Dienstag, 21. Oktober 2008


الافتتاحية: التغيير الديمقراطي... قضية الشعب السوري الراهنة
2008/10/15
بالرغم من مضي أكثر من خمسة وأربعين عاماً على إعلان حالة الطوارئ في سورية التي أسست للنظام الشمولي الحاكم فيها، بما فيها عهد ((محاربة الفساد)) وعهد ((التطوير والتحديث)).
وبالرغم من جملة المتغيرات العميقة في محيطنا الإقليمي والدولي، والتي مافتئت رياحها تعصف بسائر النظم والمجتمعات وتكاد تغير وجه العالم: مازالت السلطة السورية على نهجها بالتعامل مع الساحة الداخلية بوصفها موضوعاً لمعركتها الدائمة مع شعبها بعد أن حولتها إلى مجرد ملف أمني مخابراتي يرصد كل كبيرة وصغيرة من تفاصيل حياة الناس ونشاطهم، ويقع النشاط السياسي على رأس أولوياته، لتتمكن من أحكام السيطرة على حركة المجتمع وفعالياته، وإخضاعه لقوى الضبط والربط، وإسكات الأصوات المعارضة وتطويعها عبر أجهزة قمعية متعددة، ليسهل عليها توجيهه الوجهة التي تخدم تأبيد سلطتها واستمرار سياستها ضد إرادته، وبالتعارض مع مصالح الشعب والوطن.
بعد ثماني سنوات من عهد السلطة الجديدة – القديمة، لا يزال الماضي بتركته وملفاته الثقيلة يفرض نفسه وبقوة على الحياة العامة دون أن تلوح في الأفق أية بارقة أمل بحلها، بل على العكس من ذلك أخذت دائرة صنع القرار تضيق أكثر فأكثر، وتتكثف المصالح المافوية والفئوية على نحو يزيد في احتقان الشارع السوري وفي انفصاله الكامل عن السلطة، والتي تترجمها مواقف سياسية غير مسئولة تلحق أفدح الأضرار بالمصالح العليا للبلاد وتزيد من قلق ومعاناة شعبنا يوماً بعد يوم. مما يفاقم حجم الأزمة العامة ويضاعف من عمقها وشمولها. والسلطة التي طالما تغنّت بـ ((استمرارها)) و((استقرارها))، وأبدت ضروباً محمومةً في حرصها على ((الاستقرار الداخلي)) ووقوفها بحزم ضد ((التدخلات الخارجية))!... يكشف سلوكها ومواقفها وعلى نحو فاضح بأن هذا كلام حق يراد به باطل، فلقد اعتاد النظام السوري تكرار هذه الاسطوانة منذ عهد الأسد (الأب)، وأظهر حساسية بالغة تجاه مايسميه النظام((التدخل في الشؤون الداخلية)). وكان يريد من ذلك ببساطة، أن يكون مطلق اليد في الداخل دون حسيب أو رقيب. ويعزز هذا النهج من خلال استعداده الدائم للمساومات والتسويات الخارجية، فقد برع في التفاوض والمناورة وعقد الصفقات مع الخارج كوسيلة لجعل الداخل بمنأى عن التأثر بالتطورات الإقليمية والدولية الجديدة، مجنباً نفسه أية مساءلة أو مسؤولية عن ذلك. وهو الذي برع أيضا في التعاطي مع الأزمات الإقليمية والدولية واللعب على حبال التناقضات بين أطرافها للدخول على خط حلها، والتبرع ((بالمساعي الحميدة)) بما يؤمن له دعماً خارجياً يسمح بالمزيد من الاستفراد بالداخل.
ومن المفارقات التي لاتزال تحكم سياسة السلطة، إتقانها لعبة تبني الخيار وضده، وتوليف الضدين وفق مصالحها المباشرة، والتحكم في درجة الالتفاف والاستدارة وفق المعطيات الطارئة التي تسمح لها باضعاف هذا الخيار لصالح نقيضه. وكل ذلك له غاية وحيدة: تأمين بقاءها واستمرار نهبهاو تسلطهاً.
ولو صحّت ادعاءات السلطة بحرصها على الاستقرار الداخلي، فهي مدعوة الآن للاستفادة من أجواء التهدئة وتبريد نقاط التماس الساخنة التي تلف المنطقة، ولقد أمنت لها فرصا مواتية للخروج من حالة التوتر والعزلة. واغتنام مناخ التسويات الإقليمية والدولية للتصالح مع شعبها وفتح صفحة جديدة معه تبدأ بالإفراج عن المعتقلين السياسياسيين وسائر سجناء الرأي كمقدمة لإطلاق الحريات العامة، والانفتاح على مطالب الشعب، وتحصين الداخل السوري وزيادة منعته وتماسكه، وتأمين استقراره الحقيقي في مواجهة الاستحقاقات والتحديات الداهمة ولاسيما تلك المتعلقة باستعادة الجولان المحتل وتحرير أهله من الاحتلال، عبر مشروع المفاوضات مع إسرائيل الذي بدأ بشكل غير مباشر وبرعاية تركية. وهي معركة تستوجب تحضير ما يلزمها من عدة وعتاد، والتسلح بجبهة داخلية متينة وشعب موحد في ظل وحدة وطنية فعلية، فبدون ذلك يستحيل كسب المعركة أو إحراز أي نجاح أو تقدم فيها.
أما استمرار السلطة بالقول : ((إن حقوق الإنسان في سورية بخير)) وأنه ((لايوجد في السجون والمعتقلات إلا من يخالف القانون وليس من يعارض الحكومة))، وأن ((انتقاد السلطة أمر متاح بحرية وأمان ))، فهو عدا عن كونه مجافٍ للحقيقة ولا يعبر عن الواقع السوري. لكّنه يسهم أيضاً في إضعاف سورية ومنعها من خوض معاركها ومواجهة تحدياتها بكفاءة واقتدار.
* * * *

لعلّ من أبرز مظاهر العصر الحديث، ومن خلال ثورة الاتصالات والتقدم العلمي والتقني الكبير، وسيل المعلومات المتدفّق في كلّ اتجاه وعلى كافة الصعد والمستويات،أن غدت السياسة كّلاً متكاملاً لاانفصام فيه، وغدت معها السياسات الداخلية جزءاً لا يتجزأ من السياسة الخارجية إن لم نقل صورةً عنها، وتشكّل كلّ منهما انعكاساً عن الأخرى وترجمةً لها، وبات بالإمكان قراءة الأوضاع الداخلية في ضوء الخيارات السياسية الكبرى. كما أضحت المعارضة السلمية وفي إطار الدستور والقانون في معظم أنظمة العالم، حاجةً أساسيةً لايمكن تجاوزها، وحقيقة ثابتة تقف جنباً إلى جنب مع السلطة السياسية الشرعية، كما لم تعد مجرّد حق يجب أن تتمتع به الشعوب والمجتمعات، بل صارت واجباً وطنياً يجب أن يمارسه كلّ من يتمتّع بمواطنيته، وأصبحت معها كلّ سلطة حاكمة لاتعترف بهذه الحقيقة، وتعمل على إنكارها بالقمع والتغييب، وزج معارضيها في السجون، وإطلاق حملات التشويه والتخوين بحقهم، سلطةً دون سلطة الدولة وبمواجهتها، والدولة التي تحكمها ليست دولة الكل الوطني بل دولة السلطة وأعوانها ومحازبيها وحدهم، لذلك فهي تعمد باستمرار إلى تزوير إرادة الشعب وسلبه حرّيته وحقوقه من خلال مؤسساتها الشكلية ذات المضمون السلطوي، والفاقدة لصلاحياتها الشرعية والدستورية.
كما غدا الانفتاح على المجتمع وإطلاق طاقاته وتثميرها، ووضع حد ّلكل أشكال التعسف والتسلط والتمييز، والاعتراف بدور المعارضة وبأهميته وبضرورة الحوار معها: مسلّمة من مسلمات الحكم الرشيد في هذا العصر، ويشكل بحد ذاته مدخلا لابد منه للولوج إلى الحداثة في كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. إذ لم يعد من الواقعي أبداً حلّ المشكلات الاقتصادية، والتقدم بمشاريع إصلاح الإدارة والقضاء والتعليم والإعلام، وتحديث القوانين والمنظومات النافذة، وتفعيل مؤسسات الدولة وتكاملها دون إرساء أسس التعددية السياسية والفكرية، وإعلاء شأن الحياة الدستورية وسيادة القانون، وايلاء قضايا المرأة والشباب الاهتمام الأمثل. كما تسهم هذه الأرضية وعلى نحو حاسم في التصدي للأزمات الحياتية والمعيشية كافة، وايجاد الحلول المناسبة لها وتطوير مستوى الخدمات للمواطنين كافة كمدخل لاستقرار المجتمعات وازدهارها، والنجاح في تحقيق مبدأ المواطنية الكاملة والمتساوية بين جميع المواطنين بالغاء أي شكل من أشكال التمييز السياسي أو القومي أو الديني أو المناطقي، والالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكافة الاتفاقات والمواثيق الدولية ذات العلاقة.
بالإضافة إلى الأزمة الداخلية العامة والشاملة والتي أفرزتها سياسة السلطة في الداخل بمرتكزاتها السياسية ((الحزب الواحد والقائد-الحاكم الفرد)) والاقتصادية ((قرارات استنسابية عممت النهب والفساد)) وتسببت في تخريب مؤسسات الدولة وهدر الثروة والموارد الوطنية، والاجتماعية ((نشر الخوف والتمييزيين الناس على أسس فئوية وسياسية)) تشكّل سياساتها الإقليمية والدولية مصدر قلق شديد لدى غالبية الشعب السوري وتلحق الضرر بالمصالح الوطنية العليا،وتعرّض البلاد لأخطار التدخل الخارجي وتنقلها من مأزق لآخر،وتضعها في موقع تقاطع المشاريع الإقليمية والدولية وتبعدها عن محيطها العربي، مما يهدد أمنها واستقرارها ويحملها أعباءأ "لاطاقة لها لتحمّلها.كل ذلك يجعل من التغيير الوطني الديمقراطي في سوريا ضرورة وطنية تحظى بالأولوية على كل ماعداها، وخطوة إنقاذية تاريخية تستهدف عودة السيادة للشعب وتمكينه من لعب دوره، وقول كلمته بعد عقود من الإقصاء والتهميش،واستعادة حضوره ومساهمته الفاعلة في صياغة حاضره ومستقبله،ليكون قادرا"على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية وصون وحدته الوطنية،والتصدي بكفاءة لكل الإطماع الخارجية وفي مقدمتها المشاريع الأمريكية والإسرائيلية.
من هنا جاء إعلان دمشق كتتويج لنضال طويل خاضته بدأب كل قوى المجتمع السوري السياسية والاجتماعية والثقافية،وشكلت وثائقه وبياناته ونشاطاته استجابة طبيعية لحاجات سوريا،ولضرورة تاريخية للخروج من الحالة المزرية التي وصلت إليها البلاد بفعل سياسات السلطة على مختلف الصعد، وعلى رأسها تمادي السلطة وإمعانها في حرمان الشعب السوري من حقوقه الأساسية الدستورية والقانونية، كونه مصدر كل السلطات، وتشكل إرادته الأسُّ لكل تشريع وشرعية من خلال أحزابه ومثقفيه ومجتمعه المدني وبرلمانه الحر المنتخب ديمقراطيا. غيران السلطة تجاهلت الحاجات الحقيقية لسوريا، وكذلك النداء الوطني النزيه الذي وجهه إعلان دمشق للجميع من اجل الانخراط في عملية التغيير، فجاء ردها بحملات الاعتقال المتوالية وموجات التوقيف والاستدعاء والتهديد بحق المعارضين الوطنيين، وخصوصاً رموز وشخصيات إعلان دمشق وزجهم في السجون وإحالة اثني عشر منهم إلى القضاء وسط استنكار واستهجان كبير من الرأي العام داخل البلاد وخارجها، ليواجهوا تهماً أقل مايقال فيها أنها حملة افتراءات مسمومة ومفضوحة، ويعرف الجميع تهافتها وبطلانها مثلما تعرف السلطة نفسها ذلك، كإيقاظ النعرات العنصرية والمذهبية، وإنشاء جمعية بقصد تغيير كيان الدولة، وترويج الأنباء الكاذبة والنيل من هيبة الدولة... والتي تقضي بمعاقبة المتهمين بأقسى العقوبات.
إن هذه المحاكمة لمناضلي إعلان دمشق البارزين إنما هي في الحقيقة محاكمة سياسية للإعلان بل للمعارضة السورية برمّتها، بسبب المواقف السياسية التي تضمنها البيان الختامي لمجلسه الوطني الذي انعقد في 1122007، وتضمّن مساهمة جدّية ومسئولة لمعالجة الأزمات التي تتعرّض لها البلاد، كما تضمّن حلولاً عقلانية وواقعية تضع حداً لمعاناة الشعب السوري وتخرج سوريا من أجواء التوتر والعزلة، وتسعى لإصلاح الأوضاع الاقتصادية والسياسية المأزومة وما ترتب عليها من ذيول اجتماعية ومعيشية بأقل الخسائر، وتحرص على تصالحها مع أشقائها العرب وعودتها إلى حاضنتها العربية الطبيعية، والتعامل مع المجتمع الدولي من منطلق المصلحة الوطنية السورية وبما يعزز سيادتها وأمنها واستقرارها.
لقد أحيل المتهمون للقضاء بناءاً على ضبوط أمنية باطلة ومفبركة، ولم يعد سرّاً ماتعرض له هؤلاء المناضلين من ضغوط وتهديدات لإجبارهم على التوقيع عليها دون أن يعرفوا مضمونها وهو ما أدلى به جميعهم دون استثناء، ولقد أصدر قاضي الإحالة قراره الاتهامي مستنداً لضبوط جهاز أمن الدولة وقرار قاضي التحقيق الذي لم يبحث بدوره في أي من الدفوع المقدمة وخالف صراحةً المادة 204 من أصول المحاكمات الجزائية، كما خالفت النيابة قرارات محكمة النقض التي أقرّت بطلان هذه الضبوط في المئات من قراراتها، وبدلا"من أن تتصدّى لها قانوناً تبنّتها واستندت إليها في ادّعائها.
إن نظرة سريعة الى مجمل المواد 307،306،285،286، من قانون العقوبات العامة والتي لفّق بموجبها قرار الاتهام بحق المناضلين والوطنيين وأحرار سوريا،تعكس النية المسبقة والقصد المبيّت لدى السلطة في تجريم العمل السياسي المعارض،وتسخير القضاء لغايات تشوّه سمعته وتنال من مكانته عبر زجّه في معركتها المفتوحة مع مجتمعها، بغية إسكات الصوت المعارض وتجريمه،والإصرار على إبقاء سوريا مملكة للخوف والصمت دون نقد أو احتجاج أو معارضة، ونحن نجزم أن الرأي العام داخل سوريا وخارجها غير معني بمناقشة هذه المسرحية الهزلية وتفنيدها أو الرد عليها، لأنه بات مقتنعاً أن هذه الاتهامات يمكن أن توجّه بنفس الطريقة إلى أي مواطن سوري معني بالشأن العام بما فيها رجال السلطة نفسها، أمّا المتهمون بها اليوم فهم من رواد الحركة الوطنية ومن خيرة المناضلين من أجل سوريا الحرة والديمقراطية، وقاماتهم أعلى بكثير من أن تنسب لهم هذه الافتراءات المضحكة المبكية بآن معاً. إن المطالبة بحرية الشعب السوري وحقه في العيش بأمن وكرامة في ظل نظام ديمقراطي، لا يمكن أن تصدر الاّ من الشرفاء الساعين لتخليص بلدهم من عسف حكامها وتسلطهم وفسادهم، وتمكين شعبهم من الولوج إلى العصر بالتوازي مع الشعوب الناهضة والمتطورة، وهو ما يرفع عالياً من معنويات الشعب ويصون وحدته وأمنه بعد إن أوهنت عقود المعاناة المريرة نفسيّته وأوصلته إلى حافة اليأس، وإن من يناضل متبرعاً بأكثر من نصف عمره ولا يزال – كما هو حال بعض معتقلي الإعلان ومعظم أنصاره ومؤيديه- في السجون والمعتقلات في سبيل رِفعة بلاده وحرية شعبه، هو نفسه من يتفانى لصيانة السلم الأهلي وتمتين الوحدة الوطنية ورأب الصدع العميق الذي أحدثته سياسات القمع والاستبعاد والتمييز.
* * *
وإذا كان بحكم المؤكّد أن بنية السلطة ومصالحها الضيقة تشكّل العقبة الكأداء، والسدّ المنيع في مواجهة التغيير، فلقد كشفت التطورات السياسية الأخيرة ومواقف السلطة تجاهها،عمق هذه القناعة ورسوخها.ولابدّ في هذا السياق من التذكير أيضاً بأن فرصاً عديدة فوّتتها السلطة كان من شأنها أن تطوي صفحة الماضي بكل مرارته ومآسيه، وتشكل مدخلاً لإعادة صياغة الحياة العامة في سوريا على أسس دستورية وقانونية، ورافعةً حقيقيةً للإصلاح الشامل وتصحيح مسار العمل الوطني، عبر جسر الهوة العميقة مع شعبها على قاعدة مساهمة الجميع دون استثناء في صنع مستقبله وتمتّع أبنائه بذات الحقوق والواجبات وبنفس القدر من فرص المشاركة.
وإذا كانت الحاجة للتغيير حقيقةً لا يمكن إنكارها،واستحقاقاً ملحاً يطرق أبواب البلاد بقوة، فإن المضي في تجاهله والاستمرار في إضاعة الفرص، سيكلّف البلاد المزيد من المآسي. ويصبح الإصرار على مقاومته وسد منافذه أمراً ينطوي على الكثير من المجازفة، وإبحاراً بعكس اتجاه الريح. وليس من الحكمة أبداً التباطؤ في فتح أبوابه، كماليس من الاحساس بالمسؤولية الوطنية أن تصبح بلادنا بلاد الفرص الضائعة...!
بعد صدور مرسوم الحصانة، الأمن يعدم رشا في الشارع المواطنين الأعزلين معتوق وسليمان

المشيرفة /حمص:
الجمعة/17/تشرين الأول/2008 النداء: www.damdec.org

كتب مراسل النداء 17/10 :
القيام بواجب العزاء في قرية المشيرفة الحدودية كشف لمراسلنا، أن ماحدث فيها منذ أيام وبالتحديد حوالي الساعة الثامنة مساء الثلاثاء 14/10/2008 كان جريمة بحق المواطنة وحقوق الإنسان السوري بكل اميتاز، فقد قامت دورية أمنية ومن خلال مرورها الخاطف في شارع القرية برش الرصاص على المواطنين سامي معتوق وجوني سليمان وهما أعزلان وجالسان يحتسيان الشاي على صوفا بجانب حانوت والد الأخير، فقتل الإثنان وجرح مواطنان آخران مازالا في حالة الخطر.
جدير بالذكرأن الضحية الأولى (معتوق) مهتم بحقوق الإنسان لذلك ذكرته الأخبار، أما الضحية الثانية ( سليمان ) فلم يذكراسمه أحد، وحتى لم تشرإليه معظم الأخبار، علما أنه شاب في السابعة والعشرين من العمر، وهو شبه معوق نظرا لقصر قامته التي لاتتجاوز الـ 120 سم !، وكان يستفيد كالكثيرين من شباب القرية من التهريب العادي في ظل ظروف البطالة والفقر المعهودة، كما كان قد توقف عن التهريب منذ فترة بعد معاندته لشبكات الفساد الشائعة في محاولته الخلاص من استغلالها.
المثير حقوقيا في الجريمة ، هو أن جميع الجهات الرسمية امتنعت عن تسجيل ضبط بالحادثة والتحقيق فيها حتى تاريخ اليوم عصر الجمعة في 17/10، بمافي ذلك مخافر الشرطة في القرية وناحية حديدة ومدير ها وشرطة حمص التي نقلت الضحيتين إلى مستشفاها الوطني، مع أنه من المعروف أن أي شجار عادي في المناطق الحدودية والريف سرعان ما تتدخل فيه الشرطة وباقي الأجهزة لأسباب يعلمها القاصي والداني .
ــ أخيرا، فإن آثار الدم المسفوح والرصاص المرشوش على الجدران ما زالت ماثلة للعيان في القرية التي يعيش أهلها حالة مفجعة من القلق والتوتر بانتظار عدالة من حقهم أن يأملوا في القيام بأبسط أدوارها ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
14/10
علم المرصد السوري لحقوق الإنسان أن دورية أمنية سورية أطلقت النار مساء اليوم الثلاثاء 14/10/2008 على الناشط الحقوقي سامي معتوق احد نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان عندما كان يقف أمام منزله في قرية المشرفة على الحدود السورية اللبنانية بحجة ملاحقة مهربين .
جدير بالذكر ان الناشط الحقوق سامي معتوق يبلغ من العمر 31 عاما وهوخريج أدب انكليزي و ابن شقيق المحامي خليل معتوق محامي نشطاء حقوق الإنسان في سورية
إن المرصد السوري لحقوق الإنسان إذ يستنكر بشدة جريمة قتل الناشط الحقوقي سامي معتوق يحمل السلطات السورية المسؤولية الكاملة عن مقتله ويطالبها بتحقيق فوري وشفاف ومحايد وتقديم الجناة إلى المحاكمة .
14/10/2008 المرصد السوري لحقوق الإنسان
........................
أول ضحايا المرسوم 64
خاص (كلنا شركاء) : 14 /10/2008
في خطوة تعتبر تطبيقاً للمرسوم 64 الذي منح الحصانة لعناصر الشرطة وشعبة الأمن السياسي والضابطة الجمركية، أقدمت دورية أمنية يقال أنها تابعة للضابطة الجمركية على قتل الناشط الحقوقي سامي معتوق بحجة ملاحقة المهربين، والمغدور يكون ابن شقيق المحامي خليل معتوق الناشط البارز في مجال حقوق الإنسان.
وفي التفاصيل كما رواها أبناء القرية أن دورية للجمارك أقدمت في الساعة التاسعة من مساء يوم الثلاثاء وبحجة ملاحقة المهربين على قتل المغدور سامي معتوق عندما كان جالساً أمام باب منزله في قرية المشيرفة الوقعة غرب حمص على الحدود اللبنانية السورية المقابلة لمنطقة وادي خالد اللبنانية.
ويذكر أن المغدور سامي معتوق يبلغ من العمر 31 سنة ويحمل إجازة في آداب اللغة الانكليزية وله نشاطات في حقوق الإنسان. ولدى انتشار خبر مقتله ساد الوجوم والغضب كافة أهالي القرية. وتجمع الأهالي أمام منزل المغدور مطالبين السلطات بملاحقة الجناة وتقديمهم للمحاكمة لينالوا عقابهم الذي يستحقونه.
.................
* المحامي خليل معتوق: الأمن السوري أطلق النار على سامي معتوق عن بعد متر واحد
أخبار الشرق 16 /10/ 2008
دمشق - خدمة قدس برس
اتهم الناشط الحقوقي السوري المحامي خليل معتوق الأمن العسكري السوري تحديدا بالوقوف خلف إصدار قرار بإطلاق النار بشكل عشوائي على مجموعة من الشباب السوريين كانوا جالسين أمام منازلهم بالقرب من الحدود السورية ـ اللبنانية على نحو أدى لمقتل شخصين، بينهم ابن شقيقه الناشط الحقوقي سامي معتوق.

وأوضح المحامي خليل معتوق في تصريحات خاصة لـ "قدس برس" أن دورية أمنية سورية أطلقت النار مساء الثلاثاء (14/10) على الناشط الحقوقي سامي معتوق أحد نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان عندما كان يقف أمام منزله في قرية المشرفة على الحدود السورية اللبنانية بحجة ملاحقة مهربين، وقال: "لقد أطلق مجموعة من ضباط الأمن السوري الذين جاؤوا إلى القرية بشكل مفاجئ النار على الشبان الثلاثة على بعد متر واحد، فقتلت سامي وأحد أصدقائه، وقد كان بإمكانهم إلقاء القبض عليهم، لأنهم كانوا عزل ولم يبدوا أي ممانعة في التجاوب مع الضباط".
ورفض المحامي معتوق القول بأن عملية القتل كانت بقرار مسبق ومتعمد، لكنه قال: "لا أستطيع أن أقول إن عملية القتل تمت عن سابق إصرار وترصد، ولكنني أجزم بأن مقتل سامي معتوق وزميله كان أحد نتائج الخلافات بين الأجهزة العسكرية والمهربين على بعض الأمور التفصيلية، ذلك أن التهريب في هذه المناطق يتم بالتنسيق بين المهربين وأجهزة الأمن، وليس عملا بعيدا عن أعين الأمن".
ونفى معتوق أي علاقة لضخامة عدد قوات الأمن التي تحرس الحدود السورية ـ اللبنانية بمكافحة الإرهاب أو التهريب، وقال: "لا أعتقد أن تواجد القوات السورية على الحدود مع لبنان يأتي لمكافحة الإرهاب أو التهريب، ذلك أن الإرهاب غير موجود، أما التهريب، وتحديدا تهريب المازوت، فيتم بالتنسيق بين المهربين وأجهزة الأمن"، كما قال.
وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد استنكر في بيان له أرسل نسخة منه لـ "قدس برس" بشدة عملية القتل التي تعرض لها أحد نشطائه على الحدود السورية ـ اللبنانية، وحمل السلطات السورية المسؤولية الكاملة، وقال البيان: "إن المرصد السوري لحقوق الإنسان إذ يستنكر بشدة جريمة قتل الناشط الحقوقي سامي معتوق يحمل السلطات السورية المسؤولية الكاملة عن مقتله ويطالبها بتحقيق فوري وشفاف ومحايد وتقديم الجناة إلى المحاكمة".
يذكر ان الناشط الحقوق سامي معتوق يبلغ من العمر 31 عاما وهو خريج أدب انكليزي وابن شقيق المحامي خليل معتوق محامي نشطاء حقوق الإنسان في سورية.
....................
بيان بخصوص مقتل الناشط الحقوقي سامي معتوق
ذكر المرصد السوري لحقوق الانسان وأكد ذوي المغدور بأن دورية أمنية سورية اطلقت النار مساء يوم الثلاثاء 14.10.2008 على الناشط الحقوقي سامي معتوق
واردته قتيلا ، وسامي احد النشطاء العاملين في المرصد السوري لحقوق الانسان عندما كان يقف امام منزله في قرية المشرفة على الحدود السورية-اللبنانية بحجة ملاحقة المهربين .وجدير بالذكر ان الناشط سامي معتوق يبلغ من العمر 31 عاما وهو خريج كلية الاداب قسم اللغة الانكليزية وابن شقيق المحامي البارز خليل معتوق احد ابرز نشطاء حقوق الانسان والمجتمع المدني .
اننا في رابطة حقوق الانسان والمجمتع المدني اذ ندين ونستنكر بشدة جريمة قتل الناشط الحقوقي سامي معتوق ونحمّل السلطات الامنية السورية المسؤولية الكاملة عن مقتله ونطالب بفتح تحقيق فوري وشفاف وتقديم الجناة الى محاكمة عادلة.
رابطة حقوق الانسان والمجتمع المدني
16.10.2008

----------------------------------------------------
الأمن العسكري يقتل الشاب أحمد رمضان ويرمي جثته في الشارع ( ثالث ضحايا مرسوم الحماية )!

معرة النعمان :
الأثنين/20/تشرين الأول/2008 النداء: www.damdec.org

موقع الراي 20/10/2008
بتاريخ 13-10- 2008 أقدم عناصر مفرزة الأمن العسكري بمعرة النعمان على قتل الشاب أحمد رمضان رميا بالرصاص داخل مقرهم ثم قاموا برمي الجثة من فوق سور المفرزة إلى الطريق العام معلنين أنه كان يحمل حزاماً ناسفاً وهجم على المقر لتفجيره ؟
أحمد رمضان شاب عمره 26 عام متزوج وله ثلاثة أطفال ، مطلوب للأمن العسكري على خلفية إسلامية،
قبل عدة أيام أقدم عناصر الأمن على اعتقال أهله وزوجته وأجبروهم على التوقيع على تعهد بأن يساعدوا عناصر الأمن في إلقاء القبض على ولدهم قبل أن يخلوا سبيلهم
بعد عدة أيام أقدم عناصر الأمن على اعتقال زوجته بحجة أنهم تلقوا إخبارا من أحد عملائهم بأن المطلوب (زوجها ) قد جاء إلى المنزل ولم تبلغ عنه !!!
وحسب ما ذكره بعض شهود العيان جاء الشاب بنفسه (بعد معرفته بأن زوجته قد اعتقلت ) إلى مقر الجهاز الأمني ودخل من الباب الرئيسي بعد أن تحدث مع الحارس ، وبعد لحظات سُمعت أصوات طلقات نارية داخل المفرزة ؟ بعض الجوار قالوا أنه كان يحمل سلاحاً فردياً وكان تحت ثورة الغضب قد قرر الهجوم على مقر الأمن لتحرير زوجته ، البعض الآخر قال بأنه كان أعزلاً من السلاح وكان ينوي تسليم نفسه من أجل الإفراج عن زوجته ؟
شاهد آخر قال كنت أسير في الشارع المحاذي لمدرسة أبي العلاء المعري سمعت صوت عدة طلقات نارية بجهة المفرزة وبعد لحظات قذفت جثة إلى الشارع الرئيسي المحاذي لبناء المفرزة ثم طوق المكان بسرعة وتم إبعاد الناس بحجة أن الجثة مفخخة ؟
حالياً المكان مطوق من كل الجهات بعد أن تم قطع كل الطرق المؤدية إلى المقر الأمني ، وفي الشارع حالة من الصدمة والذهول من جراء الحادث ، مع إدانات صريحة لهذا السلوك الهمجي والإجرامي من قبل الأجهزة الأمنية .
بعض الناس عبروا عن قلقهم ومخاوفهم من عودة العنف إلى المدينة وخاصة أنها قد تعرضت للتنكيل والبطش في نهاية سبعينيات القرن الماضي ،
اليوم شكل الاستنفار الأمني والحواجز والعناصر المدججين بالسلاح يذكر بماض أليم وينشر الرعب بين المواطنين من استغلال الحادث من قبل الأجهزة الأمنية واستخدامه بابتزاز الناس ماديا ومعنوياً
* المصدر : مواطن من معرة النعمان
-------------------------------------------------
مدلولات جنون الإرهاب في سورية (+)
الدكتور عبدالله تركماني
التفجير الذي استهدف دمشق في 27 سبتمبر/أيلول الماضي عملية إرهابية بكل المقاييس. فما هي الرسائل التي أراد الإرهابيون إيصالها ولمن ؟ وما هي دلالاتها ؟
بغض النظر عن الجهة المخططة والمنفذة والمستفيدة وعن أغراضها، لا يمكن تجاهل أمر واقع يتمثل بقدرة الإرهابيين على الاختراق الأمني. فللمرة الثالثة، في غضون أشهر معدودة‏,‏ تشهد سورية حدثا إرهابيا‏:‏ ففي فبراير/شباط الماضي اغتيل عماد مغنية، القائد العسكري البارز في حزب الله اللبناني، في أحد أحياء دمشق المعروفة بشدة الإجراءات الأمنية فيها‏.‏ وفي أغسطس/آب الماضي أُعلن عن جريمة اغتيال المستشار الأمني للرئيس الأسد العميد محمد سليمان‏,‏ ثم جاءت حادثة التفجير الأخيرة‏.‏ الأمر الذي يثير التساؤل حول حدود الاختراق الخارجي والانكشاف الأمني الواقع بالفعل‏,‏ ويدفع إلى القول بأنّ سورية لم تعد بلد الأمان التي اشتهرت به لفترة طويلة سابقة‏,‏ ولكنها تدخل الآن إلى مرحلة خطيرة‏.
إنّ الشيء المتفق عليه، ما بين أصدقاء وخصوم النظام السوري، هو غموض السياسة السورية والتباسها‏,‏ وإرسالها إشارات متعارضة‏. فلم يحدث أن أعلنت السلطات السورية عن انتهاء التحقيقات التي أجرتها الأجهزة الأمنية السورية بشأن العمليات الإرهابية السابقة‏,‏ وظلت الأمور ومازالت في مجال توزيع الاتهامات الغامضة لأطراف غير محددة كـ " الإرهاب العابر للحدود‏ ",‏ أو " العدو التاريخي للأمة العربية‏ ",‏ وغير ذلك من اتهامات لجهات مجهولة‏. فهل يكفي القول أنّ المنفّذ " على علاقة بجماعة تتبع تنظيما تكفيريا " وأنه دخل بالسيارة التي نفّذ بها العملية " عن طريق مركز حدودي لدولة عربية مجاورة ". وهل يكفي قول صحيفة " تشرين " الرسمية أنّ سورية " أقوى من الإرهاب ". ومما يزيد الطين بلة أنه لم يحدث أن أعلنت أية جهة مسؤوليتها عن تنفيذ هذه العملية أو تلك‏.‏
وفي كل الأحوال يظل الغموض هو سيد الموقف‏,‏ سواء من الجهة الفاعلة أو من جهة الأجهزة الأمنية المسؤولة، بما يحتمل العديد من التفسيرات‏,‏ وتلك بدورها مفارقة أخرى تعكس نوعا من التلاقي غير المنطقي بين الجاني والمجني عليه‏. مما لا يستبعد وجود خلافات ما بين الأجنحة المتنفذة في السلطة السورية‏.‏ وقد يكون التفجير الانتحاري في دمشق مرتبطا بالصفحة الجديدة من العلاقات بين سورية والغرب، وقد أراد المسؤولون عن هذه العملية أن يكتبوا رسالة واضحة موجهة إلى القيادة السورية وفحواها: لا تتوهموا أنّ بإمكانكم أن تعقدوا صفقة مع الغرب على حسابنا، ولا تظنوا أنّ بمستطاعكم أن تبيعوه ضمانات بحفظ الاستقرار في لبنان والعراق وفلسطين رغما عنا. وفي الوقت نفسه إبلاغ الغرب أنّ سورية، التي لا تستطيع أن تحفظ أمنها الداخلي، ليست مؤهلة لصون الاستقرار خارج حدودها، وعليهم ألا يبالغوا في الرهان على دورها في هذا المجال، وبالتالي فهم يخطئون إذا افترضوا أنّ التعاون معها يشكل ممرا لتحقيق الأمن الإقليمي في المنطقة.
وأيا كانت هوية من يقف وراء العملية، فإنّ مدلولاتها واضحة: دمشق لم تعد المدينة الآمنة، والسلطة السورية تحصد اليوم ما زرعته على مدار السنوات الأخيرة من خلال سياسة خارجية متطرفة داعمة للإرهاب. ومن حق المواطن السوري الذي روّعته العملية الإرهابية الأخيرة في عاصمة بلده، أن يعرف من هو وراء هذا العمل الإجرامي الرهيب، تخطيطا وتمويلا وتنفيذا. ومن واجب النظام الذي يحكمه أن يقدم له الدليل القاطع على هذا، كي يعرف في المحصلة، من هو عدوه الحقيقي الذي يستهدف أمنه واستقراره وحياته. مما يستوجب ضرورة تحصين الجبهة الداخلية من خلال المزيد من الحريات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، والإسراع إلى عقد مؤتمر وطني شامل لكل أطياف الحياة الفكرية والسياسية السورية، يضع سورية على طريق أن تكون لكل مواطنيها، وأن تكون المسؤولية في مراكز الدولة تكليفا وليس تشريفا، على قاعدة الكفاءة وليس الولاء للحزب الحاكم.
ووسط هذا كله فإنّ السلطة السورية مطالبة بتحديد خياراتها الحقيقية‏:‏ الإصلاح الداخلي والسلام الإقليمي أم شعارات المواجهة والعمليات الغامضة هنا وهناك ؟‏
إنّ المنطقة العربية كلها باتت موضوعة على مائدة التفكيك وتقطيع الأوصال، والإرهاب الذي ضرب سورية هو عنوان المرحلة، ولم تعد هناك أية دولة محصنة من أعراضه. فالمنطقة في حال من الاحتقان الشديد إثر استفحال الفساد، وانتشار الفقر، وظهور جيل يشكل نصف تعداد الأمة بلا مستقبل، وفي ظل غياب كامل للمشروع الوطني والتوزيع العادل للثروات، واعتماد الحلول الأمنية فقط، وتغييب الحلول الاجتماعية والسياسية.
تونس في 5/10/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(+) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 9/10/2008.
------------------------------------------------
(+)
الدكتور عبدالله تركماني
لم يبقَ في مخازن غزة أية كمية للمخزون الشتوي من الوقود والغاز، ونفذ 94 صنفا من الأدوية و120 صنفا من المستلزمات الطبية، مما يهدد حياة العشرات من المرضى. أما الصور المخزية التي بثتها وسائل الإعلام، ويظهر فيها عشرات الفلسطينيين من حركة " فتح " يهربون من رصاص " الأخوة " في حركة " حماس " باتجاه معبر " ناحال عوز " ليلاقوا رصاص الأعداء في إسرائيل، فهي تبيّن مدى مأساوية المشهد الفلسطيني على أيدي الأخوة ـ الأعداء. مما يؤكد أنّ الأزمة ليست مجرد أزمة شرعية، وإنما هي أزمة بنى ورؤى سياسية وعلاقات وطرق عمل.
وهكذا، لا يزال المشهد الفلسطيني على حاله، فالوطن الفلسطيني الصغير منقسم على نفسه بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بل أنّ الأمور تزداد سوءا يوما بعد يوم، نتيجة تواصل الإجراءات التي تكرس هذا الانقسام بالمزيد من الاتهامات التخوينية، والاعتقالات المتبادلة، والعمل على استئصال الآخر، وكأن كل القضايا الوطنية الكبرى التي يناضل الفلسطيني من أجلها منذ أكثر من مائة عام قد تم حلها، ولم يتبقَ سوى الصراع بين حركتي " فتح " و " حماس " على الإمساك بمفاتيح السلطة والسيطرة على المستقبل الفلسطيني.
ويبدو أنّ بمقدورنا القول: إنّ وراء المشهد الفلسطيني المأساوي الراهن تقف ثقافة معينة، لدى الأخوة - الأعداء، تنطوي على قيم الإقصاء والاستبعاد والاستقطاب ورفض الآخر والاعتقاد في المطلق ورفض ما هو نسبي‏,‏ والولاء للعشائر والتنظيم والقادة على حساب المؤسسات والنظام والقانون والأهداف الوطنية العليا‏.‏ ومشكلة القوى الفاعلة والمقررة في أنها مازالت غير مدركة تماما للتراجع الخطير الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية، هذه القوى تبدو مصرة على الاستمرار بذات العقليات والعلاقات وطرق العمل، التي أسهمت في وصول القضية الوطنية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه.
وبديهي أنه ثمة عوامل خارجية، أيضا، لهذه الأزمة، ضمنها: الخلل الفادح في موازين القوى لصالح إسرائيل، والمدخلات العربية والإقليمية والدولية للقضية الفلسطينية، والطابع الإحلالي الإجلائي العنصري للمشروع الصهيوني، وحال التشتت الفلسطيني، وخضوعه لأنظمة سياسية واقتصادية مختلفة.
وفي الواقع، منذ فوزها في الانتخابات، أعطت حركة " حماس " الأولوية لفرصة الحكم السانحة على حساب المسائل الرئيسة للقضية الوطنية، ليس فقط لأنّ تكريس حكمها في قطاع غزة يؤبد حالة الانقسام الفلسطيني، ولكن أيضا لأنّ السماح باستمرارية الوضع في غزة على ما هو عليه يتطلب تهدئة شاملة مع الاحتلال الإسرائيلي، ويفجر صراعات مسلحة متكررة مع أسر وعائلات وتنظيمات فلسطينية أخرى.
إنّ ما يحتاجه الوضع الفلسطيني هو إعادة اللحمة والتفاهم والسلم الفلسطيني الداخلي، ولكن ما يحتاجه أكثر هو تقدير موضوعي ودقيق لوضع القضية الفلسطينية، وكيفية الخروج بها من استقطاب نهج تفاوضي متعثر لدى " فتح "، ورغبة في الحكم لدى " حماس " تفضي إلى التضحية بالقضية الوطنية.
أما الوجه الآخر لمأساوية المشهد أنّ سياسات النظام العربي الرسمي تجتمع على توافق ضمني بفك تدريجي للارتباط المصيري بقضية فلسطين، باعتبارها قضية تحرر وطني، أو إرسال قوات عربية إلى غزة، بكل ما ينطوي عليه من تأثيرات سلبية في العلاقات العربية - الفلسطينية، وقد يتحول التعامل مع الدول التي سترسل قواتها كدول محتلة، وبالتالي مقاومة هذه القوات.
ولعل التوجه العربي نحو إنشاء آلية عربية مشتركة لمتابعة الحوار بين الفصائل الفلسطينية، واتخاذ موقف عربي واضح إزاء أي فريق يعرقل إعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وإرسال القوات العربية لقطاع غزة في سياق عملية المصالحة الفلسطينية، في إطار مهمة المراقبة والمتابعة والتدريب والإشراف على المؤسسة الأمنية الفلسطينية، يعيد تنشيط الدور العربي الإيجابي.
ولعل أيضا خريطة الطريق المصرية، التي تهدف إلى تحقيق: تشكيل حكومة تكنوقراط انتقالية، غير فصائلية، لتسيير الأعمال تكون قادرة على رفع الحصار، ولديها مهمتان: التهيئة للانتخابات التشريعية والرئاسية المتوافق عليها من جهة، ومعالجة الملف الأمني من جهة أخرى، تفتح في المجال لإمكانية مصارحة ومصالحة فلسطينية في هذه الظروف الصعبة.
إنّ خيارات الفلسطينيين لتجاوز المشهد المأساوي الراهن باتت صعبة، إن لم يتم إيجاد حل للأزمة التي تنخر بنى العمل الفلسطيني، وخصوصا في حركتي " فتح " و " حماس "، ما يتطلب تجديد بنية الحركة الوطنية الفلسطينية، وشعاراتها وأشكال عملها، بما يتلاءم والتطورات الحاصلة. وبالتالي توليد نظام سياسي فلسطيني جديد، يأخذ بعين الاعتبار المتغيّرات التنظيمية والتحولات السياسية الحاصلة في الساحة الفلسطينية، ومآلات المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، وتحولات موازين القوى الإقليمية والدولية.
في كل الأحوال، إنّ الأزمة الفلسطينية الراهنة هي أزمة تاريخية، لذلك فإنّ حلها يحتاج إلى معطيات سياسية جديدة، وإلى تحولات نوعية. ومع ذلك فإنّ القوى الفلسطينية الفاعلة قادرة على الحد من آلام هذه المرحلة الانتقالية، وتأمين ولادة حالة فلسطينية جديدة، بأقل الخسائر الممكنة. مما يتطلب توفر الوعي والإرادة، وتوفير الترجمة العملية لذلك، بعيدا عن المزايدات المجانية، والحسابات الفصائلية الضيقة. فرغم دموية المشهد واحتقان الصدور، فإنّ الحكمة تتطلب الصبر، وعدم انحراف بوصلة المشروع الوطني الفلسطيني، بتقديم الصالح العام والمصلحة الوطنية، لأن بديل المصارحة والمصالحة والوحدة الوطنية هو التدهور ومضاعفة مأساوية المشهد الفلسطيني.
تونس في 12/10/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(+) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 16/10/2008.
--------------------------------------------------------

روسيا بين أن تدافع عن وجودها... وألاّ تنزلق إلى حربٍ باردة
نقولا الزهر
شكلت الحرب القصيرة التي جرت أخيراً بين روسيا وجيورجيا لحظة تاريخية هامة، لها تداعياتها السياسية الهامة على الوضع الدولي. معظم الاتهامات وجهت للأميركيين بأنهم كانوا خلف هذه الحرب، وذلك كخطوة أكثر عمقاً وحساسية على طريق تطويقهم روسيا عسكرياً وسياسياً. لكن بعضهم اعتبرها مغامرة ، أقدم عليها الرئيس الجيورجي بسبب الأزمة الداخلية التي تعاني منها بلاده اقتصادياً وسياسياً، فارتأى تصديرها إلى الخارج. لكن هناك من يصر على الدور الأميركي في اندلاعها، وربطَ توقيتها مع الانتخابات الرئاسية الأميركية، لحض الناخب الأميركي على تأييد المرشح الجمهوري (ماكين) في معركته مع باراك أوباما الذي يتهمه الجمهوريون بقلة الخبرة والتجربة في السياستين الخارجية والدفاعية.
لكن مهما اختلفت التحاليل، فإن الأسباب العميقة وغير المباشرة لهذه الحرب هي: 1- الاستراتيجية الأميركية المصرة على تطويق روسيا ومنعها من النهوض مجدداً. 2- العمل على تأمين خطوط نقل الطاقة من منطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى عبر الأراضي الجيورجية إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط وحرمان روسيا من الشراكة في هذه العملية، وفي المحصلة منعها من استعادة توازنها ودورها المؤثر كدولة كبرى منافسة.
-1-
ما جرى في جيورجيا هو صراع على المصالح والنفوذ بين دولتين كبريين، أو الأصح بين الدولة الأعظم التي تسلمت قيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، وهي تتعثر في مهمتها هذه وتغوص في أوحال أزماتها هنا وهناك، و دولةٍ نشأت على أنقاض الدولة السوفييتية المنهارة، لكنها بقيت تتسم بكونها دولة كبرى واسعة الأرجاء، تشكل حوالي ثلث مساحة أوراسيا(17 مليون كم2)، وغنية بثرواتها وبنيتها التحتية وقاعدتها العلمية و قدراتها العسكرية والنووية والفضائية.
لم يكن باستطاعة روسيا، في عهد يلتسين الغارق بالبؤس والفوضى، التصدي لسياسة تطويقها وقضم نفوذها في شرق أوربا؛ لكنها سرعان ما بدأت تستعيد توازنها الداخلي بعد يلتسن في عهد فلاديمير بوتين، وعادت لتأخذ دورها على المسرح الأوربي والدولي. وساعدها في ذلك أنها لا تزال تحتفظ بترسانة عسكرية ضخمة تقليدية ونووية، وتمتلك ثرواتٍٍ طبيعية كبيرة (أكبر مستودع للنفط والغاز في العالم). وقد تمكنت خلال الأعوام الثمانية الماضية من تسديد كل ديونها الخارجية، واجتذاب الكثير من الاستثمارات الأجنبية، وعادت لتحتل مكانة عالمية مرموقة في تصدير السلاح.
إن تطور روسيا الاقتصادي المتصاعد، خيب إلى حدٍ كبير توقعات الإدارة الأميركية، التي ربما اعتقدت لوهلة ما، أن هذه الروسيا المنهكة المتداعية (التي تحولت في عهد يلتسن إلى مشروع غنيمة يسيطر عليها تنانين كبار مثل خودروكوفسكي، بيروزوفسكي، وغوسينسكي...) لن تقوم لها قائمة، و لن يكون مصيرها في نهاية المطاف غير التقسيم والتفتت إلى عشراتٍ من الدويلات الإثنية. وفي الواقع فقد بدأت إمارات القلق الأميركي من تغير رياح روسيا ما بعد الشيوعية منذ أن أطيح بشكل حاسم بأمراء النهب هؤلاء.
لقد استفادت روسيا في إعادة توازنها من الارتفاع الهائل في أسعار النفط والغاز، ومن تصديرها للأسلحة والمحطات النووية لتوليد الطاقة، وقد ساعدها هذا التراكم لأن تعاود تفاعلها الاقتصادي الواسع حتى مع بعض دول أوربا الشرقية مثل بلغاريا وصربيا وكذلك مع اليونان وتركيا وقبرص ، وأخذت بعض الشركات العالمية للسيارات والآليات تبني فيها فروعا لها. وكذلك أخذت روسيا تلبي في السنوات الأخيرة الحاجات الاجتماعية والاستهلاكية والصحية لمواطنيها وتحقق لهم شيئاً من البحبوحة، كانوا يفتقدونها لفترة طويلة.
مثل هذا المسار يؤهل روسيا موضوعياً لتنحو باتجاه دولة غنية ليبرالية وديموقراطية كالدول السائدة في الغرب، و ينزع عنها هذا المسار مع الوقت ثوب الاستبداد التاريخي ؛ ويحولها إلى دولة جاذبة لمحيطها وليس طاردة له كما كان الحال في العهدين السوفييتي أو القيصري. وإن تطورها باتجاه البحبوحة الاقتصادية والحداثة والديموقراطية واحترام الحريات الدينية، يقلل إلى حدٍ كبير من الميل إلى الانقسام والانفصال لدى الأقليات الإثنية والدينية فيها. وهذا يعني إمكانية ردم الهوة التاريخية والحضارية بينها وبين أوربا، و إمكانية تشكيل (البيت الأوربي الكبير)، الذي يرى زبيجينيو بريجينسكي في كتابه (لوحة الشطرنج الكبرى) أن منعَ تشكله، هو محور الاستراتيجية الأميركية البعيدة المدى على قاعدة جيوسياسية تعتبر: "أن من يحكم أوراسيا يحكم العالم".
إن سياسة إعادة بناء روسيا القوية الموحدة لا تبدو فقط على المستويين الاقتصادي و العسكري، إنما أيضاً على المستويين الثقافي والرمزي أيضاً. فقد بذلت الإدارة الروسية الحالية كل جهدها لتوحيد الكنيسة الأرثوذوكسية (كنيسة المهجر والكنيسة الوطنية). وهي تحاول لعب كل الأوراق مهما اختلفت ألوانها، طالما هي تحيل إلى وحدة روسيا واستعادة وزنها. وهذا ما رأيناه في مأتم الكاتب الروسي المعارض الأشهر للنظام السوفييتي السابق( الكسندر سولجينتسين) صاحب كتاب أرخبيل الكولاغ، حينما وضع الحكام الروس الحاليين باقاتٍ من الورد الأحمر على نعشه. وفي المقابل عادت هذه الإدارة تحتفل منذ عدة سنوات بعيد النصر وهزيمة الفاشية على يد الجيش السوفييتي.
بطبيعة الحال، دولة روسية تحاول أن تنهض، لا يمكن أن تغبط أميركا التي تقوم استراتيجيتها على قيادة العالم وحدها، لأن مثل هذه الدولة يمكن أن تبرز كقطب منافس لها إلى جانب دول أخرى مثل أوربا والصين والهند والبرازيل... وهذا ما صرح به في السياق ذاته وزير الخارجية الروسي لافروف بعد وقف إطلاق النار في جورجيا: "على الولايات المتحدة أن تعتاد على مرحلة ما بعد هيمنتها على العالم".
-2-
لكن من جانب آخر، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار تلك الفجوة العميقة بين روسيا والولايات المتحدة، التي لا يزال حجم اقتصادها يعادل 16 ضعفاً من الاقتصاد روسي، وميزانيتها العسكرية تتفوق على الميزانية العسكرية الروسية بعشرين ضعفاً، وأكبر من الميزانيات الدفاعية للعالم كله.
لذلك ليس من الغرابة في شيء، على الرغم من أن السياسة الخارجية الروسية أخذت تنحو منحى استقلالياً بعد عهد يلتسن، أن نراها محافظة على واقعيتها بعدم السعي إلى أي صدام مع الولايات المتحدة، وتجنب أي حربٍ باردة جديدة. فأعطت هذه السياسة الأولوية للبناء الاقتصادي وإعادة التوازن الداخلي، الذي كاد أن يصل إلى حافة الانهيار الكامل في عهد يلتسن. ولقد تجنب القادة الروس مثل هذا الصدام في حالات عديدة، سواء حين قصفت قوات حلف الأطلسي العاصمة الصربية بلغراد، أو عند دخول دول البلطيق وبولونيا وتشيخيا وكل دول حلف وارسو السابق إلى حلف الأطلسي، وكذلك عند انفصال كوسوفو عن صربيا. ولم يأخذ الروس موقفاً دفاعياً حاسماً إلا عندما كانت الأمور تتعلق بأمنهم القومي الداخلي والمباشر وهذا ما شاهدناه إزاء الشيشان. وها نحن الآن نراهم يأخذونه بشكلٍ أكثر حسماً حينما صار الأمر يتعلق بجورجيا وساحل البحر الأسود، نافذتهم البحرية الوحيدة على المياه الدافئة. وقد عبر ميدفيديف عن ذلك صراحة بما سماه الخطوط الحمر التي لا تسمح روسيا بتجاوزها(هنالك مناطق تحيط بروسيا نعتبرها مناطق حماية للأمة الروسية).
بقي القادة الروس خلال الأحداث الجيورجية حريصين في تصريحاتهم على نبذ الحرب الباردة( يصرح مدفيديف: سنفعل كل ما بوسعنا لتجنب قيام حرب باردة جديدة؛ لسنا نخشى شيئاً بما فيه مثل هذه الحرب، لكن نحن بالتأكيد لا نريدها، وهذا شيء يبقى مرهوناً بشركائنا في الغرب، وإذا اختاروا المواجهة فلقد عشنا في كل الظروف). وكذلك الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين، فقد دأب على استخدام لهجة معتدلة في تصريحاته أثناء الأزمة، طالباً (من القادة الأوربيين أن ينظروا بموضوعية إلى الواقع الناشئ في جورجيا عند اتخاذ قراراتهم في اجتماع القمة الذي دعوا إليه، عارضاً استعداد روسيا الكامل للتعاون مع الاقتصاد العالمي).
من الطبيعي أن لا يركض الروس خلف حرب كانوا خاسرين فيها، وكانت أهم أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي السابق. لكن في المقابل، حين يتعلق الأمر بتطويق روسيا، وقضم ما يعتبره قادتها وقاءاتٍ دفاعية تاريخية، وعندما يصل التهديد إلى الخاصرة الرخوة في القفقاس المكتظة بعشرات الإثنيات القومية ، وحين تصل الأمور إلى الحد من حركة أسطولها في البحر الأسود، يصبح حينئذ على المحك مصير ووجود الدولة الروسية الاتحادية. وإن جورجيا بالذات لها حساسية خاصة من الناحيتين الجيو سياسية والتاريخية، فعدا عن كونها محمية لروسيا منذ عام 1763، علينا ألا ننسى دور الجيورجيين بالذات في الهرم الحاكم في الاتحاد السوفييتي السابق(ستالين، أورجينيكيدزه، بيريا، شفيرنادزه).
وإذا كان الخطاب السياسي الذي يدور الآن حول الأزمة الجيورجية يذكر بحقبة الحرب الباردة السابقة، لكن واقع الصراع الحالي ومحتواه مختلفان، فهو لا يحمل مضامينَ إيديولوجية كما كان الحال في القرن الماضي بين (عالم اشتراكي) وعالم رأسمالي، إنما هو صراع قوى ومصالح ضمن النظام الرأسمالي العالمي، وذلك بعد أن انخرطت روسيا في اقتصاد السوق والرسملة والليبرالية الاقتصادية من باب عريض. وما يجري الآن يستحضر كارل ماركس وبعض مقولاته حول طبيعة وتناقضات النظام الرأسمالي. فيبدو أن التاريخ لم ينته كما افترض فرانسيسكو فوكوياما ، والذي تراجع مبكراً عن مقولته التي أطلقها عشية انهيار ما كان يطلق عليه (النظام الاشتراكي). و ما يجري الآن ربما يجعلنا نتساءل فيما إذا كانت أميركا تبدي تخوفها من روسيا الرأسمالية أكثر من روسيا الشيوعية السوفييتية؟ وعما إذا كان هذا التخوف يدفعها لأن تستخدم كل نفوذها وإمكانياتها الهائلة لمحاصرة روسيا وتطويقها على أمل أن (يزَبْزِبَ عِنَبُها قبل أن يُحَصْرِم)؟!
-3-
ما يكتسب أهمية في الأزمة الراهنة في جيورجيا هو الموقف الأوربي. إن سياسة تطويق روسيا وزرع محيطها بالقواعد العسكرية الأطلسية، يبدو أنها مسألة مختلف عليها بين أوربا وأميركا ، وقد برز هذا جلياً في اجتماعات حلف الأطلسي قبل اندلاع الأزمة الأخيرة، حيث كان موقف أكبر دولتين أوربيتين(ألمانيا وفرنسا) بالإضافة إلى بعض الدول الأخرى، أنه "من المبكر طرح مسألة انضمام أوكرانيا وجيورجيا إلى حلف الأطلسي الذي يشكل في الوقت الراهن استفزازاً كبيراً لروسيا".
ولقد انقسم الأوربيون أخيراً بين طرف يريد إدانة جيورجيا وطرف يريد إدانة روسيا، وحتى حكومة برلسكوني اليمينية عارضت فرض أية عقوبات على روسيا في الوقت الراهن. وكذلك المستشارة الألمانية رفضت فرض مثل هذه العقوبات عليها و عارضت إبعادها عن (مجموعة الدول الثمانية). ووصل الأمر بمستشار ألمانيا السابق شرويدر لأن يوجه اللوم إلى الحكومة الجيورجية ويحملها مسؤولية ما حدث.
فقد لجأت دول الاتحاد الأوربي إلى سياسة التهدئة والحوار، وسارعت للتوصل إلى حلول وسط ، وضمن هذا الرؤية كانت رحلة الرئيس الفرنسي ساركوزي العاجلة إلى منطقة الصراع لوقف إطلاق النار. وهكذا كان موقف تركيا العضوة في حلف الأطلسي، الذي اتسم بالهدوء، ودعت لبحث الوضع الناشئ بين دول القفقاس.
وبذلت روسيا كل ما بوسعها لتوسيط موقف الأوربيين، وتجاوبت على الفور مع مساعيهم لوقف إطلاق النار وإيجاد حلول للأزمة. فلقد تبين أن دول الاتحاد الأوربي، رغم أنها لا ترغب بأن تظهرَ غير متضامنة مع موقف الولايات المتحدة، ولكن في آن لا تريد أن تكون في موقع التبعية الكاملة لها، و وقبل ذلك فهي تريد الحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع روسيا(النفط والغاز والاستثمارات). وهذه المصالح تضمنتها ردود الفعل الأميركية على الموقف الأوربي، حين صرح نائب الرئيس الأميركي (ديك تشيني) أثناء جولته على أذربيجان وجورجيا وأوكرانيا: "يجب تحرير أوربا من حاجتها للطاقة التي تستوردها من روسيا". ثم يتضح هذا التفارق بين الموقفين الأميركي والأوربي في تصريح لكوشنير وزير الخارجية الفرنسي حين يقول:" إن تواجد السفن الحربية الأميركية في البحر الأسود لا يساعد على التسوية في جورجيا". ثم تأتي تصريحات كونداليزا رايس النارية التي تطلب فيها "توحد الموقف الأوربي مع الولايات المتحدة إزاء روسيا" متهمة الأخيرة أنها "تستخدم النفط والغاز لدعم تسلطها وعدوانيتها".في الواقع لم تكن الرياح الأوربية إزاء أحداث جورجيا تجري كما تشتهي سفن الولايات المتحدة.
-4-
وفي الواقع، إن مستجدات الوضع الدولي كانت لها تداعيات سياسية على مناطق أخرى من العالم، راينا ملامحها مباشرة في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط،. أعطت هذه المستجدات روسيا قدرة أكثر على المناورة في سياستها الخارجية، وذلك خلال مساوماتها مع الولايات المتحدة حول(ايران وافغانستان وآسيا الوسطى وكوزوفو، واوكرانيا، جورجيا، وقواعد الصواريخ في بولندة وتشيخيا).
إن هذه المستجدات توفر فرصة ملائمة لنا نحن العرب، يجب اغتنامها من أجل بناء استراتيجية لتوحيد مصالحنا الاقتصادية والسياسية، وتأسيس دور عربي مؤثرعلى الساحة الإقليمية، وتخرجهم من سياسات التبعية وانعدام الوزن الذي هم فيه، ومن حال التمزق والتخلف والتبعية والاستبداد والفساد الغارقين فيها.
لقد تسرعت بعض الأوساط السياسية في العالم العربي حكومية وغير حكومية، في حكمها على واقع الأحداث الجيورجية الأخيرة، حين اعتبرتها مقدمةً لحربٍ باردة جديدة، كالتي كانت قائمة بين الاتحاد السوفييتي (الاشتراكي) والغرب (الرأسمالي) بعد الحرب العالمية الثانية في القرن الماضي.
لقد رأت بعض الأوساط الحاكمة في هذه الأحداث، أنها الفرصة الملائمة التي يمكن أن توفر مناخاً لاسترجاع سياساتٍ تخدمها كانت تمارس في النصف الثاني من القرن الماضي. وكذلك الحال كان خطاب بعض الأوساط السياسية اليسارية السلفية في العالم العربي، فقد منعهتها الصنمية الفكرية ونزعة التماثل التاريخي لديها، من التمييز بين الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا الرأسمالية الحالية، وكذلك من التفريق بين الواقع والتمنيات والمصالح الشخصية.
فعلى الرغم من تصاعد التناقضات والخلافات بين روسيا والغرب عموماً، فهنالك الكثير من المشتركات بينهما. و أما بالنسبة إلى مشتركات روسيا مع العالم العربي. فروس اليوم غيرُ سوفييت الأمس. مصالحهم ومشتركاتهم لم تعد كما كان الحال في القرن الماضي، محصورة بجناح عربي(تقدمي) ومقطوعة مع جناح عربي (رجعي). إن رؤيتهم اليوم مختلفة تماماً، إذ يرون مصالحهم موجودةً لدى كل دول المنطقة على اختلاف أشكالها بما فيها إسرائيل، وهذا كان جلياً في الأيام الأخيرة، سواء في تصريحاتهم أو خلال لقاءاتهم مع عدد من المسؤولين العرب، وبعد الحدث الجيورجي مباشرة.
---------------------------------------------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا