Sonntag, 22. Juni 2008



أي سلام هذا


يقول الأعلان:
" صادقت لجنة خاصة تابعة للكنيست، أمس بالقراءة الأولى، على قانون يشترط أي «تنازل» عن «أراض إسرائيلية» بإجراء استفتاء شعبي. وينص القانون، الذي يهدف إلى تطويق الحكومات الإسرائيلية في أي اتفاق يتعلق بالجولان السوري المحتل، بشكل أساسي، على أن يكون «أي قرار تتخذه الحكومة في التنازل عن منطقة تقع تحت سيادة إسرائيل، ومن ضمن ذلك الجولان السوري والقدس المحتلان، منوطاً بإجراء استفتاء عام».
وبحسب اقتراح القانون، فإن الاستفتاء العام سيحصل بعد 90 يوماً من مصادقة الكنيست بغالبية ثلثي الأعضاء على قرار الحكومة «بالتنازل» عن الأرض. وقال رئيس لجنة الكنيست، ديفيد طال، إن القانون يساعد رئيس الحكومة في منع تنازلات خطيرة، من دون أن يؤثر ذلك على عملية المفاوضات مع سوريا.
كما هو معروف أن إسرائيل احتلت الجولان عام /1967/ وكل القرارات الدولية تقف إلى جانب سوريا في حقها في أستعادة أراضيها التي أحتلتها بالقوة العسكرية, مع هذا لن تعيدها إلى سوريا إلا باستفتاء شعبي وموافقة الشعب الإسرائيلي على هذا التنازل الذي ليس لها.
يمكننا أن نستخلص الكثير من العبرمن هذا الاستنتاج الفاقع في وضوحه:
هناك في إسرائيل برلمان منتخب وحكومة منبثقة من الأكثرية النيابية يقرران مصيردولة إنشئت بقرارات دولية ومع هذا إذا استعصى عليها أمراً ما تلجأ إلى المجتمع لحل معضلة كبرى ومشكلة مستعصية وخطيرة مثل قضية الجولان والقدس المحتلة.
إن وجود المعارضة, حكومة ظل في أي بلد من العالم يجعل الدولة في حالة نشاط وتجدد وانتعاش ويعمل على تفعيل حيوية المجتمع ودفعه نحو حالة حراك وتطور ونمو ويبعد عنها الخراب والتعفن الداخلي ويجعل من السياسي أوالمفاوض يحسب ألف حساب للرأي العام وممثليه في الأحزاب السياسية عندما يدخل في قضايا مصيرية مثل المفاوضات التي تجري بين بلدين متخاصمين ولو شكلاً, سوريا وإسرائيل.
أما على الضفة الأخرى من الصراع فالأمر مختلف تماماً:
منذ أن جاء نظام البعث إلى السلطة ومن بعده نظام هزيمة /1967/, يمكن أن نسميه نظام الكوارث الدائمة والهزائم المتكررة, وما تلاه من احتقان وخراب.
بمجيئهم إلى السلطة في العام /1963/ ألغى نظام البعث البرلمان المنتخب وعطل الأنتخابات الحرة والنزيهة, وأعلن حالة الطوارئ والأحكام العرفية وجعل من سوريا ملعباً لمصالح الفئة الحاكمة الشخصية والضيقة دون النظر إلى مستقبل سوريا, مستقبلها الوطني والقومي سواء المرحلي أو الأستراتيجي وما زال يفكرمن منظور ضيق وتفكير يحقق للنظام الذي قفز بأنقلاب أبيض إلى السلطة وكرس نظاماً عائلياً, نظام عائلة الرئيس المقبورحافظ الأسد.
لقد نظرهذا النظام ومن موقع مصالحه الشخصية بغرور وتعالي إلى المجتمع ومن موقع غرورالسلطة وقدرتها على كبح أي صوت معارض لسياسته بعيداُ عن الإدراك العميق للمشاكل والمسوؤليات العالقة فيه ومحاولة حلها دائماً بالوسائل الاكراهية. وما زال هذا النظام العائلي الكريه يلجأ إلى الوسائل التقليدية البالية في حل أزماته العميقة والمستعصية على الحل بعيداً عن القدرات الكامنة في المجتمع وإطلاق طاقاته في خلق حلول مفيدة وإيجابية للمشاكل التي خلفتها السنوات الماضية من السياسات الخاطئة والبعيدة عن مصالح سوريا العلية وبدلاً من أن يدخل المفاوضات مسلحاً بتفويض من مجتمعه فإنه يدخلها وهو خالي الوفاض من أي سند أو تفويض مجتمعي أو سياسي وفقاً لحساباته السياسية الضيقة والأنانية والقائمة على تأبيد بقاء هذه العائلة العفنة في الحكم إلى حيث الوقت الذي يأتي ويكنسها من جذورها.
يبدو من تطورات الأحداث أن النظم العربي ومنها النظام السوري فقدوا شرعيتهم السياسية في الداخل, استهلكوا تماماً نتيجة الكوارث الأجتماعية التي سببوها لشعوبهم في حروبهم الأقليمية الخاسرة وسياساتهم الأرتجالية القائمة على شخصة النظام وبقاءه, ولم يعد في جعبتهم أي مشروع سياسي أو اجتماعي أو تنموي, وخلت سياساتهم من أية أفكار تعيد الأمل والحيوية للبلدان العربية لذا لم يبق لديهم إلا اللهاث وراء إسرائيل من أجل أغداق البركة عليهم والمد بطول أعمارأنظمتهم المتكلسة والفارغة ورفع سقف بقاءهم الأفتراضي.
لقد أدرك الفاسد حافظ الأسد أن ورقة الجولان هي الجوكر في لعبة توازناته مع الغرب, ورقة التوت التي يمكن أن تتسترعلى عفنه وديمومة بقاء نظام عائلته بعد الانكفاء على استراتيجيات محدودة التطلع وغياب أي آلية بعيدة المدى تعمل على التصدي لمشاكل المجتمع وتحقيق التوازن بين أطرافه من خلافات أو تناقضات أو نزاعات.
يبدومن استقراء الواقع أن شروط استقرارواستمرارالوضع في الشرق الأوسط على ما عليه أن تكون إسرائيل دولة ضامنة لأمن الأنظمة العربية واستقرارها الأمني على أن تكون هي دولة ينطبق عليها شروط الدولة الحديثة من انتخابات حرة ونزيهة وحكومة منتخبة من قبل المجتمع وبرلمان منتخب حقيقي وفعلي لا مجموعة كركوزات يصفقوا ويبصموا على كل شيئ, وتداول فعلي للسلطة ورأي عام مراقب ونشط يقيم عمل الحكومة والأحزاب السياسية المنخرطة في اللعبة السياسية وإدارتها للدولة في الشؤون المحلية والأقليمية والدولية, مقابل حكومات طرش وأنظمة قروسطية تعمل على تكريس دكتاتورية الفرد وعائلته.
ولأن النظام العربي والإسرائيلي ولدا قسراً, أو مشوهاً, عملية قيصرية, ولدا بدون رأس, مرفوضان من المحيط العربي, لأنها نبتا دون جذور, لهذا ظلا عاجزان على إنتهاج سياسة تعمل على مد الجسور إلى الداخل وتطويره والعمل على تفعيل استراتيجيات تكون لصالح المنطقة وتسعيان إلى سلام حقيقي وفعلي.
لقد ولد النظامان, العربي والإسرائيلي, في ظل وضع دولي معقد وصعب, نظام توازن دقيق, في ظل حروب بالنيابة. لهذا خلقا ليكونا نظام طوارئ, وأزمة, وأزماتهم خيمت على الوضع العربي كله. لقد عاشا في أكناف هذا النظام مدة خمسون سنة. لكن بعد أنتهاء الحرب الباردة وجب تغيير شكل اللعبة بالتحول من نظام طوارئ حرب إلى نظام طوارئ سلام. سيسعى النظامان إلى رعاية سلام قلق, سلام أزمات, سلام أنظمة مأجورة ترعيان مصالحهما برعاية الولايات المتحدة الأمريكية.
ستعمل الأنظمة وإسرائيل على السهرعلى هذا السلام.
إن السلام القلق, أو سلام طوارئ يحتاج إلى إبقاء المنطقة في حالة استنفاروفي ظل أنظمة طوارئ لها وظيفة عملية هو السهر على هذا السلام المشوه.
لم يكن تاريخياً هناك تناقض ما بين النظام السوري أو أي نظام عربي وإسرائيل, لكنهما كانا يحتاجان إلى الوقت. لقد أخذ النظام السوري المرضي عنه أمريكياً وإسرائيلياً/ يقول الأمريكان دائماً: إننا نريد نغيير سلوك النظام, وليس تغييره/ على عاتقه مسؤولية تأريخية من أجل البقاء في السلطة هو تعويم المجتمع السوري وتمزيقه, تغييب الدولة واستنزاف الوطن ونهبه وتجويع الشعب والتنكيل بأبناءه من أجل تهيئة الظروف المناسبة للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
وكلنا يذكر ما قاله حافظ الأسد عند وداعه لأنور السادات في مطار دمشق الدولي في رحلته إلى القدس المحتلة بأن سوريا غير جاهزة للسلام مع إسرائيل, إننا نحتاج إلى الوقت للتقدم إلى السلام مع إسرائيل, وإننا, يقصد سوريا ومصرمتفقان في الجوهرومختلفان في الشكل.
سعى ويسعى النظام / السلطة/ المقطوعة الجذور في سوريا بكل الوسائل على تأمين الشروط الضرورية لديمومته واستمراره وإعفاء نفسه من أية مسؤولية وطنية أو مشاريع قومية في عمل شبه مستقل عن السياسة وفي استقالة سياسية عن الشأن الداخلي كالتنمية والبناء والديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة وتخليه عن أي واجب يلزم نفسه به في ما يخص الوضع الأجتماعي والسياسي السوري. كما ليس على جدول أعمال هذا النظام مصالح سوريا العليا كإعادة الجولان المحتل بكرامة كما أخذت, من مستلزماتها:
تهيئة الأرضية الصلبة والحقيقية لأستعادتها, تحسين الوضع الداخلي والانفتاح على المجتمع. لكن ما يفعله هذا النظام هوحزمة من تقبيل الأحذية ومعها جملة من القيود الأمنية.
إن النظام لا يهمه شيئاً إلا وجوده, والجيش الذي قوامه نصف مليون رجل تحت السلاح ما هو إلا جيش من المرتزقة واللصوص هدفه حماية السلطة والعائلة المالكة ولصوصها وقطاع طرقها ولا شيئ غير ذلك.
لقد التقى الكيانان القلقان, إسرائيل والنظام السوري وجهاً لوجه مع بعضهم برعاية تركية في تركية وفي داخل كل واحد منهما نزوع خلاصي لترتيب أوضاعه الداخلية والأقليمية والدولية.
إن السلام الإسرائيلي ـ السوري ـ العربي القادم هو إعادة توزيع المهام الأمنية على بعضهم, العمل في المستقبل على إيجاد منظومة أمنية, تحالف استراتيجي أمني يتخللها إعادة توزيع مصالح الاطراف المشاركة فيه, إسرائيل وسورية والأنظمة العربية وفق جدول أعمال تسعى الولايات المتحدة الأمريكية على السهر عليه وترتيبه في الفترة ما بعد التسوية السياسية والاتفاقات الأمنية والاقتصادية التي تمد بعمر الأنظمة وبقائها وترتيب توزيع جدول الأعمال لإدارة الأزمات الأقليمية ما بين الراعي الأول, الولايات المتحدة الأمريكية والأطراف المشاركة فيه ويكون بشكل متناغم ومدروس لتوسيعه واحتواء دول وأطراف أخرى, مثل إيران وتركية وغيرها وتحفيزها للدخول فيه وتطويره.
ستكون هذه المنظومة الأمنية تعمل بشكل حثيث على تطويق وتطويع أي حركة سياسية مقاومة أو رافضة أو التي تسعى للنهوض بأوطانها. كما سيسعى الطرفان على إحلال الفوضى وتعطيل الحراك الاجتماعي وإعادة المجتمعات إلى المربع الأول أي إلى الطائفية والعشائرية.
إن مضمون الصراع القادم, لن يكون على الأرض أو المياه أو الحدود, أو الخلافات البينية المشبوهة ما بين إسرائيل والنظام العربي وإنما العمل على ترتيب الوضع الاقليمي بما يسمح للولايات المتحدة الامريكية على وضع استراتيجياتها الهيمنية على أطراف نافذة أو ناشئة من العالم وصياغة جدول أعمال بما يضمن مصالحها في المنطقة لأمد طويل تتحكم من خلاله في شؤون العالم ومراقبة التطورات التي تطرأ عليه والتدخل المباشر فيه إذا أحتاج الأمر.
آرام كربيت
--------------------------------------------


"تقطيع" الوقت لتفادي "البطالة"


كتب : عريب الرنتاوي
لم تبق على "رزنامة" العام الحالي، أي "تواريخ" أو "مواعيد" يتعين علينا انتظارها، فعملية السلام تودع مبكرا عاما جديدا من أعوام "تقطيع الوقت"، والأطراف المنخرطة فيها والمراهنة عليها، تنصرف الآن إلى ملء أوقات فراغها بانشغالات أخرى، لتفادي "بطالة" قسرية، ستعيشها منذ الآن وحتى تشكيل الإدارة الأمريكية المقبلة، وإفصاحها عن وجهتها وتوجهاتها.الفلسطينيون منهمكون باستحقاقات بعيدة كل بعد عن "الدولتين" و"الرؤية" و"الحل النهائي"، في قطاع غزة الأولوية للتهدئة ورفع الحصار وفتح المعابر وإعادة الدماء إلى العروق المتيبسة، والأرجح أن هذه الأولوية ستظل ضاغطة على حماس وحلفائها وفلسطينيي القطاع حتى إشعار آخر.وفي رام الله، تبدو الأجندة الفلسطينية مثقلة بكثير من الاستحقاقات، التي ليس من بينها على ما يبدو، انتظار ما يمكن أن تجود به "سحابة أولمرت"، فهناك أجندة الإصلاح الأمني المنسق أمريكيا، وهناك مسألة الحوار الوطني بشروطه وتعقيداته المختلفة، وهناك إشكاليات الحرج والأزمة المترتبة على انفلاش الاستيطان والعدوان المنفلت من عقاله.وفي لبنان، ستبقى قضايا الحكومة، تشكيلا وبرنامجا، وما سيتبعها من متاهات الحوار الوطني حول قانون الانتخاب، لها الأولوية الأولى، من الآن وحتى العام المقبل، وبعدها، وبعدها فقط، سيكون بالإمكان التعرف على الخطوة الإستراتيجية التالية المتصلة بمصير سلاح حزب الله وموقع لبنان في خريطة تحالفات المنطقة، ومستقبل علاقاته بسوريا، وإلى أن يتحقق ذلك، فلا بأس من معالجة قضية الأسرى والمعتقلين، و إثارة موضوع "مزارع شبعا" وربما وضعها عهدة في يد قوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل".واشنطن بدورها لا شغل شاغل لها سوى إتمام "الاتفاقية الأمنية" مع العراق، ومواصلة احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة، ووقف أنشطة برنامجها النووي، وبخلاف ذلك، لا يبدو أن الولايات المتحدة مستعدة لصرف الكثير من الوقت والجهد والمال، لأي ملف آخر.هو إذن وقت مستقطع بلغة الرياضة وكرة القدم، وهو وقت إن لم تجر الاستفادة منه وتوظيفه في إتمام ترتيبات بناء "البيوت العربية" من الداخل، من فلسطين إلى العراق مرورا بلبنان، فستكون له نتائج كارثية بكل ما للكمة من معنى.خلال الأشهر الستة أو الثمانية المقبلة، ستتغير الإدارة الأمريكية، وستجري إسرائيل انتخابات مبكرة ستنتهي إلى كنيست جديد وحكومة جديدة، وستكون للبنان برلمانه وغالبيته النيابية وحكومته الجديدة، ومن المأمول أن تكون لفلسطين كذلك، حكومة ورئاسة وبرلمان جدد، كتتويج توافقي للحوار الوطني المزمع إجراؤه بين الأطراف، إذ من دون ذلك، ستكون مختلف الأطراف على أتم جاهزيتها للتعامل مع استحقاقات المرحلة باستثناء الجانب الفلسطيني، صاحب القضية والمصلحة في إعادة وضع فلسطين على صدارة أجندة الإقليم، فهل سترتقي الأطراف الفلسطينية إلى مستوى المرحلة وتحدياتها، أم أننا سنظل نراوح في دوامة الأزمة والانقسام وحرب الاتهامات والصراع على سلطة متآكلة ؟!.
-----------------------------------------------------


جدل العلاقة بين الحريات الأكاديمية والنسق السياسي العربي (*)(1/2)
الدكتور عبدالله تركماني
لا يمكن الحديث عن الحريات الأكاديمية بمعزل عن الحريات العامة في أي مجتمع، وبالتالي بمعزل عن مجموعة الأنساق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وفي مقاربتنا هذه سنتناول الحريات الأكاديمية من زاوية علاقتها بالنسق السياسي العربي. حيث يعاني البحث العلمي من عقبات رئيسية عدة، يأتي في مقدمتها: ضعف الدعم المالي المخصص للبحث العلمي، وضعف، إذا لم نقل غياب، الحريات الأكاديمية. فبالنسبة للميزانية المخصصة للبحث العلمي في العالم العربي فإنها لا تكاد تذكر، ففي عام 2004، وحسب إحصائيات " اليونسكو "، خصصت الدول العربية مجتمعة للبحث العلمي 1.7 مليار دولار أي ما نسبته 0.3 % من الناتج القومي الإجمالي. وتشير آخر الإحصائيات أنّ عدد مراكز البحث في الوطن العربي وصل إلى 375 مركزا يعمل بها 31 ألفا و118 عالما وباحثا، أي بمعدل 1.7 باحث لكل عشرة آلاف عامل من اليد العاملة، وهذه نسبة ضئيلة جدا لا تكاد تذكر إذا قارناها بالدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية حيث بلغت النسبة 66 واليابان 58 وبريطانيا 36. أما عن موقع البحث العلمي العربي في الخريطة العالمية فإنه لا يمثل سوى 1.7 % من الإنتاج العلمي العالمي، وهذا يعني أنّ مدخلات المعرفة العربية على المستوى الدولي محدودة جدا.
بينما علّقت النخبة الحاكمة في إسرائيل، منذ عهد مؤسسها دافيد بن غوريون، أهمية كبرى على البحث العلمي. ومن أبرز التقاليد التي ترسخت في علاقة إسرائيل مع العلوم والتكنولوجيا: تعيين عدد من العلماء على رأس المؤسسات الحكومية المعنية بالمجالات التكنولوجية حصرت مهمتهم في تطوير البحوث المتعلقة بهذه المجالات، وإنشاء هيئة قومية للبحوث والتطوير مهمتها رسم السياسة العلمية الشاملة، إضافة إلى تطوير مجالات بحثية جديدة، وإقامة صناديق مالية لتشجيع البحث والتطوير وفقا لأهداف الأمن القومي الإسرائيلي وغيرها.
وتفيد المعطيات المتاحة أنّ إسرائيل تتمتع بميّزة تفوق نسبي، مقارنة بالمجموع العربي كله، على صعيد الطاقة البشرية الخبيرة. إذ تضم أكثر من 11 ألف عامل وعشرات الآلاف من المهندسين والفنيين المنخرطين في مجال البحث والتطوير. وثمة ظاهرة إسرائيلية فريدة من نوعها، تتمثل في وجود مسؤول في وزارة الصناعة والتجارة يحمل لقب " كبير العلماء " Chief Scientist، يوزع منحا تقدر بنحو 400 مليون دولار سنويا لمختلف مشاريع البحوث والتطوير، إضافة إلى تقديم الدعم للمشاريع التي يكتب لها النجاح.
إسرائيل تتقدم على أميركا في الإنفاق على التعليم


واقع البحث العلمي في العالم العربي ومعوقاته
الوضعية مؤسفة للغاية، فالميزانية التي تخصص للبحث العلمي في معظم الدول العربية لا تكاد تذكر، وطيلة نصف القرن الأخير، تعرضت مؤسسات التعليم العالي في البلدان العربية إلى التوظيف السياسي واستغلت كفضاء للتأطير الإيديولوجي. فعوض أن يكون الحقل التعليمي محايدا وموضوعيا ويتعاطى مع المعرفة دون تسييس أو أدلجة، احتكرت النخب السياسية العربية فضائيات العلم، لذلك فإنّ جامعاتنا لم تستطع النمو والتطور رغم كفاءاتها العلمية، إلى درجة أنّ هذا الواقع قد أثّر سلبا على سلوك ومواقف النخب العلمية. فالشائع اليوم بين الجامعيين العرب أنّ منصب عميد الكلية هو منصب سياسي، وكلما فهم الجامعي اللعبة وحصّن نفسه بالانتماء إلى الحزب الحاكم في بلده، كلما كان أقرب إلى الترقيات وإلى حرية التصرف والاستحواذ على فرص البعثات الدولية.
وهكذا، فإنّ أهم معوّقات وتحديات البحث العلمي في العالم العربي هي:
1-


غياب سياسة علمية واضحة ومتوازنة ومتسقة يمكن أن تنظّم عملية البحث العلمي، وتوجّه الموارد، وتستثمر الطاقات والقدرات المتاحة والمتوافرة حسب سلم أولويات التحديات.
2-

ضحالة الموارد ونقص الإمكانيات المخصصة للقيام بالبحوث العلمية.
3-

تعثر استراتيجيات التحديث العربية، وعدم توازنها وعدم فاعليتها واتساقها.
4-

انعدام الحريات الأكاديمية والفكرية العامة في المجتمعات العربية، وعدم توفير المناخ السياسي الملائم للإبداع، بإطلاق حريات الأفراد وتوفير إمكانيات المشاركة الفعلية أمامهم، سواء من النخب العلمية أو من مختلف قطاعات الشعب الأخرى.
5-


ضعف وتفكك المجتمع العلمي العربي، وضعف مراكز المعلومات وخدمات التوثيق والمكتبات، وعدم توافر المناخ الملائم للعمل البحثي، وانتشار البيروقراطية، وقلة الحوافز المادية، والتبعية العلمية والتقنية للخارج، وضعف البنيات الأساسية للحراك الاجتماعي والاقتصادي العربي الذي يفترض أن يشكل القاعدة الصلبة لقيام البحوث العلمية.
وبالنظر إلى ذلك فإننا نؤكد أنّ هناك هوة واسعة بين العمل الجدي الحقيقي المنتج والمطلوب، وبين ما هو منتظر من الإمكانيات والمواهب البشرية العاملة في ميدان البحث والتطوير من العلماء والأكاديميين الباحثين في المؤسسات العلمية العربية.
وفي الواقع، تمثل أزمة البحث العلمي مجالا مهما للعديد من الإشكاليات الرئيسية، عن موقعه في خريطة اهتمامات السلطة والمسؤولين والمشرفين على التعليم العالي والبحث العلمي: علاقة السلطة في العالم العربي بالبحث العلمي وعلاقة البحث العلمي بصناعة القرار، وعلاقة الدول العربية بالأدمغة المهاجرة والكفاءات العلمية العربية الموجودة في مختلف أنحاء العالم، وماذا فعلت الحكومات العربية لاستقطاب هذه الكفاءات أو على الأقل الاستفادة منها ؟ ولماذا تنجح وتبدع الكفاءات العربية في الخارج وتهمّش ولا تصل إلى مستوى يذكر في بلادها، وبالعكس تصل إلى أعلى المستويات في أوروبا وأمريكا ؟
إنّ أغلب صنّاع القرار في العالم العربي لا يعتمدون على البحث العلمي ولا الدراسات ولا البيانات والمعطيات العلمية لاتخاذ قراراتهم، وخير دليل على ذلك انعدام مراكز سبر الآراء، وهكذا تصبح العلاقة الارتباطية بين البحث العلمي والرشادة السياسية منعدمة تماما.
كما أنّ غياب الديمقراطية وروح الحوار الأكاديمي الخلاق في جامعاتنا هما من أهم أسباب تخلف التعليم الجامعي العالي، وهذا الغياب بدوره يولّد نوعا من الاستبداد الذي تمارسه إدارة الجامعة ضد أساتذتها وطلابها في آن، وداخل هذا الجو يظل الأستاذ الجامعي قلقا ومتوترا وفاقدا لحريته، وعاجزا عن الإسهام في التغيير والتطوير. ومما يحوّل بعض جامعاتنا وكلياتنا في العالم العربي إلى قلاع من الاستبداد والظلام هو عدم الانتخابات الديمقراطية لرؤساء الجامعات وعمداء الكليات ورؤساء الأقسام، إذ يتربع هؤلاء كراسي المناصب الإدارية بقرارات عليا، تصوغها السلطة السياسية أحيانا، أو الجهات الأمنية التابعة لسلطة الدولة نفسها أحيانا أخرى. وهذه التعيينات، الخارجية عن إطار الجامعات، لا تدفع إلى هرم المناصب الإدارية الجامعية الأكفاء من الأساتذة المتميّزين، عقلا وحكمة ومعرفة وبحثا جادا، بل قد تدفع بعض الأشخاص غير الموهوبين وغير الجديرين إلى مثل هذه المناصب.
والحال إنّ العالم العربي مليء بالكفاءات الفردية والمثقفة، ولكن ليس هناك وسط ثقافي ملائم للإبداع. ولا نعلم كيف ستكون العلاقة بين المثقف والسياسي، ما دامت هذه العلاقة جامعة لمفارقة كبيرة في أقطارنا.
لقد نسي القادة، الذين تسلموا السلطة في الدولة الوطنية الفتية، الوعود التي قطعوها على أنفسهم في الماضي، وباتوا يتصرفون كما لو أنهم وحدهم المسؤولون عن مصير بلدانهم. وباسم " الحفاظ على سلامة الوطن " شنوا حملات قمع واسعة، كان المثقفون والمفكرون من ضحاياها البارزين. وفي ظرف سنوات قليلة تحولت الجامعات والمؤسسات التربوية والثقافية والعلمية إلى مراكز للدعاية لصالح الأنظمة الحاكمـة ولـ " الحزب الأوحد " و " القائد الأوحد ". وخلال العقود الخمسة الماضية ازدادت هوة القطيعة بين أهل السلطة وأهل القلم عمقا واتساعا، والسبب الأساسي في ذلك هو أنّ السلطات، في أغلب أقطار العالم العربي، مصرة على أنّ القوة هي وحدها الضامنة لبقائها ولتوطيد نفوذها. أما أصحاب القلم، فإما أن يكونوا " خدما فقط " وإلا فإنّ مصيرهم السجن أو النفي.
وفي هذا المجال، يمكن الإشارة إلى أنّ الأزمة العربية بمجملها هي أزمة قيادة تفتقر، في النسق السياسي، إلى القدرة على استيعاب المتغيّرات في البيئة الدولية، خاصة قصور النظرة إلى الأساليب الديمقراطية في قيادة المجتمع والدولة. وفي النسق المعرفي، عدم التواصل مع ما أحدثته ثورة المعلومات في العالم. وطالما أنّ الأزمة، في إطارها العام، هي أزمة قيادة، فإنها تنسحب على الإطار المؤسسي الخاص بمجمل هياكل وأنشطة الدولة الأخرى ومنها الهياكل والأنشطة العلمية، مما يجعلها تسير بخط لا يوازي أو يواكب حركة التطور العلمي في العالم.
مقدمات في أزمة النسق السياسي العربي
كثيرة هي التقارير والمؤسسات التي حاولت تصنيف دول العالم، وفقا لمدى تمتعها بالحرية السياسية ومدى احترامها لحقوق الإنسان الأساسية‏،‏ وقد اعتمدت في التقييم على مؤشرات عديدة، من أهمها:‏ انتخاب البرلمان - عدالة القوانين الانتخابية - حق تأسيس الأحزاب السياسية - سلطة النواب المنتخبين - وجود المعارضة - الشفافية - مشاركة الأقليات - مستوى الفساد - حرية التجمع والتظاهر - استقلالية القضاء - حرية الصحافة - الحرية الدينية - حكم القانون - حقوق الملكية.
لقد انتقلت الدولة، بمعناها الحديث، إلى البلدان العربية مع الاستعمار، الذي بدأ بإنشاء بعض مؤسسات الدولة وأجهزتها، فأقام برلمانات ومجالس محلية، وأنشأ جيشا، ووضع، في بعض الحالات، دساتير وإدارات مالية وضريبية ومحاكم حديثة، وأجهزة شرطة وأمن.. الخ. غير أنّ عدم توفير شروط قيام دولة حديثة جعل هذه المؤسسات والإدارات والدولة التي نشأت بعد الاستقلال هشة، في مرتبة وسط بين الدولة القديمــة " دولة الملك/الأسرة الحاكمة/الحزب الحاكم " والدولة الحديثة " دولة الأمة/الشعب ". مما أدى إلى اتصاف الدول العربية بالتطور المحدود للنظام السياسي، الذي قام على انفصال الدولة عن الأمة، وبالتالي إلى غياب التوافق ما بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، بحيث لم تعد العملية السياسية تتطابق مع وحدة المجتمع نفسه.
وفي ما يخص الأقلمة العربية لمفهوم الدولة الحديثة، فقد عجزت النخب الحاكمة عن تحقيق تعييناتها، أي عجزت عن أن تكون الدولة دولة مجموع مواطنيها. وفي المقابل استولت النخب الحاكمة على الدولة، وتحولت إلى سلطات لم تأخذ من أدوار الدولة سوى الجانب الأمني، من دون أي اعتبار للمفاهيم الأخرى كالمواطنة والديموقراطية والتنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي.
وهكذا، تحرم الثقافة السياسية السائدة في الدول العربية المواطن، بما فيه الأكاديمي، من ممارسة حقوقه، وخاصة الحريات العامة والخاصة، وتتبع ممارسات تحرمه حقوقه المدنية، وتقيّد حق المجتمع في ممارسة حقه في نقد السلطة التنفيذية، والمطالبة بالمحاسبة الدستورية والقانونية للمقصرين والفاسدين، وتلحق السلطتين التشريعية والقضائية بالسلطة التنفيذية ما يجعلها سلطات صورية، وتصور ما تقوم به السلطة التنفيذية من واجبات وما تنفذه من برامج على أنه كرم من السلطة التنفيذية، وليس واجبا عليها تستدعيه طبيعة الدولة، ناهيك عن الدولة الحديثة.
إنّ الدولة التسلطية العربية، كما حددها الدكتور خلدون حسن النقيب، تخترق المجتمع المدني بالكامل وتجعله امتدادا لسلطتها، فتحتكر مصادر القوة والسلطة والثروة في المجتمع، وتهيمن على كل مستويات التنظيم الاجتماعي ومختلف الجماعات والقوى الاجتماعية، من خلال سن شرائع وقوانين من دون قيود أو ضوابط. وينحصر دور الشعب، في هذه الحال، في الخضوع والطاعة والتبجيل و " الفداء بالروح والدم "، ويتحول القائد إلى ناطق باسم " حق مقدس معصوم "، فتُحرَّم النشاطات المدنية أو تُدجَّن، وتضيع بالكامل وتنحل استقلالية المجتمع إزاء دولة تفترسه إكراما واغتصابا، وتغدو كل المؤسسات، بما فيها الأجهزة الرسمية العسكرية والمدنية والقضائية، رهائن إرادة عليا تبتلع الجميع وتسكت كل الأصوات.
باختصار، الدولة التسلطية العربية هي دولة مغايرة لدولة العقد الاجتماعي الحديثة، بكل ما تعنيه من قيم المراقبة والمساءلة والاحتكام إلى الشعب، دولة تتوغل سلطاتها في كل ثنايا المجتمع، وتفرض وصايتها وهيمنتها على الجميع، ليس فقط أمنيا، بل اقتصاديا وثقافيا وتربويا.
ومن مآثر الدولة التسلطية العربية، غير الحميدة، إعاقة التنمية العربية وانحدار العالم العربي اقتصاديا وثقافيا وعلميا وتربويا، حتى بالقياس إلى الدول المتوسطة النمو، حيث ذكر تقرير التنمية البشرية لعام 2006 أنّ قيمة دليل التنمية البشرية العربية 0.680 في مقابل 0.701 في تلك الدول، وأنّ العالم العربي متخلف في دليل التعليم حتى عن الدول النامية 0.66 إلى 0.72، كما جاء في تقرير المؤتمر القومي العربي السادس عشر لعام 2005، كما أنّ معدل البطالة في العالم العربي وصل إلى 15 %، وأنّ الدول العربية عموما تنفق أقل من 0.2 % من ناتجها المحلي على البحث والتطوير العلميين مقارنة بنحو 2.46 % على الصعيد العالمي.
وهكذا، فإنّ الدولة التسلطية العربية تدفع العرب إلى آفاق مسدودة، بإنتاجها الفقر والأمية والتخلف والاستبداد، وبعجزها عن المشاركة في ثورة العصر، ثورة " اقتصاد المعرفة " و " مجتمع المعرفة "، إضافة إلى هدرها الموارد والكفاءات.
أما في الدول المتحضرة، التي تكتسب سلطاتها شرعيتها من شعوبها، يمنح القانون الحريات الفردية والحريات العامة، وهذه الحريات هي المناخ الذي تترعرع فيه الطاقات الأكاديمية الخلاقة، حيث تكون تلك الحريات سببا أساسيا لتطور المجتمع وازدهار نسقه الحضاري.
تونس في 18/6/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

(*) - في الأصل ورقة قُدمت في المؤتمر الخامس والعشرين لمنتدى الفكر المعاصر حول " دور الجامعات والباحثين بين حرية الإبداع وممارسات الرقابة " في الفترة من 19 إلى 21 يونيو/حزيران 2008، بدعوة من " مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات " و " مؤسسة كونراد أديناور بتونس ".



جدل العلاقة بين الحريات الأكاديمية والنسق السياسي العربي (*) (2/2)
الدكتور عبدالله تركماني
هجرة الكفاءات العربية
كان من نتيجة أزمة النسق السياسي العربي أن استفحلت ظاهرة هجرة الكفاءات العربية، إذ جاء في ورقة عمل حملت عنوان " هجرة العمالة العربية، الفرص والتحديات " قدمتها إدارة السياسات السكانية والهجرة في جامعة الدول العربية للاجتماع الأول لوزراء الهجرة العرب في فبراير/شباط 2008، أنّ نحو 70 ألف جامعي عربي يهاجرون سنويا من مجموع 300 ألف متخرج سنويا من الجامعات العربية، وحذرت من أنّ أكثر من مليون مهاجر عربي في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي للتنمية " C. S.D " حاصلون على شهادات جامعية عليا، وأنّ عدد الأطباء العرب الذين يهاجرون سنويا نحو البلدان الأوروبية يقدر بنحو خمسة آلاف طبيب. وقدّرت خسائر العالم العربي، بسبب هجرة الكفاءات، بنحو 1.57 بليون دولار سنويا.
وتعتبر ظاهرة هجرة الكفاءات والعلماء من الدول العربية إلى الخارج، أحد أهم العوامل المؤثرة على تطور الاقتصاديات الوطنية، وعلى التركيب الهيكلي للسكان والقوى البشرية، كما تكتسب هذه الظاهرة أهمية متزايدة في ظل تزايد أعداد المهاجرين، خصوصا من الكوادر العلمية المتخصصة.
على أنّ مراكز الدراسات وتقارير المنظمات الدولية والإقليمية، حددت جملة من الأسباب التي دفعت العقول العربية إلى الهجرة خارج الفضاء العربي، ومن بين أهم الأسباب الداخلية نذكر:
1 -

إنّ التقدم الوظيفي في الدول العربية مرهون، إلى حد بعيد، بالتقرب من السلطات الحاكمة، كما أنّ المحسوبية تلعب دورا حاسما في التقدم الوظيفي، ودور الكفاءة والتقدم العلمي في الرقي الوظيفي هو هامشي بالمقارنة مع العلاقة مع أقطاب النظام والواسطة والتبعية السياسية والحزبية للسلطة.
2 -

غياب حرية الفكر وحرية البحث العلمي وغياب الاحترام للعلماء، يشكل سببا رئيسيا في بحث العلماء العرب عن مجتمع يحترم العلم والعلماء، ويحترم حقوق الإنسان مهما كانت أفكاره بعيدة عن أفكار النظم الحاكمة.
3 -

تشير عدة تقارير عربية إلى عامل آخر بالغ القسوة، وهو القيود الخانقة ضد النشر وحرية الفكر، إذ هناك كثير من الأبحاث التي تمنع السلطات نشرها في البلاد، ويضطر أصحابها إلى النشر في الخارج، وأحيانا يعاقبون أيضا على النشر في الخارج.
4 -

إنّ ضعف وجود مراكز البحث العلمي في الدول العربية، يفاقم من الأزمة، حيث يستحيل الاستفادة من الأبحاث العلمية وتوظيفها في خدمة المجتمع، فتتحول الاختصاصات العلمية التطبيقية إلى اختصاصات نظرية، تنعكس على العالم والباحث من حيث تراجعه في مستواه العلمي أو في إمكان تطوير قدراته المعرفية.
5 -


لا يزال العالم العربي يتعاطى مع الأرقام بصفتها معطيات سياسية ذات حساسية على موقع السلطة، وتشير تقارير عربية إلى تدخل السلطة السياسية في أكثر من ميدان لمنع إصدار نتائج أبحاث أو دراسات، تكون الدولة تكبدت مبالغ لإنجازها، وذلك خوفا من أن تؤثر نتائج الدراسات في الوضع السياسي السائد.
وهكذا، يمكن القول إنّ السبب الأساسي للهجرة متصل بغياب الديموقراطية في الدول العربية. والديموقراطية هنا ليست بمعنى توافر الحريات الفردية والعامة فقط، كي يشارك الأكاديميون في انتخابات حرة ونزيهة ويطالعون صحفا مستقلة ويحمون كرامتهم من التعديات والانتهاكات الشائعة في بلدانهم، وإنما هي أيضا التنظيم العقلاني للمجتمع، وبخاصة قطاع البحث العلمي الذي يحتاج ليكون أنموذجا لمحاربة الفساد والمحسوبية والرشوة. فعندما يغوص أصحاب الكفاءات العربية في واقعهم المحلي، بعد العودة من الدراسة في الخارج، يكتشفون غياب الشفافية ولجم الأفواه وامتهان كرامة الفرد، فيحزم كثير منهم الحقائب ويعود من حيث أتى.
ضرورة الارتقاء في البحث العلمي العربي
لا تقل عملية تحسين أداء الدول العربية في مجال البحث العلمي أهمية عن الملفات السياسية الراهنة، حيث تعتبر مستويات البحث العلمي مؤشرا على مستويات التطور المختلفة، وبالتالي مدخلا لتبوؤ الدول العربية موقعا في إطار العلاقات الدولية. ومن هنا فإنّ العالم العربي بحاجة إلى نهضة سياسية أولا، تنشر الديمقراطية وحرية التفكير وحرية التجريب، وتفتح أفقا رحبا للمبادرات الأكاديمية، وتتعهد الدولة باستيعاب الكفاءات حسب نجاحها وإبداعها، وليس حسب أي اعتبار آخر، مما يتطلب:
1 -

تخصيص موازنة لائقة بالبحث العلمي في البلاد العربية، وإلحاق مراكز بحثية لائقة بأقسام الدراسات العليا في الجامعات العربية.
2 -

احترام الحريات الأكاديمية وصيانتها وعدم تسييس التعليم أو عسكرته، وهو ما يعني من الناحية العملية، احترام حقوق الإنسان وخضوع السلطة والأفراد للقانون، وذلك عبر إعطاء أعضاء الهيئات الأكاديمية والعلمية حرية الوصول إلى مختلف علوم المعرفة والتطورات العلمية وتبادل المعلومات والأفكار والدراسات والبحوث والنتاج والتأليف والمحاضرات، واستعمال مختلف وسائل التطور الحديثة، من دون تعقيد أو حواجز.
3 -

إعادة النظر في سلم الرواتب التي تمنح للكفاءات العلمية العربية، وتقديم حوافز مادية ترتبط بالبحث ونتائجه،

ورفع الحدود العليا لمكافأة البارزين من ذوي الكفاءات، وتقديم الحوافز التشجيعية والتسهيلات الضريبية والجمركية، للوفاء بالاحتياجات الأساسية، خاصة منها المساعدات التي تضمن توفير السكن المناسب وتقديم الخدمات اللازمة لقيامهم بأعمالهم بصورة مرضية.
إنّ الجامعات لا يمكن أن تنتج معرفة بدون حريات أكاديمية، ومراكز الدراسات والبحوث لا يمكن أن تعمل وتنتج معرفة جديدة في ظل تدخلات وممنوعات تفرضها السلطات العربية، أو بعض القوى الجاهلة في المجتمع تارة باسم " الأعراف والتقاليد " وتارة باسم " السلم الأهلي " وتارة أخرى باسم " الدين ". وبالطبع لا يمكن الحديث عن إنتاج معرفة لا يمكن النطق بنتائجها في غياب حرية التعبير كلاما وكتابة، مما يجعلنا ننتظر حصول تغييرات كبرى في عقلية وإرادة وتوجهات وبنية الدولة العربية نفسها، وخاصة في مجالات:
(1) -

استقلال الجامعات العربية
لعل قضية استقلال الجامعات، محتفظة بشخصيتها المعنوية وتدبير شؤونها بنفسها تحت إشراف وزارة التعليم العالي، هو أحد أهم المداخل لتطوير البحث العلمي. وذلك من خلال رفع يد السلطات عن الجامعات، ووقف التدخل الأمني والسياسي في شؤونها، واختيار القيادات الجامعية عن طريق الانتخاب، بدءا من منصب رئيس الجامعة حتى عميد الكلية ورؤساء الأقسام، والعمل على تطوير البحث العلمي والدراسات العليا من أجل النهضة بمستوى التعليم الجامعي.
(2) -

إصلاح الجامعات العربية
ثمة مستلزمات واشتراطات لابد أن تُعتمد رسميا من قبل الجامعات العربية لتسري تطبيقاتها على الجميع من اجل إصلاحها، إذ يجب:
1 - فصل الجامعات العربية عن سياسات الأنظمة السياسية، باعتبارها مؤسسات علمية وأكاديمية بحتة، وأن لا ترتبط تلك المؤسسات بأية أجهزة أمنية.
2 - التعامل مع الأساتذة على أساس منح الحقوق وأداء الواجبات، بشكل متوازن وقانوني ومتعارف عليه.
3 - تداول المسؤولية وتكافؤ الفرص في المواقع من حين إلى آخر، ويراعى في الاختيار أولئك المتميّزين من الأكاديميين.
(3) -

الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية
طبقا لأعمال المؤتمر العلمي الثاني للحريات الأكاديمية في الجامعات العربية، الذي ُنظِّم من قبل مركز عمّان لدراسات حقوق الإنسان بالتعاون مع شبكة علماء تحت الخطر، وشبكة التعليم والحقوق الأكاديمية وجامعة الأمم المتحدة/معهد القيادة الدولية، في 10 أبريل/نيسان الماضي، فإنّ المطلوب في شأن الحريات الأكاديمية هو:
1 -


العمل على تطوير التشريعات والسياسات الخاصة بشؤون الجامعات العربية بما يحقق الأهداف والمتطلبات اللازمة للنهوض بواقع هذه الجامعات الحكومية والخاصة، لتعزيز الحريات الأكاديمية، وتفعيل المنظومات التشريعية القائمة متى كانت ضامنة لمبادئ ومسيرة هذه الحريات.
2 -

العمل على منح الجامعة دورا مهما في وضع السياسات العامة للتعليم، والاستقلال في تحديد المناهج الدراسية والمساقات، وتحديد معايير أكاديمية وأخلاقية شفافة للترقية العلمية.
3 -

العمل على تجنب التدخل بالسياسات المتصلة بالمناهج وتعيين أعضاء هيئة التدريس، وضرورة اعتماد مبادئ الكفاءة والنزاهة والشفافية عند اختيار أعضاء هيئة التدريس وقبول الطلبة، ولن ندرك ذلك إلا من خلال الاستقلال العلمي والإداري والمالي للجامعات العربية.
4 -

. العمل على إصدار دليل شامل باسم " دليل الحريات الأكاديمية العربية "، يشمل المبادئ والآليات ومناهج تدريبية، والعمل على توزيعه على جميع الجامعات العربية..
5

-
العمل على إشاعة مبدأ الحصانة الأكاديمية، في حدود البحث العلمي، والعمل على إقرارها في التشريعات العربية ونشرها في وسائل الإعلام.
6 -

العمل على دعم وتشجيع المبادرات المحلية لتشكيل روابط وهيئات للحريات الأكاديمية في البلدان العربية.
دولة الكفاءة لا دولة الولاء
بعد سقوط الأنساق السياسية المغلقة، التي كانت تحتكر الحقيقة السياسية، وظهور أنساق سياسية مفتوحة، تتعدد فيها الأصوات، وتبرز المعارضة وتتنافس الأحزاب والجماعات السياسية. وبعد أن أضحى مجتمع المعرفة يقوم على أساس تنمية الإبداع والاعتماد على الأنساق الفكرية المفتوحة، القادرة على مواجهة مشكلات العالم الجديد المعقدة. فإنّ ما نحتاج إليه هو دولة بالمعنى الحديث، بعد أن صارت النخب الحاكمة تعتبر ممارساتها السياسية والأمنية هي المرجعية الوحيدة في الدولة، وكل ما يخرج عن إطارها إنما يجنح نحو الخيانة والمساس بالأمن الوطني أو القومي، وبالتالي فإنّ أي حراك اجتماعي وأي نشاط في الشأن العام هو حكر على أصحاب السلطة، وعليه أن يستند إلى ما تقوله وتمارسه وتفرضه عبر وسائل الطاعة العمياء والترداد الببغائي.
إنّ المأمول هو الوصول إلى الدولة بمعناها الحديث، أي عبر مندرجات العقد الاجتماعي التي تجد أساسها في تحقيق مفاهيم المواطنة والديموقراطية التعاقدية، ذلك أنّ النظام الأصلح في أي بلد عربي هو ذلك النظام الذي يحفظ التوازن الوطني وكفاءة المؤسسات وتكاملها وتعاونها، ويوفر فاعلية السلطات وتناوب المسؤولين وتجديد البنى السياسية.
وهذا يقتضي التعاقد على أساس سياسي يوفر، بشكل ملزم ودائم، آلية إنتاج السلطة الوطنية على قاعدة التوازن الوطني، وبالتالي يتوجب ممارسة المسؤوليات في مؤسسات الدولة والسلطة الدستورية والمؤسسات العامة على قاعدة الاستحقاق والمؤهلات دون تفرقة أو تمييز بين مواطن وآخر.
إنّ التحول من دولة الولاء إلى دولة الكفاءة هو تحوّل من الشكل التقليدي للدولة إلى دولة المؤسسات والقوانين، وبالتالي تحوّل الناس من مجرد رعايا تابعين وغير مبالين إلى مواطنين مشاركين، بإمكانهم التأثير والتغيير من منطلق تساوي الفرص.
وعندما نتكلم عن دولة الكفاءة فإننا نقصد دولة المؤسسات ودولة النظام ودولة القانون التي تحترم أسس قيام دول الحق والقانون، لأن الكفاءة تعني التقيّد بالدستور والالتزام بالقوانين السارية وتنفيذ القرارات، والفصل بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة. كما أنّ الكفاءة تعني أنّ اختيار الرجال والنساء يتم على أساس الشفافية الكاملة، وعلى مقاييس النزاهة والقدرة على العمل والإنجاز لا على مقاييس الانتماء والولاء فقط. وما يجب أن لا نغفل عنه أنّ الشخص الكفء يشعر بالانتماء والولاء للمكان دائما، لأنه يعمل ونتائج عمله يراها على أرض الواقع، وبالتالي يشعر بأنه جزء من ذلك الواقع ومن ذلك المكان، ومن الطبيعي أن يولد لديه ولاء للمكان الذي يعمل فيه. أما الذي يدّعي الولاء بلا كفاءة فلا شيء يربطه بأي مكان غير الكلام والشعارات، فهو اليوم هنا وغدا هناك. ويبقى الولاء شيئا معنويا لا يمكن اختباره على أرض الواقع، بينما الكفاءة مسألة مادية من السهل التأكد منها بناء على العمل الذي يُنفَّذ والنتائج التي نراها.
ومما يجدر الانتباه إليه دائما أنّ حسن اختيار الكفاءات هو من علامات البناء الصحيح للمجتمع ولأية مؤسسة، وفي المقابل فإنّ من علامات فساد المجتمع وفشل المؤسسات عدم التركيز على الكفاءات في من تسند إليهم مهام كبيرة. وللأسف فإنّ ذلك يتم على أسس غير سليمة، كالقرابة والصداقة والمحسوبية في بعض الأحيان، وفي بعض الدول على أساس الحزبية والطائفية، وفي أحيان أخرى على مدى النفاق والمداهنة.
وعندما نعتمد أسلوب الاختيار على أساس الكفاءة فإننا نعطي أملا لجميع المواطنين في إمكانية التغيير، فطالما أنّ الكفاءة هي المعيار، وهذا المعيار لا علاقة له بجنس أو حزب أو قبيلة أو لون أو شكل، فإنّ حق العمل والوصول إلى تحقيق الطموحات الشخصية والعامة تكون متساوية للجميع، بعيدا عن الحسابات التي لا تكون لها أية قيمة في معادلات بناء الأوطان، ويصبح الباب مفتوحا أمام الجميع، كل حسب اجتهاده وجهده.
كما أنّ الاختيار على أساس الكفاءة يحوّل الناس من سلبيين وساخطين ومحبطين دائما إلى أناس مشاركين وفاعلين ومتطلعين ولهم أمل، وتساعد على خلق صفوف جديدة من القيادات الشابة التي تستعد لأخذ دورها، بناء على جهدها وعملها ونشاطها.
إنّ من صالح دولنا العربية إطلاق سراح البحوث العلمية، وجعلها في مأمن من المزايدات ومن صراع قوى الشد والجذب في مواقع التفكير والقرار في حكوماتنا العربية. فلا بد من ضمان حرية البحث، وفي مقدمتها حرية اختيار الموضوع والظاهرة، وتجنب الوصاية بنوعيها السياسي والديني. وإذا أرادت دولنا العربية، خاصة القيّمون عليها من القادة والنخب، أن تفتح مسارات وطرقا واسعة لها باتجاه امتلاك زمام المبادرة الحضارية في المستقبل، عليها أن تعيد الاعتبار للعمل المؤسساتي، ولدولة القانون والعدل، وتتيح عملية المشاركة في صنع القرار، وتقوم بتنمية الثروة بالإدارة العلمية الكفؤة، وتجعل من العلم والبحث العلمي المبدع رافعة للدولة والمجتمع على أساس أولوية العلم والثروة البشرية على المال، باعتبار أنّ هناك طاقة وقيمة حضارية مختزنة في ذات العلم تضع المال والثروة في خدمة هذا العلم الذي يوّلد ثروة ومال الأمة.
إنّ التعليم العالي في العالم العربي سيظل يعاني من مشاكل مستدامة، وسيبقى دون مستوى الطموح، إذا لم يصار إلى بعض المعالجات الجوهرية التي تتعلق أولا بإبعاد المؤسسات العلمية عن مؤثرات السلطة السياسية، سواء في القيادات العليا أو عمادات الكليات والكوادر الإدارية الأخرى، وأن تعتمد المعايير العلمية الدقيقة في اختيار تلك القيادات.
تونس في 18/6/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) - في الأصل ورقة قُدمت في المؤتمر الخامس والعشرين لمنتدى الفكر المعاصر حول " دور الجامعات والباحثين بين حرية الإبداع وممارسات الرقابة " في الفترة من 19 إلى 21 يونيو/حزيران 2008، بدعوة من " مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات " و " مؤسسة كونراد أديناور بتونس ".

-----------------------------------------------------


تعلموا الديمقراطية من دول إسلامية لكنها ــ مع الأسف ـــ غير عربية....لماذا؟
الكثير من المثقفين العرب نعوا الديمقراطية في بلاد الإسلام، واعتبروا أن الإسلام هو العائق الأساس والمعضلة الصعبة في إقامة الديمقراطية، كونها تتناقض والتعاليم الإسلامية!!...لكنهم لم يبذلوا جهدا.في التعرف على محيط أقرب إليهم من الدول الغربية المتهمة بتصدير الديمقراطية لنلحق بها استعمارياً!، في الوقت الذي تقبع فيه دول على بعد فراسخ منا وتجاور الكثير من بلداننا العربية ، دول افريقية إسلامية اتخذت من الديمقراطية نهجا سياسيا وحلا لمشكلاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، وتتشابه معها ليس في الأسلمة فقط، وإنما في تعددية الانتماء الإثني والطائفي والقبلي، وتعدد اللهجات بل اللغات أيضا، لكنها لا تحمل بهرجة إعلامية ولا سمعة تكنولوجية وتنتمي لعالم الفقر والنمو...وهنا يكمن التشابه ، لكنها على ما يبدو أدركت قبلنا وسبقتنا بمراحل في وعيها للحل الأمثل... لقد وجدت هذه الدول أن الحل الوحيد لمعضلاتها هو تبني الطريق الديمقراطي لتتخلص من نزاعاتها الإثنية وحروبها الطائفية والقبلية والعرقية، فعمد مسئوليها...رغم أن بعضهم خرج من ثياب العسكر وتنحى ليسمح للحياة المدنية والتعددية الحزبية أن تأخذ طريقها لحيز الوجود، دون أن يخشى على نفسه ولا مكانته شيئا، لأنه يوقن أن العدل والمساواة والقانون المدني هو طريق النهوض والخروج من حصار التدهور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.ا
أتعرف ياصديقي وابن بلدي، أن العبرة هذه تأتينا من أكثر الدول الإفريقية فقراً؟
نعم إنها دولتي مـــــا لـــــي والسنغـــــــــال!
كما لا يسعنا أن ننسى أكبر دولة إسلامية في تعداد سكانها ومساحتها ومكانتها بين دول شرق آسية، والتي حكمها ديكتاتور عسكري كقائد وحيد امتلك المال والسلطة...وترك الفساد ينخر حكومته والمقربين منه حين استخدموا السلطة من أجل الثروة...فعمدوا لإفقار البلاد وتخريبها...هل ننسى كيف حكم سوهارتو أندونيسيا لمدة 32 عاماً؟
وكيف قضى على كل الحركات اليسارية والأحزاب الشيوعية خاصة؟...لكن حركة الطلاب والشارع وثورته على الجوع والفساد...أجبرت هذا الحاكم الوحيد صاحب العصا والقمع والتسلط والأكثر دموية بين ديكتاتوريي عصره على التنحي ــ اللهم إلا ديكتاتوريينا الشرق أوسطيين ، فإنهم الأكثر تفوقا وندرة في البطش والفتك بشعوبهم والأشهر عالميا وإسلاميا وعروبيا بقدرتهم على القمع والقتل في السجون، وهل يعقل أن يقبل صدام حسين وشقيقه الألد حافظ الأسد أن ينافسهم في القمع والاضطهاد؟ــ
نعم أجبرته حركة الطلاب وثورة الشعب على الفساد والجوع على التنحي...ومغادرة السلطة وتسليمها...نعم عمت الفوضى البلاد لمدة قصيرة نسبة لما عاشته من إقصاء وقمع وفساد لأكثر من ثلاثة عقود بعد حكم ديكتاتوري طويل، لكن أندونيسيا اليوم خرجت من ثوب الديكتاتورية وودعته للأبد...وهاهي تنعم بالاستقرار السياسي والانتخابات الحرة والنمو الاقتصادي.
أما السنغال، والتي تقع مجاورة لموريتانيا العربية، التي ربما أصابتها العدوى هي الأخرى فعمدت للسير بركب جارتها ونأمل لها الاستقرار والحياة الرغيدة والرفاه الديمقراطي..كما تجاور المغرب العربي...لكن هذه السنغال ، والتي يدين 94% من شعبها يالدين الإسلامي، ويفوق تعدادهم ال 11 مليون نسمة، أثبتت أن مجتمعها من أكثر المجتمعات (علمــــانيـــــة )، لكن الإسلام لم يظهر كمنافس للسلطة في الدولة، وإنما كقوة موازية في المجتمع المدني ...تراقب وتحد من بطش الدولة، وتأتي أهمية الإسلام في السنغال من خلال تمتين العلاقات بين الدولة والمجتمع لا في الصراع على السلطة...كيف لنا أن نغفل أن السنغال بعد استقلالها حكمها رئيس مسيحي كاثوليكي لمدة عشرين عاماً هو السيد " ليوبولد سيدار سنجور"، ...ربما أطلق عليه السنغاليون الكثير من الألقاب كنقد لمسيرته، لكن أيا من هذه النعوت لم يتخذ سمة الكفر والإلحاد ولم يتطرق لكونه من دين الأقلية! ـــ وهل ننسى نحن السوريون عندما كان لنا ديمقراطيتنا بعد الاستقلال ، أن رئيس وزرائنا كان المرحوم " فارس الخوري "؟!!
أي الرجل المناسب يوضع في المكان المناسب حسب كفاءته وانتمائه للوطن لا للطائفة ولا للحزب القائد! ــ فقد أطلق عليه السنغاليون مثلاً لقب " الداعر السياسي "...أو " خادم فرنسا"
لكنهم أبدا لم يتناولوا دينه!.
رئيس السنغال الديمقراطي اليوم السيد " عبدلله واد " ، متزوج من مسيحية كاثوليكية، كما كان سلفه لدورتين انتخابيتين ، عبدو ضيوف متزوجاً هو الآخر من مسيحية!...هل يمكن أن تنطبق هذه الحال على دولة عربية مسلمة؟ ولماذا؟
إذن العيب ليس في الانتماء للإسلام كدين...لكنه ربما يدخل في الانتماء للعروبة؟! من يدري؟ ربما أن هذه الأنظمة التي جاءتنا باسم القومية وشعاراتها في " الوحدة والحرية والاشتراكية" ، أو التي قلبت العملة إلى " حرية وحدة اشتراكية" ...كانت سببا في سقوطنا ببراثن الاستبداد وأنظمة احتكار السلطة بيد ديكتاتور واحد أحد، وحزب وحيد في القيادة للدولة والمجتمع؟! ...كيف يمكننا أن نتصور أن بلداً كالسنغال فقير في موارده الاقتصادية، التي تعتمد على الصيد والزراعة وينتمي سكانها لمجموعات عرقية متعددة " الوولوف، الفولانيون، السرر والتركولور ...وغيرها من القبائل والإثنيات الأقل عددا، ولكل مجموعة لغتها وعاداتها، لكن لغة البلاد الرسمية هي الفرنسية، كما تتحدث غالبية السكان لغة الوولوف...
الأهم في كل ماسبق ، أن دستور السنغال ينص على أن:ـــ دولة السنغال " دولة علمانية"
لماذا لا يجد سكانها اعتراضا وتعارضا مع دينهم؟...لماذا لا تحدث الفوضى والاضطرابات بين هذا التعدد السكاني؟ ...ومع أن الكثير من عربنا، يعتبر أن السنغال دولة متخلفة وفقيرة!!
لكنها أثبتت أنها أكثر وعيا ونضجا وتطورا فكريا من الدول العربية قاطبة!
هل آخذكم بجولة لدولة أكثر فقرا تحاصرها الصحراء ...وتشمل معظم أراضيها...وتساوي الصحراء ما نسبته 65% من أراضيها؟
إنها دولة مـــالـــي الإفريقية الإسلامية...ذات النظام الديمقراطي، والتي مرت بالكثير من الحروب الاثنية والصراعات القبلية، لكنها خرجت منتصرة على كل صعوباتها حين اتخذت من التعددية السياسية ونظام الانتخابات الحر مع نظام أحزاب متطور يعترف بكل الانتماءات السياسية ، حيث يوجد في مالي :ـــ
96 حزبا سياسياً تتنافس معظمها على السلطة، لأن نظام الحكم في مالي نظاماً تعددياً، ينتخب فيه الرئيس مباشرة من الشعب وقد فاز رئيسها الحالي " ألفا عمر كوناري" ب 71.2% من الأصوات ــ أي لم يفز ب 99.9 % من أصوات لم تقترع ولم تشارك في انتخاب!! ـــ وتنافست هذه الأحزاب على المجلس التشريعي المكون من 147 عضوا وأهم تحالفاتها الحزبية هو" التحالف من أجل الديمقراطية الذي يشتمل على تحالف 14 حزباً"، هو الذي قدم الرئيس ألفا عمر وحصل على الفوز من خلاله...
علماً أن مالي تتكون من إثنيات عرقية متعددة أهمها، الماندي ويشكلون 50% من السكان ثم البول ويشكلون 17% ويليهم الفولتايك 12% ثم السنغاي 6% والطوارق والعرب ويشكلون 10% ومجموعات أخرى صغيرة.
يتحدث سكان مالي الفرنسية لغة البلاد الرسمية إلى جانب لغة محلية ينطق بها معظم السكان وتسمى لغة البمبارا ، ويدين معظم سكان مالي بالإسلام أي 90% منهم مسلمون والباقي بين المسيحية والديانات الإفريقية القديمة...
عاشت مالي الكثير من الاضطرابات والحكم العسكري بعد انقلاب عام 1968 والذي قاد فيه البلاد موسى تراوري، وخلفت الكثير من الجرحى والقتلى والمعاقين ...لكن في عام 1991 تزعم السيد" ألفا عمر" انقلابا عسكريا وتنحى فيه عن السلطة وسلمها لحكومة انتقالية، نظمت انتخابات حرة وديمقراطية لأول مرة عرفتها مالي عام 1992 حين وقعت الحكومة على ميثاق " اتفاق المصالحة الوطنية"، وتنعم مالي منذ ذاك التاريخ بالحرية والديمقراطية، وعاد رئيسها الحالي للحكم بعد انقطاع عشر سنوات .. أي أنه كعسكري لم يحتكر السياسة والحكم والسلطة، فقط عاد في انتخابات عام 2007.
و للإطلاع فقط، أزودكم بموقف من مواقف هذا الرئيس، الذي لا يرى تعارضا بين الإسلام كدين والديمقراطية كنظام حكم ، حين نفصل الدين عن السياسة ونترك لكل ذي شأن شأنه .
يقول في إحدى مقابلاته:ـــ" جمهورية مالي ، دولة ديمقراطية ولا يوجد لدينا تناقض بين الإسلام والديمقراطية، بل العكس هو الصحيح، لأن الإسلام يدعو للتكافل والتضامن والعدل والمباديء التي تقوم عليها الديمقراطية، هي أيضا مباديء إسلامية".
لا أريد أن أحيلكم على جارتنا التركية ، راعية سلامنا الحالي!، لأن العديد منكم ربما يقول، أن العسكر فيها من يحمي علمانيتها، لكني أتمنى لو حذت معظم الأحزاب السياسية ، التي تتخذ من الدين الإسلامي منهجا سياسيا حذو حزب العدالة والتنمية التركي ...أو أن تعمل على الإصلاح الديني وتطور المفاهيم ، التي تتخذ من تكفير الآخر المختلف شعارها وديدنها، أو تسمح لنفسها بتبني سلطة الله على الأرض والمدافع عن دينه ، ولا أعتقد أن الدين يحتاجها...كما لا اعتقد أنه بحاجة لكل هذا الحجم الهائل من الأحزاب الناطقة باسم الرب والمدافعة عنه وكل منها لا يرى غيره في الساحة ، بل ويحتكر الدين لنفسه ولمنهجه...ويعمل تقتيلا وإجراما، وكأن الله ودينه بعبعاً لإخافة البشر ونشر الذعر والهول والخراب في الكون!
لماذا إذن نختلف نحن العرب عن دول إسلامية أخرى؟، هل لكوننا أكثر تمسكا ، وأكثر صوابا في تديننا؟ ..أم لأننا أكثر تعصبا وشوفينية ؟ أم أن مأساتنا تكمن في أنظمتنا الاستبدادية الشمولية؟

فلورنس غزلان ــ باريس في 21/06/2008

---------------------------------------------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا