الأسد في باريس: مجازفة الإرتهان وعسر الإنفتاح
صبحي حديدي
2008 / 7 / 12
حين سيشرع بشار الأسد في زيارته الرسمية إلى فرنسا للمشاركة في قمّة الإتحاد المتوسطي، سوف تكون سبع سنوات قد انقضت على زيارته الرسمية الأولى، صيف 2001، بعد أقلّ من سنة على الكرنفال السياسي والدستوري والبرلماني الذي انتهى إلى تنصيبه وريثاً لأبيه في حكم سورية. كذلك سوف تكون تسع سنوات قد انقضت على زيارته غير الرسمية، خريف 1999، بصفته الوحيدة المتوفرة آنذاك (نجل حافظ الأسد)، بدعوة خاصة من الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، تلبية لرغبة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري (الذي كان، آنذاك، بين أخلص رجالات حاكم دمشق)، على سبيل تدريب الفتى في ما ينتظره من مهامّ رئاسية.وبالطبع، جرت في أنهار سورية، مثل أنهار فرنسا، مياه كثيرة خلال هذه السنوات، السبع منها والتسع على حدّ سواء، في قصر الشعب المغلق المعلّق عند ذرى قاسيون، مثل قصر الإليزيه المفتوح الملقى على قارعة جادّة باريسية. غير أنّ جريان تلك الأنهار، بما حملته أو شهدت عليه من متغيّرات سورية وأخرى فرنسية، فضلاً عن تلك الإقليمية أو الدولية، لا يعني بالضرورة أنّ متغيّرات العلاقات السورية ـ الفرنسية في العقد الأخير اكتسبت ذات الصفة في التغيّر والتبدّل. والأرجح أنه من الخادع ترسيم تلك العلاقات قياساً على مؤشّر واحد هو التوتّر الذي اكتنفها، من جانب شيراك شخصياً وعلى نحو ساهمت في صياغته اعتبارات ذاتية محضة، إثر اغتيال رفيق الحريري؛ وبالتالي إهمال المؤشرات الأخرى التي بدت وكأنها تعكس المزاج الحقّ للرئيس شيراك في ما يخصّ نظام الأسد، الأب قبل الابن (كان شيراك هو الرئيس الغربي الوحيد الذي شارك في جنازة الأسد، وكان قبلها قد كسر عزلة الأخير الدولية حين دعاه إلى زيارة باريس رسمياً في صيف 1998، كما كان أوّل من أسبغ شرعية سياسية وأمنية على وجود القوّات السورية في لبنان خلال خطبة افتتاح القمّة الفرنكفونية في بيروت 2002).وهكذا فإنّ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ليس أوّل من يراقص طغاة الشرق الأوسط، سواء في العقود الأخيرة من عمر الجمهورية الخامسة في فرنسا، أم في عقودها الوسطى (أوّل زيارة للأسد الأب تمّت في عهد فاليري جيسكار ـ ديستان، 1976، بعد أشهر قليلة على دخول القوّات السورية إلى لبنان)، هذا إذا اعتبر المرء الأنشطة الدبلوماسية في العقود الأولى بمثابة تمرينات مبكّرة واستطلاعية على ما ستطلق عليه التنظيرات الديغولية صفة "السياسة العربية لفرنسا". بل، في وجهة أخرى لنقاش الأمر، لعلّ المرء لا يبالغ إذا اعتبر خيار ساركوزي في الإنفتاح على النظام السوري أقرب إلى السلوك الطبيعي، المنتظَر، غير المستغرب البتة، من هذا الرجل بالذات.فمن جانب أوّل، كلّ ما يعرفه ساركوزي (كما صرّح، بنبرته المعتادة في السخرية الرواقية الغثة) أنّ سورية بلد متوسطي، وليس ثمة سبب واحد يبرّر عدم دعوتها إلى القمة المتوسطية، غير المكرّسة (في حدود علمه كما قال، وعلم الجميع كما نقول) لمناقشة احترام أو انتهاك حقوق الإنسان على ضفاف المتوسط. وهذا منطق صوري سليم تماماً، وكان استبعاد سورية من هذه القمة
هو الذي سيكون القرار الشاذّ غير الطبيعي. ومن جانب ثانٍ، مَنْ الذي يعيب على ساركوزي دعوة الأسد إلى منصّة الإحتفال بالثورة الفرنسية، يوم العيد الوطني لفرنسا، إذا كان الحابل سوف يختلط بالنابل على تلك المنصة: ديمقراطيات غربية، ودكتاتوريات شرقية أو أفريقية، جنباً إلى جنب مع إسرائيل... "واحة الديمقراطية" في الشرق الأوسط؟ وضمن المنطق الصوري إياه، كيف يستقيم أن يُدعى زعيم من هؤلاء، ويُستثنى آخر؟ولهذا، وبصرف النظر عن قيمته الأخلاقية العالية، فإنّ النداء الذي وجهته إلى ساركوزي ثماني منظمات حقوق إنسان دولية (بينها العفو الدولية، وميدل إيست واتش، والإتحاد الدولي لروابط حقوق الإنسان، والشبكة الأورو ـ متوسطية، والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب...) سوف يظلّ حبراً على ورق في ما يخصّ مطلب الفقرة الأولى: "تناشدكم منظمات حقوق الإنسان الموقعة على هذه الرسالة إيلاء اهتمام لوضع حقوق الإنسان في ذلك البلد في إطار محادثاتكم مع الرئيس الأسد". والحال أنّ وزير الخارجية الفرنسي (حامل كيس الرزّ بوصفه أيقونة الغوث الدولي، وصاحب نظرية التدخّل الإنساني في الشؤون السيادية للدول، و"غير المبتهج شخصياً" بزيارة الأسد إلى باريس...) تكفّل بهذا الأمر، كما تردّد، حين دسّ في جيب وزير الخارجية السوري وليد المعلّم لائحة بأسماء حفنة من المعتقلين السياسيين السوريين الذين ستبتهج فرنسا بإطلاق سراحهم!ولكن... من أين سنجترح للسيدة فداء الحوراني، رئيس المجلس الوطني لـ "إعلان دمشق"، أياً من سجايا القدّيسة إنغريد بيتانكور، الرهينة الكولومبية ـ الفرنسية، لكي يتذكّر ساركوزي أنه يصافح سجّانها على ملأ من الإنسانية؟ وكيف سنقنع صحيفة فرنسية عريقة مثل "لو فيغارو" بأنّ أيّ حجم للنفاق السياسي لا يمكن أن يغطّي شائنة إجراء حوار مفصّل مع الأسد، على الصفحة الأولى، دون التجاسر على طرح سؤال واحد يخصّ مجزرة سجن صيدنايا، آخر فظائع النظام؟ ولكي لا يقتصر الأمر على صفّ اليمين الساركوزي، ماذا سيفعل برتران دولانوي (عمدة مدينة باريس الإشتراكي، الطامح إلى رئاسة الحزب الإشتراكي، المولود في تونس) لكي يعطي باريس ـ مقام الثورة، وموئل حقوق الإنسان، وملاذ أحرار العالم غرباً وشرقاً... ـ فرصة التضامن مع أبناء سورية؟ المرء عدوّ ما يجهل، هكذا قال دولانوي، مقتبساً الإمام عليّ بن أبي طالب، في مخاطبة ضيفه الرسمي بشار الأسد أثناء المأدبة الرسمية التي أقامها على شرفه في زيارة 2001، في سبيل حثّه على «الإحترام المطلق للكرامة الإنسانية» وشجب «العنصرية، والعداء للسامية، والإقصاء، ونقض التاريخ». والحال أنّ منطوق العبارة، وبصرف النظر عن مقدار «الخبث» في اقتباس الإمام علي أمام هذا الضيف بالذات، كان ينطبق على دولانوي نفسه أكثر من الأسد. فالجاهل، في أخفّ النعوت، هو ذاك الذي يطنب في الإشفاق على شعب إسرائيل وما يتعرّض له من "جرائم ضدّ الحياة والسلام والأمل»؛ ثمّ يتجاهل تماماً، لأنه لا يجهل في الواقع، جرائم المؤسسة الصهيونية في مختلف أطوارها، منذ اغتصاب فلسطين، وأيّاً كان الساسة الحاكمون أو الأحزاب الحاكمة.في تلك الزيارة كان قسط كبير من زخم لقاءات الأسد قد ضاع في زحمة ضجيج صهيوني أحسن استغلال تصريحات الأسد العاثرة أمام البابا يوحنا بولس الثاني في دمشق، كما أنّ قسطاً آخر أضاعه الأسد نفسه وهو يحاول «ترقيع» تلك التصريحات. لقد قصد اليهود عندما تحدّث عن «معاناة السيد المسيح على يد الذين وقفوا ضدّ المبادىء الإلهية والإنسانية التي نادى بها»؛ وقصد اليهود حين تحدّث عن الذين تآمروا «للغدر» بالنبيّ محمد. لم تكن ثمة فائدة تُرجى من إعادة تأويل تلك التصريحات عن طريق التمييز ـ كما فعل في حديثه إلى التلفزة الفرنسية عشية زيارته إلى باريس ـ بين «الموازاة» (التي يقول إنه لم يقصدها)، و«المقارنة» (التي يقول إنه كان يجريها بين عذاب السيد المسيح وعذاب الفلسطينيين).ولهذا فإنّ ما قد يسمعه بعد أيام من أصوات احتجاج فرنسية نافذة، يهودية صهيونية أو حتى يمينية ساركوزية، لن تتباكى على ملفات حقوق الإنسان في سورية، ولعلّها لن تتذكّر لبنان واتفاق الدوحة وانتخاب ميشيل سليمان (ذريعة الرئاسة الفرنسية الأولى في تبييض صفحة النظام السوري)، بل ستركّز على علاقات النظام مع إيران عموماً، وأوّلاً، ثمّ مع "حزب الله" و"حماس" خصوصاً واستطراداً. ولسوف يكون حسن سلوكه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، سواء في السرّ أو في العلن، وأمام العدسات أم خلف الأستار الثقيلة، هو معيار قصر الإليزيه في الذهاب خطوة إضافية نحو التبييض، وكذلك التوسط (النشط والإيجابي والفوري، كما يرغب الأسد بقوّة) بين واشنطن ودمشق. ثمة، هنا، ملفات عديدة تخصّ المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية الراهنة، كما تمسّ ـ في قليل أو كثير ـ ما يمكن أن يُعرض على النظام من ضمانات بقاء أوّلاً، ومحفزّات نهوض من المأزق السياسي والإقتصادي والأمني الشامل ثانياً.ذلك لأنّ الأسد، وعلى نقيض من تطبيل إعلامه وتزمير حلفائه، يصل إلى باريس رأساً لنظام مأزوم يعيش حالة فريدة من ارتهان المصير لاعتبارات إقليمية قلقة ورجراجة وقابلة للتبدّل الدائم، كانت نسبياً قد لعبت لصالحه في السنوات السابقة، ويلوح أنها الآن بدأت تتخذ وجهة مختلفة، في العراق وفلسطين ولبنان، وكذلك في جدل الشدّ والجذب الدبلوماسي بين طهران والمجتمع الدولي، وجدل التسخين العسكري بين واشنطن وتل أبيب وطهران. ولعلّ ابسط تجليات معضلة الأسد أنه عاجز عن التضحية بتحالفاته الإقليمية (التي يقتات عليها منذ الغزو الأمريكي للعراق، وصعود النفوذ الإيراني في المنطقة)، وفي الآن ذاته غير قادر على الإكتفاء بذلك القوت، لا لشيء إلا لأنّها مجازفة كبرى أن يواصل العيش على ذلك القوت وحده، دون أيّ تنويع في المصادر. والاعتمال عنيف، متعدد المستويات والآثار، بين مجازفة الإرتهان وعسر الإنفتاح.وفي ما يخصّ ملفات الإصلاح، الأرجح أنّ الأسد لن يفلح في تسويق مقولته المكرورة: «الإصلاح الإقتصادي أوّلاً وقبل أيّ شيء»، ولن يفلح في إقناع أرباب العمل الفرنسيين بالإقبال على الإستثمار في بلد ما تزال تسري فيه الأحكام العرفية، تماماً كما كانت عليه حال لقاءاته مع هؤلاء خلال زيارة 2001، وربما على نحو أسوأ من ذي قبل. في عبارة أخرى، يعرف رجال الأعمال الفرنسيون أنه ليس للإصلاح الإقتصادي أيّ معنى، ولن يكون له أيّ إفق ملموس، ما دامت قوانين البلاد التحديثية، جديدة كانت أم قديمة، خاضعة في آخر النهار للقانون الأعلى الذي لا يعلو عليه تشريع أو تدبير: قانون الطوارىء.وفي زيارة 2001 ذهب الأسد إلى روح السخرية في وصف تعبير «ربيع دمشق»، فقال: «كلمة ربيع لا تعنينا كمصطلح. فالربيع هو فصل مؤقت، والربيع فصل يعجب البعض والبعض الآخر يحبّ الشتاء»، قبل أن يدخلنا في جدل إشكالي حول خصائص الفصول: «الثمار تأتي في الصيف. ولكن لا يوجد ثمار من دون ربيع تتفتح فيه الأزهار. ولا يوجد ربيع دون أمطار تهطل في الشتاء»! وكان الأسد يعرف، بالطبع، أنّ سائله لم يكن يقصد الإستماع إلى تحليل فصولي، بل كان يريد السؤال عمّا آل إليه «ربيع دمشق» السياسي تحديداً. فما الذي يقوله اليوم، في حديثه مع صحيفة "لو فيغارو" عشية زيارته الرسمية الثانية إلى باريس؟ هنا اقتباس واحد: "نحن لا نقول إننا بلد ديمقراطي بامتياز. نحن نقول إننا نقتفي هذا الطريق، وهو طريق طويل وقد يستمرّ سنة أو سنوات عدّة. الأمر يعتمد على الثقافة، وعلى التقاليد، وعلى الظروف السياسية والإقتصادية وسواها من الشروط الإقليمية والدولية. لقد قمنا بخطوات عديدة في هذا المجال. وبالطبع، تحتاج القوانين إلى تعديل وإصلاح، وهذا ما نفعله في الوقت الراهن".نعم... بدليل قانون الأحزاب الذي يراوح في مكانه منذ ثلاث سنوات، ويُرفع مثل سيف مسلط على رأس الإجتماع السياسي السوري، لكنه يُتلى مثل مزمور زائف في أحاديث الرئاسة عن الإصلاح! ---------------------------------------------------
!
ــ ألقى الرئيس الفرنسي ساركوزي خطابا في البرلمان الأوربي قبل يومين، باعتباره من المتحمسين للمشروع الأوربي واتفاق برشلونة ، لكن بوادر خراب هذا الاتفاق تلوح في الأفق، خاصة بعد رفضه من الشعب الايرلندي كما حصل من قبل تصويتاً عند الشعب الفرنسي، لكن ساركوزي الساعي للشهرة والباحث عن إبهار الآخرين ويريد أن يصنع لنفسه اسما يسجله التاريخ أو نصراً يحقق غاياته ولو كلفه هذا أثمان باهظة!...لم تفته النباهة وسرعة المبادرة في خلق بديل عن برشلونة واتحادها، فعمد لاختراع جديد سماه في البداية" اتحاد المتوسط"...وكي تدخل بقية الدول الأوربية لأسواقه وتنشر بضاعتها من كل الألوان في منتجعاته العربية والإفريقية بتواطؤ سياسي من حكام تلك الدول!..ثم غُيرت التسمية لتصبح أكثر مرونة " الاتحاد من أجل المتوسط"....يجمع تحت سقفه أنظمة تتناقض بممارستها وتكوينها وثقافتها، كما تتناقض في اقتصادها وقوته...وفي قوانينها واحترامها للقوانين الدولية والتزامها لما وقعته في المحافل الدولية...مما يدفع ميزان هذا التوافق مختلا من طرفيه... لدرجة تبعث على السخرية ...بشكل لا يسمح لهذه الدول الخفيفة الضعيفة...أن تلامس الأرض وتقف على قدميها...بل ترمي حمولتها في يم المتوسط دون أي دراسة أو تحليل...ناهيك عن اختلاف النظرة للمكاسب لدى كل طرف.....الملفت في خطاب ساركوزي، ليس ماقاله وإنما الهجوم الكاسح الذي تعرض له من ممثل حزب الخضر الألمان النائب " دانييل كون بنديت" ..:ـــ ".ستذهب يا سيادة الرئيس للصين في الافتتاح الأولومبي، وتقتسم رغيف الخبز مع رئيس دولة تعتقل المئات من أصحاب الرأي والضمير والساعين للحرية كأهل التيبت...هذا إهانة للإنسان وللأوربيين بصفتك رئيس أوربا في البرلمان الآن"!...حاول ساركوزي الدفاع عن موقفه قائلاً:" لا يمكننا أن نستهين بدولة تمثل ربع الكرة الأرضية ولا أستطيع إلا أن أمثل بلدي أولا، وثانيا بصفة بلدي رئيسة البرلمان الأوربي..ومالبث في المؤتمر الصحفي أن غير من موقفه وطالب دانييل أن يضع أمامه قائمة بأسماء المعتقلين الصينيين، كي يطالب رئيس الصين بإطلاق سراحهم!!!
لقد وجد الصينيون وأهل التيبت من يدافع عنهم في البرلمان الأوربي...ووجدوا من يسعى لإطلاق سراحهم، وأبدى ساركوزي ليونة حيال هذا ... ليست الأولى...لكن هل هناك من يسعى لدى ساركوزي ليطالب بإطلاق سراح معتقلي سوريا لدى بشار الأسد؟
أم سنكتفي بالقائمة التي قدمها كوشنير للمعلم؟ وبنداء المنظمات الحقوقية لساركوزي؟...وهل سيسمع ساركوزي استغاثتنا ، ...كما سمع استغاثة أم " جلعاد شاليت وزيارته لعائلته أثناء وجوده في إسرائيل بزيارة رسمية الشهر المنصرم؟، وكيف وعد على الملأ ، أنه سيسعى لدى الرئيس بشار كي يضغط على حماس من أجل إطلاق سراح شاليط!..لكنه أبدا لم يذكر ميشيل كيلو ولا أكرم لابني ولا علي العبدالله ولا فايز سارة ولا أنور البني أو عارف دليلة...الخ القائمة من معتقلي سورية!
وكيف يمكننا ألا نستغرب ونقارن بين دعوته لبشار وذراعيه المفتوحين باعتبار أن بشار الأسد ابن المتوسط!، وغير ثوب الديكتاتوري ويرتدي اليوم ثوب الدمقس الديمقراطي، بالضبط كما رأى هذا التغيير عند القذافي!!..هل هي رؤية دونكوشيتيه أم حقيقة واقعه وعلينا التسليم بها؟
وطالما أن الناس تغير جلودها بهذه السرعة، لماذا لا يكون هذا التغيير واقعا ملموسا من خلال مطالبة ساركوزي ــ كشرط أولي على أقل تقدير لقبوله بين دول مهما أغرقت في ديكتاتوريتها فهي أكثر رحمة من نظام الأسد؟ ــ
لكن كيف لا نرى بهذه الرؤيا أنها دونكوشيتيه، طالما أن الرئيس الفرنسي أصدر نداء وجهه سابقا لعصابات " الفارك" حين كانت تعتقل إنغريد بيتانكور..وحتى بعد أن أطلق سراحها ... فقد وجه لها نداء لتلقي سلاحها وتعود عن ارتكاب الجرائم واختطاف واعتقال الأسرى...وأنه سيستضيفهم ويفتح لهم فرنسا كباب للتوبة!!
أيعني هذا، أن عصابات الفارك ستصبح بين ليلة وضحاها وتنقلب من عصابات إرهابية إلى ناس متحضرة مدنية تستطيع العيش بحرية كالمواطن الفرنسي؟! ..وكأن أيديهم لم تغرق بدم الأبرياء؟ انطلاقا من هذه النظرة ربما يرى في بشار الأسد الحاكم الحليم؟ ...لماذا إذن لا يطالبه بإطلاق سراح سجناء الرأي والضمير ومعتقلي إعلان دمشق والأكراد المحتفلين بأعيادهم والمطالبين بحقهم كمواطنين فيقدم بطاقة البراءة لدخوله الكنيسة الفرنسية التي تفتح أبواب الاستتابة والتسامح وتمنح بطاقات المصداقية والنزاهة دون حرج!؟
ماذا في جعبة بشار الأسد ليقدمه؟
ثم ماذا ينتظر ساركوزي من سوريا النظام بعد هذا الشوق للقاء الأسد قبل الآخرين يوم الغد " السبت 12/7 " .
ــ الأسد هو الرابح حسب مفهومه وقبوله، بل ترحيبه لهذا الباب المفتوح على مصراعيه لاستقباله دون ثمن أو مقابل من نظامه، بعد حصار وقطيعة!
* هل تغيرت مواقف النظام داخليا فأصبحت أكثر ديمقراطية وتتقارب أو تتشابه مع الأنظمة الأوربية المرحبة به؟.
* هل تغيرت قوانينه بشكل أثبتت ــ ولو من عهد قريب ــ توافقها أو التزامها بالقوانين الدولية ومواثيقها واحترامه لما وقعه نظامه؟ أو هل أصدر قوانينا تحترم الإنسان في وطنه وحريته..(.قانون أحزاب، جمعيات، إلغاء قانون الطواريء ، إلغاء للمحاكم العسكرية الاستثنائية)...الخ؟
* هل سجل الاقتصاد السوري ارتفاعا ملحوظا ونشاطا وتنمية تجعل الدول الكبرى تتسابق في عقد الصفقات أو الاستثمار في سوريا، بشكل يسمح لشعبها بالتطور ويفتح له آفاقا في العمل وتشغيل اليد العاملة العاطلة ويساهم في تقليص مساحة الفقر وتخفيض درجاته المذهلة والمتدنية؟.
* هل غير النظام من سلوكه وعلاقاته المناطقية واحترم سيادة لبنان أولاــ أم أن اختيار ميشال سليمان رئيسا بعد اتفاق الدوحة الموحى به سورياً يكفي لتسويقه وفتح الأبواب أمامه؟.والدليل أنه حتى اليوم لم يفسح المجال لحكومة الوحدة الوطنية أن تتشكل وترى النور، ويمكن للعراقيل القائمة أن تودي بسلم البلاد إلى الهاوية، وبهذا يفتح مجال العودة السورية وإن من باب غير عسكري كما قال الرئيس السوري!!.
* هل فتح باب التفاوض مع إسرائيل يعتبر بنظر ساركوزي خطوة تستحق المباركة والمشاركة في صنع السلام، ويريد أن يكون عراباً ولو ثانوياً؟ ، لأن ما يطمح له الأسد هو الرعاية الأمريكية والدور الفرنسي سيكون مراقبا أو محتفلاً عند النهاية ، وكيف لنا أن نفسر ماقاله الرئيس الأسد لصحيفة الفيغارو؟:ــ " المفاوضات مع إسرائيل في هذه الفترة يختبر الطرفان نياتهما...بعد ثمان سنوات هناك فقدان ثقة" ! ــ يعني قبل ثمان سنوات كانت الثقة موجودة؟ ـــ...إذن المفاوضات تمتد وتمط حتى يأتي الراعي الجديد في البيت الأبيض لأن هذا الراعي كما قال الأسد في نفس اللقاء :" الإدارة الأمريكية الحالية، غير قادرة على صنع السلام"!
اذن كل مافي الأمر جس نبض وانتظار..تقطيع وقت يعني!!
* ثم وهنا نقطة لابد من أن نوليها قدرا كبيرا من الاهتمام ، هل ستغير أو أبدت نوعاً من التغيير في علاقاتها الإقليمية وانفتاحها على جاراتها العربيات...صديقات الأمس ..أولاً، ثم علاقتها غير المنطقية في خضم صراع القوى وشد الحبال في المنطقة مع إيران بالذات، والتي لا تخفى غاياتها ولا مخططاتها الإقليمية، وما النووي إلا وسيلتها للوصول وفرض السيطرة بالقوة واختراق الحواجز ، التي سقطت وتسقط أمامها بفعل التعاون السوري والحزب الإلهي اللبناني؟!...هنا يمكننا أن نتصور أن سورية تلعب بالورقة الإيرانية لتصيد ما هو اكبر وأثقل عيارا في السوق السياسية، ولن ترمي بالعلاقة مع إيران إلا لتكسب ماهو أهم ، هنا يمكن لفرنسا أن تلعب دورا ربما يخدم الجميع...لكن المهم في الأمر ألا يخطيء الفرنسيون دون أن يتعلموا درسا من الفشل الأمريكي في قراءة المنطقة سياسياً!.
* السؤال الأخير ، الذي أوجهه ووجهته للرئيس الفرنسي، كيف يمكن لمن يمثل الثورة الفرنسية ، أن يقف إلى جانب بشار الأسد في عيد ثورة فرنسا" الرابع عشر من هذا الشهر"دون أن يأخذ بعين الاعتبار اعتراض الكثير من الزعماء السياسيين الفرنسيين وما سطرته صحف ومجلات فرنسا من سخرية حول هذه الدعوة، ومن إهانة تلحق بمبادئها حين تستقبل مَن يحمل مفاتيح سجون أكثر رعباً من الباستيل،" تدمر، عدرا، صيدنايا....الخ"؟
فلورنس غزلان ــ باريس 11/07/2007
ــ ألقى الرئيس الفرنسي ساركوزي خطابا في البرلمان الأوربي قبل يومين، باعتباره من المتحمسين للمشروع الأوربي واتفاق برشلونة ، لكن بوادر خراب هذا الاتفاق تلوح في الأفق، خاصة بعد رفضه من الشعب الايرلندي كما حصل من قبل تصويتاً عند الشعب الفرنسي، لكن ساركوزي الساعي للشهرة والباحث عن إبهار الآخرين ويريد أن يصنع لنفسه اسما يسجله التاريخ أو نصراً يحقق غاياته ولو كلفه هذا أثمان باهظة!...لم تفته النباهة وسرعة المبادرة في خلق بديل عن برشلونة واتحادها، فعمد لاختراع جديد سماه في البداية" اتحاد المتوسط"...وكي تدخل بقية الدول الأوربية لأسواقه وتنشر بضاعتها من كل الألوان في منتجعاته العربية والإفريقية بتواطؤ سياسي من حكام تلك الدول!..ثم غُيرت التسمية لتصبح أكثر مرونة " الاتحاد من أجل المتوسط"....يجمع تحت سقفه أنظمة تتناقض بممارستها وتكوينها وثقافتها، كما تتناقض في اقتصادها وقوته...وفي قوانينها واحترامها للقوانين الدولية والتزامها لما وقعته في المحافل الدولية...مما يدفع ميزان هذا التوافق مختلا من طرفيه... لدرجة تبعث على السخرية ...بشكل لا يسمح لهذه الدول الخفيفة الضعيفة...أن تلامس الأرض وتقف على قدميها...بل ترمي حمولتها في يم المتوسط دون أي دراسة أو تحليل...ناهيك عن اختلاف النظرة للمكاسب لدى كل طرف.....الملفت في خطاب ساركوزي، ليس ماقاله وإنما الهجوم الكاسح الذي تعرض له من ممثل حزب الخضر الألمان النائب " دانييل كون بنديت" ..:ـــ ".ستذهب يا سيادة الرئيس للصين في الافتتاح الأولومبي، وتقتسم رغيف الخبز مع رئيس دولة تعتقل المئات من أصحاب الرأي والضمير والساعين للحرية كأهل التيبت...هذا إهانة للإنسان وللأوربيين بصفتك رئيس أوربا في البرلمان الآن"!...حاول ساركوزي الدفاع عن موقفه قائلاً:" لا يمكننا أن نستهين بدولة تمثل ربع الكرة الأرضية ولا أستطيع إلا أن أمثل بلدي أولا، وثانيا بصفة بلدي رئيسة البرلمان الأوربي..ومالبث في المؤتمر الصحفي أن غير من موقفه وطالب دانييل أن يضع أمامه قائمة بأسماء المعتقلين الصينيين، كي يطالب رئيس الصين بإطلاق سراحهم!!!
لقد وجد الصينيون وأهل التيبت من يدافع عنهم في البرلمان الأوربي...ووجدوا من يسعى لإطلاق سراحهم، وأبدى ساركوزي ليونة حيال هذا ... ليست الأولى...لكن هل هناك من يسعى لدى ساركوزي ليطالب بإطلاق سراح معتقلي سوريا لدى بشار الأسد؟
أم سنكتفي بالقائمة التي قدمها كوشنير للمعلم؟ وبنداء المنظمات الحقوقية لساركوزي؟...وهل سيسمع ساركوزي استغاثتنا ، ...كما سمع استغاثة أم " جلعاد شاليت وزيارته لعائلته أثناء وجوده في إسرائيل بزيارة رسمية الشهر المنصرم؟، وكيف وعد على الملأ ، أنه سيسعى لدى الرئيس بشار كي يضغط على حماس من أجل إطلاق سراح شاليط!..لكنه أبدا لم يذكر ميشيل كيلو ولا أكرم لابني ولا علي العبدالله ولا فايز سارة ولا أنور البني أو عارف دليلة...الخ القائمة من معتقلي سورية!
وكيف يمكننا ألا نستغرب ونقارن بين دعوته لبشار وذراعيه المفتوحين باعتبار أن بشار الأسد ابن المتوسط!، وغير ثوب الديكتاتوري ويرتدي اليوم ثوب الدمقس الديمقراطي، بالضبط كما رأى هذا التغيير عند القذافي!!..هل هي رؤية دونكوشيتيه أم حقيقة واقعه وعلينا التسليم بها؟
وطالما أن الناس تغير جلودها بهذه السرعة، لماذا لا يكون هذا التغيير واقعا ملموسا من خلال مطالبة ساركوزي ــ كشرط أولي على أقل تقدير لقبوله بين دول مهما أغرقت في ديكتاتوريتها فهي أكثر رحمة من نظام الأسد؟ ــ
لكن كيف لا نرى بهذه الرؤيا أنها دونكوشيتيه، طالما أن الرئيس الفرنسي أصدر نداء وجهه سابقا لعصابات " الفارك" حين كانت تعتقل إنغريد بيتانكور..وحتى بعد أن أطلق سراحها ... فقد وجه لها نداء لتلقي سلاحها وتعود عن ارتكاب الجرائم واختطاف واعتقال الأسرى...وأنه سيستضيفهم ويفتح لهم فرنسا كباب للتوبة!!
أيعني هذا، أن عصابات الفارك ستصبح بين ليلة وضحاها وتنقلب من عصابات إرهابية إلى ناس متحضرة مدنية تستطيع العيش بحرية كالمواطن الفرنسي؟! ..وكأن أيديهم لم تغرق بدم الأبرياء؟ انطلاقا من هذه النظرة ربما يرى في بشار الأسد الحاكم الحليم؟ ...لماذا إذن لا يطالبه بإطلاق سراح سجناء الرأي والضمير ومعتقلي إعلان دمشق والأكراد المحتفلين بأعيادهم والمطالبين بحقهم كمواطنين فيقدم بطاقة البراءة لدخوله الكنيسة الفرنسية التي تفتح أبواب الاستتابة والتسامح وتمنح بطاقات المصداقية والنزاهة دون حرج!؟
ماذا في جعبة بشار الأسد ليقدمه؟
ثم ماذا ينتظر ساركوزي من سوريا النظام بعد هذا الشوق للقاء الأسد قبل الآخرين يوم الغد " السبت 12/7 " .
ــ الأسد هو الرابح حسب مفهومه وقبوله، بل ترحيبه لهذا الباب المفتوح على مصراعيه لاستقباله دون ثمن أو مقابل من نظامه، بعد حصار وقطيعة!
* هل تغيرت مواقف النظام داخليا فأصبحت أكثر ديمقراطية وتتقارب أو تتشابه مع الأنظمة الأوربية المرحبة به؟.
* هل تغيرت قوانينه بشكل أثبتت ــ ولو من عهد قريب ــ توافقها أو التزامها بالقوانين الدولية ومواثيقها واحترامه لما وقعه نظامه؟ أو هل أصدر قوانينا تحترم الإنسان في وطنه وحريته..(.قانون أحزاب، جمعيات، إلغاء قانون الطواريء ، إلغاء للمحاكم العسكرية الاستثنائية)...الخ؟
* هل سجل الاقتصاد السوري ارتفاعا ملحوظا ونشاطا وتنمية تجعل الدول الكبرى تتسابق في عقد الصفقات أو الاستثمار في سوريا، بشكل يسمح لشعبها بالتطور ويفتح له آفاقا في العمل وتشغيل اليد العاملة العاطلة ويساهم في تقليص مساحة الفقر وتخفيض درجاته المذهلة والمتدنية؟.
* هل غير النظام من سلوكه وعلاقاته المناطقية واحترم سيادة لبنان أولاــ أم أن اختيار ميشال سليمان رئيسا بعد اتفاق الدوحة الموحى به سورياً يكفي لتسويقه وفتح الأبواب أمامه؟.والدليل أنه حتى اليوم لم يفسح المجال لحكومة الوحدة الوطنية أن تتشكل وترى النور، ويمكن للعراقيل القائمة أن تودي بسلم البلاد إلى الهاوية، وبهذا يفتح مجال العودة السورية وإن من باب غير عسكري كما قال الرئيس السوري!!.
* هل فتح باب التفاوض مع إسرائيل يعتبر بنظر ساركوزي خطوة تستحق المباركة والمشاركة في صنع السلام، ويريد أن يكون عراباً ولو ثانوياً؟ ، لأن ما يطمح له الأسد هو الرعاية الأمريكية والدور الفرنسي سيكون مراقبا أو محتفلاً عند النهاية ، وكيف لنا أن نفسر ماقاله الرئيس الأسد لصحيفة الفيغارو؟:ــ " المفاوضات مع إسرائيل في هذه الفترة يختبر الطرفان نياتهما...بعد ثمان سنوات هناك فقدان ثقة" ! ــ يعني قبل ثمان سنوات كانت الثقة موجودة؟ ـــ...إذن المفاوضات تمتد وتمط حتى يأتي الراعي الجديد في البيت الأبيض لأن هذا الراعي كما قال الأسد في نفس اللقاء :" الإدارة الأمريكية الحالية، غير قادرة على صنع السلام"!
اذن كل مافي الأمر جس نبض وانتظار..تقطيع وقت يعني!!
* ثم وهنا نقطة لابد من أن نوليها قدرا كبيرا من الاهتمام ، هل ستغير أو أبدت نوعاً من التغيير في علاقاتها الإقليمية وانفتاحها على جاراتها العربيات...صديقات الأمس ..أولاً، ثم علاقتها غير المنطقية في خضم صراع القوى وشد الحبال في المنطقة مع إيران بالذات، والتي لا تخفى غاياتها ولا مخططاتها الإقليمية، وما النووي إلا وسيلتها للوصول وفرض السيطرة بالقوة واختراق الحواجز ، التي سقطت وتسقط أمامها بفعل التعاون السوري والحزب الإلهي اللبناني؟!...هنا يمكننا أن نتصور أن سورية تلعب بالورقة الإيرانية لتصيد ما هو اكبر وأثقل عيارا في السوق السياسية، ولن ترمي بالعلاقة مع إيران إلا لتكسب ماهو أهم ، هنا يمكن لفرنسا أن تلعب دورا ربما يخدم الجميع...لكن المهم في الأمر ألا يخطيء الفرنسيون دون أن يتعلموا درسا من الفشل الأمريكي في قراءة المنطقة سياسياً!.
* السؤال الأخير ، الذي أوجهه ووجهته للرئيس الفرنسي، كيف يمكن لمن يمثل الثورة الفرنسية ، أن يقف إلى جانب بشار الأسد في عيد ثورة فرنسا" الرابع عشر من هذا الشهر"دون أن يأخذ بعين الاعتبار اعتراض الكثير من الزعماء السياسيين الفرنسيين وما سطرته صحف ومجلات فرنسا من سخرية حول هذه الدعوة، ومن إهانة تلحق بمبادئها حين تستقبل مَن يحمل مفاتيح سجون أكثر رعباً من الباستيل،" تدمر، عدرا، صيدنايا....الخ"؟
فلورنس غزلان ــ باريس 11/07/2007
--------------------------------------------------

وأحداث 11.07.2008
الاتحاد المتوسطي بين التراجع في الطموحات والشكوك في تحقيق التوقعات
"الإتحاد من أجل المتوسط" : العين بصيرة واليد قصيرة
إقامة مشاريع انتقائية في مجالات البنية التحتية أبرز مكونات "الاتحاد من أجل المتوسط"، لكن التحدي الأكبر يكمن في تنفيذ هذه المشاريع بعد فشل عملية برشلونة في تحقيق أهدافها التنموية والسياسية.
تحتضن باريس اعتباراً من الأحد (13 مارس/ آذار 2008) القمة الأولى للاتحاد من أجل المتوسط بمشاركة رؤساء وحكومات 43 دولة من الإتحاد الأوروبي وبلدان جنوب وشرق المتوسط. ويعد المؤتمر الأول من نوعه بين بلدان تمثل سوقاً قوامها 700 مليون نسمة. وقد أُحيط مشروع الإتحاد بجدل كبير منذ إطلاقه كفكرة من قبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في فبراير/شباط من عام 2007، وذلك قبل توليه الرئاسة. تُرى ما هي ملامح هذا المشروع وفرص نجاحه؟
ألمانيا رفضت سياسة متوسطية انفرادية
الدكتور مارتن كوبمان الخبير في مؤسسة السياسة الخارجية ببرلين
لم تكن ألمانيا وحدها التي تحفظت على المشروع بين دول الاتحاد الأوروبي. غير أن الاعتراضات الألمانية القوية عليه شكلت أبرز التحديات التي واجهته قبل أن يخرج إلى النور. وقد ركزّت هذه الاعتراضات حسب الدكتور مارتن كوبمان الخبير في مؤسسة السياسة الخارجية الألمانية برلين على رفض فكرة الانفراد بالسياسة الأوروبية إزاء دول المتوسط وإخراجها من بوتقة الاتحاد الأوروبي. وقد بررت ألمانيا موقفها على أساس خطورة هذه الفكرة من المنظور الاستراتيجي على أمن ومصالح الدول الأعضاء في الاتحاد بحكم تشابكها وتداخلها ضمن نظام شينغن والسوق المشتركة. وهو ما يظهر بجلاء أكبر من خلال مشاكل الهجرة والطاقة.
وقد ساهم الحوار بين المستشارة الألمانية انجيلا ميركل والرئيس الفرنسي ساركوزي إلى حد كبير في بلورة توافق أوروبي على المشروع خلال قمة بروكسل في مارس/ آذار الماضي. وبناء على ذلك تم إدماج مشروع الإتحاد المتوسطي ضمن أجندة السياسة المتوسطية للإتحاد الأوروبي. وعلى ضوء ذلك أصبح يُنظر إليه أوروبيا كتطوير لمسار برشلونة. ومن هنا ولدت التسمية الجديدة للمشروع: " الإتحاد من أجل المتوسط".
تراجع طموحات الأوروبيين المتوسطية
لكن صيغة الاتحاد القادم التي اعتمدت في قمة بروكسيل، أظهرت تراجعا ملحوظا في طموحات السياسة المتوسطية للإتحاد الأوروبي. فمقارنة مع مسار برشلونة الذي انطلق عام 2005 بهدف إرساء "منطقة ازدهار متوسطية" قائمة على التبادل الحر بحلول عام 2010، فإن المشروع الجديد يقتصر على مشاريع في ميادين محددة كالبنى التحتية والطرق والسكك الحديدية والطاقات المتجددة والبيئة والصحة. وهكذا فإن قضايا مثل النهوض بالديمقراطية وحقوق الإنسان ودور المجتمع المدني تغيب عن أجندته التي كانت تشكل إحدى ركائز مسار برشلونة. هذا الغياب بشكل ابرز مآخذ هيئات المجتمع المدني على المشروع في دول جنوب المتوسط.
في هذا السياق يرى الخبير كوبمان بأن الاتحاد القادم لن يكون مؤسسة قائمة بذاتها تضبط بنفسها السياسة المتوسطية للإتحاد الأوروبي. وهو أمر أكده ساركوزي في مقابلة مع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية بتاريخ 6 مارس/ آذار الماضي إذ ذكر فيها : " إن إدارته ستكون غير معقدة كي تمنح الحياة للشراكة المتوسطية". ويتوقع أن يكون للبلدان المطلة على البحر المتوسط دورا أساسياً فيها. لكن سقف هذا الدور لا يتجاوز حدود سياسة الجوار التي اعتمدها الإتحاد الأوروبي حتى الآن.
"مجرد ذر للرماد في العيون"
الزعيم الليبي معمر القذافي لن يشارك في مؤتمر باريس رغم التقارب مع الرئيس ساركوزي
يعتقد كوبمان بأن المشروع صيغة واقعية قابلة للإنجاز من خلال مشاريع اقتصادية ذات طابع عملي. وسيدعم تنفيذها عملية التنمية في بلدان الجنوب بشكل ينعكس إيجابيا على الأمن الأوروبي، مثلا من خلال الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي تؤرق العواصم الأوروبية. غير أن الخبير الاقتصادي ورئيس الحكومة الجزائرية الأسبق الدكتور أحمد بن بيتور. يرى بأن المشاريع المعلنة حتى الآن "مجرد ذر للرماد في العيون". ويقارن بن بيتور مبادرات الإتحاد الأوروبي إزاء شركائه في جنوب المتوسط ، بما يقدمه الصينيون للمنطقة ملاحظا: "مقابل مشاريع كبيرة الحجم يقدم عليها الصينيون، ظل الأوروبيون أسرى أفكار قديمة تقوم على السعي لكسب المستقبل لصالحهم وجني مكاسب اقتصادية على حساب شعوب بلدان الجنوب".
رهانات متباينة لدى الدول العربية المتوسطية
تكشف ردود الفعل المتعددة من قبل بلدان جنوب المتوسط على مشروع الإتحاد الجديد وجود حسابات وتوقعات متباينة لدى هذه البلدان. فقمة باريس لن يشارك فيها الزعيم الليبي معمر القذافي، بل أعتبر خلال لقاء قمة عربية مصغرة في طرابلس الغرب أوائل يونيو/ حزيران الماضي، أن إقامة إتحاد متوسطي دون التشاور مع بلدان الجنوب يشكل إهانة لجامعة العربية والإتحاد الإفريقي. لكن باقي الدول العربية المتوسطية ستشارك في القمة رغم تفاوت حماسها للمشروع أو تحفظها عليه، فالجزائر التي وقعت حديثا اتفاقية شراكة مع الإتحاد الأوروبي، قرر رئيسها عبد العزيز بوتفليقة في آخر المشاركة بعد أن كان متحفظا، بينما تنظر إليه بلدان مثل المغرب وتونس ومصر على أنه فرصة لتعميق اتفاقيات الشراكة التي وقعتها مع الإتحاد الأوروبي.
حضور
عربي وإسرائيلي
محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية وإيهود أولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي معا الى باريس
يشكل حضور إسرائيل في مؤتمرات الشراكة المتوسطية منذ سنوات عنصر جدل تقليدي بالنسبة لعدد من الدول العربية، ولم يخل النقاش حول مشروع ساركوزي منذ بدايته من شكوك بعض العواصم العربية كونه يشكل إطارا لإقامة علاقات بينها وبين إسرائيل. لكن الدبلوماسية الفرنسية نجحت على ما يبدو في تذليل هذه العقبة، وهي "علامة إيجابية" برأي الخبير كوبمان، لاسيما وأن الرئيس السوري بشار الأسد سيشارك في القمة في الوقت الذي يسعى فيه ساركوزي للعب دور وسيط بين العرب والإسرائيليين.
بيد أن مجرد لقاء العرب والإسرائيليين في مؤتمر باريس لن يقود إلى نجاح الشراكة المتوسطية، ويتفق الخبيران الألماني والجزائري على اعتبار التسوية السلمية للنزاع العربي الإسرائيلي عامل أساسي في نجاح الشراكة المتوسطية، رغم أن تحقيق التسوية يقتضي أدوارا إقليمية ودولية تتجاوز "إتحاد المتوسط".
منصف السليمي
-------------------------------------------------
الاتحاد المتوسطي بين التراجع في الطموحات والشكوك في تحقيق التوقعات
"الإتحاد من أجل المتوسط" : العين بصيرة واليد قصيرة
إقامة مشاريع انتقائية في مجالات البنية التحتية أبرز مكونات "الاتحاد من أجل المتوسط"، لكن التحدي الأكبر يكمن في تنفيذ هذه المشاريع بعد فشل عملية برشلونة في تحقيق أهدافها التنموية والسياسية.
تحتضن باريس اعتباراً من الأحد (13 مارس/ آذار 2008) القمة الأولى للاتحاد من أجل المتوسط بمشاركة رؤساء وحكومات 43 دولة من الإتحاد الأوروبي وبلدان جنوب وشرق المتوسط. ويعد المؤتمر الأول من نوعه بين بلدان تمثل سوقاً قوامها 700 مليون نسمة. وقد أُحيط مشروع الإتحاد بجدل كبير منذ إطلاقه كفكرة من قبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في فبراير/شباط من عام 2007، وذلك قبل توليه الرئاسة. تُرى ما هي ملامح هذا المشروع وفرص نجاحه؟
ألمانيا رفضت سياسة متوسطية انفرادية
الدكتور مارتن كوبمان الخبير في مؤسسة السياسة الخارجية ببرلين
لم تكن ألمانيا وحدها التي تحفظت على المشروع بين دول الاتحاد الأوروبي. غير أن الاعتراضات الألمانية القوية عليه شكلت أبرز التحديات التي واجهته قبل أن يخرج إلى النور. وقد ركزّت هذه الاعتراضات حسب الدكتور مارتن كوبمان الخبير في مؤسسة السياسة الخارجية الألمانية برلين على رفض فكرة الانفراد بالسياسة الأوروبية إزاء دول المتوسط وإخراجها من بوتقة الاتحاد الأوروبي. وقد بررت ألمانيا موقفها على أساس خطورة هذه الفكرة من المنظور الاستراتيجي على أمن ومصالح الدول الأعضاء في الاتحاد بحكم تشابكها وتداخلها ضمن نظام شينغن والسوق المشتركة. وهو ما يظهر بجلاء أكبر من خلال مشاكل الهجرة والطاقة.
وقد ساهم الحوار بين المستشارة الألمانية انجيلا ميركل والرئيس الفرنسي ساركوزي إلى حد كبير في بلورة توافق أوروبي على المشروع خلال قمة بروكسل في مارس/ آذار الماضي. وبناء على ذلك تم إدماج مشروع الإتحاد المتوسطي ضمن أجندة السياسة المتوسطية للإتحاد الأوروبي. وعلى ضوء ذلك أصبح يُنظر إليه أوروبيا كتطوير لمسار برشلونة. ومن هنا ولدت التسمية الجديدة للمشروع: " الإتحاد من أجل المتوسط".
تراجع طموحات الأوروبيين المتوسطية
لكن صيغة الاتحاد القادم التي اعتمدت في قمة بروكسيل، أظهرت تراجعا ملحوظا في طموحات السياسة المتوسطية للإتحاد الأوروبي. فمقارنة مع مسار برشلونة الذي انطلق عام 2005 بهدف إرساء "منطقة ازدهار متوسطية" قائمة على التبادل الحر بحلول عام 2010، فإن المشروع الجديد يقتصر على مشاريع في ميادين محددة كالبنى التحتية والطرق والسكك الحديدية والطاقات المتجددة والبيئة والصحة. وهكذا فإن قضايا مثل النهوض بالديمقراطية وحقوق الإنسان ودور المجتمع المدني تغيب عن أجندته التي كانت تشكل إحدى ركائز مسار برشلونة. هذا الغياب بشكل ابرز مآخذ هيئات المجتمع المدني على المشروع في دول جنوب المتوسط.
في هذا السياق يرى الخبير كوبمان بأن الاتحاد القادم لن يكون مؤسسة قائمة بذاتها تضبط بنفسها السياسة المتوسطية للإتحاد الأوروبي. وهو أمر أكده ساركوزي في مقابلة مع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية بتاريخ 6 مارس/ آذار الماضي إذ ذكر فيها : " إن إدارته ستكون غير معقدة كي تمنح الحياة للشراكة المتوسطية". ويتوقع أن يكون للبلدان المطلة على البحر المتوسط دورا أساسياً فيها. لكن سقف هذا الدور لا يتجاوز حدود سياسة الجوار التي اعتمدها الإتحاد الأوروبي حتى الآن.
"مجرد ذر للرماد في العيون"
الزعيم الليبي معمر القذافي لن يشارك في مؤتمر باريس رغم التقارب مع الرئيس ساركوزي
يعتقد كوبمان بأن المشروع صيغة واقعية قابلة للإنجاز من خلال مشاريع اقتصادية ذات طابع عملي. وسيدعم تنفيذها عملية التنمية في بلدان الجنوب بشكل ينعكس إيجابيا على الأمن الأوروبي، مثلا من خلال الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي تؤرق العواصم الأوروبية. غير أن الخبير الاقتصادي ورئيس الحكومة الجزائرية الأسبق الدكتور أحمد بن بيتور. يرى بأن المشاريع المعلنة حتى الآن "مجرد ذر للرماد في العيون". ويقارن بن بيتور مبادرات الإتحاد الأوروبي إزاء شركائه في جنوب المتوسط ، بما يقدمه الصينيون للمنطقة ملاحظا: "مقابل مشاريع كبيرة الحجم يقدم عليها الصينيون، ظل الأوروبيون أسرى أفكار قديمة تقوم على السعي لكسب المستقبل لصالحهم وجني مكاسب اقتصادية على حساب شعوب بلدان الجنوب".
رهانات متباينة لدى الدول العربية المتوسطية
تكشف ردود الفعل المتعددة من قبل بلدان جنوب المتوسط على مشروع الإتحاد الجديد وجود حسابات وتوقعات متباينة لدى هذه البلدان. فقمة باريس لن يشارك فيها الزعيم الليبي معمر القذافي، بل أعتبر خلال لقاء قمة عربية مصغرة في طرابلس الغرب أوائل يونيو/ حزيران الماضي، أن إقامة إتحاد متوسطي دون التشاور مع بلدان الجنوب يشكل إهانة لجامعة العربية والإتحاد الإفريقي. لكن باقي الدول العربية المتوسطية ستشارك في القمة رغم تفاوت حماسها للمشروع أو تحفظها عليه، فالجزائر التي وقعت حديثا اتفاقية شراكة مع الإتحاد الأوروبي، قرر رئيسها عبد العزيز بوتفليقة في آخر المشاركة بعد أن كان متحفظا، بينما تنظر إليه بلدان مثل المغرب وتونس ومصر على أنه فرصة لتعميق اتفاقيات الشراكة التي وقعتها مع الإتحاد الأوروبي.
حضور
عربي وإسرائيليمحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية وإيهود أولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي معا الى باريس
يشكل حضور إسرائيل في مؤتمرات الشراكة المتوسطية منذ سنوات عنصر جدل تقليدي بالنسبة لعدد من الدول العربية، ولم يخل النقاش حول مشروع ساركوزي منذ بدايته من شكوك بعض العواصم العربية كونه يشكل إطارا لإقامة علاقات بينها وبين إسرائيل. لكن الدبلوماسية الفرنسية نجحت على ما يبدو في تذليل هذه العقبة، وهي "علامة إيجابية" برأي الخبير كوبمان، لاسيما وأن الرئيس السوري بشار الأسد سيشارك في القمة في الوقت الذي يسعى فيه ساركوزي للعب دور وسيط بين العرب والإسرائيليين.
بيد أن مجرد لقاء العرب والإسرائيليين في مؤتمر باريس لن يقود إلى نجاح الشراكة المتوسطية، ويتفق الخبيران الألماني والجزائري على اعتبار التسوية السلمية للنزاع العربي الإسرائيلي عامل أساسي في نجاح الشراكة المتوسطية، رغم أن تحقيق التسوية يقتضي أدوارا إقليمية ودولية تتجاوز "إتحاد المتوسط".
منصف السليمي
-------------------------------------------------
