بمناسبة عيد الفصح نتمنى لكم جميعاً عيدأ سعيداً وكل عام وأنتم بخير
------------------------------------------------------
سنة الغزو السادسة: انقلاب السحر علي الساحر
صبحي حديدي
21/03/2008
السويدي هانس بليكس، الرئيس السابق (والأخير، كما يتوجّب القول) للجنة الأمم المتحدة التي كُلّفت بمراقبة وتدقيق وتفتيش الأسلحة العراقية قبيل الغزو الأمريكي للبلد واحتلاله، في مثل هذه الأيام من العام 2003، لا يفوّت سانحة تخصّ هذا الغزو دون الغمز من قناة البيت الأبيض، وأحياناً هجاء الرئيس الأمريكي جورج بوش نفسه. وبالأمس، في الذكري الخامسة، نشر الرجل تعليقاً وجيزاً في صحيفة الـ غارديان البريطانية، كان عنوانه بمثابة اختصار بليغ لما يظنّ الرجل أنه بدء ومآل ذلك الغزو: حرب الحماقة المطلقة !وهو يبدأ بالقول إنّ غزو العراق كان مأساة، للعراق، وللولايات المتحدة، وللعالم، وللحقيقة، وللكرامة الإنسانية ؛ ثمّ يردف علي الفور
، لأنه يعلم مثل الجميع مضمون الذريعة المكرورة التي لم يتوقف بوش عن اقتباسها في تجميل حصيلة الحرب، أيّ التخلّص من نظام صدّام حسين: لو لم تُجْهز عليه الحرب، فإنه أغلب الظنّ كان سيصبح نسخة من القذافي أو كاسترو؛ يواصل قهر شعبه، ولكنه لا يشكّل تهديداً للعالم . أمّا الملفّ الذي يعني بليكس مباشرة، بقدر ما يعني العالم بأسره في الواقع، والشارع الأمريكي في طليعة المعنيين، فهو أكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي كانت ذريعة الحرب الأولي. وفي هذا الصدد يقول بليكس: لم يكن وارداً أن تفلح حكومات التحالف في بيع الحرب إلي برلماناتها علي أساس أية ذريعة أخري (...) ولهذا فإنّ المسؤولية عن الحرب تقع علي عاتق الذين شنّوها وهم يعرفون ما يعرفونه في آذار (مارس) 2003 . المقصود، بالطبع، هو أنهم كانوا يعرفون العكس تماماً: أنّ العراق كان خالياً من هذه الأسلحة، نووية كانت أم كيماوية؛ وأنّ 700 عملية تفتيش، في أكثر من 500 موقع، لم تسفر عن ايّ دليل يثبت وجود تلك الاسلحة؛ وأنّ عقود شراء أوكسيد اليورانيوم، التي قال بوش أمام الكونغرس إنّ العراق أبرمها مع النيجر، كانت زائفة ومفبركة، كما برهنت السنوات القصيرة اللاحقة... ومع ذلك، يتابع بليكس، فضّلت قوي التحالف استبدال إشارات الاستفهام بإشارات التعجّب ؛ أي، في صياغة أخري من عندنا: وضعت جانباً خيار المزيد من البحث وطرح الأسئلة، واختارت التلفيق والتزييف والتضخيم، بقصد التهويل والترهيب والتبرير. ولأنّ هذا السيناريو يمكن أن يتكرّر اليوم ضدّ إيران، ولكن مع محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية ل
لطاقة هذه المرّة، فإنّ استذكار بعض تفاصيل السيناريو قد تكون ذات مغزي في هذه الأيام بالذات، حين تستأثر بالمغزي تلك الأرقام الرهيبة المفزعة التي استولدتها هذه الحرب: بين 600 ألف ومليون قتيل عراقي، غالبيتهم الساحقة من المدنيين، و3990 قتيلاً في صفوف جنود الإحتلال الأمريكي، و175 في صفوف البريطانيين، وعشرات الآلاف من الجرحي، وكلفة مالية تقارب الـ 600 مليار دولار (5000 مليار، حسب تقديرات جوزيف ستيغلتز). وفي أواسط كانون الأول (ديسمبر) 1999، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1284، جري استبدال هيئة التفتيش الخاصة المعروفة باسم الـ UNSCOM، والتي ترأسها ريشارد بتلر وقبله رولف إكيوس، بهيئة أخري تتضمن الإشراف والتحقق والتفتيش، سُمّيت الـ UNMOVIC، ترأسها هانس بليكس. وكان الاسم الأول أيسر نطقاً من الاسم الثاني، وكانت وظائف الهيئة السابقة أوضح... أو هكذا خُيّل للعالم طيلة عقد كامل من الزمن تقريباً. وأمّا حين طوي النسيان صورة المفتّش الأوّل بتلر، مثلما طوي من قبل صفحة سلفه المفتش المؤسس إكيوس، فإنّ العالم اكتشف سريعاً أنّ المهمّة لم تكن يسيرة في الأساس، ولكنها لم تكن عسيرة أيضاً! لا هذه ولا تلك، والحكمة الذهبية الوحيدة كانت مواصلة اللعب في الوقت الضائع، ومواصلة الحصار من أجل الحصار وحده.وكان بليكس قد شغل موقع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية طيلة الأعوام 1981 ـ 1997، وفي عهده المديد ذاك وقعت حرب الخليج الثانية، واكتشف العالم الحرّ أنّ العراق كان موشكاً علي إنتاج قنبلة ذرية من النوع الذي لا يُبقي ولا يذر. آنذاك تحوّلت الوكالة، بل تحوّل بليكس نفسه، إلي كبش فداء: كيف تغافلت الوكالة إلي هذا الحدّ عن البرنامج العراقي السرّي؟ أين كانت أطقم الوكالة؟ ماذا كان السيد بليكس يفعل؟ وماذا نفعل في المستقبل لتفادي تكرار حالة العراق؟ويُسجّل للرجل أنه صمد كما تصمد الجبال الرواسي، بل واستغلّ الحكاية لكي ينتزع من العالم الحرّ اعترافاً صريحاً بأهمية دور الوكالة، الأمر الذي عزّز موقعها وميزانياتها وطرائق عملها. وهكذا صالت الوكالة وجالت ضدّ كوريا الشمالية، ثم انتزعت من مجلس الأمن الدولي تفويضاً بالحقّ في اعتماد تقنيات أكثر تطوراً وتعقيداً (التفتيش المفاجيء، الحصول علي عيّنات من التربة والمياه والنبات) أنّي ومتي شاءت، في طول العالم وعرضه... باستثناء الدولة العبرية بطبيعة الحال. فهذه الدولة ليست بعدُ ضمن صلاحيات الوكالة، لأنها في الواقع ما تزال فوق عشرات القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي بصدد هذه أو تلك من أنماط خرق الشرعة الدولية.كذلك يُسجّل للرجل أنه تعرّض علي الدوام لحملات انتقاد شديدة، إذْ كان مناصراً لمبدأ تعميم واستخدام الطاقة الذرية لأغراض سلمية، الأمر الذي جعله يغضّ الطرف عن طموح الدول العالمثالثية (إيران، العراق، الهند، الباكستان) إلي إطلاق برامج علمية لتوفير تلك الطاقة. والطريف أنّ تلك الحملات جاءت من الدوائر الأمريكية (وهو أمر مفهوم)، ومن الدوائر الصهيونية (وهو الأمر العجيب لأنّ نووية الدولة العبرية ليست البتة سلمية)، وأخيراً إكيوس والطلائع الأولي من الـ أونسكوم ، ثمّ بتلر والطلائع الثانية.وقبيل عملية ثعلب الصحراء ، عام 1998، حين قصفت واشنطن بغداد ردّاً علي ما قيل إنه محاولة عراقية لاغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، لاحظ المراقبون للسياسة الأمريكية بروز مؤشرات تقول إن الإدارة بدأت تدرك حدود المضيّ إلي أبد الآبدين في اجترار خطاب سياسي ـ قانوني مستوحي من الإتكاء علي نظام الـ أونسكوم ، خصوصاً حين يتوجّب تحويل ذلك الخطاب إلي مبرّر للإبقاء علي الحصار، بل وتوجيه ضربات عسكرية للعراق. وتناقل هؤلاء، ومعهم خبراء البيت الأبيض أيضاً، تقديرات تقول إن منظمة بتلر ضُخّمت أكثر مما ينبغي، أو نُفخت حتي المدي ا
لأقصي الذي ليس بعده من مآل آخر سوي الإنفجار. المتفائلون منهم قالوا إنّ المنظمة تآكلت، إذا لم تكن قد نُفخت بإفراط، ولم تعد أمثولتها قادرة علي إنتاج واستهلاك وإعادة إنتاج الماضي. والنتيجة، تالياً، سيّان: لا مآل سوي الإنفجار.كذلك أقرّ هؤلاء الخبراء ـ بل وردد معهم رؤساء من أمثال بيل كلينتون ـ أنّ هذه المنظمة أنتجت الكثير بالفعل، وحقّقت بالوسائل السلمية ما عجزت الجيوش والقاذفات وحاملات الطائرات عن تحقيقه في غمار الحرب الضروس. وإذا وضعنا جانباً آلاف، أو عشرات آلاف، الصواريخ التي كانت ستعبر الخطوط الحمراء المقدسة المرسومة بين الدولة العبرية والعالم الخارجي بأسره، فإننا سنتذكّر تلك المحرّمات الكبري التي ظلّت كفيلة بإشعال الفانتازيا القيامية في الغرب: 21 منشأة معدّة لأغراض نووية (سلمية أو عسكرية)، 400 ألف لتر من العوامل الكيماوية القابلة للاستخدام في إنتاج مختلف الأسلحة الكيماوية، نحو مليوني لتر من المواد الأخري المكمّلة للعوامل الكيماوية.أكثر من ذلك، تذكّر هؤلاء الخبراء أنّ منظمة الـ أونسكوم ما كانت ستفلح في تدمير هذه المحرّمات لولا تعاون السلطات العراقية وموافقتها علي قيادة المفتشين إلي العرائن ذات التمويه الممتاز، الذي أعمي بصر طائرات الـ أواكس والتكنولوجيا الإلكترونية المعقدة التي يتباهي البنتاغون بفضائلها. وحدث هذا التعاون قبل وقت طويل من التعاون الآخر الذي انخرط فيه العراقيون الأقربون، من أصهار ومستشارين ومرافقين شخصيين. وفي جميع الأحوال، من الثابت اليوم أنه لم تسجّل سابقة واحدة تدلّ علي نجاح الـ أونسكوم في تفكيك لغز لم يكن العراقيون راغبين في تفكيكه... هكذا ببساطة! وكان استبدال الـ أونسكوم بالـ الأنموفيك هو الحلّ السحري لمواجهة هذا كلّه، وكذلك لتقديم المزيد من البراهين علي فشل المجتمع الدولي في تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية، سلمياً ومن غير حرب. وفي الحقبة إياها، وبعد استقالته المدوية رغم أنه كان أشهر مفتّشي الـ أونسكوم ، أصدر سكوت ريتر كتابه الثاني، الحرب علي العراق ، مفنداً الذرائع التي أخذ جورج بوش الابن يحشدها في تبرير شنّ الحرب علي العراق:ـ لا توجد رابطة بين صدام حسين و القاعدة ؛ـ إمكانيات العراق الكيميائية والبيولوجية والنووية دُمّرت في السنوات التي أعقبت حرب الخليج؛ـ المراقبة عن طريق الأقمار الصناعية كانت، وما تزال، قادرة علي كشف أيّ مراكز جديدة لإنتاج الأسلحة في العراق؛ـ الحصار منع العراق من الحصول علي المواد المكوّنة لصنع الأسلحة؛ـ فرض تغيير النظام بالقوّة لن يجلب الديمقراطية للعراق؛ـ عواقب حرب أمريكا علي العراق خطيرة للغاية علي الشرق الأوسط، وقد تشعل حرباً نووية.وباستثناء إشعال حرب نووية، ما الذي تبيّن اليوم أنه كان مغلوطاً في تقديرات ريتر؟هل تصلح هذه السوابق، من فشل الـ أونسكوم إلي تعطيل الـ أنموفيك وصولاً إلي تأثيم البرادعي، في الحيلولة دون تلفيق ذرائع مماثلة قبيل غزو إيران، مثلاً، إذا اتخذ بوش قراراً كهذا؟ الأيام كفيلة بالإجابة، غير الإدارة كانت عازمة علي غزو العراق، عاد المفتشون أم لم يعودوا، وجري تجريد البلد من السلاح أم لا. وكان بوش بحاجة إلي هذه المغامرة العسكرية (التي يقول، اليوم أيضاً، إنها كانت نبيلة وضرورية وعادلة ) لأسباب ذاتية تخصّ إنقاذ رئاسته الأولي ومنحها المضمون الذي شرعت تبحث عنه بعد مهزلة إعادة عدّ الأصوات في فلوريدا، والتالي صناعة ـ وليس فقط تقوية ـ حظوظه للفوز بولاية ثانية. وكان بحاجة إلي هذه الحرب لأنّ مصالح الولايات المتحدة تقتضي شنّها، لثلاثة أسباب ستراتيجية علي الأقلّ: 1) تحويل العراق إلي قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة وحيوية، تخلّص أمريكا من مخاطر بقاء قوّاتها في دول الخليج، وما يشكّله هذا الوجود من ذريعة قوية يستخدمها الأصوليون لتحريض الشارع الشعبي ضدّ الولايات المتحدة، وتشجيع ولادة نماذج جديدة من القاعدة وأسامة بن لادن؛ و2) السيطرة علي النفط العراقي، التي تشير كلّ التقديرات إلي أنه الآن يعدّ الإحتياطي الأوّل في العالم، أي بما يتفوّق علي المملكة العربية السعودية ذاتها؛ و3) توطيد درس أفغانستان علي صعيد العلاقات الدولية، بحيث تصبح الهيمنة الأمريكية علي الشرق الأوسط، ومعظم أجزاء العالم في الواقع، مطلقة أحادية لا تُردّ ولا تُقاوم.ولقد كُتب الكثير في وصف انقلاب السحر علي الساحر الأمريكي، ولعلّ من الدالّ أن يقتبس المرء توصيف باراك أوباما: هذه الحرب، الأطول من الحربين العالميتين الأولي والثانية، والأطول من الحرب الأهلية الأمريكية، جعلت أمريكا أقلّ أماناً، وأضعفت نفوذها في العالم، وزادت من قوّة إيران، وعزّزت حركة طالبان وكوريا الشمالية وتنظيم القاعدة ... ما لم يقله أوباما هو أنّ هذه هي الحال الكلاسيكية التي أخذت تنتهي إليها جميع حروب الإمبراطورية الأمريكية المعاصرة، بوصفها أسوأ مَن يستخدم الجبروت العسكري، وبالتالي أردأ مَن يتعلّم دروس التاريخ.ہ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
21/03/2008
السويدي هانس بليكس، الرئيس السابق (والأخير، كما يتوجّب القول) للجنة الأمم المتحدة التي كُلّفت بمراقبة وتدقيق وتفتيش الأسلحة العراقية قبيل الغزو الأمريكي للبلد واحتلاله، في مثل هذه الأيام من العام 2003، لا يفوّت سانحة تخصّ هذا الغزو دون الغمز من قناة البيت الأبيض، وأحياناً هجاء الرئيس الأمريكي جورج بوش نفسه. وبالأمس، في الذكري الخامسة، نشر الرجل تعليقاً وجيزاً في صحيفة الـ غارديان البريطانية، كان عنوانه بمثابة اختصار بليغ لما يظنّ الرجل أنه بدء ومآل ذلك الغزو: حرب الحماقة المطلقة !وهو يبدأ بالقول إنّ غزو العراق كان مأساة، للعراق، وللولايات المتحدة، وللعالم، وللحقيقة، وللكرامة الإنسانية ؛ ثمّ يردف علي الفور
، لأنه يعلم مثل الجميع مضمون الذريعة المكرورة التي لم يتوقف بوش عن اقتباسها في تجميل حصيلة الحرب، أيّ التخلّص من نظام صدّام حسين: لو لم تُجْهز عليه الحرب، فإنه أغلب الظنّ كان سيصبح نسخة من القذافي أو كاسترو؛ يواصل قهر شعبه، ولكنه لا يشكّل تهديداً للعالم . أمّا الملفّ الذي يعني بليكس مباشرة، بقدر ما يعني العالم بأسره في الواقع، والشارع الأمريكي في طليعة المعنيين، فهو أكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي كانت ذريعة الحرب الأولي. وفي هذا الصدد يقول بليكس: لم يكن وارداً أن تفلح حكومات التحالف في بيع الحرب إلي برلماناتها علي أساس أية ذريعة أخري (...) ولهذا فإنّ المسؤولية عن الحرب تقع علي عاتق الذين شنّوها وهم يعرفون ما يعرفونه في آذار (مارس) 2003 . المقصود، بالطبع، هو أنهم كانوا يعرفون العكس تماماً: أنّ العراق كان خالياً من هذه الأسلحة، نووية كانت أم كيماوية؛ وأنّ 700 عملية تفتيش، في أكثر من 500 موقع، لم تسفر عن ايّ دليل يثبت وجود تلك الاسلحة؛ وأنّ عقود شراء أوكسيد اليورانيوم، التي قال بوش أمام الكونغرس إنّ العراق أبرمها مع النيجر، كانت زائفة ومفبركة، كما برهنت السنوات القصيرة اللاحقة... ومع ذلك، يتابع بليكس، فضّلت قوي التحالف استبدال إشارات الاستفهام بإشارات التعجّب ؛ أي، في صياغة أخري من عندنا: وضعت جانباً خيار المزيد من البحث وطرح الأسئلة، واختارت التلفيق والتزييف والتضخيم، بقصد التهويل والترهيب والتبرير. ولأنّ هذا السيناريو يمكن أن يتكرّر اليوم ضدّ إيران، ولكن مع محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية ل
لطاقة هذه المرّة، فإنّ استذكار بعض تفاصيل السيناريو قد تكون ذات مغزي في هذه الأيام بالذات، حين تستأثر بالمغزي تلك الأرقام الرهيبة المفزعة التي استولدتها هذه الحرب: بين 600 ألف ومليون قتيل عراقي، غالبيتهم الساحقة من المدنيين، و3990 قتيلاً في صفوف جنود الإحتلال الأمريكي، و175 في صفوف البريطانيين، وعشرات الآلاف من الجرحي، وكلفة مالية تقارب الـ 600 مليار دولار (5000 مليار، حسب تقديرات جوزيف ستيغلتز). وفي أواسط كانون الأول (ديسمبر) 1999، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1284، جري استبدال هيئة التفتيش الخاصة المعروفة باسم الـ UNSCOM، والتي ترأسها ريشارد بتلر وقبله رولف إكيوس، بهيئة أخري تتضمن الإشراف والتحقق والتفتيش، سُمّيت الـ UNMOVIC، ترأسها هانس بليكس. وكان الاسم الأول أيسر نطقاً من الاسم الثاني، وكانت وظائف الهيئة السابقة أوضح... أو هكذا خُيّل للعالم طيلة عقد كامل من الزمن تقريباً. وأمّا حين طوي النسيان صورة المفتّش الأوّل بتلر، مثلما طوي من قبل صفحة سلفه المفتش المؤسس إكيوس، فإنّ العالم اكتشف سريعاً أنّ المهمّة لم تكن يسيرة في الأساس، ولكنها لم تكن عسيرة أيضاً! لا هذه ولا تلك، والحكمة الذهبية الوحيدة كانت مواصلة اللعب في الوقت الضائع، ومواصلة الحصار من أجل الحصار وحده.وكان بليكس قد شغل موقع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية طيلة الأعوام 1981 ـ 1997، وفي عهده المديد ذاك وقعت حرب الخليج الثانية، واكتشف العالم الحرّ أنّ العراق كان موشكاً علي إنتاج قنبلة ذرية من النوع الذي لا يُبقي ولا يذر. آنذاك تحوّلت الوكالة، بل تحوّل بليكس نفسه، إلي كبش فداء: كيف تغافلت الوكالة إلي هذا الحدّ عن البرنامج العراقي السرّي؟ أين كانت أطقم الوكالة؟ ماذا كان السيد بليكس يفعل؟ وماذا نفعل في المستقبل لتفادي تكرار حالة العراق؟ويُسجّل للرجل أنه صمد كما تصمد الجبال الرواسي، بل واستغلّ الحكاية لكي ينتزع من العالم الحرّ اعترافاً صريحاً بأهمية دور الوكالة، الأمر الذي عزّز موقعها وميزانياتها وطرائق عملها. وهكذا صالت الوكالة وجالت ضدّ كوريا الشمالية، ثم انتزعت من مجلس الأمن الدولي تفويضاً بالحقّ في اعتماد تقنيات أكثر تطوراً وتعقيداً (التفتيش المفاجيء، الحصول علي عيّنات من التربة والمياه والنبات) أنّي ومتي شاءت، في طول العالم وعرضه... باستثناء الدولة العبرية بطبيعة الحال. فهذه الدولة ليست بعدُ ضمن صلاحيات الوكالة، لأنها في الواقع ما تزال فوق عشرات القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي بصدد هذه أو تلك من أنماط خرق الشرعة الدولية.كذلك يُسجّل للرجل أنه تعرّض علي الدوام لحملات انتقاد شديدة، إذْ كان مناصراً لمبدأ تعميم واستخدام الطاقة الذرية لأغراض سلمية، الأمر الذي جعله يغضّ الطرف عن طموح الدول العالمثالثية (إيران، العراق، الهند، الباكستان) إلي إطلاق برامج علمية لتوفير تلك الطاقة. والطريف أنّ تلك الحملات جاءت من الدوائر الأمريكية (وهو أمر مفهوم)، ومن الدوائر الصهيونية (وهو الأمر العجيب لأنّ نووية الدولة العبرية ليست البتة سلمية)، وأخيراً إكيوس والطلائع الأولي من الـ أونسكوم ، ثمّ بتلر والطلائع الثانية.وقبيل عملية ثعلب الصحراء ، عام 1998، حين قصفت واشنطن بغداد ردّاً علي ما قيل إنه محاولة عراقية لاغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، لاحظ المراقبون للسياسة الأمريكية بروز مؤشرات تقول إن الإدارة بدأت تدرك حدود المضيّ إلي أبد الآبدين في اجترار خطاب سياسي ـ قانوني مستوحي من الإتكاء علي نظام الـ أونسكوم ، خصوصاً حين يتوجّب تحويل ذلك الخطاب إلي مبرّر للإبقاء علي الحصار، بل وتوجيه ضربات عسكرية للعراق. وتناقل هؤلاء، ومعهم خبراء البيت الأبيض أيضاً، تقديرات تقول إن منظمة بتلر ضُخّمت أكثر مما ينبغي، أو نُفخت حتي المدي ا
لأقصي الذي ليس بعده من مآل آخر سوي الإنفجار. المتفائلون منهم قالوا إنّ المنظمة تآكلت، إذا لم تكن قد نُفخت بإفراط، ولم تعد أمثولتها قادرة علي إنتاج واستهلاك وإعادة إنتاج الماضي. والنتيجة، تالياً، سيّان: لا مآل سوي الإنفجار.كذلك أقرّ هؤلاء الخبراء ـ بل وردد معهم رؤساء من أمثال بيل كلينتون ـ أنّ هذه المنظمة أنتجت الكثير بالفعل، وحقّقت بالوسائل السلمية ما عجزت الجيوش والقاذفات وحاملات الطائرات عن تحقيقه في غمار الحرب الضروس. وإذا وضعنا جانباً آلاف، أو عشرات آلاف، الصواريخ التي كانت ستعبر الخطوط الحمراء المقدسة المرسومة بين الدولة العبرية والعالم الخارجي بأسره، فإننا سنتذكّر تلك المحرّمات الكبري التي ظلّت كفيلة بإشعال الفانتازيا القيامية في الغرب: 21 منشأة معدّة لأغراض نووية (سلمية أو عسكرية)، 400 ألف لتر من العوامل الكيماوية القابلة للاستخدام في إنتاج مختلف الأسلحة الكيماوية، نحو مليوني لتر من المواد الأخري المكمّلة للعوامل الكيماوية.أكثر من ذلك، تذكّر هؤلاء الخبراء أنّ منظمة الـ أونسكوم ما كانت ستفلح في تدمير هذه المحرّمات لولا تعاون السلطات العراقية وموافقتها علي قيادة المفتشين إلي العرائن ذات التمويه الممتاز، الذي أعمي بصر طائرات الـ أواكس والتكنولوجيا الإلكترونية المعقدة التي يتباهي البنتاغون بفضائلها. وحدث هذا التعاون قبل وقت طويل من التعاون الآخر الذي انخرط فيه العراقيون الأقربون، من أصهار ومستشارين ومرافقين شخصيين. وفي جميع الأحوال، من الثابت اليوم أنه لم تسجّل سابقة واحدة تدلّ علي نجاح الـ أونسكوم في تفكيك لغز لم يكن العراقيون راغبين في تفكيكه... هكذا ببساطة! وكان استبدال الـ أونسكوم بالـ الأنموفيك هو الحلّ السحري لمواجهة هذا كلّه، وكذلك لتقديم المزيد من البراهين علي فشل المجتمع الدولي في تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية، سلمياً ومن غير حرب. وفي الحقبة إياها، وبعد استقالته المدوية رغم أنه كان أشهر مفتّشي الـ أونسكوم ، أصدر سكوت ريتر كتابه الثاني، الحرب علي العراق ، مفنداً الذرائع التي أخذ جورج بوش الابن يحشدها في تبرير شنّ الحرب علي العراق:ـ لا توجد رابطة بين صدام حسين و القاعدة ؛ـ إمكانيات العراق الكيميائية والبيولوجية والنووية دُمّرت في السنوات التي أعقبت حرب الخليج؛ـ المراقبة عن طريق الأقمار الصناعية كانت، وما تزال، قادرة علي كشف أيّ مراكز جديدة لإنتاج الأسلحة في العراق؛ـ الحصار منع العراق من الحصول علي المواد المكوّنة لصنع الأسلحة؛ـ فرض تغيير النظام بالقوّة لن يجلب الديمقراطية للعراق؛ـ عواقب حرب أمريكا علي العراق خطيرة للغاية علي الشرق الأوسط، وقد تشعل حرباً نووية.وباستثناء إشعال حرب نووية، ما الذي تبيّن اليوم أنه كان مغلوطاً في تقديرات ريتر؟هل تصلح هذه السوابق، من فشل الـ أونسكوم إلي تعطيل الـ أنموفيك وصولاً إلي تأثيم البرادعي، في الحيلولة دون تلفيق ذرائع مماثلة قبيل غزو إيران، مثلاً، إذا اتخذ بوش قراراً كهذا؟ الأيام كفيلة بالإجابة، غير الإدارة كانت عازمة علي غزو العراق، عاد المفتشون أم لم يعودوا، وجري تجريد البلد من السلاح أم لا. وكان بوش بحاجة إلي هذه المغامرة العسكرية (التي يقول، اليوم أيضاً، إنها كانت نبيلة وضرورية وعادلة ) لأسباب ذاتية تخصّ إنقاذ رئاسته الأولي ومنحها المضمون الذي شرعت تبحث عنه بعد مهزلة إعادة عدّ الأصوات في فلوريدا، والتالي صناعة ـ وليس فقط تقوية ـ حظوظه للفوز بولاية ثانية. وكان بحاجة إلي هذه الحرب لأنّ مصالح الولايات المتحدة تقتضي شنّها، لثلاثة أسباب ستراتيجية علي الأقلّ: 1) تحويل العراق إلي قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة وحيوية، تخلّص أمريكا من مخاطر بقاء قوّاتها في دول الخليج، وما يشكّله هذا الوجود من ذريعة قوية يستخدمها الأصوليون لتحريض الشارع الشعبي ضدّ الولايات المتحدة، وتشجيع ولادة نماذج جديدة من القاعدة وأسامة بن لادن؛ و2) السيطرة علي النفط العراقي، التي تشير كلّ التقديرات إلي أنه الآن يعدّ الإحتياطي الأوّل في العالم، أي بما يتفوّق علي المملكة العربية السعودية ذاتها؛ و3) توطيد درس أفغانستان علي صعيد العلاقات الدولية، بحيث تصبح الهيمنة الأمريكية علي الشرق الأوسط، ومعظم أجزاء العالم في الواقع، مطلقة أحادية لا تُردّ ولا تُقاوم.ولقد كُتب الكثير في وصف انقلاب السحر علي الساحر الأمريكي، ولعلّ من الدالّ أن يقتبس المرء توصيف باراك أوباما: هذه الحرب، الأطول من الحربين العالميتين الأولي والثانية، والأطول من الحرب الأهلية الأمريكية، جعلت أمريكا أقلّ أماناً، وأضعفت نفوذها في العالم، وزادت من قوّة إيران، وعزّزت حركة طالبان وكوريا الشمالية وتنظيم القاعدة ... ما لم يقله أوباما هو أنّ هذه هي الحال الكلاسيكية التي أخذت تنتهي إليها جميع حروب الإمبراطورية الأمريكية المعاصرة، بوصفها أسوأ مَن يستخدم الجبروت العسكري، وبالتالي أردأ مَن يتعلّم دروس التاريخ.ہ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس---------------------------------------------------------
انتصارات المحافظين في واشنطن وطهران
باتريك سيل الحياة - 21/03/08//
من هو، سياسياً، في حالةٍ أفضل؟ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أو منافسه العنيد، الرئيس الأميركي جورج بوش الابن؟
ينتمي الرئيسان إلى صقور المحافظين. كلاهما سحق المعارضين في بلده وفرض سلطته. إلا أنهما يواجهان صعوبات كبيرة سياسية واقتصادية واستراتيجية. إلا أنه من بين الاثنين، يبدو أن الرئيس الإيراني هو أكثر نشاطا وحيوية من خصمه الأميركي.
وفي كلّ من طهران وواشنطن، فاز المحافظون المتشددون أخيراً في امتحان قوة مقابل خصومهم الأكثر انفتاحاً. إلا أنه لم يتّضح على الإطلاق أنهم سيحافظون على هذا التقدم لوقت طويل. ففي البلدين، يبدو أن التغيير يخيّم على الأجواء. وإن لم يحصل هذا التغيير على الفور، فعلى الأكيد سيحصل في السنة المقبلة.
في إيران، ساهمت الانتخابات التشريعية التي جرت خلال الشهر الجاري في إحكام قبضة أحمدي نجاد وحلفائه على السلطة موقتاً. وبعد الجولة الثانية من الاقتراع النهائي التي ستجري خلال الشهر المقبل، من المرجح أن يسيطروا على ثلاثة أرباع مقاعد البرلمان البالغ عددها 290 مقعداً. أما المقاعد المتبقية فستتوزع بين المحافظين المعتدلين، المنتقدين لشعبوية أحمدي نجاد، والإصلاحيين أتباع الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي.
لا يعود التمثيل الضعيف نسبيا للإصلاحيين إلى فقدانهم الدعم الشعبي، إنما إلى قيام وزارة الداخلية ومجلس الأوصياء - أي الهيئة الثيوقراطية حارسة النظام - بإقصاء مئات المرشحين الإصلاحيين في تدقيق سبق عملية التصويت، ما استدعى اتهامات من قبل واشنطن والاتحاد الأوروبي بأن الانتخابات لم تكن حرة ولا نزيهة.
إلا أنه في واشنطن، تم تفسير الاستقالة المفاجئة للأميرال وليام فالون، قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، بشكلٍ واسع على أنها انتصار للمحافظين الجدد على «الواقعيين» في أروقة السلطة في أميركا. وبالفعل، يعتبر الأمر بمثابة سحق المعارضين، ربما ليس على غرار إيران، إنما بالأهمية نفسها من منظار الخيارات الاستراتيجية.
ويقال إن فالون دعا، بصورة علنية على الملأ إلى حدّ لم يأتِ لصالحه، إلى «التعاطي» مع إيران، بدلاً من سياسة التهديدات الحالية، والعقوبات والتوعّد، وإلى انسحاب القوات الأميركية من العراق بأسرع من نمط الانسحاب الذي كان من الممكن أن يتقبله نائب الرئيس ديك تشيني، وقائد القوات الأميركية في العراق الجنرال دايفيد بيتراوس، كما أنه دعا، بشكلٍ عام، إلى نقل تركيز الاستراتيجية الأميركية بعيدا عن العراق وإيران باتجاه باكستان وأفغانستان، وهما مسرحا نزاع يبدو بنظر فالون انهما يشكلان التهديد الأكبر بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية.
ويبقى الانتظار لرؤية ما إذا كانت انتصارات المحافظين في كلّ من واشنطن وطهران ستصمد أو ستسقط قريباً. فالرئيس بوش فقد مصداقيته، ويظهر بمظهر الرئيس الضعيف الذي ينازع للتمسك بما بقي من سلطة خلال أشهر ولايته الأخيرة. وإذا فاز باراك أوباما بترشيح الحزب الديموقراطي ثم بالرئاسة - فمن المرجح أن تشهد العلاقة الاميركية - الإيرانية تحولاً، بشكل يوافق عليه الأميرال فالون. ومن المرجح أن يتم تطبيع العلاقات على الأقل، وبدء حوار وتبادل سفراء، حتى إن لم يرْقَ هذا التحسّن إلى مستوى «المقايضة الكبرى»، التي أملها بعض المعلّقين.
وبات أحمدي نجاد بدوره، موضع هجوم في الداخل الإيراني. ويعود سبب ذلك بشكل كبير إلى سياساته الاقتصادية المدمرة. وبهدف كسب التأييد الشعبي، قام بوضع يده على عائدات النفط الإيراني من خلال توزيعها بشكلٍ سخي. إلا أن التضخم الذي تعدت نسبته 20 في المئة، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسكن إلى مستويات قياسية، ألحق الضرر بالايرانيين الذين يعتبرون في أسفل الهرم الاجتماعي والذين كان يأمل نجاد بمساعدتهم.
ومن المرجح جداً أن تتم محَاسبة نجاد خلال الانتخابات الرئاسية في السنة المقبلة. وينتظر ان ينافسه النقّاد الاقوياء لسياسته، مثل عمدة طهران محمد باقر قاليباف، وكبير المفاوضين السابق في الملف النووي علي لاريجاني (الذي تم انتخابه عن مدينة قم بغالبية ساحقة)، ورئيس البرلمان الإيراني غلام علي حداد عادل - منافسته على الرئاسة، وكذلك الإصلاحي الأول الرئيس السابق محمد خاتمي.
الأزمات الاقتصادية التي تسبب بها أحمدي نجاد سيئة، إلا أنها لا تقارن بالأزمات التي تسبب بها الرئيس الأميركي. فحركة الرئيس بوش مشلولة بفعل أزمة مصرفية وائتمانية أميركية غير معهودة منذ الحرب العالمية الثانية.
فقد انهار الدولار الذي كان قوياً أمام ناظريه، وهو مهدد بالاستمرار بالانهيار. والاقتصاد الأميركي في حالة ركود، وقد استهلك العراق مليارات لا تحصى - ربما ما يعادل ترليونين أو ثلاثة ترليونات دولار! كما أن الشركة المالية الاميركية الضخمة «بير ستيرنز»، تم بيعها مقابل ثمن زهيد، في حين أن صندوق «كارلايل كابيتال كوربورايشن» المهم قد تمت تصفيته قسراً. إضافة إلى وقوع مؤسسات مالية عريقة أخرى على غرار «ليمان براذرز « في دائرة الخطر. وتشهد «وول ستريت» موجة هلع. وبالتالي فإن الوقت مناسب حاليا للأثرياء والشجعان لانتهاز فرص شراء الأصول بأسعار منخفضة.
ومقابل خلفية المسائل هذه، يبدو أن جهود نائب وزير المالية الأميركي، والمنتمي إلى فريق المحافظين الجدد، ستيوارت ليفي، لتقويض اقتصاد إيران مثيرة للسخرية. فقد فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على مصرفين كبيرين إيرانيين، «بنك ميلي» و «بنك صادرات»، وخلال الأسبوع الماضي أقدمت على تجميد الأصول الأميركية لمصرف آخر - «بنك المستقبل» في البحرين - والمملوك بنسبة الثلثين من قبل «بنك ميلي» و «بنك صادرات».
وتندرج هذه التدابير العقابية في إطار محاولة خاطئة ترأسها الولايات المتحدة الأميركية لعزل إيران من خلال تقويض علاقاتها مع شركائها الأساسيين في التبادل التجاري في الخليج. إلا أن الأرقام تشير إلى فشل حملة ليفي. والحال ان حجم التبادل التجاري ارتفع بين إيران ودبي إلى ما يزيد عن 11 بليون دولار سنة 2006، مقارنة مع 7.8 بليون دولار سنة 2005، ويعتقد أن التبادل قد ارتفع ليقارب 14 بليوناً سنة 2007. ولقيت محاولات أميركا لحشد العرب «المعتدلين» سياسياً ضدّ إيران - وهي محاولات جاءت في صلب موضوع زيارة نائب الرئيس ديك تشيني إلى المنطقة خلال هذا الأسبوع - مصير العقوبات الاقتصادية نفسه. فالمملكة العربية السعودية ومصر ودول الخليج لا تريد الانضمام إلى حملة الولايات المتحدة السيئة التخطيط ضدّ إيران.
وأخيراً، قام نائب رئيس دولة الامارات العربية المتحدة وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد، بزيارة طهران، في حين أن أحمدي نجاد لقي استقبالاً حاراً وعفوياً أكثر من الاستقبال الذي لقيه الرئيس جورج بوش الابن، خلال الزيارتين الأخيرتين اللتين قام كل منهما بهما أخيراً إلى بغداد. والأمر الأسوأ، من وجهة نظر واشنطن، وبعيدا عن السعي إلى تجنّب الجمهورية الإسلامية، هو أن فكرة إدراج إيران في بعض جوانب الهيكلية الأمنية للمنطقة اصبحت فكرة مقبولة وبدأت تنال الاستحسان من جانب أصحاب القرار في منطقة الخليج.
يكمن السبب الأساسي لتمتّع نجاد بموقعه القوي حالياً في ايران في سياسة الملفّ النووي التي يعتمدها والمثيرة للجدل والعالية المخاطر. فقد نجح حتى الآن في مقاومة محاولات الولايات المتحدة الأميركية لإجباره على وقف نشاط إيران النووي، ولا سيما برنامج تخصيب اليورانيوم، والذي من الممكن أن يؤدي إلى صناعة الأسلحة النووية. إلا أن هذا التصدّي له ثمنه: ثمن اقتصادي بسبب العقوبات الدولية، وثمن استراتيجي بسبب إمكانية هجوم أميركي أو إسرائيلي، ومع ان هذا احتمال ضعيف ربما، إلا انه لا يزال قائماً.
لا أحد يعتقد حقاً بأن إيران قد تستخدم فعليا الأسلحة الذرية، هذا إذا تمكنّت من تصنيعها. ففي النهاية أي لجوء إلى هذه الأسلحة قد يؤدي فورا إلى سحق الدولة الإيرانية. إلا أن حيازة الأسلحة النووية، بدل استخدامها، لها منافع أكيدة من وجهة النظر الإيرانية. فهي لا تؤدّي فقط إلى حماية إيران من اعتداء أميركي و/ أو إسرائيلي، إنما تحدّ أيضاً لأطماع الهيمنة واحتمالات السيطرة لهذين البلدين - وهو السبب الأساسي لاعتبار واشنطن وتل أبيب برنامج إيران النووي تهديداً لهما.
وبطريقة أو بأخرى، يبدو أن إيران أفضل استعداداً من الولايات المتحدة الأميركية للاحتفاظ بنفوذ في منطقة الخليج وممارسته على الأمد الطويل. وفي نهاية الأمر، عندما تعود القوات الأميركية أدراجها، وتختتم فصول المغامرات الاستعمارية الجديدة في العراق وأفغانستان - كما سيحصل عاجلاً أم آجلاً - فإيران ستبقى الجار الذي ينبغي على العرب العيش والتعايش معه، وممارسة الأعمال والتبادل التجاري. فالجغرافيا في نهاية المطاف واقع لا مفرّ منه.
كاتب بريطاني متخصص في قضايا الشرق الأوسط
------------------------------------------------------
باتريك سيل الحياة - 21/03/08//
من هو، سياسياً، في حالةٍ أفضل؟ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أو منافسه العنيد، الرئيس الأميركي جورج بوش الابن؟
ينتمي الرئيسان إلى صقور المحافظين. كلاهما سحق المعارضين في بلده وفرض سلطته. إلا أنهما يواجهان صعوبات كبيرة سياسية واقتصادية واستراتيجية. إلا أنه من بين الاثنين، يبدو أن الرئيس الإيراني هو أكثر نشاطا وحيوية من خصمه الأميركي.
وفي كلّ من طهران وواشنطن، فاز المحافظون المتشددون أخيراً في امتحان قوة مقابل خصومهم الأكثر انفتاحاً. إلا أنه لم يتّضح على الإطلاق أنهم سيحافظون على هذا التقدم لوقت طويل. ففي البلدين، يبدو أن التغيير يخيّم على الأجواء. وإن لم يحصل هذا التغيير على الفور، فعلى الأكيد سيحصل في السنة المقبلة.
في إيران، ساهمت الانتخابات التشريعية التي جرت خلال الشهر الجاري في إحكام قبضة أحمدي نجاد وحلفائه على السلطة موقتاً. وبعد الجولة الثانية من الاقتراع النهائي التي ستجري خلال الشهر المقبل، من المرجح أن يسيطروا على ثلاثة أرباع مقاعد البرلمان البالغ عددها 290 مقعداً. أما المقاعد المتبقية فستتوزع بين المحافظين المعتدلين، المنتقدين لشعبوية أحمدي نجاد، والإصلاحيين أتباع الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي.
لا يعود التمثيل الضعيف نسبيا للإصلاحيين إلى فقدانهم الدعم الشعبي، إنما إلى قيام وزارة الداخلية ومجلس الأوصياء - أي الهيئة الثيوقراطية حارسة النظام - بإقصاء مئات المرشحين الإصلاحيين في تدقيق سبق عملية التصويت، ما استدعى اتهامات من قبل واشنطن والاتحاد الأوروبي بأن الانتخابات لم تكن حرة ولا نزيهة.
إلا أنه في واشنطن، تم تفسير الاستقالة المفاجئة للأميرال وليام فالون، قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، بشكلٍ واسع على أنها انتصار للمحافظين الجدد على «الواقعيين» في أروقة السلطة في أميركا. وبالفعل، يعتبر الأمر بمثابة سحق المعارضين، ربما ليس على غرار إيران، إنما بالأهمية نفسها من منظار الخيارات الاستراتيجية.
ويقال إن فالون دعا، بصورة علنية على الملأ إلى حدّ لم يأتِ لصالحه، إلى «التعاطي» مع إيران، بدلاً من سياسة التهديدات الحالية، والعقوبات والتوعّد، وإلى انسحاب القوات الأميركية من العراق بأسرع من نمط الانسحاب الذي كان من الممكن أن يتقبله نائب الرئيس ديك تشيني، وقائد القوات الأميركية في العراق الجنرال دايفيد بيتراوس، كما أنه دعا، بشكلٍ عام، إلى نقل تركيز الاستراتيجية الأميركية بعيدا عن العراق وإيران باتجاه باكستان وأفغانستان، وهما مسرحا نزاع يبدو بنظر فالون انهما يشكلان التهديد الأكبر بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية.
ويبقى الانتظار لرؤية ما إذا كانت انتصارات المحافظين في كلّ من واشنطن وطهران ستصمد أو ستسقط قريباً. فالرئيس بوش فقد مصداقيته، ويظهر بمظهر الرئيس الضعيف الذي ينازع للتمسك بما بقي من سلطة خلال أشهر ولايته الأخيرة. وإذا فاز باراك أوباما بترشيح الحزب الديموقراطي ثم بالرئاسة - فمن المرجح أن تشهد العلاقة الاميركية - الإيرانية تحولاً، بشكل يوافق عليه الأميرال فالون. ومن المرجح أن يتم تطبيع العلاقات على الأقل، وبدء حوار وتبادل سفراء، حتى إن لم يرْقَ هذا التحسّن إلى مستوى «المقايضة الكبرى»، التي أملها بعض المعلّقين.
وبات أحمدي نجاد بدوره، موضع هجوم في الداخل الإيراني. ويعود سبب ذلك بشكل كبير إلى سياساته الاقتصادية المدمرة. وبهدف كسب التأييد الشعبي، قام بوضع يده على عائدات النفط الإيراني من خلال توزيعها بشكلٍ سخي. إلا أن التضخم الذي تعدت نسبته 20 في المئة، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسكن إلى مستويات قياسية، ألحق الضرر بالايرانيين الذين يعتبرون في أسفل الهرم الاجتماعي والذين كان يأمل نجاد بمساعدتهم.
ومن المرجح جداً أن تتم محَاسبة نجاد خلال الانتخابات الرئاسية في السنة المقبلة. وينتظر ان ينافسه النقّاد الاقوياء لسياسته، مثل عمدة طهران محمد باقر قاليباف، وكبير المفاوضين السابق في الملف النووي علي لاريجاني (الذي تم انتخابه عن مدينة قم بغالبية ساحقة)، ورئيس البرلمان الإيراني غلام علي حداد عادل - منافسته على الرئاسة، وكذلك الإصلاحي الأول الرئيس السابق محمد خاتمي.
الأزمات الاقتصادية التي تسبب بها أحمدي نجاد سيئة، إلا أنها لا تقارن بالأزمات التي تسبب بها الرئيس الأميركي. فحركة الرئيس بوش مشلولة بفعل أزمة مصرفية وائتمانية أميركية غير معهودة منذ الحرب العالمية الثانية.
فقد انهار الدولار الذي كان قوياً أمام ناظريه، وهو مهدد بالاستمرار بالانهيار. والاقتصاد الأميركي في حالة ركود، وقد استهلك العراق مليارات لا تحصى - ربما ما يعادل ترليونين أو ثلاثة ترليونات دولار! كما أن الشركة المالية الاميركية الضخمة «بير ستيرنز»، تم بيعها مقابل ثمن زهيد، في حين أن صندوق «كارلايل كابيتال كوربورايشن» المهم قد تمت تصفيته قسراً. إضافة إلى وقوع مؤسسات مالية عريقة أخرى على غرار «ليمان براذرز « في دائرة الخطر. وتشهد «وول ستريت» موجة هلع. وبالتالي فإن الوقت مناسب حاليا للأثرياء والشجعان لانتهاز فرص شراء الأصول بأسعار منخفضة.
ومقابل خلفية المسائل هذه، يبدو أن جهود نائب وزير المالية الأميركي، والمنتمي إلى فريق المحافظين الجدد، ستيوارت ليفي، لتقويض اقتصاد إيران مثيرة للسخرية. فقد فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على مصرفين كبيرين إيرانيين، «بنك ميلي» و «بنك صادرات»، وخلال الأسبوع الماضي أقدمت على تجميد الأصول الأميركية لمصرف آخر - «بنك المستقبل» في البحرين - والمملوك بنسبة الثلثين من قبل «بنك ميلي» و «بنك صادرات».
وتندرج هذه التدابير العقابية في إطار محاولة خاطئة ترأسها الولايات المتحدة الأميركية لعزل إيران من خلال تقويض علاقاتها مع شركائها الأساسيين في التبادل التجاري في الخليج. إلا أن الأرقام تشير إلى فشل حملة ليفي. والحال ان حجم التبادل التجاري ارتفع بين إيران ودبي إلى ما يزيد عن 11 بليون دولار سنة 2006، مقارنة مع 7.8 بليون دولار سنة 2005، ويعتقد أن التبادل قد ارتفع ليقارب 14 بليوناً سنة 2007. ولقيت محاولات أميركا لحشد العرب «المعتدلين» سياسياً ضدّ إيران - وهي محاولات جاءت في صلب موضوع زيارة نائب الرئيس ديك تشيني إلى المنطقة خلال هذا الأسبوع - مصير العقوبات الاقتصادية نفسه. فالمملكة العربية السعودية ومصر ودول الخليج لا تريد الانضمام إلى حملة الولايات المتحدة السيئة التخطيط ضدّ إيران.
وأخيراً، قام نائب رئيس دولة الامارات العربية المتحدة وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد، بزيارة طهران، في حين أن أحمدي نجاد لقي استقبالاً حاراً وعفوياً أكثر من الاستقبال الذي لقيه الرئيس جورج بوش الابن، خلال الزيارتين الأخيرتين اللتين قام كل منهما بهما أخيراً إلى بغداد. والأمر الأسوأ، من وجهة نظر واشنطن، وبعيدا عن السعي إلى تجنّب الجمهورية الإسلامية، هو أن فكرة إدراج إيران في بعض جوانب الهيكلية الأمنية للمنطقة اصبحت فكرة مقبولة وبدأت تنال الاستحسان من جانب أصحاب القرار في منطقة الخليج.
يكمن السبب الأساسي لتمتّع نجاد بموقعه القوي حالياً في ايران في سياسة الملفّ النووي التي يعتمدها والمثيرة للجدل والعالية المخاطر. فقد نجح حتى الآن في مقاومة محاولات الولايات المتحدة الأميركية لإجباره على وقف نشاط إيران النووي، ولا سيما برنامج تخصيب اليورانيوم، والذي من الممكن أن يؤدي إلى صناعة الأسلحة النووية. إلا أن هذا التصدّي له ثمنه: ثمن اقتصادي بسبب العقوبات الدولية، وثمن استراتيجي بسبب إمكانية هجوم أميركي أو إسرائيلي، ومع ان هذا احتمال ضعيف ربما، إلا انه لا يزال قائماً.
لا أحد يعتقد حقاً بأن إيران قد تستخدم فعليا الأسلحة الذرية، هذا إذا تمكنّت من تصنيعها. ففي النهاية أي لجوء إلى هذه الأسلحة قد يؤدي فورا إلى سحق الدولة الإيرانية. إلا أن حيازة الأسلحة النووية، بدل استخدامها، لها منافع أكيدة من وجهة النظر الإيرانية. فهي لا تؤدّي فقط إلى حماية إيران من اعتداء أميركي و/ أو إسرائيلي، إنما تحدّ أيضاً لأطماع الهيمنة واحتمالات السيطرة لهذين البلدين - وهو السبب الأساسي لاعتبار واشنطن وتل أبيب برنامج إيران النووي تهديداً لهما.
وبطريقة أو بأخرى، يبدو أن إيران أفضل استعداداً من الولايات المتحدة الأميركية للاحتفاظ بنفوذ في منطقة الخليج وممارسته على الأمد الطويل. وفي نهاية الأمر، عندما تعود القوات الأميركية أدراجها، وتختتم فصول المغامرات الاستعمارية الجديدة في العراق وأفغانستان - كما سيحصل عاجلاً أم آجلاً - فإيران ستبقى الجار الذي ينبغي على العرب العيش والتعايش معه، وممارسة الأعمال والتبادل التجاري. فالجغرافيا في نهاية المطاف واقع لا مفرّ منه.
كاتب بريطاني متخصص في قضايا الشرق الأوسط
------------------------------------------------------