ميشيل كيلو
تذكر مناسبة الجلاء، التي تحولت إلي روتين يتكرر كل عام، بأمر واحد رئيسي هو: المسألة الوطنية وأبعادها الداخلية والخارجية، وبفكرة واحدة رئيسية هي أنها كان يجب أن تكون مسألة السياسة السورية المركزية، التي يتم انطلاقا منها إنتاج الحياة العامة بما فيها من أفكار ومواقف ومصالح، رسمية وشعبية، ويتوقف علي الرغبة في حلها لصالح الوطن كل أمر آخر، وترتبط بها مهام السلطة والدولة والمجتمع، والتربية التي يتلقاها المواطنون، وأشكال التفاعل التي تقوم بينهم ومع الجهات التي تمثلهم، أحزابا ونقابات وسلطات.لكن الجلاء يعتبر، في العقل السياسي السائد، مناسبة من الماضي تذكر بما حدث فيه مرة كل عام، فليس لها أي حضور تفاعلي مع الراهن، باستثناء تلك الاحتفالات والمهرجانات والمناسبات الخطابية، التي تقام لساعات قليلة هنا وهناك، ثم يطويها النسيان طيلة عام كامل، كأن البلاد ليس عندها مسألة وطنية، أو كأن الجولان ليس محتلا منذ حوالي أربعين عاما هي ثلثا تاريخ سورية المستقلة، أو كأن الدولة ليست منقوصة أو منتهكة السيادة، وفق أي معيار قانوني ووطني وعقلاني، ما دامت عاجزة عن ممارسة شرعيتها علي جزء من أرضها الوطنية، وعاجزة عن استعادته سلما أو حربا، بعد أن تحول إلي قضية ـ فرعية ـ من قضايا السياسة، ودخل في ملابسات تضعه تحت عناوين كثيرة ليست ذات أهمية مركزية، وصار مجرد الحديث عنه مؤجلا للمناسبات، في غير علاقة السلطة بالداخل السوري، حيث تحريره مسألة تتوقف علي عدم وجود معارضة أو اعتراض، باعتبار أن العدو القوي لن تقهره سورية منقسمة علي ذاتها بسبب المعارضة، يضعف وحدتها ويشتت تركيزها ما يصدر هنا وهناك من نقد أو اعتراض، ويرفع من مطالبات بالحريات والإصلاح . هل من حاجة إلي القول إن ثمة هنا مفارقة غريبة: ذلك أنه في الوقت تلاشت فيه المسألة الوطنية نحو الخارج، نجد أنها تضخمت كثيرا، ولكن كمسألة سلطوية في الداخل، سلاحها الأقوي خطاب رسمي يكرر دون ملل ـ ودون قدرة علي الإقناع ـ أننا في مرحلة تحرر وطني تجعل التفاف جميع القوي حول السلطة قضية مقدسة، وتجعل من الخيانة ـ أو الضلال ـ إرباك من بيدهم الأمر والنهي من خلال طرح مسائل ـ قد تكون مهمة ومحقة ـ في وقت غير ملائم، يعني قبول السلطة بها تأجل التحرير وإدخال البلد في متاهات تخدم العدو المحتل والمتربص!بسبب هذه المفارقة، التي حولت مسألة مركزية إلي قضية داخلية من طبيعة محض سلطوية، ابتعدت المسألة الوطنية عن الوعي العام، وغابت وراء ألف مشكلة ومشكلة، وازدادت ضبابية وغموضا، وصارت رهنا بأوضاع دولية تارة، وعلاقات عربية طورا، ألقيت مسؤولية الآثار السلبية، التي تترتب علي العجز عن حلها، علي هذه الجهة أو تلك، دون بينة أو دليل. بل إنه مر حين من الدهر كان ممنوعا فيه حديث السوريين عن الجولان، لأن حديثهم عنه كأرض محتلة كان يسيء إلي أجواء تضج بأحاديث انتصارات القيادة في كل ميدان وصعيد. لذا، لم يبق له مكان علي ألسنة بنات وأبناء الشعب، وسياسات السلطة، وأدخل موضوعه، الشديد الوضوح، في تعقيدات غامضة، نأت به أكثر فأكثر عن الوعي الوطني والعام، خاصة بعد فصل القوات عام 1974، الذي حوله إلي جزء بعيد وهامشي من الوطن، وربط مصيره بألف مجهول ومجهول، ففقد نهائيا مكانته وصفته كمسألة مركزية للدولة والمجتمع في سورية ـ وصفه أحد المسؤولين في حديث مع الكتاب بجملة ها الكام صخرة ، منه تبدأ السياسات والمصالح، وبمعياره تقاس، وإلي تحريره تؤولأين نحن من الجلاء، جلاء الصهاينة عن أرض الوطن، وليس جلاء الفرنسيين عن أرض سورية، الذي حققه آباؤنا وأجدادنا بغالي التضحيات، بعد أن جعلوا منه هدفا لهم لا يعلو عليه هدف، وكرسوا حياتهم لتحقيقه، وعملوا من أجله واستشهدوا في سبيله، واتحدوا وتآلفوا وتعاضدوا وتضامنوا، لعلمهم أن بلوغه رهن بوحدتهم وتآلفهم وتعاضدهم وتضامنهم، وأنه لا يجوز أن يغيب وراء أي قصد أو هدف غيره، وأن تحقيقه يتطلب جهدا يتخطي أي حزب وأية سلطة، لن ينجزه غير مجتمع حر لمواطنين أحرار، لحرية وطنه معني وجودي بالنسبة إليه، لأنه لا معركة بلا حرية ولا حرية بلا كرامة. عندما أيقن المحتل الأجنبي أن سورية بلغت هذا الطور، حمل عصاه ورحل، دون أن يلتفت كثيرا إلي الخلف.واليوم، وسياساتنا لا تعتبر تحرير الجولان قضية تري بدلالتها قضاياها الأخري جميعها، في الداخل والخارج، وتعتقد أن تحريره ليس أمرا ملحا يستحق أن تخاطر من أجله بما في يديها، وتواجه مشكلة حقيقية هي أنها لا تستطيع العودة إلي لغة السلاح بعد أن أخفقت في لغة المفاوضات، مثلما لا تستطيع العودة إلي لغة المفاوضات لأن توازنات القوي لا تسمح لها بالعودة إلي لغة السلاح، فإن البلد يجد نفسه أمام خيارات صفرية، مع أن لدي شعبه من القدرات والطاقات ما يمكنه من خوض أي نزال، وقهر أي عدو، إذا ما توفرت الشروط التي أقامها إبان معركة الجلاء الأول، وتتلخص في نقطتين جوهريتين: الحرية والعدالة، المواطنة والمشاركة.هذا التشابك بين المسألة الوطنية، التي تحولت إلي مسألة خارجية أو برانية، وبين المسائل الداخلية، جعل الجولان حاضرا في المناسبات، دون أن يترتب علي حضوره أية فاعلية داخلية حقيقية من شأنها أن تجعل تحريره ممكنا، وحوله من رافعة كان يمكن أن تستنهض الوطن إلي مشكلة تشحنه بالعجز والضعف، وتدفعه إلي مزيد منهما. بينما أيقن العدو أنه مكان لا يستطيع أصحابه إرغامه علي مغادرتها، مع أنه موقع أمني واستراتيجي خطير الأهمية بالنسبة إلي مصيره ومصير سورية، مكنه من امتصاص حيوية وزخم بلد كان يتحداه ويذكره بهشاشة مشروعه ووجوده، ومن ترويض شعبه ودولته، ومنحه القدرة علي التدخل في أي وقت لتحديد مصيره وتحديد شؤونه، فهو، إذن، درة عليه التمسك بها، خاصة وانه لا يواجه ما أو من يزعجه بسببها!ليس الجولان، كمركز للقضية الوطنية السورية، وراءنا، إنه أمامنا بكل معني الكلمة، وسيبقي أمامنا إلي أن نستعيده: جزءا غاليا وعزيزا من الوطن، الذي فقد باحتلاله سيادته وكرامته، وسيسترد بتحريره دوره
16 04 أبريل 2007
16 04 أبريل 2007
----------------------------------------------------------

إنذار الجوع في مصر (*)
" يا واخد قوتي... يا ناوي على موتي "
الدكتور عبدالله تركماني
دخلت مصر عصر المجاعة، وهذه المجاعة كشفت حجم الأزمة المجتمعية والسياسية الشاملة، فعلي السطح يبدو أنّ أزمة الخبز التي اجتاحت مصر في الأسابيع الأخيرة قد عكست أزمة أشد تتمثل في اتساع مساحات الفقر، وحدّة ارتفاع الأسعار، خصوصا السلع الغذائية.
إنّ مشكلة الخبز في مصر لها أسباب عدة منها: ارتفاع أسعار القمح عالميا، كذلك عدم اهتمام استراتيجية التنمية الزراعية في مصر بالتركيز على زيادة إنتاج الحبوب، بدعوى أنه لا بد من التركيز على زيادة إنتاجية الخضر والفاكهة لتصديرهما. كما أنّ سياسة صنع الجوع ونشره يؤكدها تفاقم الفساد وحجم التبديد المترتب عليه. ثم أنّ مصر تحولت من دولة الرعاية الاجتماعية إلى دولة الليبرالية الاقتصادية، لكنها أحجمت عن الليبرالية السياسية، مما أدى إلى انسداد أفق العمل السياسي، وهو ما ظهر جليا في انتخابات المجالس المحلية، التي وصفتها قوى عدة ومؤثرة بأنها " هزلية ولا تمت بصلة إلى معايير الانتخابات المتعارف عليها دوليا ".
وهكذا، لم يكن تاريخ 6 أبريل/نيسان يوما عاديا في القاموس السياسي المصري، فتوالت الأسئلة مثل: هل نعيش 18 و19 يناير/كانون الثاني أخرى؟ في اشارة إلى " انتفاضة الخبز " التي اجتاحت مصر في العام 1977 عندما قررت الحكومة رفع الأسعار. إذ أنّ عمال المحلة الكبرى هم أول من أطلق الدعوة الى تنفيذ " عصيان مدني" رمزي يتخلله إضراب عام عن العمل والدراسة في كل أرجاء البلاد، وهي الدعوة التي انتشرت وشاعت بقوة بعدما تبنتها قوى وحركات احتجاج وتداولها الشباب عبر مواقع شبكة " الأنترنت " ورسائل الهواتف المحمولة. وربما مثّل خيال ودينامية حركات الاحتجاج الصغيرة كـ " كفاية " وشبكات النشطاء والمدونين، وهي تلعب أدوارا مهمة
في إعادة السياسة إلى الشارع المصري والانفتاح على بؤر التوترات الاجتماعية وتوظيف زخمها في الحياة السياسية، نقطة الضوء الوحيدة في مشهد شديد التوتر يبدو عصيا على التغيير الحقيقي.لقد دعت الحركة المصرية من أجل التغيير " كفاية " الشخصيات العامة والقوى والأحزاب والجماعات الحية ومن وصفتهم بـ " قيادات الغضب الاجتماعي " في مصر إلى تشكيل " ائتلاف المصريين من أجل التغيير "، ليكون " ائتلافا وطنيا جامعا لأحزان وأشواق المصريين " وائتلافا يعتمد أساليب العصيان والمقاومة المدنية السلمية لكسب الحرية، ويستدعي ضمائر العالم لنصرة قضية الشعب المصري.
لقد نزل عمال مصر إلى الشارع وهم يهتفون " الإضراب حق مشروع ضد الفقر.. ضد الجوع "، متجاوزين الحركة السياسية التقليدية المعلبة بالأطر الرسمية، وصنعوا قياداتهم الميدانية، ودفعوا إلى الأمام بتنظيمات سياسية جديدة كانت حتى الأمس القريب وليدة وضعيفة، ولكنها بالتقاطها للحظة التاريخية تقدمت بأيام قليلة، وتجاوزت تنظيمات عمرها العشرات من السنين، مكونة بذلك فضاء سياسيا جديدا، لم يكن ليتوقع أكثر المتفائلين منها حدوث هذه الاختراقات المذهلة.
ويبقى السؤال: أيهما أجدى في تعامل الحكومة المصرية مع المحتجين ؟ الشرطة والأمن والعصي والغازات المسيلة للدموع والضرب وشج الرؤوس، أم الحوار السياسي لمعرفة أسباب الغضب والانتهاء إلى حلول يشارك في وضعها المنتفضون، ووضع خطة وطنية شاملة للقضاء على الفساد والغنى الفاحش وإعادة توزيع الثروة الوطنية طبقا لمقياس العمل والكفاءة وحدهما، والتخفيف من سطوة حكومة رجال الأعمال، وحماية مصر من شر مستطير، يأكل الأخضر واليابس إذا استمر الأمر على هذا النحو، وزاد الانفصام ؟
إنّ غياب رؤية استراتيجية متكاملة لكيفية إدارة الانتقال نحو اقتصادات السوق، في مجتمع يعيش أكثر من ثلث سكانه تحت خط الفقر، ومن دون تعريض السلم الاجتماعي لمخاطر كبرى، قد عنى محدودية فاعلية الإجراءات الرسمية وبقاءها دوما في خانة الحلول الجزئية وعلاجات المسكنات.
ومع عودة الروح إلى الشارع المصري، ثمة أسئلة تطرح نفسها بقوة حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل تحمل هذه التحركات بذور التغيير، أم أنّ المستقبل سيكون ضبابيا ؟
ربما يخيم على المناخ السياسي الحالي في مصر، أو بعضه على الأقل، هاجس مستقبل السلطة. لكنّ ذلك لا يخفي أن الأزمة المعيشية فعلية وأنّ الملايين يعانونها يوميا، وهم الملايين الذين سيكونون أصحاب الدور في حسم هذا المستقبل.
إنّ مصر اليوم على مفترق الطرق، القديم لم ينته بعد والجديد لم يبدأ بعد، في مرحلة المخاض. لكنّ التخصيب قد تم وآلام المخاض بدت في مظاهرات الشارع، وقد يكون هناك تحوّل اجتماعي مفصلي يحدث الآن في تاريخ مصر، من منعطف قديم إلى منعطف جديد.
تونس في 13/4/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 17/4/2008.
-----------------------------------------------------------
خيـر الديـن حسيـب
أولاً: مقدمـة
تواجه الأمة العربية شعوباً، وأنظمةً سياسيةً، مأزقاً شاملاً، لم يعد التغيير فيه ممكناً على الطريقة السابقة، أي على طريقة الثورة الشعبية، أو طريقة الانقلاب العسكري. وتكاد تكون الثورة الإيرانية آخر أنماط الثورة الشعبية، بينما لم يكن ممكناً للانتفاضة الشعبية في إندونيسيا، وهي حالة خاصة، أن ترحّل الجنرال سوهارتو من دون تحييد الجيش، ومن دون الدعم الأمريكي لهذا التحييد. ولكن ما يهمنا هنا، هو الحديث عن الحالة العربية، إذ كانت الحركات الوطنية العربية أحد عوامل التسبب في الانقلابات العسكرية، بسبب قصر نفسها، واعتقادها أن اللجوء إلى مؤسسة الجيش، بوصفها مؤسسةً وطنية مركزية، يمكن أن يختصر عملية التغيير. ولكن الأنظمة العربية تبدو اليوم في الوضع الراهن- من دون إنكار تفاوت الحالة بين هذا القطر أو ذاك- وكأنها قد أخذت «لقاحاً» أو اكتسبت مناعةً ضد «الأمراض» الفتّاكة التي تهددها، أي بصورةٍ رئيسةٍ، ضد الحركات الشعبية وضد الانقلابات العسكرية على حدٍ سواء. ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، يأتي في مقدمتها توسع دور الدولة الاقتصادي، وتكريس السيطرة على الإعلام، ومضاعفة حجم الأجهزة الأمنية وقوّتها... إلخ. وبالتالي بات من الصعب تصور قيام ثورة شعبية في الوطن العربي على طريقة الثورة الإيرانية، بل حتى على طريقة الحالة الإندونيسية الخاصة، التي لم تنجح لولا الدعم الخارجي الأمريكي لتحييد الجيش، وبالتالي نحن هنا إزاء دور العامل الخارجي.
وفي ما يتعلق بالانقلابات العسكرية، ثبت أنه ليس كل ضابط انقلابي يرفع شعاراتٍ كبيرة هو عبد الناصر، بل هناك ملاحظات حتى على تجربة عبد الناصر، وما حصل لها بعد غيابه. ولكن على الرغم من سوء أداء الأنظمة العربية، وفشلها على المستوى القطري في تحقيق أي إنجاز حقيقي على مستوى تحقيق الأهداف الوطنية، فإن مأزق الشعوب بات يكمن على الأقل في أن الحل، إما أن يأتي من الداخل، أو يأتي من الخارج. وتجربة العراق تبين لنا نتائج الاستعانة، أو الاعتماد على العنصر الخارجي، فما هو البديل من الاعتماد على هذا العامل؟
وإذا كانت تجربة موريتانيا الأخيرة تشير إلى حالة جديدة، تتم عن طريق انقلاب عسكري يدير مرحلة انتقالية، للانتقال إلى وضع ديمقراطي، وينسحب بعدها من الحياة السياسية، فإن التجربة لا تزال في مراحلها الأولية الناجحة حتى الآن، إلا أنه من الصعب الحكم النهائي عليها كنموذج يمكن الاقتداء به قبل أن تنتهي المرحلة الانتقالية وتنتقل موريتانيا إلى وضع ديمقراطي سليم، وأن لا تنتكس كما حدث في حالة السودان والرئيس سوار الذهب. وبانتظار النتيجة النهائية للتجربة الموريتانية، فإنه لا يمكن إسقاط هذا النموذج للتغيير كلياً.
وهكذا، فإن مأزق الشعوب العربية بات يكمن على الأقل في أن الحل، إما أن يأتي من الداخل، أو أن يأتي من الخارج، بالاستعانة بقوى خارجية في عملية التغيير الداخلي. وتجربة العراق تبين لنا نتائج الاستعانة، أو الاعتماد على العنصر الخارجي. فما هو الحل البديل من الاعتماد على هذا العامل الخارجي؟
تساعدنا تجربة نلسون مانديلا على تصور هذا الحل. يروي مانديلا في مذكِّراته(1) معاناة الأشغال الشاقة الحقيقية التي أمضاها على مدى سبعة وعشرين عاماً في المعتقل. كانوا يذهبون يومياً منذ الصباح إلى الجبل لنحت الصخر في هذه العقوبة، لكنه توصل بعد ذلك -وهو في هذه الظروف - إلى نتيجة هي أنه ليس بإمكانهم القضاء على حكومة التمييز العنصري، كما إن تلك الحكومة غير قادرة على أن تقضي عليهم. وبالتالي لا بد من حوار واتفاق على صيغة معينة، من دون التنازل عن القضايا المبدئية. ونقرأ في مسيرته الطويلة، أنه بدأ بالكلام مع مدير السجن، ثم مع موظفين من الدرجة الثانية والثالثة، إلى أن وصل إلى رئيس الوزراء كليرك الذي اقتنع هو أيضاً بوجهة النظر هذه، وأبرم معه الصفقة التاريخية، لكن من دون أي تنازل عن أي من الثوابت، ليصبح رئيساً للجمهورية، وينتهي النظام العنصري. وللمفارقة وقّع ياسر عرفات في العام نفسه (1993) اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل مع تنازلات رئيسة في الثوابت. وحدث شيء من ذلك في أنظمة أمريكا اللاتينية التي كانت كلها قبل سنوات التسعينيات دكتاتورية، حيث تحولت أغلبيتها الساحقة من حكم الدبابة إلى حكم صندوق الاقتراع. وتم ذلك، في معظم الحالات، عبر صفقة تاريخية بين قوى المعارضة الوطنية والأنظمة الحاكمة.
كما إن عملية التحرر الوطني من الاستعمار، وتأسيس الدولة القطرية في الوطن العربي، بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، تحقق بفعل "كتلة تاريخية" جسّدها تداعي النخب التي اندفعت إلى عمل وطني شامل، وامتزجت عبرها مراحل التحرر الوطني بمتطلبات البناء الاجتماعي.
حدث في بعض أقطار الوطن العربي شيء من هذه الصفقة، وربما كانت التجربة المغربية أكثرها وضوحاً من ناحية البداية، لكننا لا نستطيع الجزم بمستقبلها، بينما حدث تراجع في كل من البحرين والأردن عن مثل هذه البداية. كما تخوض موريتانيا تجربة جديدة، إذاً، فكيف نتصور الحل؟ الثورة الشعبية غير ممكنة، والانقلاب العسكري غير مرغوب فيه وغير ممكن في وقت واحد.
وبالمقابل، فإنني لا أعتقد أنه يمكن لأي تيار سياسي وحده، سواء كان قومياً أو إسلامياً أو يسارياً أو ليبرالياً، أن يقوم بعملية التغيير، بسبب وطأة الأنظمة، وعدم قدرة كل تيار وحده على إحداث عملية التغيير، وكذلك ضرورة عدم تكرار تجربة الصراع الداخلي واستنزافها في مرحلة الخمسينيات والستينيات بين بعض هذه التيارات، حول قضايا لا يمكن التوصل إلى حلها إلا على المدى البعيد. حيث كنا جميعاً، أي أبناء هذه التيارات، ضحايا لها.
ومن هنا، تصبح الحاجة للقاء والتعاون بين هذه التيارات الوطنية الأربعة أكثر إلحاحاً في حالة احتلال أي قطر عربي، نتيجة الاستعانة بالخارج لإحداث التغيير المطلوب، أو تعاون بعض القوى الداخلية مع الخارج لتحقيق أهداف خاصة به، مهما كانت الشعارات التي يطرحها. وينطبق ذلك عربياً، في الوقت الراهن، على حالة العراق بشكل خاص، كما سنرى في ما بعد، إذ يعجز أي تيار وطني وحده عن إخراج الاحتلال وتحرير البلد ناهيك بالانتقال إلى وضع ديمقراطي.
-----------------------------------------------------------
تواجه الأمة العربية شعوباً، وأنظمةً سياسيةً، مأزقاً شاملاً، لم يعد التغيير فيه ممكناً على الطريقة السابقة، أي على طريقة الثورة الشعبية، أو طريقة الانقلاب العسكري. وتكاد تكون الثورة الإيرانية آخر أنماط الثورة الشعبية، بينما لم يكن ممكناً للانتفاضة الشعبية في إندونيسيا، وهي حالة خاصة، أن ترحّل الجنرال سوهارتو من دون تحييد الجيش، ومن دون الدعم الأمريكي لهذا التحييد. ولكن ما يهمنا هنا، هو الحديث عن الحالة العربية، إذ كانت الحركات الوطنية العربية أحد عوامل التسبب في الانقلابات العسكرية، بسبب قصر نفسها، واعتقادها أن اللجوء إلى مؤسسة الجيش، بوصفها مؤسسةً وطنية مركزية، يمكن أن يختصر عملية التغيير. ولكن الأنظمة العربية تبدو اليوم في الوضع الراهن- من دون إنكار تفاوت الحالة بين هذا القطر أو ذاك- وكأنها قد أخذت «لقاحاً» أو اكتسبت مناعةً ضد «الأمراض» الفتّاكة التي تهددها، أي بصورةٍ رئيسةٍ، ضد الحركات الشعبية وضد الانقلابات العسكرية على حدٍ سواء. ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، يأتي في مقدمتها توسع دور الدولة الاقتصادي، وتكريس السيطرة على الإعلام، ومضاعفة حجم الأجهزة الأمنية وقوّتها... إلخ. وبالتالي بات من الصعب تصور قيام ثورة شعبية في الوطن العربي على طريقة الثورة الإيرانية، بل حتى على طريقة الحالة الإندونيسية الخاصة، التي لم تنجح لولا الدعم الخارجي الأمريكي لتحييد الجيش، وبالتالي نحن هنا إزاء دور العامل الخارجي.
وفي ما يتعلق بالانقلابات العسكرية، ثبت أنه ليس كل ضابط انقلابي يرفع شعاراتٍ كبيرة هو عبد الناصر، بل هناك ملاحظات حتى على تجربة عبد الناصر، وما حصل لها بعد غيابه. ولكن على الرغم من سوء أداء الأنظمة العربية، وفشلها على المستوى القطري في تحقيق أي إنجاز حقيقي على مستوى تحقيق الأهداف الوطنية، فإن مأزق الشعوب بات يكمن على الأقل في أن الحل، إما أن يأتي من الداخل، أو يأتي من الخارج. وتجربة العراق تبين لنا نتائج الاستعانة، أو الاعتماد على العنصر الخارجي، فما هو البديل من الاعتماد على هذا العامل؟
وإذا كانت تجربة موريتانيا الأخيرة تشير إلى حالة جديدة، تتم عن طريق انقلاب عسكري يدير مرحلة انتقالية، للانتقال إلى وضع ديمقراطي، وينسحب بعدها من الحياة السياسية، فإن التجربة لا تزال في مراحلها الأولية الناجحة حتى الآن، إلا أنه من الصعب الحكم النهائي عليها كنموذج يمكن الاقتداء به قبل أن تنتهي المرحلة الانتقالية وتنتقل موريتانيا إلى وضع ديمقراطي سليم، وأن لا تنتكس كما حدث في حالة السودان والرئيس سوار الذهب. وبانتظار النتيجة النهائية للتجربة الموريتانية، فإنه لا يمكن إسقاط هذا النموذج للتغيير كلياً.
وهكذا، فإن مأزق الشعوب العربية بات يكمن على الأقل في أن الحل، إما أن يأتي من الداخل، أو أن يأتي من الخارج، بالاستعانة بقوى خارجية في عملية التغيير الداخلي. وتجربة العراق تبين لنا نتائج الاستعانة، أو الاعتماد على العنصر الخارجي. فما هو الحل البديل من الاعتماد على هذا العامل الخارجي؟
تساعدنا تجربة نلسون مانديلا على تصور هذا الحل. يروي مانديلا في مذكِّراته(1) معاناة الأشغال الشاقة الحقيقية التي أمضاها على مدى سبعة وعشرين عاماً في المعتقل. كانوا يذهبون يومياً منذ الصباح إلى الجبل لنحت الصخر في هذه العقوبة، لكنه توصل بعد ذلك -وهو في هذه الظروف - إلى نتيجة هي أنه ليس بإمكانهم القضاء على حكومة التمييز العنصري، كما إن تلك الحكومة غير قادرة على أن تقضي عليهم. وبالتالي لا بد من حوار واتفاق على صيغة معينة، من دون التنازل عن القضايا المبدئية. ونقرأ في مسيرته الطويلة، أنه بدأ بالكلام مع مدير السجن، ثم مع موظفين من الدرجة الثانية والثالثة، إلى أن وصل إلى رئيس الوزراء كليرك الذي اقتنع هو أيضاً بوجهة النظر هذه، وأبرم معه الصفقة التاريخية، لكن من دون أي تنازل عن أي من الثوابت، ليصبح رئيساً للجمهورية، وينتهي النظام العنصري. وللمفارقة وقّع ياسر عرفات في العام نفسه (1993) اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل مع تنازلات رئيسة في الثوابت. وحدث شيء من ذلك في أنظمة أمريكا اللاتينية التي كانت كلها قبل سنوات التسعينيات دكتاتورية، حيث تحولت أغلبيتها الساحقة من حكم الدبابة إلى حكم صندوق الاقتراع. وتم ذلك، في معظم الحالات، عبر صفقة تاريخية بين قوى المعارضة الوطنية والأنظمة الحاكمة.
كما إن عملية التحرر الوطني من الاستعمار، وتأسيس الدولة القطرية في الوطن العربي، بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، تحقق بفعل "كتلة تاريخية" جسّدها تداعي النخب التي اندفعت إلى عمل وطني شامل، وامتزجت عبرها مراحل التحرر الوطني بمتطلبات البناء الاجتماعي.
حدث في بعض أقطار الوطن العربي شيء من هذه الصفقة، وربما كانت التجربة المغربية أكثرها وضوحاً من ناحية البداية، لكننا لا نستطيع الجزم بمستقبلها، بينما حدث تراجع في كل من البحرين والأردن عن مثل هذه البداية. كما تخوض موريتانيا تجربة جديدة، إذاً، فكيف نتصور الحل؟ الثورة الشعبية غير ممكنة، والانقلاب العسكري غير مرغوب فيه وغير ممكن في وقت واحد.
وبالمقابل، فإنني لا أعتقد أنه يمكن لأي تيار سياسي وحده، سواء كان قومياً أو إسلامياً أو يسارياً أو ليبرالياً، أن يقوم بعملية التغيير، بسبب وطأة الأنظمة، وعدم قدرة كل تيار وحده على إحداث عملية التغيير، وكذلك ضرورة عدم تكرار تجربة الصراع الداخلي واستنزافها في مرحلة الخمسينيات والستينيات بين بعض هذه التيارات، حول قضايا لا يمكن التوصل إلى حلها إلا على المدى البعيد. حيث كنا جميعاً، أي أبناء هذه التيارات، ضحايا لها.
ومن هنا، تصبح الحاجة للقاء والتعاون بين هذه التيارات الوطنية الأربعة أكثر إلحاحاً في حالة احتلال أي قطر عربي، نتيجة الاستعانة بالخارج لإحداث التغيير المطلوب، أو تعاون بعض القوى الداخلية مع الخارج لتحقيق أهداف خاصة به، مهما كانت الشعارات التي يطرحها. وينطبق ذلك عربياً، في الوقت الراهن، على حالة العراق بشكل خاص، كما سنرى في ما بعد، إذ يعجز أي تيار وطني وحده عن إخراج الاحتلال وتحرير البلد ناهيك بالانتقال إلى وضع ديمقراطي.
-----------------------------------------------------------
الــتــغـــيــــيــر فــي يــدنـــا لا فــي يـــد الـغــــيــر
إلى رياض سيف مناضلاً ليبيرالياً سورياً
السؤال الوحيد الذي يسكن سطور المقالة هو الآتي: ماذا يمكن الواحد منا أن يقدم من جديد؟
لقد تعب الكثير منا، من الكلام والكتابة، من التنبيه والتحذير، عشية كل كارثة وغداتها، من دون أن تجد أصواتنا آذاناً صاغية أو تساهم في تجنب تكرار الأخطاء والإمعان في مسلسل الذهاب بالبلاد من كارثة إلى أخرى أكبر منها، بمعزل عن أي مراجعة أو مسألة أو محاسبة.
اليوم، وبعد خمس سنوات تقريبا من العهد الحالي، علينا الاعتراف بأن لا فائدة ترجى من الكلام التحريضي والمقالات النقدية لدفع السلطة الى إعادة النظر في خياراتها الإستراتيجية. الرهان اليوم هو في أن تعيد المعارضة السورية النظر في سياساتها تجاه الاستحقاقات المصيرية التي تواجه البلاد، علها تعيد الناس إلى السياسة وتدفعهم إلى أخذ مصيرهم بيدهم.
القصة باتت معروفة وإن يكن لا مناص من التذكير بها. فرغم تعديل الدستور وتوريث الحكم، استبشر الكثيرون بأن المستقبل سيحمل خيراً وأجمعت أطياف المعارضة، من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها، ومن الأخوان المسلمين إلى الشيوعيين مرورا بالمثقفين ولجان المجتمع المدني، على إعلان الاستعداد لطي صفحة الماضي والنظر بإيجابية إلى المستقبل شرط أن تعمل السلطة على إعادة المظالم لأهلها وأن تباشر الإصلاحات الديموقراطية الحقيقية التي تحتاجها البلاد والتي عبّرت عنها وفصلت فيها جميع البيانات والعرائض التي طالبت بإلغاء حال الطوارئ وبحرية الرأي والتعبير وبالتعددية السياسية وتبييض السجون وعودة المنفيين.
لم يجد أي من هذه المطالب آذاناً صاغية لدى السلطة، اللهم إلا بعض التنازلات هنا وهناك، وفترة سماح نسبية بالكلام الحر، سمّيت ربيع دمشق ، سرعان ما تم الارتداد عليها وسجن أهم رموزها. هذا في وقت استمر معظم رموز الطبقة السياسية الحاكمة في مناصبهم وزادوا في تكديس ثرواتهم والإمعان في سياسة الشعارات الجوفاء واللغة الخشبية المحنطة، التي لا تمت الى الواقع بصلة.
أما على الصعيد الإقليمي فاستمر مسلسل الكوارث السورية ابتداء بالتعامل الخاطئ مع انقلاب العلاقات الدولية في أعقاب زلزال 11 أيلول 2001، إلى الرهان على صدام حسين وصموده في وقت كان واضحا أن سقوطه ما هو إلا مسألة وقت، إلى تضييع فرصة توظيف انتصار المقاومة في الجنوب اللبناني وتحقيق انسحاب سوري سريع ونقل ملف العلاقات السورية - اللبنانية من المستوى الأمني إلى المستوى السياسي، إلى المماطلة في توقيع اتفاق الشراكة الأوروبية المتوسطية عندما كانت شروطه أكثر تساهلا مع سوريا، إلى العجز الفاقع في الاستفادة من سياسة الأبواب المفتوحة التي مارستها معظم العواصم الأوروبية في البداية على أمل تشجيع دمشق في المضي قدما في مشروع الإصلاح، إلى إتقان سياسية تحويل الحلفاء أعداء من فرنسا إلى السعودية إلى الحريري وجنبلاط في لبنان، وصولا إلى سياسة تقديم التنازلات والتخلي عن معظم الأوراق الإقليمية حتى لا تضطر السلطة إلى التنازل أمام شعبها.
خلال الأعوام الماضية تذرعت السلطة في إبقائها جمود الأوضاع السياسية بهاجس صون الوحدة الوطنية والحرص على استقرار البلاد، وروجت في المقابل لمشروعها في التحديث والتطوير القائل بأولية الإصلاح الاقتصادي والإداري والقانوني على الإصلاح السياسي. وها نحن في نهاية السنوات الخمس من العهد الجديد - القديم نعود إلى المربع الأول لجهة نموذج الإصلاح الذي قالت به السلطة: فلا رؤوس الأموال المهاجرة عادت ولا الاستثمارات أتت ولا البطالة انخفضت ولا أعيد تأهيل القطاع العام ولا تم إفراز نخب جديدة مؤهلة، بل ظل النمو الاقتصادي أسير أرقامه المخجلة وبقيت معظم القوانين الجديدة حبراً على ورق أو تم تدويرها خدمة لمصالح مراكز القوى والنفوذ الممسكة بالبلاد. ويكاد التطور الوحيد الذي يبرز في هذا المجال هو نجاح طبقة أولاد المسؤولين في تحقيق تقدم ملحوظ في تحويل نفوذ آبائهم السياسي والأمني والمادي إلى رأسمال مالي سرعان ما انضم بدوره إلى رؤوس الأموال السورية المهاجرة.
أمام هذا الواقع الخطير يظهر جليا أن محاولات بعض أطراف المعارضة إيجاد آذان صاغية لها في صفوف السلطة باءت كلها في الفشل، وأن الرهان الوحيد في تجنيب البلاد كوارث محققة هو في أن تعيد المعارضة السورية النظر في السياسات التي اتبعتها إلى يومنا هذا، وأن تعمل على تجاوز خلافاتها وأن تتوجه إلى الناس قبل السلطة، ببرنامج حد أدنى يجد لديهم آذاناً صاغية ويؤهلهم للعب دور حاسم في تقرير مصير بلدهم. وحتى لا يبقى كلامنا أسير العموميات سنحاول في السطور اللاحقة تقديم بعض الاقتراحات العملية آملين دفع النقاش إلى آفاق أرحب وأكثر واقعية:
1 - ملامح برنامج الحد الأدني وبنوده باتت معروفة لكل الناشطين في الشأن العام، وسبق لمعظم البيانات والعرائض والمقالات التي وضعها المثقفون والمعارضون السياسيون أن تناولتها. ويمكننا أن نورد بعضاً من أهم بنودها كإلغاء حال الطوارئ وإطلاق المعتقلين السياسيين وعودة المبعدين والتعددية السياسية وفصل السلطات وإرساء دولة القانون وحرية الرأي والتعبير والصحافة والنقابات وصولا إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة لتشكيل جمعية تأسيسية تكون قادرة على وضع دستور جديد وإفراز قيادات ورموز يعبرون فعلياً عن مكونات الشعب السوري وتياراته الحية.
2 - أهمية تأكيد اعتماد وسائل النضال السلمي في العمل السياسي والمحافظة على الوحدة الوطنية وعدم الارتباط بالمخططات والأجندات الأجنبية والإصرار على أن يدار الصراع السياسي وفق مبدأ الانتقال السلمي من الاستبداد إلى الديموقراطية بعيداً عن أي تعبئة على أساس طائفي أو إثني، مع ضرورة العمل على تحييد الجيش وإبقائه بعيداً عن أي صراعات سياسية يمكن أن تنشأ في المستقبل المنظور.
3 - إذا كان المجتمع السوري غنيا بتنوعه الطائفي والإثني، فإن انقساماته السياسية كانت، وعليها أن تبقى، عابرة لهذا التنوع وحاضنة له وغير متعامية عنه. من هنا تأتي أهمية إقصاء وعزل أي خطاب يحاول أن يؤثم الطائفة العلوية ويجعلها مسؤولة عن ممارسات النظام الحاكم. لقد دفع عدد كبير من أبناء الطائفة العلوية الضريبة الباهظة ثمناً لمعارضتهم الاستبداد في سوريا، ويكاد يكون عدد المعتقلين السياسيين من أبناء هذه الطائفة هو الأضخم مقارنة بتمثيلهم نسبةً إلى بقية الطوائف.
4 - ضمن التوجه نفسه لا بد من عزل وإقصاء أي خطاب يحاول أن يختصر الطائفة السنية في تيار الإسلام السياسي. فهذه الطائفة لا تجسد في أي شكل من الأشكال كتلة واحدة سواء أكانت سياسية أم إثنية أم مناطقية، بل هي موزعة على كل التيارات والتنوعات التي يضمها المجتمع السوري من يسار ويمين، ومن علمانيين وإسلاميين، ومن عرب وكرد، ومن أهل مدينة وأهل ريف، ومن بدو وحضر، ومن دمشق وحلب، ومن مدن الساحل ومدن الداخل ومدن الجزيرة.
5 - تيار الإسلام السياسي وفي مقدمه جماعة الإخوان المسلمين جزء أساسي من الخريطة السياسية السورية، حاله كحال التيارات القومية والليبيرالية واليسارية، ولا يمكن أن تقوم حياة سياسية سليمة وصحيحة بمعزل عن أي من هذه التيارات. لكن على الجميع القبول بشروط اللعبة الديموقراطية وبمبدأ التناوب السلمي على السلطة، مع ضرورة تأكيد أن تحترم كل غالبية سياسية حقوق الأقليات السياسية والدينية والإثنية. فمن حق الأكراد مثلا أن يتعلموا لغتهم وثقافتهم ومن حق الطوائف الدينية أن تمارس شعائرها ومعتقداتها ومن حق النساء أن يرتدين الحجاب، لكن ليس من حق أي تيار من تيارات الإسلام السياسي أن يحتكر لنفسه تفسير الإسلام، كأن يفرض مثلاً على جميع المسلمات ارتداء الحجاب!
6 - برغم تبني معظم قوى المعارضة السورية الخيار الديموقراطي، فإنها لا تزال مع الآسف أسيرة ماضي الستينات في انشقاقاتها وبناها التنظيمية وخطابها الإيديولوجي، في حين أن أكثر من 60 في المئة من الشعب السوري هو من الجيل الشاب الذي يقل عمره عن ثلاثين عاماً. من هنا تنبع أهمية أن تتجاوز هذه القوى خطابها الموروث وأنانيتها التنظيمة وأن تنفتح على الأجيال الشابة وهمومها وتطلعاتها الجديدة.
من أجل التأسيس على هذه النقاط التي يمكن أن تتقاطع حولها الكثير من القوى المعارضة، ومن أجل الوصول بها إلى شرائح واسعة من الناس والضغط من خلالها لانتزاع تنازلات حقيقية من السلطة، لا بد للمثقفين والشخصيات والأحزاب المعارضة وجمعيات حقوق الإنسان والمجتمع المدني أن يلتقوا ضمن هيكلية تنسيقية جامعة، يمكن تسميتها مؤتمراً وطنياً أو منبراً ديموقراطياً أو لقاء دورياً، يستطيعون من خلالها أن يوحدوا جهودهم وينسقوا خطواتهم ويكسروا العزلة الإعلامية المفروضة عليهم. إن وجود مثل هذه الهيكلية المرنة سيسمح بتجاوز الجمود التنظيمي والنرجسيات المتضخمة والتنافر الإيديولوجي، من أجل أن تصب الجهود جميعها في طريق ابتداع أساليب جديدة في النضال السلمي تتجاوز سياسة البيانات والعرائض وحتى الاعتصامات الصغيرة نحو المزيد من الانفتاح على الناس والدفع بهم إلى ميدان الفعل والعمل السياسي.
ما بين المثال العراقي في التغيير الدموي الآتي من الخارج والمثال اللبناني في التغيير السلمي المستند إلى الخارج، هناك أمل في أن يتمكن الشعب السوري من أن ينهض من جديد ويعمل على تحقيق التغيير السلمي المستند الى الداخل. اليوم، تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية مدة عامين تقريباً، ويمكن الجميع أن يكون على موعد مع هذا الاستحقاق الكبير، إذا استطاعت المعارضة أن تدفع لأن يكون هذا الاستحقاق حراً، متعدداً وديموقراطياً. فعلى هذه الأرض يرتفع التحدي وهنا يكمن الأمل.
محمد علي الأتاسي
----------------------------------------------------------

مستشرق ألماني يكشف سر مخطوطة إسلامية نادرة عن الأصولية والتشدد
الثقافة الشرقية غنية لم يتم بعد اكتشاف كل أسرارها
أعلن المستشرق الألماني، شتيفان ليدر امتلاكه نسخة من مخطوطة إسلامية نادرة عن"أخبار المشايخ وأخلاقهم" تعود إلى القرن التاسع للميلاد عن علاقة المسلمين بحكامهم والدعوة للخروج عليهم في مشهد يذكر بالأصولية المعاصرة.
أحيانا ينتاب المستشرق الألماني، شتيفان ليدر، شعور يشبه القشعريرة عندما يفكر في المخطوطة الإسلامية النادرة التي يحتفظ بها في مكتبه وذلك لأنه يعتقد أن هذه المخطوطة بمثابة "ذخيرة". ويرأس البروفيسور ليدر معهد "الشرق" التابع لجامعة هاله في ألمانيا. ويخشى ليدر أن يستخدم المتشددون من العلماء المسلمين وأتباعهم هذه المخطوطة التي عثر عليها بداية التسعينيات من القرن الماضي في احدى الزوايا المهملة بالمكتبة الوطنية في العاصمة السورية دمشق لتبرير تنفيذ "عمليات إرهابية".
وتعالج هذه المخطوطة التي تعود إلى القرن التاسع الميلادي علاقة المسلمين بحكامهم. وهذا ما جعل ليدر يتردد حتى الآن في نشر المخطوطة التي احتاج لكثير من الوقت والجهد لفك رموزها وترجمتها. ويرجع ذلك لاعتقاده أن هذا الكتاب لصاحبه أبو بكر المروذي الذي عاش في القرن الثاني الهجري في بغداد هو أكثر المؤلفات التي كتبت في هذا المجال حتى القرن الثاني من وفاة النبي محمد تشددا وأصولية.
مخطوطا
ت مثيرة
المشرق العربي ...بين عالم المخطوطات والجمال
ويدعو هذا الكتاب المعنون "أخبار المشايخ وأخلاقهم" إلى عدم احترام سلطة الدولة ويحذر علماء المسلمين من الركون للحاكم وتزيين ما يقوله "لأنهم سيتعرضون لعقاب الله". ومما جاء في المخطوطة عن حكام المسلمين:"إن التزلف إليهم يعني التقلب في نار جهنم". ودعا مؤلف المخطوطة المسلمين "الذين يخشون ربهم" إلى الابتعاد "ما وسعهم الأمر" عن الحكام "الفاسدين" وإلى عدم احترام القضاء.
ويصف المستشرق الألماني هذا الأمر بأنه "جهادي ومهين". ولا يستبعد ليدر أن تستغل جماعات متشددة معاصرة مثل تنظيم القاعدة وغيرها هذا الموقف المتشدد تجاه أمراء الدولة الأموية والعباسية لتبرير عملياتها "الإرهابية" خاصة في ضوء قرب مؤلف الكتاب المروذي من الإمام أحمد بن حنبل، مؤسس المذهب الحنبلي الذي له أتباع كثيرون في العالم الإسلامي، وهو مذهب يميل إلى التشدد في عدد كبير من القضايا.
قراءة الترا
ث في سياقه التاريخي
صورة ابن رشد، أحد كبار الفلاسفة العرب المعروفين في الغرب
ورغم كل ذلك فقد قرر البروفيسور شتيفان ليدر نشر نص هذه المخطوطة النادرة ولكنه يعتزم إرفاقها بتعليق يبين السياق التاريخي الذي كتبت في ظله. وعن ذلك يقول ليدر: "لقد أدت قراءة التراث الحنبلي بمنأى عن السياق التاريخي الذي ظهر فيه إلى الكثير من التحليلات والتفسيرات الخاطئة التي لا حصر لها والتي أريد أن أنأى بنفسي عنها". ويأخذ المستشرق على بعض زملائه من المتخصصين في الدراسات الإسلامية عدم إرفاق تعليق بمؤلفات العلماء المسلمين التي تعود للقرون الأولى من تاريخ الإسلام لدى نشر هذه المؤلفات. ويرى أن ذلك سهل على الأصوليين في العصر الحديث استخدام هذه المؤلفات لتبرير عقيدتهم المتشددة. أما ليدر فيعد نفسه من العلماء الذين يعون مسئوليتهم العلمية تجاه ما تنطوي عليه أبحاثهم من نتائج في هذا العصر الذي جعل فيه الكثيرون من أنفسهم "مجاهدين في سبيل الله".
ويعتزم ليدر نشر هذه المخطوطة مع تعليقه عليها خلال عام في صورة كتاب بعنوان:"انتقاد الدولة في الدين الإسلامي، أتقياء المسلمين في مواجهة أصحاب السلطة في كتابات المروذي". ويوضح المستشرق أنه "غالبا ما يكون من الصعب على الغربيين فهم مدى أهمية تأثير تحليل النصوص الدينية وتفسيرها من قبل شيوخ الإسلام المتشددين".
اكتشاف بالصدفة
ولو لم يكتشف المستشرق الألماني ليدر هذه المخطوطة لأبي بكر المروذي بمحض الصدفة في مكتبة "الأسد الوطنية" في دمشق قبل نحو 17 عاما، لظلت في مكانها هناك الآن وذلك لأن العنوان الأصلي للكتاب "أخبار المشايخ وأخلاقهم" لم يكن ليلفت الأنظار إليه كثيرا. كما أن المروذي لم يكن من أهم تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل الذي يتمتع باحترام واسع داخل العالم الإسلامي، وذلك على الرغم من أن المروذي كان من أكثر المقربين له.
وكان ليدر يبحث في مكتبة دمشق عن وثائق عن مسلمين من نابلس في الضفة الغربية من الذين كانوا قد استقروا في سوريا إبان الحملات الصليبية. ولم يعر ليدر في بداية الأمر الكثير من الاهتمام لمخطوطة المروذي. ومع ذلك فقد قام بتصويرها لاحتمال استخدامها فيما بعد وصور معها 1300 من الكتب والوثائق الأخرى. ويعتقد البروفيسور ليدر أن العنوان "غير الجذاب" للكتاب هو سبب عدم نشره بالعربية حتى الآن. وحاول ليدر تتبع خط سير هذه المخطوطة من بغداد إلى دمشق فوجد أنها كتبت في بغداد في الثمانينيات من القرن التاسع الميلادي ثم بيعت في دمشق في القرن الثاني عشر حيث وصلت إلى مكتب المدرسة العمرية الدينية لصاحبها الشيخ أبو عمر بن قدامة المقدسي. وفقد جزء كبير من مقتنيات المكتبة العمرية ولكن هذه المخطوطة كانت من بين الكتب التي وضعت في المكتبة الوطنية بدمشق. وتضم المخطوطة نصوصا إسلامية عن مسئولية علماء الإسلام وعلاقتهم بالحكام.
دويتشه فيله+ د.ب.ا (ط.أ)
------------------------------------------------------
الثقافة الشرقية غنية لم يتم بعد اكتشاف كل أسرارها
أعلن المستشرق الألماني، شتيفان ليدر امتلاكه نسخة من مخطوطة إسلامية نادرة عن"أخبار المشايخ وأخلاقهم" تعود إلى القرن التاسع للميلاد عن علاقة المسلمين بحكامهم والدعوة للخروج عليهم في مشهد يذكر بالأصولية المعاصرة.
أحيانا ينتاب المستشرق الألماني، شتيفان ليدر، شعور يشبه القشعريرة عندما يفكر في المخطوطة الإسلامية النادرة التي يحتفظ بها في مكتبه وذلك لأنه يعتقد أن هذه المخطوطة بمثابة "ذخيرة". ويرأس البروفيسور ليدر معهد "الشرق" التابع لجامعة هاله في ألمانيا. ويخشى ليدر أن يستخدم المتشددون من العلماء المسلمين وأتباعهم هذه المخطوطة التي عثر عليها بداية التسعينيات من القرن الماضي في احدى الزوايا المهملة بالمكتبة الوطنية في العاصمة السورية دمشق لتبرير تنفيذ "عمليات إرهابية".
وتعالج هذه المخطوطة التي تعود إلى القرن التاسع الميلادي علاقة المسلمين بحكامهم. وهذا ما جعل ليدر يتردد حتى الآن في نشر المخطوطة التي احتاج لكثير من الوقت والجهد لفك رموزها وترجمتها. ويرجع ذلك لاعتقاده أن هذا الكتاب لصاحبه أبو بكر المروذي الذي عاش في القرن الثاني الهجري في بغداد هو أكثر المؤلفات التي كتبت في هذا المجال حتى القرن الثاني من وفاة النبي محمد تشددا وأصولية.
مخطوطا
ت مثيرةالمشرق العربي ...بين عالم المخطوطات والجمال
ويدعو هذا الكتاب المعنون "أخبار المشايخ وأخلاقهم" إلى عدم احترام سلطة الدولة ويحذر علماء المسلمين من الركون للحاكم وتزيين ما يقوله "لأنهم سيتعرضون لعقاب الله". ومما جاء في المخطوطة عن حكام المسلمين:"إن التزلف إليهم يعني التقلب في نار جهنم". ودعا مؤلف المخطوطة المسلمين "الذين يخشون ربهم" إلى الابتعاد "ما وسعهم الأمر" عن الحكام "الفاسدين" وإلى عدم احترام القضاء.
ويصف المستشرق الألماني هذا الأمر بأنه "جهادي ومهين". ولا يستبعد ليدر أن تستغل جماعات متشددة معاصرة مثل تنظيم القاعدة وغيرها هذا الموقف المتشدد تجاه أمراء الدولة الأموية والعباسية لتبرير عملياتها "الإرهابية" خاصة في ضوء قرب مؤلف الكتاب المروذي من الإمام أحمد بن حنبل، مؤسس المذهب الحنبلي الذي له أتباع كثيرون في العالم الإسلامي، وهو مذهب يميل إلى التشدد في عدد كبير من القضايا.
قراءة الترا
ث في سياقه التاريخيصورة ابن رشد، أحد كبار الفلاسفة العرب المعروفين في الغرب
ورغم كل ذلك فقد قرر البروفيسور شتيفان ليدر نشر نص هذه المخطوطة النادرة ولكنه يعتزم إرفاقها بتعليق يبين السياق التاريخي الذي كتبت في ظله. وعن ذلك يقول ليدر: "لقد أدت قراءة التراث الحنبلي بمنأى عن السياق التاريخي الذي ظهر فيه إلى الكثير من التحليلات والتفسيرات الخاطئة التي لا حصر لها والتي أريد أن أنأى بنفسي عنها". ويأخذ المستشرق على بعض زملائه من المتخصصين في الدراسات الإسلامية عدم إرفاق تعليق بمؤلفات العلماء المسلمين التي تعود للقرون الأولى من تاريخ الإسلام لدى نشر هذه المؤلفات. ويرى أن ذلك سهل على الأصوليين في العصر الحديث استخدام هذه المؤلفات لتبرير عقيدتهم المتشددة. أما ليدر فيعد نفسه من العلماء الذين يعون مسئوليتهم العلمية تجاه ما تنطوي عليه أبحاثهم من نتائج في هذا العصر الذي جعل فيه الكثيرون من أنفسهم "مجاهدين في سبيل الله".
ويعتزم ليدر نشر هذه المخطوطة مع تعليقه عليها خلال عام في صورة كتاب بعنوان:"انتقاد الدولة في الدين الإسلامي، أتقياء المسلمين في مواجهة أصحاب السلطة في كتابات المروذي". ويوضح المستشرق أنه "غالبا ما يكون من الصعب على الغربيين فهم مدى أهمية تأثير تحليل النصوص الدينية وتفسيرها من قبل شيوخ الإسلام المتشددين".
اكتشاف بالصدفة
ولو لم يكتشف المستشرق الألماني ليدر هذه المخطوطة لأبي بكر المروذي بمحض الصدفة في مكتبة "الأسد الوطنية" في دمشق قبل نحو 17 عاما، لظلت في مكانها هناك الآن وذلك لأن العنوان الأصلي للكتاب "أخبار المشايخ وأخلاقهم" لم يكن ليلفت الأنظار إليه كثيرا. كما أن المروذي لم يكن من أهم تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل الذي يتمتع باحترام واسع داخل العالم الإسلامي، وذلك على الرغم من أن المروذي كان من أكثر المقربين له.
وكان ليدر يبحث في مكتبة دمشق عن وثائق عن مسلمين من نابلس في الضفة الغربية من الذين كانوا قد استقروا في سوريا إبان الحملات الصليبية. ولم يعر ليدر في بداية الأمر الكثير من الاهتمام لمخطوطة المروذي. ومع ذلك فقد قام بتصويرها لاحتمال استخدامها فيما بعد وصور معها 1300 من الكتب والوثائق الأخرى. ويعتقد البروفيسور ليدر أن العنوان "غير الجذاب" للكتاب هو سبب عدم نشره بالعربية حتى الآن. وحاول ليدر تتبع خط سير هذه المخطوطة من بغداد إلى دمشق فوجد أنها كتبت في بغداد في الثمانينيات من القرن التاسع الميلادي ثم بيعت في دمشق في القرن الثاني عشر حيث وصلت إلى مكتب المدرسة العمرية الدينية لصاحبها الشيخ أبو عمر بن قدامة المقدسي. وفقد جزء كبير من مقتنيات المكتبة العمرية ولكن هذه المخطوطة كانت من بين الكتب التي وضعت في المكتبة الوطنية بدمشق. وتضم المخطوطة نصوصا إسلامية عن مسئولية علماء الإسلام وعلاقتهم بالحكام.
دويتشه فيله+ د.ب.ا (ط.أ)
------------------------------------------------------
