أفغانستان الراهنة: صناعة الحرّية أم تتويج أمراء الحرب؟
صبحي حديدي
22/08/2008
في العاصمة الأفغانية كابول، أمام نعوش الجنود الفرنسيين العشرة الذين سقطوا ضحية كمين محكم (الخسارة البشرة الأفدح للجيش الفرنسي منذ ربع قرن، والأضخم في حادثة واحدة لقوّات التحالف الغربية في أفغانستان منذ 2002)، أعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أنّ القوّات الفرنسية تتواجد هناك لكي 'تلعب دوراً في حرّية العالم'، ولأنّ 'المعركة ضدّ الإرهاب إنما تُخاض هنا'. من جانبه، لم يفوّت الرئيس الأفغاني حميد كرزاي الفرصة السانحة للغمز من قناة جارته الباكستان، فاعتبر أنّ ازدياد أعمال العنف ناجم عن عدم الإنتباه إلى الملاذ الذي يمنحه البعض للعصاة. حصيلة تتكامل، رغم تنافرها الظاهر، بين البلاغة/ الجعجعة حول حروب الحرّية بالنيابة عن العالم (وكنّا نظنّ أنّ الحرب ضدّ الإ
رهاب تُخاض في العراق أوّلاً، على يد أبناء العمّ سام!)؛ والبلاغة/ السفسطة حول سبب واحد وحيد (المناطق الحدودية الباكستانية) لاستمرار العمليات ضدّ قوّات التحالف، وكأنّ الجنود الفرنسيين سقطوا هناك، وليس على مبعدة أميال قليلة من العاصمة كابول. هي، استطراداً، حصيلة ترحيل الفشل ـ المتعاظم على أصعدة عدة، سياسية وعسكرية واقتصادية ومدنية وثقافية... ـ إلى اعتبارات أخرى لا صلة لها بما يتطوّر على الأرض من حقائق راسخة.ولكن، مَن ينتظر من ساركوزي أنّ يقول إنّ الفرنسيين سقطوا بسبب سياسة أطلسية خاطئة، بدأت على يد سلفه جاك شيراك وتفاقمت أكثر منذ أن دخل قصر الإليزيه، افترضت أنّ نشر المزيد من القوّات سوف يصنع الديمقراطية، بعد أن يفرض الأمن والإستقرار؟ الحرّية التي من أجلها ينتشر الفرنسيون في أفغانستان ليست غائبة عن الشارع الشعبي العريض والمجتمع بأسره فحسب، بل هي الغائب الأكبر عن البرلمان الأفغاني نفسه: مفخرة كوندوليزا رايس وزلماي خليلزاد ورهط المحافظين الجدد هنا وهناك في الثقافة السياسية الغربية، وليس في أمريكا وحدها. وإذا كان الطالبان و'الحزب الإسلامي'، بزعامة رئيس الوزراء الأفغاني الأسبق قلب الدين حكمتيار، قد تنازعا المسؤولية عن الكمين الذي نُصب للجنود الفرنسيين، فإنّ أمراء الحرب المسيطرين على البرلمان الأفغاني لا يختلفون البتة حول مسؤولية وأد الحريات، على قلّتها وضآلتها، بل يتفاخرون بنسبها إلى أنفسهم.آخر الوقائع الصارخة كان تجميد عضوية النائبة مالالاي جويا في البرلمان لمدّة ثلاث سنوات، المنتخَبة شرعياً عن منطقة 'فرح' رغم أنها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد. جريمة جويا أنها، منذ عام 2003 عند انعقاد مجلس الـ 'لويا جرغا' للتصديق على الدستور الجديد، لم تتوقف عن فضح أمراء الحرب الذين يعيثون في البلاد فساداً، ويحظون بدعم مزدوج من رجال كرزاي والسفارة الأمريكية. إذاعة الـ BBC أطلقت على جويا لقب 'أشجع امرأة في أفغانستان'، أمّا زملاؤها أمراء الحرب في البرلمان فقد اختاروا لها سلسلة ألقاب تتراوح بين 'الكافرة' و'الشيوعية' و'العاهرة'! وهل في وسع كرزاي أن يصغي إلى ما تقوله النائبة الموقوفة جويا، أو سواها، حول عشرات التفاصيل المرعبة في هذا الملفّ؟ ومؤخراً، في حوار مع فاروق سوليهيريا، الصحافي المقيم في السويد، قالت جويا إنّ الولايات المتحدة تريد إدامة الوضع الراهن في أفغانستان، حيث البلد ينزف ويعاني، لأنّ هذه هي أفضل الذرائع لبقاء الإحتلال الأمريكي. أكثر من هذا، إنهم لا يتورعون عن مغازلة رجال الطالبان أنفسهم، كما حدث مؤخراً حين أصدر كرزاي قراراً بتعيين الملا سلام، القائد السابق في الطالبان، محافظاً لمنطقة 'موسى قلعة'. والشارع الأفغاني الشعبي يقيم، في يقينها، درجة عالية من التماهي بين الوجود العسكري وأمراء الحرب، بدليل التظاهرات الحاشدة التي تخرج رافعة شعارات ضدّ الفريقين، على قدم المساواة.ثمّ هل ننتظر من كرزاي أن ينتبه، بدوره، إلى أكثر من ملاذ آمن يمنحه أمراء الحرب هؤلاء إلى مجموعات الطالبان، لأسباب عديدة جلية تخصّ ديمومة مؤسسة استثمارية استحقّت بالفعل لقب 'شركة الجهاد العالمية' Jihad Enterprise International، أنتجت شبكة مصالح إقتصادية ومالية واسعة النطاق، وتاجرت بالسلاح والسلع المهرّبة والمخدّرات أساساً؟ ومنذ عام 1988 كانت مجلة The Nation الأمريكية قد كشفت النقاب عن حقيقة تغاضي المخابرات المركزية الامريكية عن عمليات تهريب المخدرات في الشاحنات الأمريكية (نعم: الشاحنات الأمريكية!) التي كانت تنقل السلاح والمؤن للمجاهدين من ميناء كاراتشي إلى بيشاور. وهل نتوقع من كرزاي، حامل الجنسية الأمريكية، أن يتنبّه إلى حقيقة بسيطة مفادها أنّ تلك المؤسسة القديمة ـ الجديدة القديمة نهضت بتخطيط مباشر من الإستخبارات الأمريكية، تحت إشراف زيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي في رئاسة جيمي كارتر (الذي، للإيضاح، يقدّم المشورة اليوم إلى المرشح الديمقراطي باراك أوباما)؟ هذا الرجل كان مهندس توريط السوفييت في أفغانستان، وإطلاق تلك الصناعة الجهادية التي أعطت الطالبان والأفغان العرب وأسامة بن لادن، وتتمة المسمّيات والأسماء التي تقضّ مضجع أمريكا اليوم. وفي حوار شهير نشرته أسبوعية 'لونوفيل أوبزرفاتور' الفرنسية سنة 1998، أعترف بريجنسكي بأنّ البيت الأبيض هو الذي استدرج السوفييت ودفعهم إلى خيار التدخّل العسكري، وذلك بعد انكشاف مخططات المخابرات المركزية الأمريكية لتنظيم انقلاب عسكري في أفغانستان. وحول ما إذا كان يندم اليوم على تلك العملية، ردّ الرجل: 'أندم على ماذا؟ تلك العملية السرّية كانت فكرة ممتازة. وكانت حصيلتها استدراج الروس إلى المصيدة الأفغانية، وتريدني أن أندم عليها؟ في يوم عبور السوفييت الحدود رسمياً، كتبت مذكرة للرئيس كارتر أقول فيها ما معناه: الآن لدينا الفرصة لكي نعطي الإتحاد السوفييتي حرب فييتنام الخاصة به'. ولكن، يسأله الصحافي الفرنسي فانسان جوفير، ألا يندم أيضاً على دعم الأصولية الإسلامية وما أسفر عنه ذلك الدعم من تدريب وتسليح إرهابيي المستقبل، فيجيب بريجنسكي: 'ما هو الأكثر أهمية من وجهة تاريخ العالم، الطالبان أم سقوط الإمبراطورية السوفييتية؟ بعض الهائجين الإسلاميين، أم تحرير أوروبا الشرقية ونهاية الحرب الباردة'؟ والمرء يعود بالذاكرة إلى خريف 2001، عقب الغزو الأمريكي لأفغانستان، حين لاح أنّ عودة الموسيقى إلى شوارع كابول، ومسارعة الشبان إلى قَصّ اللحى، وتهافت أبناء القبائل على تبديل الولاءات والبنادق من صفّ إلى صفّ ومن كتف إلى كتف... كانت أبرز، وأوضح، علائم انتصار الولايات المتحدة في أولى جولات 'الحرب ضدّ الإرهاب'، كما قيل لنا. ورغم أنّ عودة الموسيقى إلى آذان الأفغان ليست بالأمر التافه بالطبع، غير أنّ المرء لا ينتظر من أمريكا أن تذهب إلى الحرب دفاعاً عن غاية ثقافية مثل هذه، فكيف بتنفيذ غزو عسكري شامل من أجل إحياء الحرّيات العامّة وإقامة نظام علماني ـ ديمقراطي هناك.ثمة، إذاً، عمل كثير كان ينتظر الولايات المتحدة، وحليفاتها بالطبع. وتلك، في عبارة أخرى، كانت بداية إعادة إنتاج ورطة الجيش الأحمر السوفييتي هناك: مستنقع حروب العصابات، وحروب الطوائف، وحروب القبائل. ذلك لأنّ أفغانستان الراهنة، أو ربما أفغانستان ما بعد حكم الطالبان، لم تكن تبدو مختلفة كثيراً عن أفغانستان ما بعد انسحاب السوفييت في عام 1989، وهي ما تزال إمارات مبعثرة قائمة على الولاءات الإثنية والقبائلية أكثر من الخطوط الإيديولوجية والتيّارات الحزبية، ولم يكن يضاهي الإضطراب السياسي الشامل سوى الفوضى العسكرية المنطوية على كلّ المخاطر.وهكذا فإنّ الأسئلة القديمة أعادت إنتاج نفسها تباعاً، وكأننا أخذنا نعيش مرحلة ما بعد انسحاب الإتحاد السوفييتي وسقوط نظام نجيب الله: أيّ أفغانستان يريد العالم بعد سقوط نظام الطالبان؟ وإذا فشلت معظم المجموعات القبائلية والإثنية في الإرتقاء إلى مستوى الحدث ومسؤولياته، فهل ستواجه البلاد مخاطر انقسام الأمر الواقع، وفق خطوط إثنية ومذهبية وقبائلية تُجهز على ما تبقّى من وحدة إجتماعية ـ سياسية في طول البلاد وعرضها؟ هل ستبادر أية قوّة إقليمية (الباكستان؟ إيران؟ روسيا؟) إلى 'لَبنَنة' أفغانستان على غرار ما فعلت سورية في لبنان؟ أو ربما 'عرقَنة' البلد، كما نقول بعد اتضاح مخاطر تقسيم العراق؟ وكيف يمكن للإنشطار السنّي ـ الشيعي أن يؤثّر على العلاقات الإيرانية ـ الباكستانية خصوصاً؟ وأين ستقف الولايات المتحدة والقوى الغربية عموماً من مسألة تقسيم واقتسام النفوذ الإقليمي بين روسيا والصين والباكستان وإيران والهند والجمهوريات الإسلامية المجاورة؟ وفي ورقة بعنوان 'الدول الماركسية ـ اللينينية الجديدة والصراع الداخلي في العالم الثالث'، كُتبت سنة 1985 بتكليف من مؤسسة Rand Corporation الأمريكية، اعتبر فرنسيس فوكوياما أنّ أفغانستان هي البؤرة الأهمّ بين جميع المراكز المناهضة للشيوعية (أو 'حركات التحرّر الوطني' كما كان يحلو له وصفها). لكنّه اعترف بأنّ البلد يتّصف بشخصية إسلامية شديدة المحافظة، 'في عالم يشهد صحوة إسلامية لا سابقة لها'. وإذا كانت صفة 'المحافظة' هذه تطبع العديد من الدول الإسلامية الحديثة، فإنّ 'قلّة قليلة من هذه الدول ما تزال على هذه الدرجة من التداخل القَبَلي والنأي عن الثقافة الحديثة'. 'حركة التحرر الوطني' تلك انتصرت بعدئذ، وسقطت كابول وسط هتافات 'المجاهدين' وغبطة ضبّاط المخابرات المركزية الأمريكية وضبّاط المخابرات الباكستانية وضبّاط الجيش الأحمر على حدّ سواء. وهكذا انطوت صفحة 14 عاماً من حرب العصابات التي أودت بحياة ما يقارب المليونين، وشرّدت سبعة ملايين داخل البلد، فضلاً عن خمسة ملايين مهاجر عاشوا على الحدود مع باكستان وإيران. آنذاك لم يكن التاريخ قد انتهى تماماً في نظر فوكوياما، ولهذا فقد كان من الطبيعي أن تكون أفغانستان بلداً إسلامياً محافظاً ومتخلفاً من جهة؛ وأن تكون 'حركة تحرر وطني' من جهة ثانية، دونما تناقض أو تعارض أو تنافر! كذلك كان طبيعياً تماماً أن يكون رجل مثل أسامة بن لادن، أو أستاذه ومعلّمه الروحي عبد الله عزام، أو سائر 'الأفغان العرب'، في عداد أبطال حركة التحرّر الوطني الذين تعتدّ بهم الولايات المتحدة، وتمتدح ما قدّموه من خدمات ضدّ الشيوعية. الأبطال هؤلاء صاروا، كما هو معلوم، أهداف الحرب الشاملة التي تشنّها الولايات المتحدة في أفغانستان، وفي العراق، وفي مشارق الأرض ومغاربها! وهذا النوع من المفارقة الأمريكية ليس جديداً ولا مفاجئاً،
ومثله امتناع فوكوياما هذه الايام عن استخدام تعبير 'حركة تحرر وطني' في وصف أفغانستان. وكيف له أن يفعل بعد أن مات التاريخ في النظرية، ثم بُعث من القبور ليمشي على قدميه في مزار الشريف وكابول وقندهار، بعيداً تماماً عن النظرية، في هيئة أشباح تخيّم بظلالها الدامية الثقيلة على خرائط الأرض التي قيل إنها هدأت واستسلمت لجبروت الإنسان الغربي الأخير، حيوان اقتصاد السوق، وحيد القرن، خاتم البشر والصراعات والنظريات والأيديولوجيات؟ وإذْ يتشدّق بالحديث عن صناعة الحرّية في أفغانستان، لعلّ من الخير للرئيس الفرنسي أنّ يتذكر صناعات أخرى: حركة الطالبان صُنعت في 'شركة الجهاد العالمية'، وانقلاب أسامة بن لادن من 'مجاهد' و'مقاتل من أجل الحرية'Freedom Fighter (حسب عبارة رونالد ريغان) إلى 'عدوّ الإنسانية رقم واحد' كان صناعة تلفيق أمريكية كلاسيكية، وليس بالموسيقى وحدها تُصنع حرّيات الأمم! ' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
22/08/2008
في العاصمة الأفغانية كابول، أمام نعوش الجنود الفرنسيين العشرة الذين سقطوا ضحية كمين محكم (الخسارة البشرة الأفدح للجيش الفرنسي منذ ربع قرن، والأضخم في حادثة واحدة لقوّات التحالف الغربية في أفغانستان منذ 2002)، أعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أنّ القوّات الفرنسية تتواجد هناك لكي 'تلعب دوراً في حرّية العالم'، ولأنّ 'المعركة ضدّ الإرهاب إنما تُخاض هنا'. من جانبه، لم يفوّت الرئيس الأفغاني حميد كرزاي الفرصة السانحة للغمز من قناة جارته الباكستان، فاعتبر أنّ ازدياد أعمال العنف ناجم عن عدم الإنتباه إلى الملاذ الذي يمنحه البعض للعصاة. حصيلة تتكامل، رغم تنافرها الظاهر، بين البلاغة/ الجعجعة حول حروب الحرّية بالنيابة عن العالم (وكنّا نظنّ أنّ الحرب ضدّ الإ
رهاب تُخاض في العراق أوّلاً، على يد أبناء العمّ سام!)؛ والبلاغة/ السفسطة حول سبب واحد وحيد (المناطق الحدودية الباكستانية) لاستمرار العمليات ضدّ قوّات التحالف، وكأنّ الجنود الفرنسيين سقطوا هناك، وليس على مبعدة أميال قليلة من العاصمة كابول. هي، استطراداً، حصيلة ترحيل الفشل ـ المتعاظم على أصعدة عدة، سياسية وعسكرية واقتصادية ومدنية وثقافية... ـ إلى اعتبارات أخرى لا صلة لها بما يتطوّر على الأرض من حقائق راسخة.ولكن، مَن ينتظر من ساركوزي أنّ يقول إنّ الفرنسيين سقطوا بسبب سياسة أطلسية خاطئة، بدأت على يد سلفه جاك شيراك وتفاقمت أكثر منذ أن دخل قصر الإليزيه، افترضت أنّ نشر المزيد من القوّات سوف يصنع الديمقراطية، بعد أن يفرض الأمن والإستقرار؟ الحرّية التي من أجلها ينتشر الفرنسيون في أفغانستان ليست غائبة عن الشارع الشعبي العريض والمجتمع بأسره فحسب، بل هي الغائب الأكبر عن البرلمان الأفغاني نفسه: مفخرة كوندوليزا رايس وزلماي خليلزاد ورهط المحافظين الجدد هنا وهناك في الثقافة السياسية الغربية، وليس في أمريكا وحدها. وإذا كان الطالبان و'الحزب الإسلامي'، بزعامة رئيس الوزراء الأفغاني الأسبق قلب الدين حكمتيار، قد تنازعا المسؤولية عن الكمين الذي نُصب للجنود الفرنسيين، فإنّ أمراء الحرب المسيطرين على البرلمان الأفغاني لا يختلفون البتة حول مسؤولية وأد الحريات، على قلّتها وضآلتها، بل يتفاخرون بنسبها إلى أنفسهم.آخر الوقائع الصارخة كان تجميد عضوية النائبة مالالاي جويا في البرلمان لمدّة ثلاث سنوات، المنتخَبة شرعياً عن منطقة 'فرح' رغم أنها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد. جريمة جويا أنها، منذ عام 2003 عند انعقاد مجلس الـ 'لويا جرغا' للتصديق على الدستور الجديد، لم تتوقف عن فضح أمراء الحرب الذين يعيثون في البلاد فساداً، ويحظون بدعم مزدوج من رجال كرزاي والسفارة الأمريكية. إذاعة الـ BBC أطلقت على جويا لقب 'أشجع امرأة في أفغانستان'، أمّا زملاؤها أمراء الحرب في البرلمان فقد اختاروا لها سلسلة ألقاب تتراوح بين 'الكافرة' و'الشيوعية' و'العاهرة'! وهل في وسع كرزاي أن يصغي إلى ما تقوله النائبة الموقوفة جويا، أو سواها، حول عشرات التفاصيل المرعبة في هذا الملفّ؟ ومؤخراً، في حوار مع فاروق سوليهيريا، الصحافي المقيم في السويد، قالت جويا إنّ الولايات المتحدة تريد إدامة الوضع الراهن في أفغانستان، حيث البلد ينزف ويعاني، لأنّ هذه هي أفضل الذرائع لبقاء الإحتلال الأمريكي. أكثر من هذا، إنهم لا يتورعون عن مغازلة رجال الطالبان أنفسهم، كما حدث مؤخراً حين أصدر كرزاي قراراً بتعيين الملا سلام، القائد السابق في الطالبان، محافظاً لمنطقة 'موسى قلعة'. والشارع الأفغاني الشعبي يقيم، في يقينها، درجة عالية من التماهي بين الوجود العسكري وأمراء الحرب، بدليل التظاهرات الحاشدة التي تخرج رافعة شعارات ضدّ الفريقين، على قدم المساواة.ثمّ هل ننتظر من كرزاي أن ينتبه، بدوره، إلى أكثر من ملاذ آمن يمنحه أمراء الحرب هؤلاء إلى مجموعات الطالبان، لأسباب عديدة جلية تخصّ ديمومة مؤسسة استثمارية استحقّت بالفعل لقب 'شركة الجهاد العالمية' Jihad Enterprise International، أنتجت شبكة مصالح إقتصادية ومالية واسعة النطاق، وتاجرت بالسلاح والسلع المهرّبة والمخدّرات أساساً؟ ومنذ عام 1988 كانت مجلة The Nation الأمريكية قد كشفت النقاب عن حقيقة تغاضي المخابرات المركزية الامريكية عن عمليات تهريب المخدرات في الشاحنات الأمريكية (نعم: الشاحنات الأمريكية!) التي كانت تنقل السلاح والمؤن للمجاهدين من ميناء كاراتشي إلى بيشاور. وهل نتوقع من كرزاي، حامل الجنسية الأمريكية، أن يتنبّه إلى حقيقة بسيطة مفادها أنّ تلك المؤسسة القديمة ـ الجديدة القديمة نهضت بتخطيط مباشر من الإستخبارات الأمريكية، تحت إشراف زيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي في رئاسة جيمي كارتر (الذي، للإيضاح، يقدّم المشورة اليوم إلى المرشح الديمقراطي باراك أوباما)؟ هذا الرجل كان مهندس توريط السوفييت في أفغانستان، وإطلاق تلك الصناعة الجهادية التي أعطت الطالبان والأفغان العرب وأسامة بن لادن، وتتمة المسمّيات والأسماء التي تقضّ مضجع أمريكا اليوم. وفي حوار شهير نشرته أسبوعية 'لونوفيل أوبزرفاتور' الفرنسية سنة 1998، أعترف بريجنسكي بأنّ البيت الأبيض هو الذي استدرج السوفييت ودفعهم إلى خيار التدخّل العسكري، وذلك بعد انكشاف مخططات المخابرات المركزية الأمريكية لتنظيم انقلاب عسكري في أفغانستان. وحول ما إذا كان يندم اليوم على تلك العملية، ردّ الرجل: 'أندم على ماذا؟ تلك العملية السرّية كانت فكرة ممتازة. وكانت حصيلتها استدراج الروس إلى المصيدة الأفغانية، وتريدني أن أندم عليها؟ في يوم عبور السوفييت الحدود رسمياً، كتبت مذكرة للرئيس كارتر أقول فيها ما معناه: الآن لدينا الفرصة لكي نعطي الإتحاد السوفييتي حرب فييتنام الخاصة به'. ولكن، يسأله الصحافي الفرنسي فانسان جوفير، ألا يندم أيضاً على دعم الأصولية الإسلامية وما أسفر عنه ذلك الدعم من تدريب وتسليح إرهابيي المستقبل، فيجيب بريجنسكي: 'ما هو الأكثر أهمية من وجهة تاريخ العالم، الطالبان أم سقوط الإمبراطورية السوفييتية؟ بعض الهائجين الإسلاميين، أم تحرير أوروبا الشرقية ونهاية الحرب الباردة'؟ والمرء يعود بالذاكرة إلى خريف 2001، عقب الغزو الأمريكي لأفغانستان، حين لاح أنّ عودة الموسيقى إلى شوارع كابول، ومسارعة الشبان إلى قَصّ اللحى، وتهافت أبناء القبائل على تبديل الولاءات والبنادق من صفّ إلى صفّ ومن كتف إلى كتف... كانت أبرز، وأوضح، علائم انتصار الولايات المتحدة في أولى جولات 'الحرب ضدّ الإرهاب'، كما قيل لنا. ورغم أنّ عودة الموسيقى إلى آذان الأفغان ليست بالأمر التافه بالطبع، غير أنّ المرء لا ينتظر من أمريكا أن تذهب إلى الحرب دفاعاً عن غاية ثقافية مثل هذه، فكيف بتنفيذ غزو عسكري شامل من أجل إحياء الحرّيات العامّة وإقامة نظام علماني ـ ديمقراطي هناك.ثمة، إذاً، عمل كثير كان ينتظر الولايات المتحدة، وحليفاتها بالطبع. وتلك، في عبارة أخرى، كانت بداية إعادة إنتاج ورطة الجيش الأحمر السوفييتي هناك: مستنقع حروب العصابات، وحروب الطوائف، وحروب القبائل. ذلك لأنّ أفغانستان الراهنة، أو ربما أفغانستان ما بعد حكم الطالبان، لم تكن تبدو مختلفة كثيراً عن أفغانستان ما بعد انسحاب السوفييت في عام 1989، وهي ما تزال إمارات مبعثرة قائمة على الولاءات الإثنية والقبائلية أكثر من الخطوط الإيديولوجية والتيّارات الحزبية، ولم يكن يضاهي الإضطراب السياسي الشامل سوى الفوضى العسكرية المنطوية على كلّ المخاطر.وهكذا فإنّ الأسئلة القديمة أعادت إنتاج نفسها تباعاً، وكأننا أخذنا نعيش مرحلة ما بعد انسحاب الإتحاد السوفييتي وسقوط نظام نجيب الله: أيّ أفغانستان يريد العالم بعد سقوط نظام الطالبان؟ وإذا فشلت معظم المجموعات القبائلية والإثنية في الإرتقاء إلى مستوى الحدث ومسؤولياته، فهل ستواجه البلاد مخاطر انقسام الأمر الواقع، وفق خطوط إثنية ومذهبية وقبائلية تُجهز على ما تبقّى من وحدة إجتماعية ـ سياسية في طول البلاد وعرضها؟ هل ستبادر أية قوّة إقليمية (الباكستان؟ إيران؟ روسيا؟) إلى 'لَبنَنة' أفغانستان على غرار ما فعلت سورية في لبنان؟ أو ربما 'عرقَنة' البلد، كما نقول بعد اتضاح مخاطر تقسيم العراق؟ وكيف يمكن للإنشطار السنّي ـ الشيعي أن يؤثّر على العلاقات الإيرانية ـ الباكستانية خصوصاً؟ وأين ستقف الولايات المتحدة والقوى الغربية عموماً من مسألة تقسيم واقتسام النفوذ الإقليمي بين روسيا والصين والباكستان وإيران والهند والجمهوريات الإسلامية المجاورة؟ وفي ورقة بعنوان 'الدول الماركسية ـ اللينينية الجديدة والصراع الداخلي في العالم الثالث'، كُتبت سنة 1985 بتكليف من مؤسسة Rand Corporation الأمريكية، اعتبر فرنسيس فوكوياما أنّ أفغانستان هي البؤرة الأهمّ بين جميع المراكز المناهضة للشيوعية (أو 'حركات التحرّر الوطني' كما كان يحلو له وصفها). لكنّه اعترف بأنّ البلد يتّصف بشخصية إسلامية شديدة المحافظة، 'في عالم يشهد صحوة إسلامية لا سابقة لها'. وإذا كانت صفة 'المحافظة' هذه تطبع العديد من الدول الإسلامية الحديثة، فإنّ 'قلّة قليلة من هذه الدول ما تزال على هذه الدرجة من التداخل القَبَلي والنأي عن الثقافة الحديثة'. 'حركة التحرر الوطني' تلك انتصرت بعدئذ، وسقطت كابول وسط هتافات 'المجاهدين' وغبطة ضبّاط المخابرات المركزية الأمريكية وضبّاط المخابرات الباكستانية وضبّاط الجيش الأحمر على حدّ سواء. وهكذا انطوت صفحة 14 عاماً من حرب العصابات التي أودت بحياة ما يقارب المليونين، وشرّدت سبعة ملايين داخل البلد، فضلاً عن خمسة ملايين مهاجر عاشوا على الحدود مع باكستان وإيران. آنذاك لم يكن التاريخ قد انتهى تماماً في نظر فوكوياما، ولهذا فقد كان من الطبيعي أن تكون أفغانستان بلداً إسلامياً محافظاً ومتخلفاً من جهة؛ وأن تكون 'حركة تحرر وطني' من جهة ثانية، دونما تناقض أو تعارض أو تنافر! كذلك كان طبيعياً تماماً أن يكون رجل مثل أسامة بن لادن، أو أستاذه ومعلّمه الروحي عبد الله عزام، أو سائر 'الأفغان العرب'، في عداد أبطال حركة التحرّر الوطني الذين تعتدّ بهم الولايات المتحدة، وتمتدح ما قدّموه من خدمات ضدّ الشيوعية. الأبطال هؤلاء صاروا، كما هو معلوم، أهداف الحرب الشاملة التي تشنّها الولايات المتحدة في أفغانستان، وفي العراق، وفي مشارق الأرض ومغاربها! وهذا النوع من المفارقة الأمريكية ليس جديداً ولا مفاجئاً،
ومثله امتناع فوكوياما هذه الايام عن استخدام تعبير 'حركة تحرر وطني' في وصف أفغانستان. وكيف له أن يفعل بعد أن مات التاريخ في النظرية، ثم بُعث من القبور ليمشي على قدميه في مزار الشريف وكابول وقندهار، بعيداً تماماً عن النظرية، في هيئة أشباح تخيّم بظلالها الدامية الثقيلة على خرائط الأرض التي قيل إنها هدأت واستسلمت لجبروت الإنسان الغربي الأخير، حيوان اقتصاد السوق، وحيد القرن، خاتم البشر والصراعات والنظريات والأيديولوجيات؟ وإذْ يتشدّق بالحديث عن صناعة الحرّية في أفغانستان، لعلّ من الخير للرئيس الفرنسي أنّ يتذكر صناعات أخرى: حركة الطالبان صُنعت في 'شركة الجهاد العالمية'، وانقلاب أسامة بن لادن من 'مجاهد' و'مقاتل من أجل الحرية'Freedom Fighter (حسب عبارة رونالد ريغان) إلى 'عدوّ الإنسانية رقم واحد' كان صناعة تلفيق أمريكية كلاسيكية، وليس بالموسيقى وحدها تُصنع حرّيات الأمم! ' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس-----------------------------------------------------


القوقاز وحدود توسع الأطلسي (+)
الدكتور عبدالله تركماني
كتبت سابقا: كانت العلاقات بين الحلف وروسيا، أكبر شريك خارج الدول الأعضاء في الحلف، من المواضيع الاستراتيجية في حاضر ومستقبل الأطلسي.. لقد رضخ زعماء الحلف في " إعلان بوخارست " للضغط الروسي، فأرجأوا قرار ضم الجمهوريتين السوفياتيتين السابقتين أوكرانيا وجورجيا إلى عضوية الحلف، وفيما يتعلق بمنظومة الدرع الصاروخية اقترح زعماء الحلف إمكانية الجمع بين منظومات الحلف وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية للدفاع المضاد للصواريخ .. وهكذا، حمل الإعلان العديد من إشارات التفاؤل، بعد عامين من أجواء الحرب الباردة التي خيمت على العالم، فلم تتمكن قمة بوخارست من متابعة خطط التوسع شرقا، لأنها اصطدمت بعقبة إجرائية من جانب روسيا (1).
ومنذ 8 أغسطس/آب الحالي يبدو أنّ حسابات الرئيس الجورجي ميخائيل ساكشفيلي قد أخطأت كثيرا في توريط بلاده بخوض حرب ضد روسيا، حيث ارتد قراره المتسرع باجتياح " أوسيتيا الجنوبية " عليه، بعد التدخل العسكري الروسي.
وفي الواقع شهدت قمة الحلف الأطلسي، منذ أواخر عام 1999، اجتماعا ضم رؤساء أذربيجان وأرمينيا وجورجيا ووزراء خارجية كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وتركيا والنرويج، بهدف مد نفوذه إلى منطقة القوقاز. واقترحت الإدارة الأمريكية وقتها إنشاء منتدى لدول القوقاز يتولى وضع سياسة أمنية مشتركة بين أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، تهتم أولا بتسوية النزاعات العرقية في المنطقة. ومنذ هذا التاريخ وعلاقة الغرب عموما وأمريكا خصوصا بالقوقاز تتنامى باستمرار، وكل هذا يتم على حساب المصالح الاستراتيجية لروسيا، التي وجدت مع مرور الأيام أنّ مجالها الحيوي شرقا يضيق ويتآكل بفعل تمدد الاتحاد الأوروبي تارة، والحلف الأطلسي تارة أخرى.
لقد ظن المتفائلون من الروس بأنّ علاقة روسيا الاتحادية مع الغرب ستشهد فجرا جديدا خاليا من تراكمات الحرب الباردة وتوتراتها، ولكنّ ذلك لم يحدث, إذ سرعان ما توسع حلف الأطلسي وتمدد وضم معظم أعضاء حلف وارسو وأظهر عدم حساسيته للمصالح الأمنية الروسية, وفوق كل ذلك نشرت الولايات المتحدة الأمريكية قواعد عسكرية تحيط بروسيا من كل ناحية, وأيد الغرب حق تقرير المصير لشعوب يوغوسلافيا، لتعزيز مكاسبه الأمنية في أوروبا، في الوقت الذي أنكر فيه حقوق أقليات أخرى تريد ممارسة الحق نفسه، لأنها مرتبطة عرقيا وثقافيا بروسيا.
لقد زحف الحلف الأطلسي شرقا حتى حدود روسيا، وحاولت روسيا، بديبلوماسية متعثرة، كبح جماح هذا التحرك، ولما فشلت وجدت في مبادرة التحدي التي اتخذها الرئيس الجيورجي الفرصة المناسبة للتصرف كما يتصرف " الدب الجريح ". فكان رد الفعل العسكري الذي يمكن قراءته على أنّ روسيا لم تعد قادرة على تحمّل المزيد من التحدي، فكان لا بد من قلب المعادلة رأسا على عقب.
وفي هذا السياق، لعل أوكرانيا ستعيد النظر في حساباتها، وهي المستعجلة جدا للانضمام إلى حلف الأطلسي. بل أنّ بولونيا، التي وافقت على نشر الصواريخ الأمريكية، ربما تعيد النظر في موقفها في ضوء قراءتها لرد الفعل الروسي.
وهكذا، لا يمكن قراءة ما جرى من مواجهة عسكرية بين جورجيا وروسيا إلا في إطار تداعيات لعبة الشطرنج الدولية، بين اللاعبين الكبيرين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، لإعادة تشكيل موازين القوى والمعادلات الجيو - استراتيجية الجديدة في فترة ما بعد الحرب الباردة، وما جورجيا في هذه اللعبة الأكبر إلا واحدة من أضعف الأحجار على رقعة الشطرنج الدولية.
إنّ العمليات العسكرية الروسية في جورجيا وضعت على المحك مسألة توسيع حلف شمال الأطلسي إلى الشرق خلال السنوات العشر الماضية، ومن شأنها أن تفتح مجددا النقاش حول المشروع الأمريكي لنشر درع صاروخية في شرق أوروبا. خاصة بعد أن فوجئ الغرب باستخدام روسيا القوة في جورجيا، بعد موافقتها - ولو بتحفظ - على توسيع الحلف الأطلسي ليشمل دولا كانت أعضاء سابقة في معاهد وارسو ودول البلطيق خلال السنوات الأخيرة.
وفي خضم المحاولات الأوروبية الغربية، خاصة ألمانيا وفرنسا، لإزالة التوتر الناشئ بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا على خلفية الحرب في جورجيا، فاجأت الإدارة الأمريكية حلفاءها بتوقيع مذكرة تفاهم مع بولندا لنشر أجزاء من الدرع الصاروخية على أراضيها، بعد الحصول على ضمانات أمنية أمريكية كبيرة لحمايتها، خاصة بعد الدرس الذي تعلمته من الرد الروسي العسكري العنيف على محاولات جورجيا تغيير قواعد اللعبة في أوسيتيا الجنوبية. وكانت مواقف دول البلطيق وبولندا وأوكرانيا من الأزمة، بالمقارنة مع الموقفين الفرنسي والألماني، لخير دليل على تطابق الأجندة الأمريكية مع دول شرق أوروبا، وهو ما يشير إلى توترات مستقبلية أكثر حدة بين الولايات المتحدة وروسيا على تركة الاتحاد السوفييتي السابق.
وهكذا، يبدو أنّ الصراع على منطقة أوسيتيا الجنوبية، جدد الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا عبر الأطلسي، وأيضا الخلافات بين الدول الأوروبية بشأن جورجيا، وقوض الثقة برئيسها الذي تدعمه الإدارة الأمريكية.
– راجع: عبدالله تركماني، صحيفة " الوقت " – 10 أبريل/نيسان 2008.
تونس في 17/8/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(+) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 21/8/2008.
الدكتور عبدالله تركماني
كتبت سابقا: كانت العلاقات بين الحلف وروسيا، أكبر شريك خارج الدول الأعضاء في الحلف، من المواضيع الاستراتيجية في حاضر ومستقبل الأطلسي.. لقد رضخ زعماء الحلف في " إعلان بوخارست " للضغط الروسي، فأرجأوا قرار ضم الجمهوريتين السوفياتيتين السابقتين أوكرانيا وجورجيا إلى عضوية الحلف، وفيما يتعلق بمنظومة الدرع الصاروخية اقترح زعماء الحلف إمكانية الجمع بين منظومات الحلف وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية للدفاع المضاد للصواريخ .. وهكذا، حمل الإعلان العديد من إشارات التفاؤل، بعد عامين من أجواء الحرب الباردة التي خيمت على العالم، فلم تتمكن قمة بوخارست من متابعة خطط التوسع شرقا، لأنها اصطدمت بعقبة إجرائية من جانب روسيا (1).
ومنذ 8 أغسطس/آب الحالي يبدو أنّ حسابات الرئيس الجورجي ميخائيل ساكشفيلي قد أخطأت كثيرا في توريط بلاده بخوض حرب ضد روسيا، حيث ارتد قراره المتسرع باجتياح " أوسيتيا الجنوبية " عليه، بعد التدخل العسكري الروسي.
وفي الواقع شهدت قمة الحلف الأطلسي، منذ أواخر عام 1999، اجتماعا ضم رؤساء أذربيجان وأرمينيا وجورجيا ووزراء خارجية كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وتركيا والنرويج، بهدف مد نفوذه إلى منطقة القوقاز. واقترحت الإدارة الأمريكية وقتها إنشاء منتدى لدول القوقاز يتولى وضع سياسة أمنية مشتركة بين أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، تهتم أولا بتسوية النزاعات العرقية في المنطقة. ومنذ هذا التاريخ وعلاقة الغرب عموما وأمريكا خصوصا بالقوقاز تتنامى باستمرار، وكل هذا يتم على حساب المصالح الاستراتيجية لروسيا، التي وجدت مع مرور الأيام أنّ مجالها الحيوي شرقا يضيق ويتآكل بفعل تمدد الاتحاد الأوروبي تارة، والحلف الأطلسي تارة أخرى.
لقد ظن المتفائلون من الروس بأنّ علاقة روسيا الاتحادية مع الغرب ستشهد فجرا جديدا خاليا من تراكمات الحرب الباردة وتوتراتها، ولكنّ ذلك لم يحدث, إذ سرعان ما توسع حلف الأطلسي وتمدد وضم معظم أعضاء حلف وارسو وأظهر عدم حساسيته للمصالح الأمنية الروسية, وفوق كل ذلك نشرت الولايات المتحدة الأمريكية قواعد عسكرية تحيط بروسيا من كل ناحية, وأيد الغرب حق تقرير المصير لشعوب يوغوسلافيا، لتعزيز مكاسبه الأمنية في أوروبا، في الوقت الذي أنكر فيه حقوق أقليات أخرى تريد ممارسة الحق نفسه، لأنها مرتبطة عرقيا وثقافيا بروسيا.
لقد زحف الحلف الأطلسي شرقا حتى حدود روسيا، وحاولت روسيا، بديبلوماسية متعثرة، كبح جماح هذا التحرك، ولما فشلت وجدت في مبادرة التحدي التي اتخذها الرئيس الجيورجي الفرصة المناسبة للتصرف كما يتصرف " الدب الجريح ". فكان رد الفعل العسكري الذي يمكن قراءته على أنّ روسيا لم تعد قادرة على تحمّل المزيد من التحدي، فكان لا بد من قلب المعادلة رأسا على عقب.
وفي هذا السياق، لعل أوكرانيا ستعيد النظر في حساباتها، وهي المستعجلة جدا للانضمام إلى حلف الأطلسي. بل أنّ بولونيا، التي وافقت على نشر الصواريخ الأمريكية، ربما تعيد النظر في موقفها في ضوء قراءتها لرد الفعل الروسي.
وهكذا، لا يمكن قراءة ما جرى من مواجهة عسكرية بين جورجيا وروسيا إلا في إطار تداعيات لعبة الشطرنج الدولية، بين اللاعبين الكبيرين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، لإعادة تشكيل موازين القوى والمعادلات الجيو - استراتيجية الجديدة في فترة ما بعد الحرب الباردة، وما جورجيا في هذه اللعبة الأكبر إلا واحدة من أضعف الأحجار على رقعة الشطرنج الدولية.
إنّ العمليات العسكرية الروسية في جورجيا وضعت على المحك مسألة توسيع حلف شمال الأطلسي إلى الشرق خلال السنوات العشر الماضية، ومن شأنها أن تفتح مجددا النقاش حول المشروع الأمريكي لنشر درع صاروخية في شرق أوروبا. خاصة بعد أن فوجئ الغرب باستخدام روسيا القوة في جورجيا، بعد موافقتها - ولو بتحفظ - على توسيع الحلف الأطلسي ليشمل دولا كانت أعضاء سابقة في معاهد وارسو ودول البلطيق خلال السنوات الأخيرة.
وفي خضم المحاولات الأوروبية الغربية، خاصة ألمانيا وفرنسا، لإزالة التوتر الناشئ بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا على خلفية الحرب في جورجيا، فاجأت الإدارة الأمريكية حلفاءها بتوقيع مذكرة تفاهم مع بولندا لنشر أجزاء من الدرع الصاروخية على أراضيها، بعد الحصول على ضمانات أمنية أمريكية كبيرة لحمايتها، خاصة بعد الدرس الذي تعلمته من الرد الروسي العسكري العنيف على محاولات جورجيا تغيير قواعد اللعبة في أوسيتيا الجنوبية. وكانت مواقف دول البلطيق وبولندا وأوكرانيا من الأزمة، بالمقارنة مع الموقفين الفرنسي والألماني، لخير دليل على تطابق الأجندة الأمريكية مع دول شرق أوروبا، وهو ما يشير إلى توترات مستقبلية أكثر حدة بين الولايات المتحدة وروسيا على تركة الاتحاد السوفييتي السابق.
وهكذا، يبدو أنّ الصراع على منطقة أوسيتيا الجنوبية، جدد الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا عبر الأطلسي، وأيضا الخلافات بين الدول الأوروبية بشأن جورجيا، وقوض الثقة برئيسها الذي تدعمه الإدارة الأمريكية.
– راجع: عبدالله تركماني، صحيفة " الوقت " – 10 أبريل/نيسان 2008.
تونس في 17/8/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(+) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 21/8/2008.
--------------------------------------------------------
قضايا وأحداث 22.08.2008
مجلس الأمن يفشل في التوصل إلى اتفاق بشأن خطة سلام في القوقاز
روسيا تتعه
د باستكمال الإنسحاب من جورجيا اليومفيما فشل مجلس الأمن مجددا في الاتفاق على مشروع قرار لخطة سلام في القوقاز، أخذت الدول الغربية تضيق ذرعا بسبب بطء الانسحاب الروسي من الأراضي الجورجية الذي قالت موسكو إنه سوف يستكمل اليوم لكنها لم تعد بانسحاب كامل.
فشل مجلس الأمن الدولي مجددا أمس الخميس (22 أغسطس/آب 2008) في التوصل إلى قرار حول الأزمة التي تفجرت قبل أسبوعين في منطقة القوقاز، الأمر الذي يعكس مدى الانقسام داخل المجلس المكون من 15 عضوا، منهم خمسة دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) أحدهم روسيا. ورغم أنه مر على الأزمة أكثر من أسبوعين فمازال المجلس الأممي غير قادر على اتخاذ موقف معين إزاءها وسط تبادل روسيا والدول الغربية لعرقلة مشاريع قرارات كل منهما.
و أنهى مجلس الأمن أمس مشاورات جديدة وسط انقسام بين أعضائه حول مشروعي قرار متنافسين يهدفان إلى اعتماد الأمم المتحدة لخطة السلام في جورجيا. وقدمت روسيا في وقت متأخر من مساء أمس الخميس نصا رسميا لمجلس الأمن يهدف إلى إنهاء الصراع في جورجيا، إلا أن الولايات المتحدة وبريطانيا قالتا إنهما ليستا مستعدتين للتصويت عليه.
جهود فرنسية لتسوية الأزمة
الانقسامات داخل مجلس الأمن تعرقل التوصل إلى اتفاق
من جانبها طرحت فرنسا، الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي، على أعضاء المجلس مشروع قرار ثاني لدراسته يدعو إلى انسحاب فوري وواضح للقوات الروسية من جورجيا بما فيها أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية ووقف إطلاق النار وإجراء مفاوضات دولية من أجل تسوية القضايا بين روسيا وجورجيا.
وتجر الإشارة إلى أن موسكو رفضت الثلاثاء الماضي مشروع قرار عرضته فرنسا باسم دول الاتحاد الأوروبي ويطلب من روسيا الالتزام بوقف إطلاق النار وسحب كل قواتها من جورجيا. وقال السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين إن بلاده لن تقبل بالنص لأنه لا يشمل سوى اثنتين من النقاط الست التي وردت في اتفاق السلام الذي تم التفاوض بشأنه مع الرئيس الفرنسي، مشيرا إلى أن عرض النص على التصويت سيكون "مضيعة للوقت".
"الانسحاب من الأراضي الجورجية يسير كالسلحفاة"

السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين وميدانيا قالت روسيا إنها ستكمل سحب قواتها في جورجيا بنهاية اليوم الجمعة، لكنها لم تصل إلى حد الوعد بتنفيذ الانسحاب الشامل الذي طالبت به الدول الغربية، قائلة إنها سوف تحتفظ ببعض قواتها في قلب جورجيا. وقال مسؤولون عسكريون روس إن من يسمونهم قوات تعزيز ستعاد إلى داخل اوسيتيا الجنوبية بنهاية اليوم الجمعة ومن هناك ستسحب إلى الأراضي الروسية في غضون عشرة أيام. وفرق المسؤولون بين تلك القوات ومن يصفونهم بأنهم قوة حفظ السلام. وقالوا إن هذه القوة ستبقى إلى أجل غير مسمى في اوسيتيا الجنوبية وفي منطقة عازلة.
ويضيق صبر الدول الغربية على نحو متزايد مع بقاء القوات الروسية داخل جورجيا. وفي واحد من أكثر تصريحات واشنطن شدة حتى الآن أعلن البيت الأبيض أن روسيا تنتهك التزاماتها بمغادرة الأراضي الجورجية. ونقلت وكالة رويترز عن المتحدث باسم البيت الأبيض جوردون جوندرو قوله إن "الانسحاب لا يجري بسرعة كافية إذا كان قد بدأ حقا." من جانبه قال الجنرال جون كرادوك المسؤول عن القيادة الأمريكية في أوروبا للصحفيين في العاصمة الجورجية تفليس "المعلومات التي لدي تفيد بأنهم إذا كانوا يتحركون فإنهم يتحركون كالسلحفاة ببطء شديد"، وفقا لما نقلته عنه وكالة رويترز اليوم.
دويتشه فيله + وكالات (ع.ج..م)
-----------------------------------------------------
الأسد يفاوض ميدفيديف للحصول علي صواريخ اعتراضية وسوخوي 30 وميغ 29
موسكو ــ الزمان
كشفت مصادر روسية وثيقة الاطلاع امس ان الرئيس السوري بشار الاسد الذي وصل الي موسكو امس في زيارة رسمية تستغرق يومين يتفاوض علي صفقة اسلحة تتضمن صواريخ بوك ام 1 وطائرات سوخوي 30 وميغ 29 الاعتراضية.وأبدي الرئيس الاسد استعداده لمناقشة نشر شبكة صواريخ "اسكندر" الدفاعية في سوريا لكنه استدرك قائلا: انه لم يتلق اي طلب بهذا الخصوص.وقال الاسد لصحيفة كومبرسانت الروسية: انه سيتفاوض مع الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف حول صفقة اسلحة جديدة. موضحا ان التعاون العسكري والفني هو القضية الاساسية ومشتريات الاسلحة مسألة بالغة الاهمية.وقال الاسد ان "موقفنا هو أننا علي استعداد للتعاون مع روسيا في أي مشروع قد يعزز أمنها... أعتقد أن علي روسيا حقاً أن تفكر في الرد المناسب عندما تجد نفسها في دائرة مغلقة". وكانت وسائل الاعلام الاسرائيلية ذكرت الاثنين الماضي أن روسيا تخطط لنشر صواريخ اسكندر أرض - أرض في سوريا وفي مدينة كالينينغراد علي بحر البلطيق في رد علي شبكة الصواريخ الدفاعية الأمربكية في وسط أوربا، والمساعدات العسكرية الاسرائيلية - الأمريكية الي جورجيا.وعما اذا كانت سوريا المستورد الرئيس للأسلحة الروسية ستوافق علي دراسة عرض الدفاع الجوي الروسي قال الأسد "من حيث المبدأ، نعم. لم نفكر في المسألة بعد".وأشار الأسد الي أن مسألة نشر صواريخ اسكندر الدفاعية كانت قد طرحته روسيا قبل عدة سنوات.وحول النزاع الأخير بين روسيا وجورجيا حول الجمهورية الانفصالية في أوسيتيا الجنوبية قال الرئيس السوري "في هذه المسألة ندعم روسيا بالكامل. الحرب التي شنتها جورجيا هي أوج المحاولات لمحاصرة وعزل روسيا".وأضاف الرئيس السوري أن روسيا تواجه وضعاً مماثلاً للوضع الذي واجهته سوريا سابقاً قائلاً "جورجيا بدأت بالأزمة لكن الغرب يلوم روسيا. هناك معلومات مضللة في كل مكان وتشويه للوقائع ومحاولات دولية لعزل روسيا".وحول ما اذا كانت روسيا ستتحوّل الي "دولة مارقة" قال "حل المشاكل المهمة في وسط آسيا والقوقاز وأوربا مستحيل من دون روسيا.. أعتقد أنه بعد أزمة جورجيا، باتت روسيا أقوي بكثير".وأضاف "من المهم أن تتخذ روسيا موقف القوة العظمي وبعدها ستفشل جميع محاولات عزلها".
---------------------------------------------------