة قال خلالها رئيس الوزراء التركي لبيريز : "السبب الذي يدفعك إلى رفع صوتك هو شعورك بالذنب"، وذلك في إشارة إلى ارتفاع صوت الرئيس الإسرائيلي خلال كلمته. وقال أردوغان للرئيس الإسرائيلي: "حين يتعلق الأمر بالقتل أنتم تعرفون جيدا كيف تقتلون. وأنا أعرف جيدا كيف قتلتم أطفالا على الشواطئ" وذلك فق ما أوردت وكالة رويترز.
ثم انتقد اردوغان الجمهور لتصفيقه بعد كلمة الرئيس الإسرائيلي. وقال: "من المحزن جدا أن يصفق أشخاص لموت الكثيرين"، ثم غادر المنصة وهو يقول إن المنتدى "انتهى" بالنسبة له ودوى التصفيق أيضا بعدها. الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى اكتفى بالتصفيق لرئيس الوزراء التركي ومصافحته قبل أن يعود وينضمّ إلى الجالسين.
استقبال
حافلآلاف الجماهير يستقبلون أردوغان استقبل الأبطالوخلال مؤتمر صحفي عقده أردوغان في وقت لاحق مع كلاوس شواب، مؤسس المنتدى، قال إن انسحابه ناتج عن الأسلوب الذي اتبعه ديفيد إجناتيوس من صحيفة (واشنطن بوست) في إدارة الحوار. وأوضح رئيس الوزراء التركي أن بيريز حصل على 25 دقيقة للحديث، وهو ما يزيد عن ضعف الوقت الذي منح له وللأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى.
وأضاف أردوغان أن بيريز "تحدث إلي بأسلوب لا يتناسب مع أسلوب المناقشات الحرة"، وأوضح قائلا "أن السيد بيريس لا يخاطب زعيم قبيلة. وعليه أن يتعلم كيفية مخاطبة رئيس وزراء جمهورية تركيا". ومن جانبه، أعرب شواب عن أسفه من الحادث ، قائلا إنه لا يتناسب مع "روح دافوس".
وفي اسطنبول اُستقبل رئيس الوزراء التركي رجي طيب اردوغان استقبال الأبطال لدى عودته قبل انتهاء أعمال المنتدى، حيث تجمع نحو ثلاثة آلاف شخص، بحسب شبكات التلفزيون، في محيط مطار اتاتورك الدولي في اسطنبول حاملين أعلاما تركية فلسطينية لاستقبال اردوغان، ولوحوا بلافتات كتب عليها "مرحبا بعودة المنتصر في دافوس"، مرددين شعارات معادية لإسرائيل، وفقا لوكالة الأنباء الألمانية.
اعتذار إسرائيلي؟
أردوغان ينسحب من الندوة في غضون ذلك ووفقا لما أوردته وكالة أنباء الأناضول التركية قدم الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز الخميس اعتذاره هاتفيا لرئيس الوزراء رجب طيب اردوغان،. ونقلت الوكالة شبه الرسمية عن مقربين من اردوغان أن بيريز اتصل برئيس الوزراء التركي وجرت محادثة لمدة خمس دقائق بينهما قدم خلالها رئيس إسرائيل اعتذاره. في حين نفت الرئاسة الإسرائيلية نفيا قاطعا أن يكون الرئيس شيمون بيريز قدم اعتذارات. وقالت الناطقة باسم الرئاسة ايلين فريش لوكالة فرانس برس إن "هذا الادعاء لا أساس له بتاتا". وأكدت في المقابل أن بيريز اتصل باردوغان، مشيرة إلى أن "المكالمة كانت ودية" بين المسئولين.
جدير بالذكر أن اردوغان انتقد الهجوم الإسرائيلي في قطاع غزة حتى إن بعض الصحف والمعارضة التركية اتهمته بأنه مناصر لحركة حماس التي يصنفها الغرب حركة إرهابية. يشار إلى أن أنقرة تسعى للعب دور الوسيط في الشرق الأوسط، حيث رعت عددا من جولات المباحثات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا، مستفيدة في ذلك من علاقاتها الجيدة مع أطراف الصراع في المنطقة.
دويتشه فيله + وكالات (ه.ع.ا)
------------------------------------------------------------
تر
كيا الصاعدة في الشرق الأوسط (+)
الدكتور عبدالله تركماني
شهدت السياسة الخارجية التركية تغيّرات عدة في التوجهات والتحركات، خاصة منذ وصول حزب " العدالة والتنمية " إلى الحكم في العام 2002، إذ باتت تعتمد على تعدد العلاقات وعدم حصرها في محور واحد، الأمر الذي حوّل تركيا إلى مركز مهم في رسم السياسات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، يبدو أنّ التحرك التركي تجاه غزة قد منحها فرصة التدخل المباشر على خط إقليمي ساخن، يحمل لها فرصة الدور الفاعل في الساحة الإقليمية، ويمكّنها من حل العديد من قضاياها العالقة مع العديد من اللاعبين المحليين والإقليميين، ويسهّل لها جمع المزيد من النقاط لصالح ديبلوماسيتها النشطة، من خلال: المشاركة التركية في أية قوات دولية، والمساهمة في إعادة إعمار غزة.
إذ يبدو أنّ مجموعة أمور درستها القيادة التركية بتأنٍ: أنّ ما حصل هو تحول كبير، باعتبار غزة نقطة الصدام والحسم، الأبرز، في نوعية الشرق الأوسط الذي سينشأ لاحقا. وباعتبار هذا التحول الكبير، الذي عكس جانبا منه العدوان الإسرائيلي على غزة، ودور " حماس "، في وجه من وجوهه، كذراع إيرانية في فلسطين وعلى الحدود المصرية، جعلت دول الغرب تصر على ضرورة مشاركة فعالة لتركيا، لاعتبارين على الأقل: أولهما، الوزن القابل للعب دور إقليمي حيوي، قد لا تتهيأ له تركيا مرة أخرى، وقد ينعكس سلبا عليها في حال بقائها محايدة ومتفرجة. وثانيهما، الوزن الذي قد يلعب دور " القابلة القانونية " لولادة سلام عربي – إسرائيلي في المستقبل المنظور.
لقد جاء تحرك رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لاستعادة بعض الوهج في الدور التركي، كما أنّ التحرك التركي رسالة إلى الأوروبيين أنّ تركيا ضرورة لهم في الشرق الأوسط وأنّ أي استقرار في المنطقة، تنشده أوروبا، غير ممكن من دون مساعدة تركيا، القادرة على التواصل بسهولة مع إيران وسورية، وتنسيق بعض الملفات مع مصر والمملكة العربية السعودية.
وإذا كان من السابق لأوانه تحديد طبيعة وحجم التحرك التركي، الذي أصر أردوغان على أنه حلقة من تحرك شامل مدروس، يندرج في إطار العودة التدريجية المبرمجة والمدروسة من جانب الديبلوماسية التركية الجديدة إلى منطقة الشرق الأوسط. فإنه يبدو أنّ ثمة عزيمة على تحقيق اختراق في غزة، تحت تأثير عاملين: أولهما، استعادة صورة تركيا الإقليمية كقوة فاعلة ومؤثرة وعامل استقرار في الإقليم. وثانيهما، الوضع في غزة يحمل مخاطر عالية جدا على الاستقرار الإقليمي وتركيا في قلب هذا الاستقرار من أكثر من زاوية.
لقد برزت تركيا كواحدة من الدول التي اتخذت مواقف مميزة، على الصعيدين الرسمي والشعبي، من العدوان الإسرائيلي على غزة، ولا شك أنّ التاريخ سيحفظ لتركيا وقوفها إلى جانب أهالي غزة في تصديهم للعدوان الإسرائيلي. وقد توزع الموقف الرسمي التركي على خطين: أولهما، التصريحات التي حمّلت إسرائيل مسؤولية تدهور الأوضاع، حيث انتقد رئيس الحكومة أردوغان الوحشية الإسرائيلية بأقسى العبارات، إذ قال: إن إسرائيل ستغرق في دموع أطفال غزة. وثانيهما، على الصعيد العملي تحركت تركيا منذ اللحظة الأولى لوقف العدوان وتحقيق وقف إطلاق النار وفتح المعابر إلى غزة وإرسال المساعدات الإنسانية. وقد قام أردوغان لهذه الغاية بجولة أولى على الدول العربية المعنية، مثل سورية والأردن ومصر والسعودية.
وعلى الصعيد الشعبي، كان الشعب التركي واحدا من أكثر الشعوب تحركا دفاعا عن غزة، فمنذ اليوم الأول للعدوان انتفضت تركيا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وتعددت التظاهرات في كل المدن ورفعت شعارات " الموت لإسرائيل "، بل شهدت اسطنبول واحدة من أضخم التظاهرات في تاريخها لدعم غزة في الرابع من يناير/ كانون الثاني الجاري وشارك فيها أكثر من مليون شخص.
إنّ رئيس الوزراء التركي استطاع، بشجاعة ونبل وقدرة سياسية غير مسبوقة، أن يتحدث من موقعه التاريخي كحفيد للعثمانيين " الذين تعاطفوا مع اليهود وفتحوا لهم أرضهم وأحضانهم عندما طُردوا واضُطهدوا ". وهذه المقاربة التاريخية الذكية كانت موجعة على نحو تدرك إسرائيل أهميته وخطورته على بعض المفاهيم التي باسمها تتجبر وتقتل الأطفال.
إنّ دور تركيا الصاعد في الشرق الأوسط، يهدف إلى ترشيد التفاعلات الإقليمية، وذلك لأسباب ثلاثة على الأقل: أولها، أنها تحتفظ بعلاقات قوية مع كل من طرفي الانقسام الفلسطيني، ومع كل من طرفي الحرب على قطاع غزة. وثانيها، علاقاتها الطيبة مع أطراف الانقسام في المنطقة من سورية وإيران على جانب إلى مصر والسعودية على الجانب الآخر. وثالثها، الذي يجعل دورها مؤكدا، يتعلق بسياستها العقلانية بوجه عام. ومن الطبيعي أن تشتد الحاجة إلى العقل حين يبدو الجنون سيد الموقف، سواء على صعيد العدوان الإسرائيلي الوحشي، أو على مستوى المدى الذي بلغه الانقسام العربي – العربي والعربي - الإقليمي، ما أدى إلى إعطاء أولوية لتصفية حسابات وتحقيق مصالح صغيرة في لحظة عصيبة.
ومن فضائل العقلانية التركية أنها تشمل القدرة على الحوار، في لحظة ظهر فيها الأثر الفادح لعجز معظم العرب عن إدارة حوار جاد وصريح، بدلا من المزايدات والمهاترات التي كشفت مدى قصور وعي صنّاع القرار بعمق أزمتهم البنيوية.
إنّ موقف القيادة التركية الحالية ليس تكتيكيا، ولا مرحليا، بل هو ناتج عن موقف مبدئي، منطلقه سياسة العودة إلى العمق التاريخي والحضاري والجغرافي لتركيا، والذي يفترض، وهذا ما حصل، إقامة أفضل العلاقات مع العالمين العربي والإسلامي، على أساس التاريخ والحضارة المشتركة وحسن الجوار، والمصالح المشتركة، والسلام العادل في الإقليم.
تونس في 25/1/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
---------------------------------------------------------
منذ تسع سنوات وضع "كلينتون الزوج" الكرة في ملعب الأسد.. والكرة الآن في ملعب "كلينتون الزوجة"السوريّون وأوباما: هل آن الأوان لـ "عامل الوقت"؟
صحيفة المستقبل اللبنانية - الخميس 29 كانون الثاني/ يناير 2009
وسام سعادة
يصعبُ الحسمُ في أمر المسار الذي ستنتهجه إدارة الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما تجاه سوريا، وإن يكن بحكم المرجّح أنه تصحّ عليه صفّة "التعرّج" أكثر من صفة "المراوحة"، وذلك قبل أن يتضح مآل هذا المسار، سواء لجهة "الإنفراج" أو لجهة "التصعيد".
المرجّح أيضاً أنّه سيكون للنظام الحاكم في سوريا، وتحديداً في أوّل عهد الرئيس أوباما، فرصة كبيرة لتحسين أو تقبيح صورته الداخلية والإقليميّة أمام الإدارة الأميركيّة.
والحال أنّ هذا النظام لن يتمكّن من تحسين صورته ما لم يدرك جديّة هذا الرهان، وما لم يتمكّن من الإحاطة بأهمية المتغيّر الأميركيّ الذي يرمز إليه أوباما، وحدود هذا المتغيّر في آن.
باختصار، على هذا النظام تقنين إصغاء مركز القرار فيه الى منظّري "الممانعة". هؤلاء يتوزّعون حالياً بين من يهنّئ نفسه بأربع سنوات من الرّاحة والهناء في ظلّ أوباما، بل يذهب إلى أنّ النظام البعثي سيكون مطلق اليدين يقتنص ما أراد ولا يسدّد ديونه السياسيّة والأمنيّة إلا بالتقسيط الممل، وبين من يندب حظّ المستضعفين في المقابل على أساس أنّ كلّ الرؤساء المتعاقبين على البيت الأبيض سواسية، وهم من صنف نمرود وفرعون، وليس فيهم من تعقد عليه آمال ولو بسيطة، كما ليس فيهم من يلاقى عند منتصف الطريق.
بيد أن النظام السوري سيخدم نفسه ومحيطه في آن لو استخرج من السنوات الماضية ما يعينه على الانتفاع فعلاً من السنوات المقبلة، لكنّه إذ ذاك عليه أن يفهم أن ثابتتين ما زالتا تحكمان رؤية الغرب كلّه، والإدارة الأميركيّة في الطليعة، للنظام السوريّ ودوره وما يطلب منه.
الثابتة الأولى: الكرة في ملعب الأسد
الثابتة الأولى سابقة على 11 أيلول. بل سابقة على بشّار الأسد رئيساً. هي تلك التي لخّصها الرئيس الأميركيّ السابق بيل كلينتون في إثر آخر قمّة جمعته مع الرئيس حافظ الأسد في جنيف (26 آذار 2000) وخرج بعدها ليقول "إنّ الكرة في ملعب الأسد"، ولا تزال الكرة في هذا الملعب سواء في ظلّ الأسد الأب أم في ظلّ الأسد الإبن، وسواء تعاقب على البيت الأبيض كلينتون أو بوش أو أوباما.
كم صحّت يومها توقّعات شمعون شيفر حين قال عشية قمّة جنيف إنّه ما لم يرشح عنها شيء فسيسود وضع بالغ السوء في المنطقة بأكملها، وبالفعل، ما بين الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من جنوب لبنان، ورحيل الأسد الأب ومجيء إبنه، وانفجار عملية السلام في الأراضي الفلسطينيّة كانت المنطقة تدخل نفقاً سيزداد ظلمة بعد 11 أيلول والدخول الأميركيّ إلى العراق.
كانت عبارة كلينتون وقتها وصيّة للقادمين من بعده. هي اليوم وصيّة لزوجته وللعالم. لكن ما الذي تعنيه عبارة "الكرة في ملعب الأسد".
هي تحمّل النظام السوريّ أولاً المسؤولية من وجهة النظر الأميركيّة عن فرط عملية التسوية في المنطقة، وهي تؤكد في الوقت نفسه أنّ لا بديل عن هذا النظام في سياق عملية التسوية. هي تؤسس لاحقاً لمرحلة كاملة من امتناع الفهم بين الجانبين السوري والأميركيّ.
وهذه العبارة تختلف عن الحكم الذي أصدره الأميركيون على الرئيس الفلسطينيّ الراحل ياسر عرفات. حمّلوه هو الآخر مسؤولية فرط عملية التسوية الفلسطينية الإسرائيليّة، لكنّهم خلصوا إلى أنّه لم يعد شريكاً في عملية السلام، واستنتجوا لاحقاً أن لا شريك من بعده. كانوا مقتعنين بأنّ ما من فلسطينيّ له شرعيّة تاريخية قادرة على الوصول إلى "وضع نهائيّ" يكفل تنازل الشعب الفلسطينيّ عن معظم فلسطين إلا عرفات، وأن بعده ما من شريك فعليّ يمكنه أن يؤمّن المستلزمات الإسرائيليّة الأساسية للتسوية (نسيان حق العودة، تقاسم الضفّة مع المستوطنين، الاكتفاء ببدعة رمزية لحلّ مسألة القدس، عدم السماح ببناء قدرات دفاعية غير اسرائيلية غرب نهر الأردن) والمستلزمات الفلسطينية الأبسط لها (شرعية الزعامة، ربط الضفّة بالقطاع، التواصل بين أراضي الدولة ومخيمات الشتات). بالتالي جرى عملياً تشجيع التيّار العدميّ الذي لا يفكّر لا بدولة موحّدة للعرب واليهود ولا بدولتين متجاورتين ولا بأي دولة من أساس، لأنّه ملتزم بعقيدة اسمها "محاربة مفهوم الدولة". هذا التيار العدميّ يراهن على تمادي الشواهد الفوتوغرافية على عدوانية العدو، وارتفاع الكلفة الإنسانية لمجازره، أملاً في استثارة ضمير ما، سواء كان ضميراً عربياً أو اسلامياً أو غربيّاً.. علماً أن "استراتيجية استصراخ الضمير الإنسانيّ" صارت مقرونة بخطابية "تدمير اسرائيل" وبتوعّد اليهود بالمحرقة الحقيقية.
الثابتة الثانية: بيكر ـ هاملتون
بخلاف ذلك، خضع التعاطي مع الأسدين، الأب والإبن، لوضعية مختلفة تماماً تلخصها عبارة "الكرة في ملعب الأسد"، وهي عبارة استكملت مدلولاتها بعد صدور تقرير بيكر ـ هاملتون 6 كانون الأول 2006. منذ هذا التاريخ ازدهرت نظريتان في التعامل مع النظام السوريّ.
النظرية الأولى أقرب إلى ما جاء في التقرير. تدعو إلى التعاطي "الواقعي" مع سوريا وايران على أساس أن تأمين مزيد من الاستقرار في العراق يمرّ من خلال منح المزيد من الاستقرار للنظامين السوريّ والإيرانيّ. بالنتيجة فإنّ السنتين الماضيتين عرفتا بداية الاستقرار في الوضع العراقيّ، ومزيداً من الاستقرار للنظامين السوريّ والإيرانيّ، في مقابل ضرب كل استقرار في لبنان والمناطق الفلسطينية.
أما النظرية الثانية، والتي لمع نجمها تحديداً مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ثم جرت محاولات لـ"تعريبها" أيضاً بأكثر من شكل، فدعت إلى "فصل" سوريا عن ايران، على أساس مزيج من الحوافز والضغوط، وبما يمكّن من رفع مستوى التفلّت السوريّ عن الإيقاع الإيرانيّ، أو يرفع من مستوى الريبة الإيرانيّة من النظام السوريّ، أو حتى بما من شأنه أن يوفّر مزيداً من الاعتدال في الموقف السوريّ لسحب الموقف الإيراني بدوره على شيء من الاعتدال.
طبعاً بقي دائماً هامش لنظرية ثالثة تدعو إلى التعامل "غير الواقعي" مع سوريا وايران، بما يمكن أن يؤدي إلى توجيه ضربات عسكرية بالتعاقب أو حتى بالتزامن، وليس معنى "عدم الواقعية" هنا امتناع حصول الأمر، وليس كل ما يجري في التاريخ واقعيّاً، بل إن معظم الحروب كانت تبدو قبل حصولها "غير واقعية" و"مستحيلة"، وصارت تبدو بعد ذلك "حتمية" ولها أسباب.
تجاه مثل هذه النظريات حافظت سوريا على سياسة واحدة في التعاطي: "البيع بالمفرّق".. ومع الاستعداد دائماً لتجزئة كل ملف إلى ما لا نهاية. العلاقات الديبلوماسية مع لبنان خير مثال. القرار 1860 يدمجها بترسيم الحدود كترتيب واحد. السياسة السورية جزّأت العلاقات نفسها إلى عدّة ملفّات، مستخدمة الحدّ الأقصى من المماطلة، ومتطلّعة الى الحدّ الأقصى من تفريغ المضمون.
لأجل ذلك، فإن التحديّ الملقى على عاتق الإدارة الأميركيّة الجديدة هو تحدّي إدخال "عامل الوقت" وأهميته إلى سياسات الشرق الأوسط. حتى الآن تبدو هذه السياسات غير مرهونة بوقت، وهو ما يسمح دائماً للسياسة السوريّة بـ"البيع بالمفرّق" وتقسيم كل سلعة معدّة للبيع إلى ما لا يتناهى من السلع الجزئية.
وإدخال "عامل الوقت" يعني في المقام الأوّل تعديل عبارة كلينتون وجعلها سؤالاً: كم سيدوم مكوث الكرة في ملعب آل الأسد؟ وهذه من أولى مهمّات هيلاري كلينتون اليوم إذا ما أرادت الالتفات إلى المنطقة بشكل صحيح.
--------------------------------------------------
تسعيرة صوت الناخب العراقي ترتفع الي مائة دولار ومصادرة صناديق اقتراع معدة للت
زوير في النجف
نواب يشككون في قدرة 800 مراقب أجنبي لرصد الانتخابات ومنظمات تنتقد آليات المفوضية لمنع التلاعب
بغداد ــ كريم زاير
النجف ــ عباس محمد
تزايدت تحذيرات السياسيين ومنظمات المجتمع المدني امس من احتمال حصول عمليات تزوير واسعة النطاق خلال انتخابات مجالس المحافظات العراقية السبت المقبل. وقال مرشحون ان المراقبة يجب ان لا تقتصر علي مراكز الانتخابات الرئيسية في المدن الكبيرة في المحافظات حيث الاقضية والنواحي تتراخي فيها الرقابة كما حدث في السابق. في حين اشتدت امس بورصة شراء اصوات الناخبيين في المحافظات حيث تقدم احزاب دينية مائة دولار لكل ناخب مقابل الادلاء بصوته لمرشحيها.
وقال مسؤولون في منظمات المجتمع المدني تراقب الانتخابات ان مفوضية الانتخابات فشلت في وضع آليات لمنع التزوير خاصة اثناء نقل الصناديق الي مراكز الفرز في مراكز المحافظات. واكدوا انه لا توجد حماية كافية لاستبدال الصناديق بأخري مزورة او اتلاف صناديق اقتراع احزر فيها مرشحون غير مرغوب فيهم اغلبية كبيرة للحيلولة دون فوزهم. في حين يدلي العسكريون والسجناء لدي الجيش الامريكي البالغ عددهم 15 الف والسجناء في المعتقلات العراقية الذين يصل عددهم مائة الف اليوم. ولم تقدم المفوضية اي معلومات عن جنسية 800 مراقب دولي وصلوا بغاداد وغادر عدد منهم الي المحافظات ، وكانت الجامعة العربية قد ابدت رغبتها بإرسال مراقبين الي العراق في حال الطلب رسميا منها. من جانبه حذر النائب صالح المطلك من محاولات تزوير الانتخابات المحلية وقال ان اي محاولة لتزوير الانتخابات ستدفع الناس الي اليأس من العملية الديمقراطية والي ردة فعل شعبية قد تنتهي بعودة العنف. واتهم المتحدث باسم الكتلة الصدرية النائب احمد المسعودي امس جهات لم يسمها باعداد مخطط لاستبدال صناديق الاقتراع الاصلية في اثناء النقل بصناديق اخري معدة سلفا، مشيرا الي اكتشاف مجموعة من الصناديق التي اعدت لهذا الغرض في النجف. في وقت اكد رئيس حزب الامة العراقية النائب مثال الالوسي ضبط شاحنات محملة بصناديق اقتراع مغلقة ومؤشرة لمرشح معين. وقال المسعودي: لدينا معلومات موثقة بوجود خطة لتبديل صناديق الاقتراع الاصلية بصناديق اخري تضم اوراقا انتخابية لصالح كيانات سياسية معينة وذلك اثناء نقلها من مراكز الاقتراع الثانوية الي المراكز الرئيسة وبمساعدة الاجهزة الامنية في بعض المحافظات.
تهديد المرشحات
في وقت تواجه المرشحات الي مجالس المحافظات التمييز والتهديد في حملاتهن الانتخابية ومنعهن من تعليق ملصقاتهن الانتخابية.
وأضاف المسعودي "كما تفيد المعلومات التي لدينا بانه سيتم رشوة المسؤولين عن مراكز الاقتراع في بعض المحافظات لغض النظر عن هذه الخروقات"، لافتا بهذا المجال الي اكتشاف عدد من صناديق الاقتراع المزيفة في محافظة النجف مؤخرا معدة لهذا الغرض، "الا انه تم التكتم علي الأمر". وطالب بأن يتم نقل صناديق الاقتراع بإشراف مباشر من قبل مفوضية الانتخابات والأمم المتحدة وبحراسة أمنية غير مسيسة لان الأجهزة الأمنية في بعض المحافظات تابعة لأحزاب مشاركة في الانتخابات، مشيرا الي أنه اخبر الأمم المتحدة بهذه المخاوف وطلب منها الاشراف المباشر علي العملية.
من جانبه، استبعد رئيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات فرج الحيدري وقوع عمليات تزوير في الانتخابات البلدية المقبلة، مؤكدا ان المفوضية اتخذت جميع التدابير التي من شأنها الحد من عمليات التزوير، ومن بينها نقل صناديق الاقتراع من قبل المفوضية بحراسة الأجهزة الأمنية وبدعم من القوات متعددة الجنسية. ولفت الي أنه من حق مراقبي الكيانات السياسية متابعة عملية نقل الصناديق أولاً بأول.
وتقول جومانا مال الله المرشحة علي لائحة "المؤتمر الوطني العراقي" بزعامة احمد الجلبي في مدينة كربلاء، "ليست هناك صور للمرشحات في الملصقات. لقد منعها الرجال لان لديهم السلطة لفعل ذلك".
اما هناء كاظم المرشحة ضمن لائحة "المدرسات العراقيات" في مدينة الديوانية، فتؤكد انها تقدمت بشكوي لفرع المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بسبب تمزيق ملصقات تحمل صور لمرشحات. من جهتها، تقول طبيبة الاطفال مها البديري المرشحة ضمن لائحة "مدنيون" (يسار) في الديوانية ان هذا "النوع من الافعال يحدث مع عدد من المرشحات". وفي بعض المناطق، فضلت بعض المرشحات عدم نشر صورهن. وتقول بان السامرائي مرشحة ضمن "القائمة الوطنية العراقية" في سامراء "الناس في هذه المدينة محافظون جدا ولم انشر صورتي تجبنا للتجريح". ويفرض القانون الانتخابي في العراق علي الاحزاب ان تتضمن لوائحها 25 بالمئة من النساء. وهناك 3912 امراة من اصل 14431 مرشحا يتنافسون علي 440 مقعدا في 14 من اصل 18 محافظة. بدورها، تقول بتول نايف المرشحة علي احدي لوائح العرب في بغداد ان "نسبة 25 بالمئة ليست كافية لتمثيل النساء فالمجتمع لا يشجع النساء علي الانخراط ويعتبرهن ضعيفات". وبالاضافة الي ذلك، هناك تهديدات المتطرفين وتقول سهي جار الله بهذا الشأن انها تلقت تهديدا بالقتل لانها ترأس منظمة غير حكومية "منتدي النساء العراقيات" حيث تعمل علي تدريب المرشحات الي الانتخابات. وتنتقد العراقيات اللواتي "يتخلين عن حقوقهن بسبب التقاليد والعادات والتربية بالاضافة الي فقدان الشخصية القوية". وتضيف انها اصبحت تعمل بسرية تامة بعد تلقيها التهديد. وتؤكد منظمة "هيومان راتيس ووتش" ان "العنف ضد المرأة ما يزال مشكلة جدية في العراق وخصوصا للنساء اللواتي يعملن في السياسة والموظفات والصحافيات والناشطات في الدفاع عن حقوق المراة". وفي هذا السياق، تقول وحيدة الجميلي من لائحة "مشروع التجمع العراقي الوطني" انها كانت في طريقها الي منزلها العام 2006 " فأطلق عناصر من القاعدة النار علي من دون ان يصيبوا هدفهم. وبما انني اؤمن بما اقوم به فقد استمريت في نشاطي السياسي بشكل خفي".
واصيبت عائلتها بالهلع فرجتها الانسحاب لكنها رفضت، وتقول انها لم تتلق اي تهديد "حتي الآن" في هذه الانتخابات.
وتتابع الجميلي "قبل الاجتياح العام 2003، كان الرجال والنساء اكثر مساواة من الوقت الحالي. كانت النساء أكثر حرية في اختيار المهنة او التحرك. اما اليوم فإن العوائق باتت متعددة بسبب الاحزاب الدينية".
وتؤكد هيفاء السامرائي خوفها من "الاغتيال او الخطف منذ بدأت حملتي الانتخابية" في سامراء.
يذكر ان مسلحين اقدموا في 18 الشهر الماضي علي ذبح نهلة حسين، احدي المسؤولات في الحزب الشيوعي الكردستاني في كركوك.
بدورها، تقول بيداء عابد المرشحة عن الحزب الشيوعي في الناصرية ان "دخول النساء المعترك السياسي يشكل تحديا لمن يريد قمعهن".
في هذه الاثناء وصل امس 800 مراقب دولي الي العراق للاشراف علي ادلاء 15 مليون ناخب عراقي بأصواتهم في 14 محافظة حسب مفوضية الانتخابات، وتم نقل بعضهم الي المحافظات.
وقال مرشحون وسياسيون ان هذا العدد من المراقبين الدوليين لا يكفي لتغطية آلاف مراكز الاقتراع المنتشرة في 14 محافظة تجري فيها الانتخابات.
كما تشككوا في استقلالية 22 ألف مراقب علي سيشرفون علي الانتخابات.
وقالوا ان اغلبهم ينتمون الي الاحزاب المشاركة في الانتخابات في حين احرق مسلحون امس اول مركز للاقتراع في الفلوجة قبل الانتخابات باسبوع.
رئيس قائمة الحدباء: هدفنا إنهاء سيطرة الحزبين الكرديين علي نينوي البارزاني يبلغ زعماء شمّر: نرفض استدراجنا في الموصل الموصل - أربيل - الزمانيختصر اثيل النجيفي المرشح الي انتخابات مجلس الموصل حملته بضرورة انهاء سيطرة الحزبين الكرديين الرئيسيين علي ثاني مدن العراق وذلك في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية. في حين جدد رئيس اقليم كردستان مسعودالبارزاني امس رفضه تشكيل مجالس الاسناد المدعومة من رئيس الوزراء نوري المالكي في اقليم كردستان وقال خلال لقاء عقده مع زعماء شمر: نحن ايدنا مجالس الصحوات لانهم قاموا بعمل جيد ومشرف ولكن لن نقبل بتشكيل مجالس الاسناد وبالاخص في اقليم كردستان العراق. وقال: ارادوا استدارجنا الي معركة قومية في الموصل والحكومات السابقة جميعها قامت باستدارج الكرد الي معركة قومية ولكن كل هذه المحاولات لم تنجح وستبقي الاخوة الكردية العربية اخوة قوية.كما اكد رئيس اقليم كردستان ضرورة تشكيل جيش مثقف للعراق واضاف: نحن مع جيش قوي ومجهز ولكن في نفس الوقت ان يكون الجيش العراقي الجديد في العراق الجديد بثقافة جديدة ولايكون جيش الانقلابات ويضطهد شعبه وان يعاد بناؤه وفق الدستور وتثقيفه بثقافة جديدة وان لايتدخل في السياسة الداخلية والخلافات الموجودة بين الاحزاب.وتطرق البارزاني ايضا الي العقود النفطية التي وقعتها حكومة اقليم كردستان العراق مع الشركات الاجنبية، مؤكدا قانونية هذه العقود وقال : العقود التي وقعناها هي دستورية وجاءت وفق الدستور. وقال اثيل النجيفي، زعيم لائحة "الحدباء" المقربة من المالكي ان "الاكراد يبقون علي التوتر قائما من اجل خدمة مصالحهم وارغب في وضع حد لذلك". وتجمع اللائحة ما لا يقل عن 15 حزبا وتتمتع بدعم كبري عشائر العرب السنة في محافظة نينوي. ويحتل الموقف من الاكراد صلب القضية. ويصف معارضون المحافظ الحالي المنتهية ولايته دريد كشمولة بانه "ألعوبة" في يد الاكراد. ويضيف النجيفي الذي يملك اكبر اسطبلات العراق مع 400 راس خيل عربي اصيل "في العام 2003، دخل الامريكيون الموصل وتبعهم الاكراد الذين لم يكفوا منذ ذلك الحين عن اثارة التوتر وزعزعة الاستقرار. فاحزابهم تتولي حماية من يرتكب الانتهاكات والتجاوزات".ويتابع ردا علي سؤال "بين القاعدة والمسلحين والاكراد، من الصعب جدا معرفة المسؤول عن الهجمات" شبه اليومية في الموصل). وفي شوارع الموصل، يتداول الجميع في "المسألة الكردية" ويقول طالب يرفض الكشف عن اسمه لدواع امنية "لا اثق مطلقا بقوات البيشمركة (الملشيات الكردية)". ويضيف "انهم ليسوا من الموصل ويجب ان يحل الجيش العراقي مكانهم". وفي الواقع، يتحاشي البيشمركة الظهور لكن الالتباس ناجم عن انتشار "لواء عسكري كردي الي جانب لواءين من بغداد والانبار ضمن قطعات الجيش العراقي يتلقون اوامرهم من القيادة العسكرية في بغداد"، وفقا لكشمولة.وفي القاعدة الامريكية في وسط الموصل، يتمركز الجنرال روبرت براون المكلف الاشراف علي العمليات في شمال العراق، وسبق له ان كان في الموصل ابان الانتخابات السابقة.ويقول "ان القوي الامنية متوازنة حاليا بشكل يعكس واقع المجتمع ويوجد غير الاكراد في القوات المنتشرة في الموصل". وقد قاطع معظم العرب السنة انتخابات العام 2005 في الموصل كما فعلوا في محافظات اخري وكانت النتيجة سيطرة الموالين للاكراد علي 31 من اصل 41 مقعدا في مجلس المحافظة.ويضيف الجنرال براون "كان هناك غياب حقيقي في مستوي التمثيل فالحكومة معتبرة انها مقربة كثيرا من الاكراد ولم تفعل ما كان يتوقعه الناس منها".وتشكل "المسألة الكردية" في الموصل احدي نقاط الخلاف بين رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني ورئيس الوزراء نوري المالكي.وتراشق الرجلان خلال الاسبوع الحالي التهم بـ"الدكتاتورية" و"الانفصال".ويدعو المالكي الي حكومة اتحادية قوية مطالبا الاكراد باحترام الدستور بينما يسعي بالبارزاني الي الحفاظ علي استقلالية منطقته كا انه لا يخفي المطالبة بضم كركوك وعددمن اقضية الموصا وديالي االاقليم .واكد البارزاني خلال لقاءه شيوخ شمر علي العلاقة التاريخية بين القبائل الكردية وقبيلة الشمرالعربية في العراق، مؤكدا ان هذه العلاقات قديمة وعريقة جدا وتعود الي العهود السابقة. كما اشاد البارزاني بدور عشيرة الشمر في العراق في مناهضة عمليات التعريب التي تعرضت لها كردستان في عهد النظام الدكتاتوري السابق وقال البارزاني: نحن نتذكر جيدا مواقف قبيلة الشمر عندما رفضوا المشاركة في عملية التعريب في غصب اراضي الكرد وحتي رفضوا حمل السلاح ضد الكرد. واضاف: انا لدي معلومات اكيدة ان الحكومة العراقية السابقة عرضت كل سهل سميل وشيخان علي عشيرة الشمر مقابل المشاركة في حملة التعريب لكن عشيرة الشمر رفضت وقالت انها ارض الكرد.واكد البارزاني انه لايستطيع احد في الاساءة الي هذه العلاقة التاريخية واضاف: كلنا اخوة في هذا البلد ونسمع احيانا كثيرة تصريحات واحيانا اتهامات للجانب الكردي وهي لا اساس لها ونحن نؤكد اننا مع العراق ولكن العراق الفيدرالي.واوضح البارزاني خلال لقائه مع شيوخ قبيلة الشمر ان تجارب الشعوب كلها اثبتت ان الاتحاد الاختياري من افضل الحلول للمشكلة العراقية، مشيدا بتجربة اقليم كردستان العراق، ومؤكدا ان اي اتحاد قسري لايمكن نجاحه في العراق.كما اشار البارزاني خلال كلمته الي محاولات البعض في العراق لاستدراج الكرد والعرب الي حرب قومية في العراق. وشدد البارزاني علي ضرورة اللجوء الي لغة الحوار في معاجلة المشاكل والابتعاد عن لغة العنف والارهاب، مشددا انه لايمكن حل المشاكل من خلال اللجوء الي استخدام العنف.كما تطرق البارزاني الي مسالة تعديل الدستور العراقي واشار الي ان الدستور العراقي ليس خاليا من الخلل والنواقص، مؤكدا امكانية اجراء تعديلات فيه ولكن دون المساس بصلاحيات اي مكون في العراق واضاف: هذا الدستور يمكن ان يكون فيه خلل او نواقص ولكن لدينا دستور .وتابع حديثه قائلا: هذا الخلل يمكن ان نصلحه ولكن ما نسمعه ان الهدف من تعديل الدستور هو تقليل صلاحيات الكرد وتقليص الديمقراطية في العراق، مشددا انه لايحق لاحد في العراق التفكير في إلغاء الآخر .
تر
كيا الصاعدة في الشرق الأوسط (+)الدكتور عبدالله تركماني
شهدت السياسة الخارجية التركية تغيّرات عدة في التوجهات والتحركات، خاصة منذ وصول حزب " العدالة والتنمية " إلى الحكم في العام 2002، إذ باتت تعتمد على تعدد العلاقات وعدم حصرها في محور واحد، الأمر الذي حوّل تركيا إلى مركز مهم في رسم السياسات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، يبدو أنّ التحرك التركي تجاه غزة قد منحها فرصة التدخل المباشر على خط إقليمي ساخن، يحمل لها فرصة الدور الفاعل في الساحة الإقليمية، ويمكّنها من حل العديد من قضاياها العالقة مع العديد من اللاعبين المحليين والإقليميين، ويسهّل لها جمع المزيد من النقاط لصالح ديبلوماسيتها النشطة، من خلال: المشاركة التركية في أية قوات دولية، والمساهمة في إعادة إعمار غزة.
إذ يبدو أنّ مجموعة أمور درستها القيادة التركية بتأنٍ: أنّ ما حصل هو تحول كبير، باعتبار غزة نقطة الصدام والحسم، الأبرز، في نوعية الشرق الأوسط الذي سينشأ لاحقا. وباعتبار هذا التحول الكبير، الذي عكس جانبا منه العدوان الإسرائيلي على غزة، ودور " حماس "، في وجه من وجوهه، كذراع إيرانية في فلسطين وعلى الحدود المصرية، جعلت دول الغرب تصر على ضرورة مشاركة فعالة لتركيا، لاعتبارين على الأقل: أولهما، الوزن القابل للعب دور إقليمي حيوي، قد لا تتهيأ له تركيا مرة أخرى، وقد ينعكس سلبا عليها في حال بقائها محايدة ومتفرجة. وثانيهما، الوزن الذي قد يلعب دور " القابلة القانونية " لولادة سلام عربي – إسرائيلي في المستقبل المنظور.
لقد جاء تحرك رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان لاستعادة بعض الوهج في الدور التركي، كما أنّ التحرك التركي رسالة إلى الأوروبيين أنّ تركيا ضرورة لهم في الشرق الأوسط وأنّ أي استقرار في المنطقة، تنشده أوروبا، غير ممكن من دون مساعدة تركيا، القادرة على التواصل بسهولة مع إيران وسورية، وتنسيق بعض الملفات مع مصر والمملكة العربية السعودية.
وإذا كان من السابق لأوانه تحديد طبيعة وحجم التحرك التركي، الذي أصر أردوغان على أنه حلقة من تحرك شامل مدروس، يندرج في إطار العودة التدريجية المبرمجة والمدروسة من جانب الديبلوماسية التركية الجديدة إلى منطقة الشرق الأوسط. فإنه يبدو أنّ ثمة عزيمة على تحقيق اختراق في غزة، تحت تأثير عاملين: أولهما، استعادة صورة تركيا الإقليمية كقوة فاعلة ومؤثرة وعامل استقرار في الإقليم. وثانيهما، الوضع في غزة يحمل مخاطر عالية جدا على الاستقرار الإقليمي وتركيا في قلب هذا الاستقرار من أكثر من زاوية.
لقد برزت تركيا كواحدة من الدول التي اتخذت مواقف مميزة، على الصعيدين الرسمي والشعبي، من العدوان الإسرائيلي على غزة، ولا شك أنّ التاريخ سيحفظ لتركيا وقوفها إلى جانب أهالي غزة في تصديهم للعدوان الإسرائيلي. وقد توزع الموقف الرسمي التركي على خطين: أولهما، التصريحات التي حمّلت إسرائيل مسؤولية تدهور الأوضاع، حيث انتقد رئيس الحكومة أردوغان الوحشية الإسرائيلية بأقسى العبارات، إذ قال: إن إسرائيل ستغرق في دموع أطفال غزة. وثانيهما، على الصعيد العملي تحركت تركيا منذ اللحظة الأولى لوقف العدوان وتحقيق وقف إطلاق النار وفتح المعابر إلى غزة وإرسال المساعدات الإنسانية. وقد قام أردوغان لهذه الغاية بجولة أولى على الدول العربية المعنية، مثل سورية والأردن ومصر والسعودية.
وعلى الصعيد الشعبي، كان الشعب التركي واحدا من أكثر الشعوب تحركا دفاعا عن غزة، فمنذ اليوم الأول للعدوان انتفضت تركيا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وتعددت التظاهرات في كل المدن ورفعت شعارات " الموت لإسرائيل "، بل شهدت اسطنبول واحدة من أضخم التظاهرات في تاريخها لدعم غزة في الرابع من يناير/ كانون الثاني الجاري وشارك فيها أكثر من مليون شخص.
إنّ رئيس الوزراء التركي استطاع، بشجاعة ونبل وقدرة سياسية غير مسبوقة، أن يتحدث من موقعه التاريخي كحفيد للعثمانيين " الذين تعاطفوا مع اليهود وفتحوا لهم أرضهم وأحضانهم عندما طُردوا واضُطهدوا ". وهذه المقاربة التاريخية الذكية كانت موجعة على نحو تدرك إسرائيل أهميته وخطورته على بعض المفاهيم التي باسمها تتجبر وتقتل الأطفال.
إنّ دور تركيا الصاعد في الشرق الأوسط، يهدف إلى ترشيد التفاعلات الإقليمية، وذلك لأسباب ثلاثة على الأقل: أولها، أنها تحتفظ بعلاقات قوية مع كل من طرفي الانقسام الفلسطيني، ومع كل من طرفي الحرب على قطاع غزة. وثانيها، علاقاتها الطيبة مع أطراف الانقسام في المنطقة من سورية وإيران على جانب إلى مصر والسعودية على الجانب الآخر. وثالثها، الذي يجعل دورها مؤكدا، يتعلق بسياستها العقلانية بوجه عام. ومن الطبيعي أن تشتد الحاجة إلى العقل حين يبدو الجنون سيد الموقف، سواء على صعيد العدوان الإسرائيلي الوحشي، أو على مستوى المدى الذي بلغه الانقسام العربي – العربي والعربي - الإقليمي، ما أدى إلى إعطاء أولوية لتصفية حسابات وتحقيق مصالح صغيرة في لحظة عصيبة.
ومن فضائل العقلانية التركية أنها تشمل القدرة على الحوار، في لحظة ظهر فيها الأثر الفادح لعجز معظم العرب عن إدارة حوار جاد وصريح، بدلا من المزايدات والمهاترات التي كشفت مدى قصور وعي صنّاع القرار بعمق أزمتهم البنيوية.
إنّ موقف القيادة التركية الحالية ليس تكتيكيا، ولا مرحليا، بل هو ناتج عن موقف مبدئي، منطلقه سياسة العودة إلى العمق التاريخي والحضاري والجغرافي لتركيا، والذي يفترض، وهذا ما حصل، إقامة أفضل العلاقات مع العالمين العربي والإسلامي، على أساس التاريخ والحضارة المشتركة وحسن الجوار، والمصالح المشتركة، والسلام العادل في الإقليم.
تونس في 25/1/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
---------------------------------------------------------
منذ تسع سنوات وضع "كلينتون الزوج" الكرة في ملعب الأسد.. والكرة الآن في ملعب "كلينتون الزوجة"السوريّون وأوباما: هل آن الأوان لـ "عامل الوقت"؟
صحيفة المستقبل اللبنانية - الخميس 29 كانون الثاني/ يناير 2009
وسام سعادة
يصعبُ الحسمُ في أمر المسار الذي ستنتهجه إدارة الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما تجاه سوريا، وإن يكن بحكم المرجّح أنه تصحّ عليه صفّة "التعرّج" أكثر من صفة "المراوحة"، وذلك قبل أن يتضح مآل هذا المسار، سواء لجهة "الإنفراج" أو لجهة "التصعيد".
المرجّح أيضاً أنّه سيكون للنظام الحاكم في سوريا، وتحديداً في أوّل عهد الرئيس أوباما، فرصة كبيرة لتحسين أو تقبيح صورته الداخلية والإقليميّة أمام الإدارة الأميركيّة.
والحال أنّ هذا النظام لن يتمكّن من تحسين صورته ما لم يدرك جديّة هذا الرهان، وما لم يتمكّن من الإحاطة بأهمية المتغيّر الأميركيّ الذي يرمز إليه أوباما، وحدود هذا المتغيّر في آن.
باختصار، على هذا النظام تقنين إصغاء مركز القرار فيه الى منظّري "الممانعة". هؤلاء يتوزّعون حالياً بين من يهنّئ نفسه بأربع سنوات من الرّاحة والهناء في ظلّ أوباما، بل يذهب إلى أنّ النظام البعثي سيكون مطلق اليدين يقتنص ما أراد ولا يسدّد ديونه السياسيّة والأمنيّة إلا بالتقسيط الممل، وبين من يندب حظّ المستضعفين في المقابل على أساس أنّ كلّ الرؤساء المتعاقبين على البيت الأبيض سواسية، وهم من صنف نمرود وفرعون، وليس فيهم من تعقد عليه آمال ولو بسيطة، كما ليس فيهم من يلاقى عند منتصف الطريق.
بيد أن النظام السوري سيخدم نفسه ومحيطه في آن لو استخرج من السنوات الماضية ما يعينه على الانتفاع فعلاً من السنوات المقبلة، لكنّه إذ ذاك عليه أن يفهم أن ثابتتين ما زالتا تحكمان رؤية الغرب كلّه، والإدارة الأميركيّة في الطليعة، للنظام السوريّ ودوره وما يطلب منه.
الثابتة الأولى: الكرة في ملعب الأسد
الثابتة الأولى سابقة على 11 أيلول. بل سابقة على بشّار الأسد رئيساً. هي تلك التي لخّصها الرئيس الأميركيّ السابق بيل كلينتون في إثر آخر قمّة جمعته مع الرئيس حافظ الأسد في جنيف (26 آذار 2000) وخرج بعدها ليقول "إنّ الكرة في ملعب الأسد"، ولا تزال الكرة في هذا الملعب سواء في ظلّ الأسد الأب أم في ظلّ الأسد الإبن، وسواء تعاقب على البيت الأبيض كلينتون أو بوش أو أوباما.
كم صحّت يومها توقّعات شمعون شيفر حين قال عشية قمّة جنيف إنّه ما لم يرشح عنها شيء فسيسود وضع بالغ السوء في المنطقة بأكملها، وبالفعل، ما بين الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من جنوب لبنان، ورحيل الأسد الأب ومجيء إبنه، وانفجار عملية السلام في الأراضي الفلسطينيّة كانت المنطقة تدخل نفقاً سيزداد ظلمة بعد 11 أيلول والدخول الأميركيّ إلى العراق.
كانت عبارة كلينتون وقتها وصيّة للقادمين من بعده. هي اليوم وصيّة لزوجته وللعالم. لكن ما الذي تعنيه عبارة "الكرة في ملعب الأسد".
هي تحمّل النظام السوريّ أولاً المسؤولية من وجهة النظر الأميركيّة عن فرط عملية التسوية في المنطقة، وهي تؤكد في الوقت نفسه أنّ لا بديل عن هذا النظام في سياق عملية التسوية. هي تؤسس لاحقاً لمرحلة كاملة من امتناع الفهم بين الجانبين السوري والأميركيّ.
وهذه العبارة تختلف عن الحكم الذي أصدره الأميركيون على الرئيس الفلسطينيّ الراحل ياسر عرفات. حمّلوه هو الآخر مسؤولية فرط عملية التسوية الفلسطينية الإسرائيليّة، لكنّهم خلصوا إلى أنّه لم يعد شريكاً في عملية السلام، واستنتجوا لاحقاً أن لا شريك من بعده. كانوا مقتعنين بأنّ ما من فلسطينيّ له شرعيّة تاريخية قادرة على الوصول إلى "وضع نهائيّ" يكفل تنازل الشعب الفلسطينيّ عن معظم فلسطين إلا عرفات، وأن بعده ما من شريك فعليّ يمكنه أن يؤمّن المستلزمات الإسرائيليّة الأساسية للتسوية (نسيان حق العودة، تقاسم الضفّة مع المستوطنين، الاكتفاء ببدعة رمزية لحلّ مسألة القدس، عدم السماح ببناء قدرات دفاعية غير اسرائيلية غرب نهر الأردن) والمستلزمات الفلسطينية الأبسط لها (شرعية الزعامة، ربط الضفّة بالقطاع، التواصل بين أراضي الدولة ومخيمات الشتات). بالتالي جرى عملياً تشجيع التيّار العدميّ الذي لا يفكّر لا بدولة موحّدة للعرب واليهود ولا بدولتين متجاورتين ولا بأي دولة من أساس، لأنّه ملتزم بعقيدة اسمها "محاربة مفهوم الدولة". هذا التيار العدميّ يراهن على تمادي الشواهد الفوتوغرافية على عدوانية العدو، وارتفاع الكلفة الإنسانية لمجازره، أملاً في استثارة ضمير ما، سواء كان ضميراً عربياً أو اسلامياً أو غربيّاً.. علماً أن "استراتيجية استصراخ الضمير الإنسانيّ" صارت مقرونة بخطابية "تدمير اسرائيل" وبتوعّد اليهود بالمحرقة الحقيقية.
الثابتة الثانية: بيكر ـ هاملتون
بخلاف ذلك، خضع التعاطي مع الأسدين، الأب والإبن، لوضعية مختلفة تماماً تلخصها عبارة "الكرة في ملعب الأسد"، وهي عبارة استكملت مدلولاتها بعد صدور تقرير بيكر ـ هاملتون 6 كانون الأول 2006. منذ هذا التاريخ ازدهرت نظريتان في التعامل مع النظام السوريّ.
النظرية الأولى أقرب إلى ما جاء في التقرير. تدعو إلى التعاطي "الواقعي" مع سوريا وايران على أساس أن تأمين مزيد من الاستقرار في العراق يمرّ من خلال منح المزيد من الاستقرار للنظامين السوريّ والإيرانيّ. بالنتيجة فإنّ السنتين الماضيتين عرفتا بداية الاستقرار في الوضع العراقيّ، ومزيداً من الاستقرار للنظامين السوريّ والإيرانيّ، في مقابل ضرب كل استقرار في لبنان والمناطق الفلسطينية.
أما النظرية الثانية، والتي لمع نجمها تحديداً مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ثم جرت محاولات لـ"تعريبها" أيضاً بأكثر من شكل، فدعت إلى "فصل" سوريا عن ايران، على أساس مزيج من الحوافز والضغوط، وبما يمكّن من رفع مستوى التفلّت السوريّ عن الإيقاع الإيرانيّ، أو يرفع من مستوى الريبة الإيرانيّة من النظام السوريّ، أو حتى بما من شأنه أن يوفّر مزيداً من الاعتدال في الموقف السوريّ لسحب الموقف الإيراني بدوره على شيء من الاعتدال.
طبعاً بقي دائماً هامش لنظرية ثالثة تدعو إلى التعامل "غير الواقعي" مع سوريا وايران، بما يمكن أن يؤدي إلى توجيه ضربات عسكرية بالتعاقب أو حتى بالتزامن، وليس معنى "عدم الواقعية" هنا امتناع حصول الأمر، وليس كل ما يجري في التاريخ واقعيّاً، بل إن معظم الحروب كانت تبدو قبل حصولها "غير واقعية" و"مستحيلة"، وصارت تبدو بعد ذلك "حتمية" ولها أسباب.
تجاه مثل هذه النظريات حافظت سوريا على سياسة واحدة في التعاطي: "البيع بالمفرّق".. ومع الاستعداد دائماً لتجزئة كل ملف إلى ما لا نهاية. العلاقات الديبلوماسية مع لبنان خير مثال. القرار 1860 يدمجها بترسيم الحدود كترتيب واحد. السياسة السورية جزّأت العلاقات نفسها إلى عدّة ملفّات، مستخدمة الحدّ الأقصى من المماطلة، ومتطلّعة الى الحدّ الأقصى من تفريغ المضمون.
لأجل ذلك، فإن التحديّ الملقى على عاتق الإدارة الأميركيّة الجديدة هو تحدّي إدخال "عامل الوقت" وأهميته إلى سياسات الشرق الأوسط. حتى الآن تبدو هذه السياسات غير مرهونة بوقت، وهو ما يسمح دائماً للسياسة السوريّة بـ"البيع بالمفرّق" وتقسيم كل سلعة معدّة للبيع إلى ما لا يتناهى من السلع الجزئية.
وإدخال "عامل الوقت" يعني في المقام الأوّل تعديل عبارة كلينتون وجعلها سؤالاً: كم سيدوم مكوث الكرة في ملعب آل الأسد؟ وهذه من أولى مهمّات هيلاري كلينتون اليوم إذا ما أرادت الالتفات إلى المنطقة بشكل صحيح.
--------------------------------------------------
تسعيرة صوت الناخب العراقي ترتفع الي مائة دولار ومصادرة صناديق اقتراع معدة للت
زوير في النجفنواب يشككون في قدرة 800 مراقب أجنبي لرصد الانتخابات ومنظمات تنتقد آليات المفوضية لمنع التلاعب
بغداد ــ كريم زاير
النجف ــ عباس محمد
تزايدت تحذيرات السياسيين ومنظمات المجتمع المدني امس من احتمال حصول عمليات تزوير واسعة النطاق خلال انتخابات مجالس المحافظات العراقية السبت المقبل. وقال مرشحون ان المراقبة يجب ان لا تقتصر علي مراكز الانتخابات الرئيسية في المدن الكبيرة في المحافظات حيث الاقضية والنواحي تتراخي فيها الرقابة كما حدث في السابق. في حين اشتدت امس بورصة شراء اصوات الناخبيين في المحافظات حيث تقدم احزاب دينية مائة دولار لكل ناخب مقابل الادلاء بصوته لمرشحيها.
وقال مسؤولون في منظمات المجتمع المدني تراقب الانتخابات ان مفوضية الانتخابات فشلت في وضع آليات لمنع التزوير خاصة اثناء نقل الصناديق الي مراكز الفرز في مراكز المحافظات. واكدوا انه لا توجد حماية كافية لاستبدال الصناديق بأخري مزورة او اتلاف صناديق اقتراع احزر فيها مرشحون غير مرغوب فيهم اغلبية كبيرة للحيلولة دون فوزهم. في حين يدلي العسكريون والسجناء لدي الجيش الامريكي البالغ عددهم 15 الف والسجناء في المعتقلات العراقية الذين يصل عددهم مائة الف اليوم. ولم تقدم المفوضية اي معلومات عن جنسية 800 مراقب دولي وصلوا بغاداد وغادر عدد منهم الي المحافظات ، وكانت الجامعة العربية قد ابدت رغبتها بإرسال مراقبين الي العراق في حال الطلب رسميا منها. من جانبه حذر النائب صالح المطلك من محاولات تزوير الانتخابات المحلية وقال ان اي محاولة لتزوير الانتخابات ستدفع الناس الي اليأس من العملية الديمقراطية والي ردة فعل شعبية قد تنتهي بعودة العنف. واتهم المتحدث باسم الكتلة الصدرية النائب احمد المسعودي امس جهات لم يسمها باعداد مخطط لاستبدال صناديق الاقتراع الاصلية في اثناء النقل بصناديق اخري معدة سلفا، مشيرا الي اكتشاف مجموعة من الصناديق التي اعدت لهذا الغرض في النجف. في وقت اكد رئيس حزب الامة العراقية النائب مثال الالوسي ضبط شاحنات محملة بصناديق اقتراع مغلقة ومؤشرة لمرشح معين. وقال المسعودي: لدينا معلومات موثقة بوجود خطة لتبديل صناديق الاقتراع الاصلية بصناديق اخري تضم اوراقا انتخابية لصالح كيانات سياسية معينة وذلك اثناء نقلها من مراكز الاقتراع الثانوية الي المراكز الرئيسة وبمساعدة الاجهزة الامنية في بعض المحافظات.
تهديد المرشحات
في وقت تواجه المرشحات الي مجالس المحافظات التمييز والتهديد في حملاتهن الانتخابية ومنعهن من تعليق ملصقاتهن الانتخابية.
وأضاف المسعودي "كما تفيد المعلومات التي لدينا بانه سيتم رشوة المسؤولين عن مراكز الاقتراع في بعض المحافظات لغض النظر عن هذه الخروقات"، لافتا بهذا المجال الي اكتشاف عدد من صناديق الاقتراع المزيفة في محافظة النجف مؤخرا معدة لهذا الغرض، "الا انه تم التكتم علي الأمر". وطالب بأن يتم نقل صناديق الاقتراع بإشراف مباشر من قبل مفوضية الانتخابات والأمم المتحدة وبحراسة أمنية غير مسيسة لان الأجهزة الأمنية في بعض المحافظات تابعة لأحزاب مشاركة في الانتخابات، مشيرا الي أنه اخبر الأمم المتحدة بهذه المخاوف وطلب منها الاشراف المباشر علي العملية.
من جانبه، استبعد رئيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات فرج الحيدري وقوع عمليات تزوير في الانتخابات البلدية المقبلة، مؤكدا ان المفوضية اتخذت جميع التدابير التي من شأنها الحد من عمليات التزوير، ومن بينها نقل صناديق الاقتراع من قبل المفوضية بحراسة الأجهزة الأمنية وبدعم من القوات متعددة الجنسية. ولفت الي أنه من حق مراقبي الكيانات السياسية متابعة عملية نقل الصناديق أولاً بأول.
وتقول جومانا مال الله المرشحة علي لائحة "المؤتمر الوطني العراقي" بزعامة احمد الجلبي في مدينة كربلاء، "ليست هناك صور للمرشحات في الملصقات. لقد منعها الرجال لان لديهم السلطة لفعل ذلك".
اما هناء كاظم المرشحة ضمن لائحة "المدرسات العراقيات" في مدينة الديوانية، فتؤكد انها تقدمت بشكوي لفرع المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بسبب تمزيق ملصقات تحمل صور لمرشحات. من جهتها، تقول طبيبة الاطفال مها البديري المرشحة ضمن لائحة "مدنيون" (يسار) في الديوانية ان هذا "النوع من الافعال يحدث مع عدد من المرشحات". وفي بعض المناطق، فضلت بعض المرشحات عدم نشر صورهن. وتقول بان السامرائي مرشحة ضمن "القائمة الوطنية العراقية" في سامراء "الناس في هذه المدينة محافظون جدا ولم انشر صورتي تجبنا للتجريح". ويفرض القانون الانتخابي في العراق علي الاحزاب ان تتضمن لوائحها 25 بالمئة من النساء. وهناك 3912 امراة من اصل 14431 مرشحا يتنافسون علي 440 مقعدا في 14 من اصل 18 محافظة. بدورها، تقول بتول نايف المرشحة علي احدي لوائح العرب في بغداد ان "نسبة 25 بالمئة ليست كافية لتمثيل النساء فالمجتمع لا يشجع النساء علي الانخراط ويعتبرهن ضعيفات". وبالاضافة الي ذلك، هناك تهديدات المتطرفين وتقول سهي جار الله بهذا الشأن انها تلقت تهديدا بالقتل لانها ترأس منظمة غير حكومية "منتدي النساء العراقيات" حيث تعمل علي تدريب المرشحات الي الانتخابات. وتنتقد العراقيات اللواتي "يتخلين عن حقوقهن بسبب التقاليد والعادات والتربية بالاضافة الي فقدان الشخصية القوية". وتضيف انها اصبحت تعمل بسرية تامة بعد تلقيها التهديد. وتؤكد منظمة "هيومان راتيس ووتش" ان "العنف ضد المرأة ما يزال مشكلة جدية في العراق وخصوصا للنساء اللواتي يعملن في السياسة والموظفات والصحافيات والناشطات في الدفاع عن حقوق المراة". وفي هذا السياق، تقول وحيدة الجميلي من لائحة "مشروع التجمع العراقي الوطني" انها كانت في طريقها الي منزلها العام 2006 " فأطلق عناصر من القاعدة النار علي من دون ان يصيبوا هدفهم. وبما انني اؤمن بما اقوم به فقد استمريت في نشاطي السياسي بشكل خفي".
واصيبت عائلتها بالهلع فرجتها الانسحاب لكنها رفضت، وتقول انها لم تتلق اي تهديد "حتي الآن" في هذه الانتخابات.
وتتابع الجميلي "قبل الاجتياح العام 2003، كان الرجال والنساء اكثر مساواة من الوقت الحالي. كانت النساء أكثر حرية في اختيار المهنة او التحرك. اما اليوم فإن العوائق باتت متعددة بسبب الاحزاب الدينية".
وتؤكد هيفاء السامرائي خوفها من "الاغتيال او الخطف منذ بدأت حملتي الانتخابية" في سامراء.
يذكر ان مسلحين اقدموا في 18 الشهر الماضي علي ذبح نهلة حسين، احدي المسؤولات في الحزب الشيوعي الكردستاني في كركوك.
بدورها، تقول بيداء عابد المرشحة عن الحزب الشيوعي في الناصرية ان "دخول النساء المعترك السياسي يشكل تحديا لمن يريد قمعهن".
في هذه الاثناء وصل امس 800 مراقب دولي الي العراق للاشراف علي ادلاء 15 مليون ناخب عراقي بأصواتهم في 14 محافظة حسب مفوضية الانتخابات، وتم نقل بعضهم الي المحافظات.
وقال مرشحون وسياسيون ان هذا العدد من المراقبين الدوليين لا يكفي لتغطية آلاف مراكز الاقتراع المنتشرة في 14 محافظة تجري فيها الانتخابات.
كما تشككوا في استقلالية 22 ألف مراقب علي سيشرفون علي الانتخابات.
وقالوا ان اغلبهم ينتمون الي الاحزاب المشاركة في الانتخابات في حين احرق مسلحون امس اول مركز للاقتراع في الفلوجة قبل الانتخابات باسبوع.
رئيس قائمة الحدباء: هدفنا إنهاء سيطرة الحزبين الكرديين علي نينوي البارزاني يبلغ زعماء شمّر: نرفض استدراجنا في الموصل الموصل - أربيل - الزمانيختصر اثيل النجيفي المرشح الي انتخابات مجلس الموصل حملته بضرورة انهاء سيطرة الحزبين الكرديين الرئيسيين علي ثاني مدن العراق وذلك في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية. في حين جدد رئيس اقليم كردستان مسعودالبارزاني امس رفضه تشكيل مجالس الاسناد المدعومة من رئيس الوزراء نوري المالكي في اقليم كردستان وقال خلال لقاء عقده مع زعماء شمر: نحن ايدنا مجالس الصحوات لانهم قاموا بعمل جيد ومشرف ولكن لن نقبل بتشكيل مجالس الاسناد وبالاخص في اقليم كردستان العراق. وقال: ارادوا استدارجنا الي معركة قومية في الموصل والحكومات السابقة جميعها قامت باستدارج الكرد الي معركة قومية ولكن كل هذه المحاولات لم تنجح وستبقي الاخوة الكردية العربية اخوة قوية.كما اكد رئيس اقليم كردستان ضرورة تشكيل جيش مثقف للعراق واضاف: نحن مع جيش قوي ومجهز ولكن في نفس الوقت ان يكون الجيش العراقي الجديد في العراق الجديد بثقافة جديدة ولايكون جيش الانقلابات ويضطهد شعبه وان يعاد بناؤه وفق الدستور وتثقيفه بثقافة جديدة وان لايتدخل في السياسة الداخلية والخلافات الموجودة بين الاحزاب.وتطرق البارزاني ايضا الي العقود النفطية التي وقعتها حكومة اقليم كردستان العراق مع الشركات الاجنبية، مؤكدا قانونية هذه العقود وقال : العقود التي وقعناها هي دستورية وجاءت وفق الدستور. وقال اثيل النجيفي، زعيم لائحة "الحدباء" المقربة من المالكي ان "الاكراد يبقون علي التوتر قائما من اجل خدمة مصالحهم وارغب في وضع حد لذلك". وتجمع اللائحة ما لا يقل عن 15 حزبا وتتمتع بدعم كبري عشائر العرب السنة في محافظة نينوي. ويحتل الموقف من الاكراد صلب القضية. ويصف معارضون المحافظ الحالي المنتهية ولايته دريد كشمولة بانه "ألعوبة" في يد الاكراد. ويضيف النجيفي الذي يملك اكبر اسطبلات العراق مع 400 راس خيل عربي اصيل "في العام 2003، دخل الامريكيون الموصل وتبعهم الاكراد الذين لم يكفوا منذ ذلك الحين عن اثارة التوتر وزعزعة الاستقرار. فاحزابهم تتولي حماية من يرتكب الانتهاكات والتجاوزات".ويتابع ردا علي سؤال "بين القاعدة والمسلحين والاكراد، من الصعب جدا معرفة المسؤول عن الهجمات" شبه اليومية في الموصل). وفي شوارع الموصل، يتداول الجميع في "المسألة الكردية" ويقول طالب يرفض الكشف عن اسمه لدواع امنية "لا اثق مطلقا بقوات البيشمركة (الملشيات الكردية)". ويضيف "انهم ليسوا من الموصل ويجب ان يحل الجيش العراقي مكانهم". وفي الواقع، يتحاشي البيشمركة الظهور لكن الالتباس ناجم عن انتشار "لواء عسكري كردي الي جانب لواءين من بغداد والانبار ضمن قطعات الجيش العراقي يتلقون اوامرهم من القيادة العسكرية في بغداد"، وفقا لكشمولة.وفي القاعدة الامريكية في وسط الموصل، يتمركز الجنرال روبرت براون المكلف الاشراف علي العمليات في شمال العراق، وسبق له ان كان في الموصل ابان الانتخابات السابقة.ويقول "ان القوي الامنية متوازنة حاليا بشكل يعكس واقع المجتمع ويوجد غير الاكراد في القوات المنتشرة في الموصل". وقد قاطع معظم العرب السنة انتخابات العام 2005 في الموصل كما فعلوا في محافظات اخري وكانت النتيجة سيطرة الموالين للاكراد علي 31 من اصل 41 مقعدا في مجلس المحافظة.ويضيف الجنرال براون "كان هناك غياب حقيقي في مستوي التمثيل فالحكومة معتبرة انها مقربة كثيرا من الاكراد ولم تفعل ما كان يتوقعه الناس منها".وتشكل "المسألة الكردية" في الموصل احدي نقاط الخلاف بين رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني ورئيس الوزراء نوري المالكي.وتراشق الرجلان خلال الاسبوع الحالي التهم بـ"الدكتاتورية" و"الانفصال".ويدعو المالكي الي حكومة اتحادية قوية مطالبا الاكراد باحترام الدستور بينما يسعي بالبارزاني الي الحفاظ علي استقلالية منطقته كا انه لا يخفي المطالبة بضم كركوك وعددمن اقضية الموصا وديالي االاقليم .واكد البارزاني خلال لقاءه شيوخ شمر علي العلاقة التاريخية بين القبائل الكردية وقبيلة الشمرالعربية في العراق، مؤكدا ان هذه العلاقات قديمة وعريقة جدا وتعود الي العهود السابقة. كما اشاد البارزاني بدور عشيرة الشمر في العراق في مناهضة عمليات التعريب التي تعرضت لها كردستان في عهد النظام الدكتاتوري السابق وقال البارزاني: نحن نتذكر جيدا مواقف قبيلة الشمر عندما رفضوا المشاركة في عملية التعريب في غصب اراضي الكرد وحتي رفضوا حمل السلاح ضد الكرد. واضاف: انا لدي معلومات اكيدة ان الحكومة العراقية السابقة عرضت كل سهل سميل وشيخان علي عشيرة الشمر مقابل المشاركة في حملة التعريب لكن عشيرة الشمر رفضت وقالت انها ارض الكرد.واكد البارزاني انه لايستطيع احد في الاساءة الي هذه العلاقة التاريخية واضاف: كلنا اخوة في هذا البلد ونسمع احيانا كثيرة تصريحات واحيانا اتهامات للجانب الكردي وهي لا اساس لها ونحن نؤكد اننا مع العراق ولكن العراق الفيدرالي.واوضح البارزاني خلال لقائه مع شيوخ قبيلة الشمر ان تجارب الشعوب كلها اثبتت ان الاتحاد الاختياري من افضل الحلول للمشكلة العراقية، مشيدا بتجربة اقليم كردستان العراق، ومؤكدا ان اي اتحاد قسري لايمكن نجاحه في العراق.كما اشار البارزاني خلال كلمته الي محاولات البعض في العراق لاستدراج الكرد والعرب الي حرب قومية في العراق. وشدد البارزاني علي ضرورة اللجوء الي لغة الحوار في معاجلة المشاكل والابتعاد عن لغة العنف والارهاب، مشددا انه لايمكن حل المشاكل من خلال اللجوء الي استخدام العنف.كما تطرق البارزاني الي مسالة تعديل الدستور العراقي واشار الي ان الدستور العراقي ليس خاليا من الخلل والنواقص، مؤكدا امكانية اجراء تعديلات فيه ولكن دون المساس بصلاحيات اي مكون في العراق واضاف: هذا الدستور يمكن ان يكون فيه خلل او نواقص ولكن لدينا دستور .وتابع حديثه قائلا: هذا الخلل يمكن ان نصلحه ولكن ما نسمعه ان الهدف من تعديل الدستور هو تقليل صلاحيات الكرد وتقليص الديمقراطية في العراق، مشددا انه لايحق لاحد في العراق التفكير في إلغاء الآخر .
--------------------------------------------------------------
الإلهيون إذا صرخوا: انتصرنا
29 كانون الثاني 2009
سعيد لحدو
لو كان للانتصارات أن تتحقق بالصراخ لما احتاج المتفيئون في ظلال قناة الجزيرة لاحتلال الكرة الأرضية برمتها أكثر من الوقت المخصص لبرنامج واحد من برامجها "الهادفة جداً" بعد اقتطاع الفواصل الإعلانية. ولكان حسن نصر الله وهنية ومشعل وإخوانهم من الميليشيات الإلهية المسلحة وقادتها الآخرون يتمخترون ملوحين من على شرفة مجرتنا درب التبانة وهم يتطلعون بصرختهم التالية لأن يتسلقوا أكتاف الفضاء مستظلين بأفياء السماء السابعة ليزفوا أخبار "انتصاراتهم"، عفواً، صرخاتهم التي جلجلت الكون ، للرب الإله المنتظر بفارغ الصبر سماع أخبار جنوده الأوفياء من الجهاديين الذين حققوا، وبمجرد الصراخ، ما عجز هو نفسه عن تحقيقه منذ أوجد الحياة.
المغفور له فيديبيدس اليوناني (وقد لا تحق له المغفرة لأنه مات جاهلياً) حارب الفرس الذين غزوا بلاده عام 490 ق. م. وانتصر عليهم، وبعد أن كتبت له السلامة في المعركة، جرى مسرعاً من موقع الانتصار إلى أثينا ليزف الخبر السعيد لأهلها قبل أن يسقط ميتاً من الإنهاك. لكن أخبار انتصارات الإلهيين تأتينا هذه الأيام بأسرع من لمح البصر وحتى قبل أن تبدأ المعركة، عبر حشود من الميكروفونات ومن شرفات الفيلات المكيفة أو صالات الفنادق الفخمة التي وفر لهم تكاليفها الباهظة بعض من "المتمنعين" رياءً وتكاذباً من بقايا العروبيين والإسلامويين وهواة الصرعات السياسية والترويح والاسترخاء الشخصي على حساب دماء الآلاف من الأبرياء من أبناء جلدتهم، ممن يفتقرون إلى لقمة خبز وقطرة ماء نظيفة، وفضاء من الحرية يتسع ولو لكلمة واحدة يختصرون فيها كل معاناتهم التي سببها لهم أبطال الصراخ خلف الميكروفونات. ولا أدري لماذا يصرخ بأعلى صوته كلما وقف أحد أولئك المتأسلمين بامتياز خلف ميكروفون حتى وهم في استديوهات الجزيرة الفائقة التطور والمستخدمة لأحدث مبتكرات التكنولوجيا إلا إذا كان لهذا السلوك علاقة بالانتصارات التي سيجري الإعلان عنها عند أول احتكاك مع العدو أو حتى بدون أي احتكاك إلا مع تخيلاتهم المتورمة بفعل ضجيج الصراخ الذي لم تسلم منه حتى شعائر الصلاة التي يفترض أن تتسم بالخشوع والسكينة والتضرع الهادئ بالنبرة الخافتة. ولقد كانت لنا تجربة مماثلة سابقة مع الزعيق والصراخ وقعقعة الميكروفونات مع الحركات والأحزاب القومجية وانتصاراتها الإذاعية في العقود الماضية مع العدو الخارجي ذاته كما مع العدو الداخلي الذي اختلف توصيفه بعض الشيء. ولعلنا بغنى عن تعداد تلك الانتصارات وما جرته على شعوبها من كوارث ومخازٍ وويلات.
ليس عبثاً أن يلتقي ماتبقى من شتات تلك الحركات والأحزاب القومجية العروبية وقادتها مع فلول جحافل بن لادن في غزواتهم الجديدة، ولكن هذه المرة على شعوبهم المساقة بالصراخ حيناً وبالسوط أحياناً للانتحار على صخرة "المقاومة والجهاد المقدس" مستندين بقوة إلى حرارة الدولار الإيراني ونكهة القهوة القطرية التي لاترد "مجاهداً" خائباً، فتمر تلك الغزوات سلسة عبر سورية الصامدة أبداً حتى المفاوضات المباشرة وغير المباشرة لتسفر عن قتلٍ وتدميرٍ ومآسٍ مروعة ولكن ليس في صفوف العدو. تلك هي المادة المثيرة التي تنتظرها قناة الجزيرة وأخواتها لتغذي بها برامجها الحية والميتة، مهيِّجة ملايين أخرى لتسوقها إلى المصير ذاته.
ويتداعى العرب من جديد لقمم تثير الفرقة والقرف أكثر مما تلملم الصفوف وتستجلب الأمل. ويبدأ بازار المزايدات العلنية لإعادة الإعمار، وهم الذين لم يصرفوا يوماً درهماً للبدء بإعمار حقيقي يتلخص في بناء الإنسان السوي المتعلم والمدرك والمثقف، وبالتالي القادر على المواجهة وإيجاد الحلول، أياً كانت المشاكل التي تواجهه. في حالة كهذه لن تكون قضية التحرير أصعبها وإنما قضية البناء. بناء الإنسان الحر المتمدن وعلى أسس وطنية وأخلاقية سليمة. ذلك المواطن الذي يشعر بقيمته وأهميته كإنسان أولاً وكمواطنٍ ثانياً، عوضاً عن أن يكون رقماً في قطيع هائج من الثيران التي لاتدرك وجهتها، وما عليها سوى أن تركض.
إن المليارات التي دُفعت في حرب حزب الله في لبنان 2006، والمليارات الجديدة التي وُعدَ بدفعها في حرب حماس في غزة، ناهيك عن الأرواح التي زُهقت أو "استشهدت" كما يرى إخوتنا الإلهيون بعد كل ذلك الخراب والدمار، أقول: لو أن هذه المليارات دُفعت مقدماً وأريد بها الإعمار الحقيقي، كم من المآسي والآلام كان قد تم تلافيها؟ وكم من الأرواح كانت قد حُفظتْ؟ لماذا لا تُستثار الحمية العربية ولا تظهر النخوة والشهامة والكرم إلا بعد التدمير والقتل والخراب وليس قبل ذلك؟ وكيف سيكون حال المواطن البائس والمبتلي بوكلاء الله على الأرض الذين باعوا حقوق استثمار وكالاتهم تلك في بازارات المزايدات الجهادية وغير الجهادية، وباعوا معها قضيتهم وشعبهم، واكتسبوا حصرياً حق الصراخ من وراء الميكروفونات وعلى شاشات القنوات الفضائية إياها. معلنين بكل صفاقة، وبتجرد من أية نوازع إنسانية انتصاراتهم الإلهية الموهومة. تلك الانتصارات التي لا تتطلب منهم سوى قذف بضعة صواريخ كرتونية على العدو الإسرائيلي لتفلت عفاريت غضبه من عقالها فتعبث في الأرض خراباً ودماراً. أما جنود الله الاستشهاديون أولئك من طالبي ثواب الجنة فما عليهم سوى أن يتواروا بين صفوف السكان ليعلنوا بعد انجلاء غبار المعركة أنهم لم يفقدوا سوى 48 جهادياً. وما تبقى من الثلاثين ألفاً فهم زاهدون في الجنة وملذاتها، لأن ملذات الدنيا أقرب إلى نفوسهم باعتبارها في متناول اليد. وبعد ذلك يخرج المفوَّهون منهم ليعلنوا من مخابئهم انتصارهم الإلهي ؟؟؟
هل لنا أن نقول: تباً لأي انتصار بالصراخ على حساب الإنسان وحياته التي هي أثمن مافي الوجود؟
الإلهيون إذا صرخوا: انتصرنا
29 كانون الثاني 2009
سعيد لحدو
لو كان للانتصارات أن تتحقق بالصراخ لما احتاج المتفيئون في ظلال قناة الجزيرة لاحتلال الكرة الأرضية برمتها أكثر من الوقت المخصص لبرنامج واحد من برامجها "الهادفة جداً" بعد اقتطاع الفواصل الإعلانية. ولكان حسن نصر الله وهنية ومشعل وإخوانهم من الميليشيات الإلهية المسلحة وقادتها الآخرون يتمخترون ملوحين من على شرفة مجرتنا درب التبانة وهم يتطلعون بصرختهم التالية لأن يتسلقوا أكتاف الفضاء مستظلين بأفياء السماء السابعة ليزفوا أخبار "انتصاراتهم"، عفواً، صرخاتهم التي جلجلت الكون ، للرب الإله المنتظر بفارغ الصبر سماع أخبار جنوده الأوفياء من الجهاديين الذين حققوا، وبمجرد الصراخ، ما عجز هو نفسه عن تحقيقه منذ أوجد الحياة.
المغفور له فيديبيدس اليوناني (وقد لا تحق له المغفرة لأنه مات جاهلياً) حارب الفرس الذين غزوا بلاده عام 490 ق. م. وانتصر عليهم، وبعد أن كتبت له السلامة في المعركة، جرى مسرعاً من موقع الانتصار إلى أثينا ليزف الخبر السعيد لأهلها قبل أن يسقط ميتاً من الإنهاك. لكن أخبار انتصارات الإلهيين تأتينا هذه الأيام بأسرع من لمح البصر وحتى قبل أن تبدأ المعركة، عبر حشود من الميكروفونات ومن شرفات الفيلات المكيفة أو صالات الفنادق الفخمة التي وفر لهم تكاليفها الباهظة بعض من "المتمنعين" رياءً وتكاذباً من بقايا العروبيين والإسلامويين وهواة الصرعات السياسية والترويح والاسترخاء الشخصي على حساب دماء الآلاف من الأبرياء من أبناء جلدتهم، ممن يفتقرون إلى لقمة خبز وقطرة ماء نظيفة، وفضاء من الحرية يتسع ولو لكلمة واحدة يختصرون فيها كل معاناتهم التي سببها لهم أبطال الصراخ خلف الميكروفونات. ولا أدري لماذا يصرخ بأعلى صوته كلما وقف أحد أولئك المتأسلمين بامتياز خلف ميكروفون حتى وهم في استديوهات الجزيرة الفائقة التطور والمستخدمة لأحدث مبتكرات التكنولوجيا إلا إذا كان لهذا السلوك علاقة بالانتصارات التي سيجري الإعلان عنها عند أول احتكاك مع العدو أو حتى بدون أي احتكاك إلا مع تخيلاتهم المتورمة بفعل ضجيج الصراخ الذي لم تسلم منه حتى شعائر الصلاة التي يفترض أن تتسم بالخشوع والسكينة والتضرع الهادئ بالنبرة الخافتة. ولقد كانت لنا تجربة مماثلة سابقة مع الزعيق والصراخ وقعقعة الميكروفونات مع الحركات والأحزاب القومجية وانتصاراتها الإذاعية في العقود الماضية مع العدو الخارجي ذاته كما مع العدو الداخلي الذي اختلف توصيفه بعض الشيء. ولعلنا بغنى عن تعداد تلك الانتصارات وما جرته على شعوبها من كوارث ومخازٍ وويلات.
ليس عبثاً أن يلتقي ماتبقى من شتات تلك الحركات والأحزاب القومجية العروبية وقادتها مع فلول جحافل بن لادن في غزواتهم الجديدة، ولكن هذه المرة على شعوبهم المساقة بالصراخ حيناً وبالسوط أحياناً للانتحار على صخرة "المقاومة والجهاد المقدس" مستندين بقوة إلى حرارة الدولار الإيراني ونكهة القهوة القطرية التي لاترد "مجاهداً" خائباً، فتمر تلك الغزوات سلسة عبر سورية الصامدة أبداً حتى المفاوضات المباشرة وغير المباشرة لتسفر عن قتلٍ وتدميرٍ ومآسٍ مروعة ولكن ليس في صفوف العدو. تلك هي المادة المثيرة التي تنتظرها قناة الجزيرة وأخواتها لتغذي بها برامجها الحية والميتة، مهيِّجة ملايين أخرى لتسوقها إلى المصير ذاته.
ويتداعى العرب من جديد لقمم تثير الفرقة والقرف أكثر مما تلملم الصفوف وتستجلب الأمل. ويبدأ بازار المزايدات العلنية لإعادة الإعمار، وهم الذين لم يصرفوا يوماً درهماً للبدء بإعمار حقيقي يتلخص في بناء الإنسان السوي المتعلم والمدرك والمثقف، وبالتالي القادر على المواجهة وإيجاد الحلول، أياً كانت المشاكل التي تواجهه. في حالة كهذه لن تكون قضية التحرير أصعبها وإنما قضية البناء. بناء الإنسان الحر المتمدن وعلى أسس وطنية وأخلاقية سليمة. ذلك المواطن الذي يشعر بقيمته وأهميته كإنسان أولاً وكمواطنٍ ثانياً، عوضاً عن أن يكون رقماً في قطيع هائج من الثيران التي لاتدرك وجهتها، وما عليها سوى أن تركض.
إن المليارات التي دُفعت في حرب حزب الله في لبنان 2006، والمليارات الجديدة التي وُعدَ بدفعها في حرب حماس في غزة، ناهيك عن الأرواح التي زُهقت أو "استشهدت" كما يرى إخوتنا الإلهيون بعد كل ذلك الخراب والدمار، أقول: لو أن هذه المليارات دُفعت مقدماً وأريد بها الإعمار الحقيقي، كم من المآسي والآلام كان قد تم تلافيها؟ وكم من الأرواح كانت قد حُفظتْ؟ لماذا لا تُستثار الحمية العربية ولا تظهر النخوة والشهامة والكرم إلا بعد التدمير والقتل والخراب وليس قبل ذلك؟ وكيف سيكون حال المواطن البائس والمبتلي بوكلاء الله على الأرض الذين باعوا حقوق استثمار وكالاتهم تلك في بازارات المزايدات الجهادية وغير الجهادية، وباعوا معها قضيتهم وشعبهم، واكتسبوا حصرياً حق الصراخ من وراء الميكروفونات وعلى شاشات القنوات الفضائية إياها. معلنين بكل صفاقة، وبتجرد من أية نوازع إنسانية انتصاراتهم الإلهية الموهومة. تلك الانتصارات التي لا تتطلب منهم سوى قذف بضعة صواريخ كرتونية على العدو الإسرائيلي لتفلت عفاريت غضبه من عقالها فتعبث في الأرض خراباً ودماراً. أما جنود الله الاستشهاديون أولئك من طالبي ثواب الجنة فما عليهم سوى أن يتواروا بين صفوف السكان ليعلنوا بعد انجلاء غبار المعركة أنهم لم يفقدوا سوى 48 جهادياً. وما تبقى من الثلاثين ألفاً فهم زاهدون في الجنة وملذاتها، لأن ملذات الدنيا أقرب إلى نفوسهم باعتبارها في متناول اليد. وبعد ذلك يخرج المفوَّهون منهم ليعلنوا من مخابئهم انتصارهم الإلهي ؟؟؟
هل لنا أن نقول: تباً لأي انتصار بالصراخ على حساب الإنسان وحياته التي هي أثمن مافي الوجود؟