Mittwoch, 11. Juni 2008


نحو مفهوم جامع يعزز الانتقال إلى الديمقراطيةفي البلاد العربية
الدكتور علي خليفة الكواري*
إن دعوتنا هذه إلى بناء مفهوم عربي للديمقراطية يسهل الانتقال إلى أنظمة حكم ديمقراطية, تنطلق من الحاجة الماسة إلى القيام بمقاربات مسئولة تسمح بإزالة التعارض بين العقيدة الإسلامية وبين نظم الحكم الديمقراطية. كما ترتكز على ضرورة تأسيس نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية على مبدأ الوطنية وقيم العدل والإنصاف وضرورة مراعاة الوظيفة الاجتماعية للملكية. وفي تقديرنا أن التوافق على مقاربات جامعة للديمقراطية سوف يساعد على مواجهة التشويه الخارجي والتطبيق الشكلي من قبل أنظمة الحكم الفردية القائمة.كما يؤدي إلى إزالة الغموض الذي يحيط اليوم بمفهوم الديمقراطية ويعرض أصحاب المصلحة في قيامها إلى صراعات عبثية تطيل عمر الاستبداد, الأمر الذي سوف يؤدي الى ترشيد الحوار بين القوى التي تنشد التغير السلمي ويسمح بنمو حركة ديمقراطية دستورية جامعة فاعلة في كل دولة عربية. حركة لابد للمنصفين في العلم من احترمها ولا تملك الحكومات إلا أن تراعي وجودها وتشرع في التفاوض معها من أجل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية, ولو بعد حين. ومما يوسف له أن مفهوم الديمقراطية لدي القوى التي تنشد التغيير في الدول العربية غير متفق عليه ولا يشكل قاسما مشتركا بينها, حيث مازال مفهوم الديمقراطية عند بعض الحركات والأحزاب والنخب هو مجرد آلية للانتخابات وربما لمرة واحدة, وعند بعض الأحزاب والنخب الاخرى تبدو الديمقراطية مطابقة للبرالية وقبول الديمقراطية –عند هذا البعض- يتطلب قبول القيم اللبرالية الفردية المتطرفة اجتماعيا والرأسمالية اقتصاديا. ولحسن الحظ أن هذه المقاربات المطلوبة والتي تربط بين الديمقراطية وبين الأهداف الوطنية الكبرى في اى مجتمع باعتبار الديمقراطية هدفا ووسيلة لتحقيق الخيارات الوطنية, ممكنة اليوم بفضل تطورات حدثت في مفهوم الديمقراطية المعاصرة بعد أن انتشرت الممارسة خارج دائرة الحضارة الغربية, وتم التمييز بين الليبرالية باعتبارها عقيدة وبين الديمقراطية باعتبارها منهجاً ونظام حكم, قادر على مراعاة عقائد المجتمعات دون احتكار عقيدة أو أخرى له وتحويله إلى مجرد آلية من آليات الخضوع لها...هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى...لابد من التأكيد إنه إذا كانت للمجتمعات تفضيلاتها, فإن نظام الحكم الديمقراطي له بالضرورة مقوماته أيضاً, ولابد لكل شعب يريد تفكيك الاستبداد ويدرك مفاسد استمرار حكم الفرد أو القلة, من أن يقوم المفكرون فيه و قياداته السياسية بإجراء مقاربات جوهرية تزيل التعارض بين ما هو بالضرورة من عقائد وقيم مجتمعهم, وماهو بالضرورة أيضا من مقومات نظام الحكم الديمقراطي. وذلك بالتركيز على جوهر كل منهما من أجل تأصيل مفهوم الديمقراطية وتوطينه في الثقافة القومية بعد تنقية مفهوم الديمقراطية مما علق بها من عقائد. من هنا تبرزـ بشكل ملح ـ ضرورة القيام بمقاربات فكرية وسياسية مسئولة, بين ثوابت المجتمعات العربية ومقومات نظم الحكم الديمقراطية. وفي هذا الورقة أستهل الحوار بمناقشة التالي:
( 1)
مقومات نظم الحكم الديمقراطي
(2)
إشكاليات الديمقراطية وإمكانية مقاربتها
(3)
توصيف نظم الحكم العربية الراهنة
(4)
الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية.
(1)مقومات نُظم الحكم الديمقراطي الديمقراطية المعاصرة اليوم ليست عقيدة كما أنها لا تنافس الأديان, وإنما هي
منهج ونظام حكم يتأثر مضمونه بالضرورة, باختيارات المجتمعات التي يطبق فيها. وما نراه من محاولات تصدير واستيراد لشكل الديمقراطية دون مضمونها, إنما هو تشويه للديمقراطية وتكفير لمجتمعاتنا العربية والإسلامية بها. وكذلك فإن نُظم الحكم الديمقراطية نظم مُحْـكَمَة لها مقومات مشتركة من مبادئ ومؤسسات وآليات وضوابط وضمانات, لا تقوم لنظام الحكم الديمقراطي قائمة إذا انتقص منها. ويمكن لنا إذا دققنا في قراءة نُظم الحكم الديمقراطي عبر القارات والحضارات _ من ماليزيا والهند إلى جنوب إفريقيا و أمريكا اللاتينية إضافة إلى أوربا ودائرتها الحضارية_, أن نجد مقومات عامة مشتركة بين أنظمة الحكم التي تكتسب اليوم صفة الديمقراطية. وتتمثل هذه المقومات في خمسة مقومات عامة مشتركة:[1]-أولها: مبدأ الشعب مصدر السلطات نصاً وروحاً وعلى أرض الواقع. فنظام الحكم الديمقراطي يعبر عن حق تقرير المصير وهو بالضرورة يتطلب ان لايكون هنك احتلال اجنبي للبلد, و أنما يجب أن يكون الشعب مصدر السلطات وأن لا تكون هناك بشكل ظاهر أو مبطن سيادة أو وصاية لفرد أو لقلة على الشعب تحتكر السلطة أو الثروة العامة. وجديرٌ بالتأكيد أن ممارسة السلطة مسألة عملية و هي إما أن يكون مصدرها فرد أو قلة أو يكون مصدرَهَا هو الشعب أو الكثرة منه على الأقل. ولتأكد من وجود هذا المبدأ يجب التمعن بشكل خاص في النص الدستوري وما يحيله على القوانين من صلاحيات. فكثيرا ما يؤخذ بالقانون ما اعطاه الدستور, ويصبح الوضع القائم هو الحكم بالقانون بدل حكم القانون الذي هو مبدءا ديمقراطي ثابت.والى جانب ذلك واهم منه هو النظر إلى حقيقة الممارسة وهل الشعب أو الكثرة منه على الأقل هو مصدر السلطات قولا وفعلا, أم أن إرادة الحاكم الفرد أو القلة الحاكمة هي صاحبة السلطة المطلقة والقول الفصل.
ثانيها: مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية الفاعلة, واعتبار المواطنة ولاشئ غيرها مصدر الحقوق ومناط الواجبات دون تمييز. وأبرز مظاهر المواطنة الكاملة هي تساوي الفرص من حيث المنافسة على تولي السلطة و تفويض من يتولاها. وكذلك الحق المتساوي في الثروة والمناصب العامة التي لا يجوز لأيٍ كان أن يدعي فيها حقا خاصا دون الآخرين.
ثالثها: مبدأ التعاقد المجتمعي المتجدد الذي يتم تجسيده في دستور ديمقراطي ملزم لكل مواطن, حاكما كان أو محكوما. ويتجلى التعاقد المجتمعي المتجدد في المشاركة الفاعلة لأفراد المواطنين وجماعاتهم في وضع الدستور وتعديله عبر الأجيال. و في العادة يوضع الدستور الديمقراطي من قبل جمعية تأسيسية منتخبة تملك إرادتها وتعبر عنها بحرية. رابعها :قيام الأحزاب خاصة ومنظمات المجتمع المدني على قاعدة المواطنة وممارسة الديمقراطية داخلها وفيما بينها. وهذا المبدأ من أهم مقومات استقرار نظام الحكم الديمقراطي ويجب التأكيد عليه في مرحلة الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي,حيث تكون الاحتقانات الفئوية على أشدها والميل إلى التمترس الطائفي والاثني والقبلي والمناطقي ظاهرة بارزه, ربما نتيجة ما لحق ببعض الفئات من ظلم في عهود حكم الاستبداد.
أن تأسيس نظم حكم ديمقراطية بحجة التوافقية على أساس المحاصصة الطائفية البغيضة بدل الالتزام بمبدأ المواطنة في الدولة وفي الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني,هو مشروعا للحرب الأهلية بدلا من التأكيد على الاندماج الوطني الذي لاتقوم لنظام الحكم الديمقراطي قائمة, إذا لم يتحقق حدا ادني منه قادرا على تنمية مجتمع حقيقي يرتبط الإفراد والجماعات فيه بوحدة المصير فيما بينهم أكثر من ارتباط مصير فئة رئيسية منهم بمجتمع أخر.
لذلك فأن التزام الأحزاب وما في حكمها من تنظيمات بقاعدة المواطنة في عضويتها قولا وفعلا وقيامها بممارسة الديمقراطية داخلها, هو الضمانة للممارسة الديمقراطية في الدولة, لأن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقال. أن الأحزاب بحكم التعريف العلمي هي منظمات تسعى للوصول للسلطة ومن المحتمل وصول إي منها للحكم, فإذا لم تكن تمارس الديمقراطية وتتداول السلطة داخلها ولا تعكس عضويتها تنوعا مقبولا وطنيا,فأن نظام الحكم لن يكون ديمقراطيا ويصعب استمرارتداول السلطة سلميا فيه عندما يكون التداول يؤدي الى انتقال السلطة من النقيض إلى النقيض المتربص به.من هنا فأن ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب وفي منظمات المجتمع المدني وفيما بينها[2] وتركيبة العضوية فيها, مقومات رئيسية من مقومات نظام الحكم الديمقراطي. وهذه هي الديمقراطية في المجتمع وهي الأساس للديمقراطية في الدولة و الضمانة لسلامة الممارسة. لذلك لابد من مقاربة سياسية لاشكالية الاحزاب الدينية والمذهبية والاثنية والمناطقية , التي اصبحت بارزة في الحياة السياسية العربية. خامسها:الاحتكام إلى شرعية دستور ديمقراطي, والدستور الديمقراطي يجب أن يؤسس على ستة مبادئ عامة مشتركة لاكتساب أي دستور صفة "الديمقراطي". وهذه المبادئ الستة الهامة المشتركة في كل دستور ديمقراطي هي:أولاً: أن لا سيادة لفرد أو لقلة على الشعب. واعتبار الشعب مصدر السلطات, يفوضها دورياً عبر انتخابات دورية فاعلة وحرة ونزيهة[3].
ثانياً:إقرار مبدأ المواطنة باعتبارها مصدر الحقوق ومناط الواجبات. ثالثاً:سيطرة أحكام القانون والمساواة أمامه. وأن يسود حكم القانون وليس مجرد الحكم بالقانون[4].
رابعاً: عدم الجمع بين أي من السلطات التنفيذية أو التشريعية أو القضائية في يد شخص أو مؤسسة واحدة.خامساً: ضمان الحقوق والحريات العامة دستورياً و قانونياً وقضائياً, ومن خلال ضمان فاعلية الأحزاب ونمو المجتمع المدني المستقل عن السلطة ورفع يد السلطة, وكذلك يد مراكز المال عن احتكار وسائل الإعلام وكافة وسائل التعبير وتأكيد حق الدفاع عن الحريات العامة وعلى الأخص حرية التعبير وحرية التنظيم.وكذلك حقوق الاقليات والمعارضة في اطار الجماعة الوطنية.سادساً: تداول السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية سلمياً وفق آلية انتخابات حرة ونزيهة و فعالة تحت إشراف قضائي كامل ومستقل بوجود شفافية تحد من الفساد والإفساد والتضليل واستغلال النفوذ العام في العملية الانتخابية.
(2)أهمية وإمكانية مقاربة إشكاليات الديمقراطية يتطلب الانتقال إلى الديمقراطية في كل حضارة لم يسبق لها الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي أن ينظر المفكرين فيها بعمق إلى مشكلات و إشكاليات الديمقراطية في مجتمعهم والتي حالة دون انتقاله في الماضي من حكم الفرد أو القلة إلى نظام حكم ديمقراطي. ومن أجل ذلك لابد من القيام بقراءة مدققة لكل من ثوابت المجتمع ..من ناحية و مقومات الحكم الديمقراطي من..ناحية أخرى. وذلك من أجل التمييز بين ثلاثة أنواع من العقبات والعمل على تذليلها : أولها: المشكلات
وثانيها:التشوهات. وثالثها: الإشكاليات.
وإذا كانت المشكلات والتشوهات هي من الأمور المعتادة التي يمكن حلها بالمواجهة المباشرة , فان الإشكاليات ليس لها حل واحد بسيط مباشر, وإنما تحتاج إلى مقاربة وجهات النظر وإزالة سوء الفهم من خلال قراءة مدققة هادئة للإشكالية وفرز ما علق بها من حمولة عاطفية وإسقاطات, بهدف إزالة اعتراضات وتحفظات الأطراف المختلفة حول مدلول المبادئ المتعارضة التي أدت إلى بروز الإشكاليات. ومن قراءة أدبيات الديمقراطية باللغة العربية, نجد أن هناك عدداً من الإشكاليات[5] :
أول هذه الإشكاليات هي ما يسمى إشكالية الإسلام والديمقراطية. وتنبثق هذه الإشكالية من احتمالات تعارض مبدأ الشعب مصدر السلطات وما يتضمنه هذا المبدأ من حق الشعب في التشريع, مع الأحكام القطعية للشريعة الإسلامية. ويدور الجدل بين المتمسكين بمدلول مبدأ الشعب مصدر السلطات و الذين يُصرون على إطلاق صلاحية التشريع دون قيود, باعتبار أن إيمان المسلمين بعقيدتهم وحرصهم على ماهوه من الدين بالضرورة, هو القيد الحقيقي على المشرع حيث أن مضمون الديمقراطية في أي حضارة لا يخرج عن قيم تلك الحضارة فهو في المقام الأول نابع من خياراتها ... هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى .... بين الذين يصرون على أن تكون الشريعة الإسلامية قيداً على المشرع, ويختلفون بين أن يكون النص الدستوري هو الشريعة الإسلامية مصدر رئيس أو الرئيس للتشريع. كما يختلفون - وهذا أصعب- في تعريفهم للشريعة الإسلامية هل هي المبادئ والمقاصد التي جاء بها الوحي أم إنها الفقه والفكر الإسلامي أيضا[6]. وفي بعض الأحيان يبدو أن بعض المقيدين للمُشرع بالشريعة الإسلامية, يدعون إلى وضع هذا القيد في يد " رجال الدين ". الأمر الذي سيجعل القول الفصل في التشريع في يد قلة, كما هو الحال في إيران مما يثير شبهة الدعوة إلى حكومة دينية[7].
وحسب اعتقادي فأن الإسلام لا يفرض حكومة دينية ولا يعطي علماء الدين حق وصاية تحولهم الى رجال دين, وإنما الحكومة مدنية مرجعها الأحكام القطعية المنزلة. كما أن جوهر الديمقراطية يرفض حكم القلة ووضع سلطانها فوق سلطة الشعب. ويبدو من متابعتي للمقاربات التي قدمت في العقود الأخيرة أن هناك توافقاً بين طيف ديمقراطي في كل من التيارات الإسلامية والتيارات الوطنية, على مقاربة هذه الإشكالية المركزية[8]
.فقد تزايد القبول لنظام الحكم الديمقراطي داخل التيارات الإسلامية. كما تزايد اعتراف التيارات الوطنية بمكانة مبادئ ومقاصد الشريعة الإسلامية ووجوب مراعاتها في التشريع. وجدير‘‘بالتأكيد أن هذه الإشكالية لا يمكن مقاربتها في جو المواجهة والسجال .وإنما يجب الخروج من الجدل إلى قراءة متأنية لما لا يقوم نظام الحكم الديمقراطي بدونه من مقومات. وهذه المقومات تم تحديدها في القسم السابق من الورقة تحت عنوان مقومات الديمقراطية. وكذلك قراءة سمحة للشريعة الإسلامية تحقق المصالح المرسلة وترفع الحرج عن المسلمين. وحسب وجهة نظري فأن الديمقراطية تقبل القيود الدستورية على التشريع, والحد دستورياً من سلطة المشرع. وهذه القيود طالما إنها لا تخل بالمقومات الجوهرية لنظام الحكم الديمقراطي ـ السابق ذكرها ـ يمكن النص عليها في الدساتير, كما يمكن للقضاء الدستوري الحكم بها دون نص باعتبار أن نظام الحكم الديمقراطي لايعمل في فراغ وإنما تضبطه إلى جانب مبادئ وأحكام الدستور, مرجعيات وقيم ومنها مواثيق حقوق الإنسان بالنسبة للدول الليبرالية على سبيل المثال. ولعل تعديلات المحكمة الدستورية في الولايات المتحدة ومنها إلغاء الرق لتعارضه مع القانون الطبيعي, تشير إلى وجود قيود على حرية المشرع في الديمقراطية الليبرالية أيضاً. كما أن حكم المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان بمنع الضرب في المدارس البريطانية قد قيد برلمان " وستمنستر " وهو أكثر البرلمانات حرية في التشريع, بضرورة مراعاة حقوق الطفل. لذلك فإن مراعاة التشريع في الدول التي يكون معظم سكانها من المسلمين,لمبادىء الشريعة الإسلامية لا يتعارض في حد ذاته من حيث المبدأ مع الديمقراطية, طالما كان ذلك لا يقيم حكومة ثيوقراطية ولايعطي لعلماء الدين سلطة معطلة لمبدأ الشعب مصدر السلطات ولا يقيم سيادة أو وصاية لفرد أو لقلة مهما كانت صفتها الدينيةاو الاجتماعية على الشعب. وإذا كان لي أن أحدد أهم بعدين يتطلب مقاربتهما حتي تكون الشريعة الإسلامية قيداً ديمقراطياً على الممارسة الديمقراطية دون أن تمس مبدأ الشعب مصدر السلطات. فإنني أذكر التالي
:أولاً: لابد من تحديد ماهو المقصود بالشريعة المقيدة للمُشرّع. هل هي ما جاء به الوحي ومقاصده والأحكام القطعية العامة في القرآن والسنة. أم إنها الفقه والفكر الإسلامي. وفي تقديري أن قبول مقاصد الوحي قيداً دستورياً على المُشرّع لا يخل بمبدأ الشعب مصدر السلطات فهو إحالة إلى مرجعية تُؤمِنْ بها الأغلبية العظمي من الشعب ولا تقبل الخروج عليها. ثانياً: لابد من تحديد الجهة التي تفصل في أمر مدى مراعاة الشريعة الإسلامية من عدمه في التشريع. وفي تقديري أن هذه الجهة يجب أن تكون محكمة دستورية تنظر في دستورية القوانين وليس أية جهة أخرى. وهذا التحديد جوهري لما يؤدي إليه من إبعاد الممارسة الديمقراطية عن وصاية فرد أو قلة من الشعب. كما يؤكد على مبدأ الشعب مصدر السلطات ولا سيادة لفرد أو قلة عليه, الذي لا تقوم للديمقراطية قائمة إذا تم تعطيلهما. وفي ندوة حوار عقدها مشروع دراسات الديمقراطية في الإسماعيلية عام 2006 أكد الدكتور عصام العريان أن الإخوان المسلمين يقبلون أن تكون المحكمة الدستورية هي الجهة المناط بها الحكم بمراعاة مبادئ الشريعة الإسلامية في التشريع, كما أتفق أيضاً مع المستشارة تهاني الجبالي القاضية في المحكمة الدستورية في مصر, على أن ما جاء في الدستور المصري حول كون مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع أمر كاف ولا حاجة لتغييره. وقد كان مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية أيضاً, يثير إشكالية لدى التيارات الإسلامية لما يفرضه من المساواة السياسية بين المواطنين دون تمييز ديني, ولما يتيحه من حق تولي المناصب العامة في نظام الحكم الديمقراطي دون اعتبار للجنس أو الدين أو المذهب. ولحسن الحظ فقد برزت عدد من المقاربات المسئولة أزالت اللبس عن هذه الإشكالية وتوصلت إلى أن مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية من حيث المبدأ لا يتعارض مع جوهر العقيدة الإسلامية. وأن الولاية جائزة لكل مواطن في نظام الحكم الديمقراطي حيث يكون كل مسئول هو منفذ للدستور والقانون وليس مفوضا بأصدار الاحكام,كميقول طارق البشرى. ولعل ما يحضرني من مقاربات أحمد كمال أبوالمجد و طارق البشري[9] و فهمي هويدي وغيرهم كثيرون, لإشكاليات مبدأ المواطنة مع الإسلام, تضع أساساً صلباً لاستكمال هذه المقاربات بما لا يتعارض مع جوهر نظام الحكم الديمقراطي الذي أصبحت التيارات الإسلامية والوطنية تجتمع على ضرورة قيامه من أجل تفكيك الاستبداد. وبالرغم من ذلك مازالت حركة الإخوان المسلمين في مصر لم تحسم هذا الأمر الذي يعتبر حسمه مدخلا استراتيجيا للتوافق الوطني في مصر.ثاني الإشكاليات تتمثل في احتمال تعارض نظام الحكم الديمقراطي إذا لم يتم التأكيد على مبدأ العدالة الاجتماعية, مع قيم العدل و الإنصاف والوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة والثروة العامة, و كذلك إخضاع الحريات الفردية المتطرفة لمتطلبات الحريات الجماعية[10].
وهذه إشكالية ثقافية حيث أن هذه القيم تتعلق بالوجدان الجمعي و النظرة المجتمعية لوظيفة الحكم في المجتمعات العربية والإسلامية.
ومن هنا نجد أن الاستبداد في الحياة السياسية العربية, يتم تحسينه و تجميله بالعدل ـ لما للعدل من مكانة ـ في مقولة " العادل المستبد" حتى يتم تسويقه على الجماهير, بل إن الجماهير في كثير من الأحيان قد تقبل الاستبداد و تتنازل عن حق تحديد الخيارات واتخاذ القرارات العامة مقابل حصولها على العدل الذي هو أساس لكل حكم مرغوب في البلاد العربية والإسلامية[11]. من هنا فإن تأسيس نظم الحكم الديمقراطية المنشودة في الدول العربية وتضمين دساتيرها مبادئ العدل والإنصاف و الوظيفة الاجتماعية, أمر لا يتعارض مع مقومات الديمقراطية من ناحية. كما أنه مطلوب حتى يتم ربط الديمقراطية بالأهداف والتفضيلات المجتمعية, ويحمي نظام الحكم الديمقراطي من الانحراف ـ خاصة في المراحل الأولى للممارسة الديمقراطية - عن قيمة العدل و الإنصاف ومبدأ الوظيفة الاجتماعية للملكية, التي يجلها الوجدان العربي والإسلامي وتعتبرها العامة مصدراً من مصادر الشرعية الحقيقية لنظام الحكم.ثالث الإشكاليات تتمثل في الفصل المصطنع بين الديمقراطية والوطنية واتخاذ الديمقراطية سبيلاً لتفكيك الهويات الجامعة واختراق الأمن القومي للدول العربية,بحجة العولمة وانتها عصر العقائد وانتهاء التاريخ عند سيادة الغرب وقيمه ومصالحه. وهذه ليست إشكالية حقيقية وإنما برزت نتيجة التشويه الذي تتعرض له الديمقراطية في الدول العربية عندما يتم تصديرها واستيرادها ضمن مفاهيم الهيمنة الخارجية ومشاريع الشرق الأوسط الكبير أوالجديد. من هنا فإنه يحسن بالقوى التي تنشد التغيير أن تميز نفسها وأن تطرح نظام الحكم الديمقراطي باعتباره نظام حكم وطني ينطلق من المصلحة الوطنية ويسد ثغرات الاختراق الخارجي ويفوّت الفرص على الراغبين في تفكيك الدول العربية وإضعاف مجتمعاتها من خلال "الديمقراطية" المشبوهة.ورابع الإشكاليات هو ضمان حق مشاركة الأقليات العرقية و الاعتراف بثقافتها دون أن يؤدي ذلك إلى تفكيك الدولة الوطنية الديمقراطية أو فتح المجال للتدخل الخارجي. و مقاربة هذه الإشكالية تكتسب أهميتها من الظلم الذي وقع على الأقليات العرقية وربما المذهبية أحياناً. كما تستمد أهميتها من ضرورة توفير مكانة لائقة للأقليات في أنظمة الحكم الديمقراطية, تحقق من خلالها ذاتها وتمارس ثقافتها في إطار اندماج وطني حقيقي ينطلق من التأكيد على القواسم المشتركة للعيش المشترك ويجنب الأقلية استبداد الأغلبية. من هنا فإن الديمقراطية الوفاقية غير الجامدة وغير الطائفية, في المرحلة الأولى للتحول الديمقراطي مهمة, حتى تطمئن الأقليات وتأمن استبداد الأغلبية. وفي ذلك أيضاً سد لثغرة التدخل الخارجي واللعب بالنسيج الوطني لكل دولة عربية. المهم أن تؤسس الديمقراطية الوفاقية على مبادئ دستور ديمقراطي ـ فالديمقراطية الوفاقية هي ديمقراطية في المقام الأول قبل أن تكون وفاقية ـ وأن يؤسس للعودة إلى الديمقراطية التنافسية تدريجاً من خلال تحقيق الاندماج الوطني, باعتبار الديمقراطية الحقة هي تعاقد مجتمعي متجدد لا يجمَد عند ضرورات مرحلة من مراحل التعاقد والوفاق مثلما حصل في لبنان حيث تطورت الديمقراطية الوفاقية المرنة في سويسرا على سبيل المثال وجمدت الممارسة اللبنانية حتى أدت إلى حرب أهلية في لسبعينيات. وإلى جانب الدور الذي يمكن أن تقوم به الديمقراطية الوفاقية من حيث إدماج الأقليات وحمايتهم من احتمالات استبداد الأغلبية, فإن الديمقراطية الوفاقية غير المؤسسة على المحاصصة الطائفية وغير الجامدة يمكن أيضاً أن تُقدم مدخلاً مناسباً للانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في حالتين: أولهما: حالة وجود حاكم مستنير يرغب في الانتقال إلى الديمقراطية تدريجياً ومثال ذلك الحاكم هو عبدالله السالم في الكويت الذي توافق على دستور الكويت لعام 1963 مع جمعية تأسيسه منتخبة. حيث كان التعاقد بين الأسرة الحاكمة ممثلة في الحاكم وشعب الكويت ممثلاً في الجمعية التأسيسية المنتخبة.وقد جاء دستور البحرين لعام 1973 مطابقا لدستور الكويت لعام 1963 ولكن مع الأسف عطل ذلك الدستورفي عام 1975 واستبدل أخيرا بدستور 2002 الذي لايتمتع بوفاق وطني حوله.ثانيهما: حالة ضعف ثقة كل من القوى الفاعلة في الأخرى وشعور كل منها بتربص القوة الأخرى ضدها حال استلامها للسلطة. وفي هذه ربما تكون الديمقراطية الوفاقية المرحلية غير المؤسسة على المحاصصة الطائفية أو العرقية, هي المدخل المناسب للانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي. وجديرٌ بالتأكيد هنا أن الديمقراطية الوفاقية هي ديمقراطية كاملة تتوفر فيها كافة مقومات نظام الحكم والدستور الديمقراطي التي سبقت الإشارة إليها. وأي توافق لايخل بتلك المقومات والمبادئ يجب أن يكون قيداً دستوريا تنظر فيه محكمة دستورية, ولا يكون أمر الحكم به عائداً لفرد أو قلة اوزعامات الطوائف مهما كانت صفتها أو مكانتها.
(3)
توصيف نظم الحكم العربية الراهنة إذا نظرنا بعمق إلى أنظمة الحكم العربية المعاصرة في ضوء مقومات نظام الحكم الديمقراطي السابق ذكرها, نجد الكثير منها ما زالت من حيث النص الدستوري لم تنتقل من حيث المبدأ إلى نظم حكم ديمقراطية. بل ان اغلبها توصّـف علمياً بأنها من أنظمة حكم الفرد المطلق حيث تكون إرادة الحاكم الفرد ـ ملكً أو سلطان أو أمير أو رئيس جمهورية ـ هي مصدر السلطات. وإن الدستور أو النظام الأساسي في هذه الدول, إما أنه يحتفظ للحاكم بالسلطة المطلقة بشكل صريح, أو أنه يلتف على المواد الدستورية التي تقول إن الشعب مصدر السلطات, بمواد دستورية أخرى تجهض هذا المبدأ الديمقراطي الجوهري وتتيح للحاكم الفرد أن يحتفظ بالسلطة والثروة والنفوذ ويوزعها كيفما شاء " مكرمات " حينما يشاء, سواء احتاج ذلك منه إلى تعديل الدستور وتزوير إرادة المواطنين بالاستفتاء, أو دون حاجة لتعديل دستور المنحة أو عقد الإذعان, طالما يتمتع الحاكم بالحماية الخارجية. أما الدول العربية الأخرى التي تنص دساتيرها على أن الشعب مصدر السلطات فإن معظمها إن لم تكن كلها تقوم بتعطيل ذلك المبدأ بكثرة التعديلات في الدستور لتلبية رغبة الحاكم, اضافة الى قوانين الطوارئ المزمنة وأخواتها من قوانين. كما أنها تتحايل على مبدأ الشعب مصدر السلطات, بتوفير شكل الممارسة الديمقراطية دون الالتزام بموضوعها, عن طريق تسخير السلطة التشريعية والقضائية إلى جانب السلطة التنفيذية والإدارة العامة وأجهزة الأمن, لإرادة الحاكم الفرد المطلق من خلال " حزب الحاكم "[12] الذي يسمى ظلماً في عدد من الدول العربية " الحزب الحاكم " وهو ليس له من الحُكم شيء. من هنا فإن معظم أنظمة الحكم في الدول العربية إن لم تكن كلها, لم تنتقل إلى نُظم حكم ديمقراطية بعد. هذا بالرغم من ضرورة التأكيد أن هناك فروقاً جوهرية بين أنظمة الحكم العربية من حيث الانفتاح السياسي ومستوى حرية التعبير وحكم القانون ونمو المجتمع السياسي والمجتمع المدني.وكذلك إمكانياتها المالية وقدرتها على الركون إلى الجزرة في كسب الولاء قبل استخدام العصاء إذا دعت الحاجة لاستمرار إستراتيجية بقاء الحال على ماهو عليه من انفراد بالسلطة والثروة. وهذه الفروق التي تعبر عن درجة الانفتاح السياسى, بالرغم من أهميتها في عملية الانتقال إلي نُظم حكم ديمقراطية إذا ما استفادت منها القوى التي تنشد التغير في بنا قوسم مشتركة وتنمية حركة ديمقراطية دستورية, مازالت قاصرة عن تأهيل معظم نُظم الحكم العربية المعاصرة لاكتساب صفة نظام الحكم الديمقراطي. ولعل نظرة خبيرة فاحصة على دساتير وممارسات الدول العربية تيرهن على ذلك القصور.
(4)الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية يحسن بنا قبل الحديث عن حالة الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في الدول
العربية ومتطلباتها, أن نميز بين مصطلحات كل من "الانفتاح السياسي"، و"الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية"، و"التحول الديمقراطي". فهناك اليوم خلط للمصطلحات وفي المفاهيم بين حالة الانتقال الى الديمقراطية والذي هو نقلة تارخية دستورية وتغيير نوعي في جوهر الممارسة والشرعية السياسية ومصدر السلطات, يتم بوجبها انتقال السلطة قولا وفعلا من الفرد او القلة الى الشعب. وبين كل من المرحلة التي تسبق الانتقال الى الديمقراطية وهي مرحلة الانفتاح السياسي, والمرحلة التي تلي الانتقال الى نظام حكم ديمقراطي وهي مرحلة التحول الديمقراطي الذي هو صيرورة مستمرة وممتدة في الزمن الى ما شاء االله. فالانفتاح السياسي Political Openness هو نمو شعورواقعي لدى نظام حكم الفرد أو القلة بتآكل شرعيته التقليدية أو الثورية، ومن ثم قيامه نتيجةً لذلك، بتقديم تنازلات سياسية من حيث الشعارات ومن حيث درجة ضبطه لحرية التعبير والتنظيم أحياناً، بل وربما قيامه بتبني بعض آليات الديمقراطية ومؤسساتها، لكن دون أن يصل ذلك إلى الإقرار بأن الشعب قولاً وفعلاً، هو مصدر السلطات، وإنما على العكس، يبقى الحاكم الفرد، أو تظل القلة الحاكمة، مصدر السلطات. وفي هذه المرحلة لايمكننا القول بوجود ديمقراطية حيث لم يتم بعد الانتقال الى نظام حكم ديمقراطي. وجدير‘‘ بالتأكيد ان الانفتاح السياسي هو تعبير عن تقدير السلطة لعدم قدرتها على الاستمرار في الحكم بأسلوب حكمها السابق. الأمر الذي يؤدي بها الى الانفتاح السياسي والذى بدوره يسمح بإطلاق صيرورة لازمة ولكنها غير كافية، قد تصل بالبلد إلى الانتقال إلى الديمقراطية، وقد تقف عند مقاربة شكل الديمقراطية وإنكار مضمونها عند الممارسة.وهذا امر محتمل جدا إذا لم تتوافق القوى التي تنشد التغيير, على قواسم مشتركه تؤهلها لوضع طلب فعال وتنظيم حركة وطنية من أجل الانتقال إلى الديمقراطية, موظفة هامش الانفتاح السياسي المتاح من أجل تنمية شروط الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي ,مستفيدة في ذلك من وجود التوجهات العالمية الراهنة ضد حكم الفرد او القلة. وكذلك مستفيدة من وجود حاكم مستنير, ان وجد.
إما الانتقال إلى الديمقراطيةTransition to Democracy فهو حالة تاريخية وفترة زمنيةمحدودة يتم فيها الانتقال الى نظام حكم ديمقراطي وفق توافق تعاقدي متجدد يتجسد في دستور ديمقراطي يوضع موضع التطبيق,الأمر الذي يؤدي إلى نقلة نوعية من خانة نظام حكم الفرد أو القلة بمختلف مسمياتها ومصادر شرعيتها، إلى نظام حكم ديمقراطي، يؤسس على مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية، ولا سيادة فيه لفرد أو لقلة، والشعب فيه هو مصدر السلطات التي ينظمها دستور ديمقراطي, تراعى فيه ثوابت المجتمع دون أن تنتقص فيه مبادئ ومؤسسات وآليات وضوابط وضمانات عامة مشتركة ومستقرة في مختلف نظم الحكم التي اكتسبت صفة الديمقراطية في الوقت الحاضر,كما سبقت الإشارة. من هنا يمكننا من خلال فحص دستور دولة ما وممارساتها ومصدر السلطات وحالة المواطنة فيها وحرمة المال العام، على مستوى النص الدستوري وفي الممارسة الفعليةً، أن نضع نظام الحكم في خانة نظم الحكم الديمقراطية، أو نضعه في خانة نظم حكم الفرد أو القلة وإنْ ادعى الديمقراطية وكانت فيه بعض مظاهرها مثل الانتخابات. وتأتي بعد الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي وقطع الصلة بنظام حكم الفرد أو القلة, عملية التحول الديمقراطي Democratic Transformation . وهذه عملية مستمرة وليست حالة وفترة زمنية محدودة. بل هي صيرورة ذات اتجاه إصلاحي تقدمي تهدف إلى استيعاب الديمقراطية كنظام للحكم ودمجها في الثقافة الوطنية وانعكاسها على السلوك الفردي والجماعي باعتبارها تتضمن خلق وقيمة و تعبر عن ثقافة وسلوك، وليست فقط توافق سياسي فرضته الضرورة عندما تم الانتقال من نظام حكم الفرد أو القلة إلى نظام حكم الكثرة. أن هذا التميز بين الانفتاح السياسي وبين كل من الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية وما يلي ذلك من صيرورة التحول الديمقراطي في تقديري, ضروري لضبط المصطلحات من أجل الارتقاء بالحوار حول الديمقراطية من مستواه الملتبس والمضطرب الراهن, ومن ثم توجيه الحوار الى تحديد الاشكاليات التي يجب مقاربتهاوالمشاكل التي يجب حلها من أجل تعزيز جهود الانتقل من حكم الفرد الى نظام حكم ديمقراطي. كما ان هذا التمييز مفيد لتحديد مهمات كل مرحلة وبناء التحالفات بين القوى التي تنشد التغيير على أساس القواسم المشتركة لكل مرحلة والأهداف الوطنية الجامعة التي يمكن واقعيا تحقيقها. أن مهمات مرحلة الانفتاح السياسي على سبيل المثال من وجهة نظر الساعين الى الديمقراطية, تتمثل في تأصيل الثقافة الديمقراطية وممارستها ونشرها,بعد مقاربة مفهوم الديمقراطية وضبط مصطلحاتها. كما تتركز في تعبئة اصحاب المصلحة في الديمقراطية وبناء الاحزاب وبقية منظمات المجتمع المدني على اسس وطنيةوتنمية رأي عام مستنير, وصولا الى قيام حركة ديمقراطيةفعالة تعمل من أجل تأكيد حكم القانون و بناء الدولة وتحقيق الاندماج الوطني وبروز دور المؤسسات, حتى يصبح ممكنا تحويل الدولة الى مؤسسة منفصلة عن شخصية الحكام وخزينتها منفصلة عن خزينتهم, تقف على مسافة واحدة من كل المواطنيين فيها دون استثناء. الامر الذي يمهد لنقلة تارخية وهي لحظة قبول الحاكم الفرد نتيجة لتوازن القوى بين السلطة والمجتمع,التوصل مع الحركة الديمقراطية الى دستور ديمقراطي ووضعه موضع التنفيذ.وهذا هو الحد الفاصل بين نظام حكم الفرد او القلة ونظام الحكم الديمقراطي. فلا يمكن القول بوجد ديمقراطية قبل ان تؤسس السلطات في الدولة وفق شرعية دستور ديمقراطي._________ في اطار هذا التمييز بين مرحلة الانفتاح السياسي وحالة الانتقال الى الديمقراطية وفي ضوء توصيف أنظمة الحكم العربية الراهنة والتأكيدعلى حقيقة انها لم تنتقل بعد إلى الديمقراطية وظلت تراوح مكانها منذ عقود... ما هي الأسباب؟ وهل للانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية من سبيل؟ وما هو تفسيرنا لانتقال عدد متزايد من الدول من خلفيات حضارية متعددة، في مقابل تعثر و انسداد مسارات الانتقال الديمقراطي في الدول العربية. اذا كان لي ان المس هذه التساؤلات في ختام هذه الورقة وهي بالمناسبة موضوع اللقاء السنوي الثامن عشر القادم لمشروع دراسات الديمقراطية , ففي تقديري تقف وراء هذا التعثر والانسداد في مسار الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية ، أسباب متعددة ومتداخلة منها حكم الاستبداد الممتد عبر التاريخ وقصور الثقافة السياسة, والتي ربما يأتي في مقدمتها تدني مستوى الالتزام بالديمقراطية فكرا وممارسة أو حتى الافتقار إلى الصدق والوضوح بين قسم كبير من اللاعبين الرئيسيين على المستوى العربي الأهلي إلى جانب المستوى الرسمي . ومنها أيضا عجز القوى التي تنشد التغيير عن التوافق على قواسم مشتركة وأهداف وطنية جامعة, تؤسس لقيام نظام حكم ديمقراطي بديل لنظم الحكم القائمة, يكون مقنعا لمجتمعاتها وللعالم . ومن الملاحظ أن هذا المأزق مستمر بالرغم من تزايد شعور قوى المعارضة السلمية بعجز كل منها عن القيام بالتغيير من ناحية , ومن ناحية أخرى ما نلاحظه من تآكل مسوغات الشرعية التقليدية والشرعية الثورية واضطرار أغلب الحكومات العربية إلى إحداث انفتاح سياسي متحكم فيه.من هنا فان القوى التي تنشد التغيير السلمي في المنطقة العربية تحتاج إلى الاقتناع بالديمقراطية والى الالتزام بموجباتها ,حيث أن الغالبية منها لا تمارس الديمقراطية داخلها ولا فيما بينها, وبعضها لا يحقق مبدأ الموطنة و بذلك تقصي بالضرورة فئات من الشعب من عضويتها، وانه يغلب على علاقاتها المماحكة والتناحر,أن لم نقل الشقاق وإنها تفتقر إلى الإرادة والثقة المتبادلة لنمو حركة دستورية وطنية تؤسس لقيام أنظمة حكم ديمقراطية. ان الديمقراطية لا تتوافق مع روح الاقصاء كما تتطلب ان يكون التنافس بين الاحزاب على السلطة وفق برامج سياسية وطنية وليس تنافسا دينيا ومذهبيا او اثنيا اقصائيا على السلطة. كما أن أنظمة الحكم العربية ما زالت في حقيق
--------------------------------------------------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا