
* سورية بين 1978 و2008: عود على بدء؟
بقلم: ياسين الحاج صالح *
أخبار الشرق - 2 آذار/ مارس 2008
عفوياً يميل كاتب هذه السطور إلى إقامة تواز بين السنوات المنقضية من عهد الرئيس بشار الأسد وما يعادلها من سنوات من عهد أبيه الرئيس حافظ الأسد، فيتلامح عام 2008 مثلا من عهد الأسد الابن مناظرا لعام 1978 من عهد الأسد الأب. ولما كنا نعرف ما جرى بعد 1978، فإن من شأن استحضار وقائعه الأساسية أن يتيح لنا تقدير ما قد يجري في ما يطويه المستقبل عنا. ليس لنا أن نبالغ في قيمة هذا "المنهج"، ولا بالخصوص في موثوقية ما قد نبني عليه من تقديرات، لكن لعله تمرين مفيد رغم ذلك. وهو لا يستمد شرعيته من القرابة البيولوجية بين الرئيسين وحدها، بل يتخطاها إلى القرابة البنيوية بين نظاميهما، أو نظامهما الواحد بصفحتيه. فإن لم يضئ التمرين هذا جوانب من الشأن السوري اليوم، فإنه مناسبة للتأمل والمقارنة على الأقل.
والحال إن 1978 هو العام الذي سبق تفجر أزمة وطنية واجتماعية عميقة أخذت شكلا بالغ العنف، دامت فصوله الدامية ثلاث سنوات، وعقابيله المباشرة نحو عقدين، ولا تزال ملفات كثيرة موروثة منه دون معالجة ودون حل. فهل تسير البلاد اليوم نحو أزمة متفجرة مماثلة؟ وهل ثمة مؤشرات على انزلاق كارثي يحاكي ما خبرنا قبل نحو ثلاثة عقود؟
بداية تتواتر المؤشرات على اندفاع الأمور نحو الطريق المسدود، محليا وإقليميا. فقد بادرت السلطات إلى التصرف بعصبية ظاهرة حيال اجتماع عقده ائتلاف "إعلان دمشق" المعارض في مطلع كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وتمخض لأول مرة منذ عقود عن قيادة منتخبة. اعتقل خلال الأسابيع العشرة الماضية 13 ناشطا في الإعلان، وكان أوقف عشرات آخرون لوقت قصير في مستهل الحملة. وفي الآونة الأخيرة تواردت أنباء عن اعتقال نشطاء أكراد، بل توفي مؤخرا معتقل كردي بُعيد الإفراج عنه، لأسباب ربما تتصل بإهمال معالجته وقت الاعتقال.
في الوقت عينه تبلغ علاقة سورية بدول عربية رئيسية مثل مصر والسعودية مستوى غير مسبوق منذ ثلاثة عقود على الأقل من الجفاء والتباعد. والراجح أن البلدين لن يحضرا قمة دمشق أواخر هذا الشهر أو سيتمثلان فيها بمستوى متدن. هذا بينما تعود علاقات سورية بالقوى الغربية الرئيسية، وليس أميركا وحدها، إلى البرودة بعد أن كانت دفئت في عام 2007.
بيد أن هذا كله وجه واحد من وجوه التأزم المحتمل في البلاد وحولها. يحيل وجه ثان على المفاعيل الاجتماعية الممكنة ل"تحرير الاقتصاد". الفقر والبطالة مرشحان للاتساع رغم النمو الاقتصادي (تعطي المصادر الرسمية نسبة6،5 في المئة معدلا للنمو عام 2007)، ومنذ نحو عام ينمو التضخم (تعترف الحكومة بمعدل 8 في المئة لكن مراقبين مستقلين يقدرونه بحدود ضعفي أو ثلاثة أضعاف هذا الرقم)، وترتفع أسعار السلع الاستهلاكية جميعا، بما فيها المواد الغذائية الأساسية. ويتحدث اقتصاديون عن انحراف متزايد لهيكل توزع الدخل الوطني لمصلحة الأكثر غنى. وقد لا يتعدى اليوم ما يناله العاملون بأجر، ونسبتهم أزيد بقليل من 55 في المئة من مجموع العاملين، نحو 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما النسبة الموازية في معظم دول العالم بين 65 و70 في المئة حسبما ذكر مرارا إلياس نجمة، الديبلوماسي والاقتصادي البعثي، وبينما كانوا ينالون في سورية ذاتها 43 في المئة من الناتج أيام كان العاملون بأجر 30 في المئة من مجموع العاملين حسب نجمة ذاته في مقالة قديمة له في "الحياة". دلالة ذلك البديهية هي انهيار قيمة العمل (لمصلحة قيم الملكية، أو بالخصوص السلطة)، والاختلال الفاحش لموازين القوى بين الطبقات أو بين مجتمع العمل ومجتمع الثروة والسلطة. وهو اختلال مرشح للتفاقم بفعل تحرير اقتصادي بلا ضوابط اجتماعية، ومع الاستمرار في منع مجتمع العمل من الدفاع عن نفسه بالتنظيم والإضراب والاحتجاج. و"الفساد" الذي أفتى مؤخرا 450 من 452 مشاركا في استفتاء نادر للرأي العام في سورية بتوطنه في إدارات الدولة وأجهزتها، والجهاز القضائي أولا، منفصلا عن انهيار العمل، مردودا ماديا وقيمة أخلاقية ومجتمعا. قد نتذكر، بالمناسبة، أنه شكلت لجنة للتحقيق في الكسب غير المشروع عام 1977، ولم يتمخض عملها عن نتائج أفضل من "مكافحة الفساد" في السنوات الأخيرة.
في الوقت نفسه، يبدو أن آليات صنع القرار السورية تفتقر إلى إجراءات تصحيحية من شأنها أن تخفف انحرافاتها المحتملة، إن على مستوى الاستقطاب الإقليمي المتزايد حدة، أو التذمر الاجتماعي المرشح للتزايد بدوره، أو تشنج الأجواء السياسية الداخلية. بين حين وآخر تعلن جهات حكومية أنها بصدد التعامل مع الحصائل الاجتماعية للبرلة الاقتصاد، بيد أنها إما أنها لا تفعل شيئا أو أن مبادراتها تأتي متأخرة وجزئية، فلا تخلف أي أثر إيجابي.
أما إقليميا فيبدو أن السلطات تتصرف كما لو أنه لا يمكن فعل شيء أبدا غير تعزيز الروابط القائمة مع كل من إيران وحزب الله وحماس. والحال إن تضييق الخيارات على هذا النحو يتعرض للانتقاد حتى من منحازين إلى هذا المحور.
فإذا أضفنا لهذا كله أزمات النظام الشرق أوسطي الدورية التي تتكرر كل عقد من السنين أو نحوه منذ ستين عاما، كان مباحا لنا أن نتوجس مما قد يواجه البلاد في السنوات القليلة القادمة. إن التقاء هذه العوامل أو بعضها ربما يتسبب في تفجير أزمة خطيرة جدا، قد تذكر السوريين بما عرفه بلدهم قبل ثلاثين عاما. ونفترض أن عملية صنع القرار السياسي في أي بلد معنية باستباق احتمالات كهذه، وتكثير الخيارات والبدائل الممكنة.
وبينما لا تنحصر منابع التأزم في الداخل لسوري، الاجتماعي والسياسي، وبينما لا ريب في كثافة حضور وفاعلية العامل الدولي والإقليمي في مشكلات بلداننا، وسورية منها بالطبع، فإن من يحتل موقع المبادرة لتجنب الأزمات أو لمعالجتها باكرا هو طاقم السلطة في البلاد. فهو يستأثر لنفسه بسلطة غير مقيدة داخليا، وما من قوة أخرى في البلاد تشغل موقعا منافسا له للتأثير على وجهة تطور البلاد وتجنيبها مخاطر تواجه بلدان العالم جميعا ودوما مثلها. فلا عذر له في انزلاق البلاد نحو الأزمة مرة أخرى. أما التعويل على انتهاء ولاية بوش، فليس جديرا بأن يسمى سياسة، ومن غير المرجح لثمرته أن تكون أفضل من ثمرة حلول ساركوزي محل شيراك في الإليزيه. ولا من احتفال صدام حسين ذات يوم بفوز كلينتون على بوش الأب.
على أن النظام مقيد فعلا، لكن بمصالح مطلقة نمت في كنفه، ولا يبدو قادرا أو راغبا في لجمها. وطوال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية تكشفت سورية دولة قوية في مواجهة ضعفائها الاجتماعيين والسياسيين، بقدر ما هي ضعيفة في مواجهة أقويائها الذين يريدون كل شيء لأنفسهم مقابل لا شيء لغيرهم. هذه قسمة ضيزى و... نصيب أضيز.
وهي بعد مصدر الانفصال عن الواقع وباب الأزمات الأخطر. فمن يريد كل شيء طوال الوقت معرض لفقدان كل شيء ونهائيا.
* كاتب سوري - دمشق
--------------------------------------------------------
كيف دخلت إيران إلى العمق العربي؟
صحيفة الاتحاد الإماراتية - السبت 01 آذار/ مارس 2008
حازم صاغية
بل خصوصاً لانعكاسات ذلك على النسيج الوطنيّ في بلدان كالعراق ولبنان، وحسب تجربة الأيّام القليلة الماضية، الكويت.
والحال أننا حين ننظر، بالمعنى العريض للكلمة، إلى هذا المسار وما انتهى إليه، لن تفوتنا ملاحظة أساسيّة تفسّر بدايات الصعود الإيرانيّ بوصفه ملئاً وهميّاً للفراغ الناجم عن تعفُّن المشروع القوميّ العربيّ. فقد كانت سنوات السبعينيات عقداً مُرّاً انتهى إلى التعرِّي من كلّ معنى سياسيٍّ تقريباً، كما تمّ إفراغ النماذج جميعاً من دلالاتها.
وفي موازاة مبادرة أنور السادات السلمية التي تصاعدت بعد حرب أكتوبر، ثم المبادرة أواخر 1977، انفجرت الثورة الإيرانية في 1979 وبدأت رياحها تهبّ على المنطقة. فقد قاد آية الله الخميني أوّل ثورة يمكن أن تنطبق عليها تسمية "ثورة" في العالم الإسلاميّ. ذاك أنه بدل الانقلابات العسكريّة رأينا كتلاً بشريّة تنزل إلى الشوارع بمئات الآلاف وتُسقط نظام الشاه الذي غادر البلد.
ووجدت المنطقة العربيّة ما كان ينقصها من الضديّة في الثورة الإيرانيّة. فهي بامتياز حركة مناهضة للحداثة والتنوير ومساواة الجنسين، تبسّط العالم المعاصر إلى صراع مانويّ بين خير وشرّ، وبين مُستضعَفين وطواغيت وشياطين. ولئن دشّنت الثورة أعمالها بالاستيلاء على السفارة الأميركيّة في طهران واحتجاز العاملين فيها، فإنها كانت تعلن كم أنها تتعارض مع الصيغ والقنوات التي توصّل إليها العالم المتمدّن في علاقاته الدبلوماسيّة.
وتبدّى، في مختبر التجربة هذه، أن المجتمعات قد تنجب حالات سياسيّة واجتماعيّة، إذا ما تُركت وحدها، لا تقلّ سوءاً عن سوء الأنظمة المستبدة، إن لم تزد.
على أيّة حال فبسبب موقف الثورة الإيرانيّة من الولايات المتّحدة، التي أسمتها "الشيطان الأكبر"، ومن إسرائيل "الشيطان الأصغر"، فإنها لاقت ترحيباً حارّاً في عموم العالم الإسلاميّ، لاسيّما منه الشرق الأوسط العربيّ. فقد أغلقت السفارة الإسرائيلية وحوّلتها إلى مفوضيّة فلسطينيّة، لكنها، في المقابل، أطلقت على أحد شوارعها اسم خالد الإسلامبوليّ قاتل الرئيس السادات وأصدرت طابعاً بريديّاً يحمل صورته.
في الوقت نفسه وجدت سوريا التي عزلها الخروج المصري من الصراع مع إسرائيل، من دون أن يحصل أيّ تقدّم فعليّ في علاقتها بالعراق، أن إيران يمكن أن تكون عمقاً لها في سعيها، بمساعدة الاتحاد السوفييتيّ، لبناء "توازن استراتيجيّ" مع إسرائيل. فحينما حصل الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982 وهُزمت القوّات السوريّة فيه، صار توثيق الصلة مع طهران إغراء تستحيل مقاومته، خصوصاً أن الطرفين تجمع بينهما الرغبة في محاصرة النفوذ العراقيّ في بيروت، والضغط على الحكومات الغربيّة بما يتلاءم مع مصالح إيران في حرب الخليج الأولى، وهو ما عبّرت عنه أعمال خطف الرعايا الأجانب في العاصمة اللبنانيّة وضاحيتها الجنوبيّة. عزّز ذلك سياسة مساعدات إيرانيّة للاقتصاد السوريّ المتداعي، مادّته الأساسيّة الإمداد بالطاقة.
والحقّ أن خريطة الحرب بين العراق الذي تحكمه الأقليّة السُّنيّة وإيران ذات الحكم الإيراني الشيعيّ، كان لها دورها الواضح، وأحياناً الصريح. ففي هذه الحرب كان الطرف الأوّل مدعوماً من الأنظمة السُّنيّة المحافظة، ويحظى برضا الغرب المستاء من الثورة الإيرانيّة ودولتها، والمتحالف مع تلك الأنظمة في دعم "المجاهدين" الأفغان السنّة ضد الاتّحاد السوفييتيّ، فيما كانت طهران تلتقي موضوعيّاً مع الاستراتيجيّة السوفييتيّة على رغم عدائها الإيديولوجي للشيوعيّة وتصفيتها الشيوعيّين الإيرانيين. وفي هذا الاصطفاف وجدت سوريا أن في مصلحتها تأييد إيران التي تتقاطع معها ليس فقط عند العداء للبعث الحاكم في العراق، بل أيضاً بسبب التعاطف الإجمالي مع الاستراتيجيّة الكونيّة لموسكو، والانزعاج من الاهتمام العربيّ المستجدّ بالمسألة الأفغانيّة، بدل الاقتصار على دعم سوريا في "مواجهة" إسرائيل.
هنا تمكّنت دمشق من إسداء خدمة كبرى لطهران بأن حالت دون التعريب الكامل للحرب العراقيّة عليها، كما خدمت، في الوقت نفسه، الجهود والتصوّرات الكونيّة السوفييتيّة. لكن دمشق، في المقابل، لم تخسر علاقتها مع المحافظين العرب. فهي استخدمت حلفها الجديد مع إيران لطمأنتهم إلى عدم توسيع إيران مواجهتها مع العراق باتجاه أراضيهم ومصالحهم النفطيّة. وفي هذا حصل حافظ الأسد على المعونات النفطيّة والماليّة من دول الخليج كما من إيران، فيما كان يوالي مراكمة المعونات العسكريّة السوفييتيّة.
لقد بات الهاجس الحارق للسوريّين ردّهم على نتائج حرب 1982، وانتخاب حليف إسرائيل بشير الجميّل رئيساً للجمهوريّة اللبنانيّة غصباً عنهم. هكذا اغتيل بشير على يد القوميّ السوريّ حبيب الشرتوني، لكن مجلس النوّاب اللبنانيّ، وتحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي والدور الأميركيّ المتعاظم في لبنان، اختار شقيقه أمين الجميّل ليخلفه في الرئاسة. وقد توصّل هذا الأخير بعد مفاوضات شاقّة إلى اتّفاق 17 أيّار (مايو) مع الإسرائيليين الذي قضى بانسحابهم من لبنان مقابل تنازلات تبقى أقلّ من معاهدة سلام. إلا أن السوريين وقد جُنّ جنونهم، شنّوا عدداً من الحروب على الجميّل وسلطته المركزيّة مستعينين بقادة الطوائف اللبنانيّة المتضرّرين من سلطة الجميّل. وكان أهم ما فعلوه بموجب هذه الاستراتيجيّة الهائجة الاشتراك مع الإيرانيين في إنشاء "حزب الله" اللبناني.
فحسب الرواية الأكثر تداولاً، نشأ هذا التنظيم الشيعيّ الراديكاليّ الداعي، في بداياته، إلى إقامة "جمهوريّة إسلاميّة" في لبنان، بدور مباشر لعبه محتشمي، سفير طهران في دمشق آنذاك، وكانت سوريا جسر العبور لعناصر في "الحرس الثوريّ" الإيرانيّ ممن انتقلوا إلى لبنان ليدرّبوا الحزب الجديد عسكريّاً ويعلّموه الصفاء الثوريّ والأصوليّ الخمينيّ.
أما الفلسطينيّون الذين انحازوا للعراق في حربه مع إيران، واستمروا يصرُّون على دورهم الذاتيّ المستقلّ عن الدور السوريّ، فتحوّل "حزب الله" وأطراف لبنانيّة أخرى موالية لسوريا أداةً لمعاقبتهم. ذاك أن تلك الجماعات بدأت تحرمهم صفتهم كمقاتلي إسرائيل، واحتكر الحزب هذا الدور انطلاقاً من أنه الطرف الذي يلتحم بالدولة العبريّة جغرافيّاً في جنوب لبنان، فيما تعرّض الفلسطينيّون للإقصاء إلى شماله وشرقه وإلى تونس. وفي موازاة حروب طرابلس والبقاع والمخيّمات التي خاضها مؤيّدو سوريا والتابعون لها في لبنان ضد فلسطينييه، هُدرت دماء كثيرة دفع أغلبها نشطاء ومثقّفو الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ.
وبين عشية وضحاها صار تعبير "العروبة" أصلاً، أواخر القرن التاسع عشر، التي ولدت كاعتراض على التديين العثمانيّ للحياة العامّة، لا يرد إلا مقروناً بالإسلام في تأويل خمينيٍّ أو شبه خمينيٍّ له. وبدل الحديث عن "الأمّة العربيّة" صار التعبير الرائج، من دون أيّة مراجعة، "الأمّة العربيّة والإسلاميّة"، علماً بأن الفارق بين التسميتين يساوي حوالى 800 مليون إنسان.
وعلى العموم كان المناخ الدينيّ والمذهبيّّ الطاغي، من الحرب العراقيّة- الإيرانيّة، إلى الجهاد الأفغانيّ ضدّ السوفييت، يؤدّي جميعاً إلى تراجع القضيّة الفلسطينيّة كقضيّة محوريّة في الهموم العربيّة، ولكنْ أيضاً تراجع الحداثة السياسيّة عموماً لصالح الوعيين الدينيّ والمذهبيّ الساطعين.
هكذا كُتب الفصل الأوّل في القفزة الإيرانيّة نحو الداخل العربيّ.
صحيفة الاتحاد الإماراتية - السبت 01 آذار/ مارس 2008
حازم صاغية
بل خصوصاً لانعكاسات ذلك على النسيج الوطنيّ في بلدان كالعراق ولبنان، وحسب تجربة الأيّام القليلة الماضية، الكويت.
والحال أننا حين ننظر، بالمعنى العريض للكلمة، إلى هذا المسار وما انتهى إليه، لن تفوتنا ملاحظة أساسيّة تفسّر بدايات الصعود الإيرانيّ بوصفه ملئاً وهميّاً للفراغ الناجم عن تعفُّن المشروع القوميّ العربيّ. فقد كانت سنوات السبعينيات عقداً مُرّاً انتهى إلى التعرِّي من كلّ معنى سياسيٍّ تقريباً، كما تمّ إفراغ النماذج جميعاً من دلالاتها.
وفي موازاة مبادرة أنور السادات السلمية التي تصاعدت بعد حرب أكتوبر، ثم المبادرة أواخر 1977، انفجرت الثورة الإيرانية في 1979 وبدأت رياحها تهبّ على المنطقة. فقد قاد آية الله الخميني أوّل ثورة يمكن أن تنطبق عليها تسمية "ثورة" في العالم الإسلاميّ. ذاك أنه بدل الانقلابات العسكريّة رأينا كتلاً بشريّة تنزل إلى الشوارع بمئات الآلاف وتُسقط نظام الشاه الذي غادر البلد.
ووجدت المنطقة العربيّة ما كان ينقصها من الضديّة في الثورة الإيرانيّة. فهي بامتياز حركة مناهضة للحداثة والتنوير ومساواة الجنسين، تبسّط العالم المعاصر إلى صراع مانويّ بين خير وشرّ، وبين مُستضعَفين وطواغيت وشياطين. ولئن دشّنت الثورة أعمالها بالاستيلاء على السفارة الأميركيّة في طهران واحتجاز العاملين فيها، فإنها كانت تعلن كم أنها تتعارض مع الصيغ والقنوات التي توصّل إليها العالم المتمدّن في علاقاته الدبلوماسيّة.
وتبدّى، في مختبر التجربة هذه، أن المجتمعات قد تنجب حالات سياسيّة واجتماعيّة، إذا ما تُركت وحدها، لا تقلّ سوءاً عن سوء الأنظمة المستبدة، إن لم تزد.
على أيّة حال فبسبب موقف الثورة الإيرانيّة من الولايات المتّحدة، التي أسمتها "الشيطان الأكبر"، ومن إسرائيل "الشيطان الأصغر"، فإنها لاقت ترحيباً حارّاً في عموم العالم الإسلاميّ، لاسيّما منه الشرق الأوسط العربيّ. فقد أغلقت السفارة الإسرائيلية وحوّلتها إلى مفوضيّة فلسطينيّة، لكنها، في المقابل، أطلقت على أحد شوارعها اسم خالد الإسلامبوليّ قاتل الرئيس السادات وأصدرت طابعاً بريديّاً يحمل صورته.
في الوقت نفسه وجدت سوريا التي عزلها الخروج المصري من الصراع مع إسرائيل، من دون أن يحصل أيّ تقدّم فعليّ في علاقتها بالعراق، أن إيران يمكن أن تكون عمقاً لها في سعيها، بمساعدة الاتحاد السوفييتيّ، لبناء "توازن استراتيجيّ" مع إسرائيل. فحينما حصل الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982 وهُزمت القوّات السوريّة فيه، صار توثيق الصلة مع طهران إغراء تستحيل مقاومته، خصوصاً أن الطرفين تجمع بينهما الرغبة في محاصرة النفوذ العراقيّ في بيروت، والضغط على الحكومات الغربيّة بما يتلاءم مع مصالح إيران في حرب الخليج الأولى، وهو ما عبّرت عنه أعمال خطف الرعايا الأجانب في العاصمة اللبنانيّة وضاحيتها الجنوبيّة. عزّز ذلك سياسة مساعدات إيرانيّة للاقتصاد السوريّ المتداعي، مادّته الأساسيّة الإمداد بالطاقة.
والحقّ أن خريطة الحرب بين العراق الذي تحكمه الأقليّة السُّنيّة وإيران ذات الحكم الإيراني الشيعيّ، كان لها دورها الواضح، وأحياناً الصريح. ففي هذه الحرب كان الطرف الأوّل مدعوماً من الأنظمة السُّنيّة المحافظة، ويحظى برضا الغرب المستاء من الثورة الإيرانيّة ودولتها، والمتحالف مع تلك الأنظمة في دعم "المجاهدين" الأفغان السنّة ضد الاتّحاد السوفييتيّ، فيما كانت طهران تلتقي موضوعيّاً مع الاستراتيجيّة السوفييتيّة على رغم عدائها الإيديولوجي للشيوعيّة وتصفيتها الشيوعيّين الإيرانيين. وفي هذا الاصطفاف وجدت سوريا أن في مصلحتها تأييد إيران التي تتقاطع معها ليس فقط عند العداء للبعث الحاكم في العراق، بل أيضاً بسبب التعاطف الإجمالي مع الاستراتيجيّة الكونيّة لموسكو، والانزعاج من الاهتمام العربيّ المستجدّ بالمسألة الأفغانيّة، بدل الاقتصار على دعم سوريا في "مواجهة" إسرائيل.
هنا تمكّنت دمشق من إسداء خدمة كبرى لطهران بأن حالت دون التعريب الكامل للحرب العراقيّة عليها، كما خدمت، في الوقت نفسه، الجهود والتصوّرات الكونيّة السوفييتيّة. لكن دمشق، في المقابل، لم تخسر علاقتها مع المحافظين العرب. فهي استخدمت حلفها الجديد مع إيران لطمأنتهم إلى عدم توسيع إيران مواجهتها مع العراق باتجاه أراضيهم ومصالحهم النفطيّة. وفي هذا حصل حافظ الأسد على المعونات النفطيّة والماليّة من دول الخليج كما من إيران، فيما كان يوالي مراكمة المعونات العسكريّة السوفييتيّة.
لقد بات الهاجس الحارق للسوريّين ردّهم على نتائج حرب 1982، وانتخاب حليف إسرائيل بشير الجميّل رئيساً للجمهوريّة اللبنانيّة غصباً عنهم. هكذا اغتيل بشير على يد القوميّ السوريّ حبيب الشرتوني، لكن مجلس النوّاب اللبنانيّ، وتحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي والدور الأميركيّ المتعاظم في لبنان، اختار شقيقه أمين الجميّل ليخلفه في الرئاسة. وقد توصّل هذا الأخير بعد مفاوضات شاقّة إلى اتّفاق 17 أيّار (مايو) مع الإسرائيليين الذي قضى بانسحابهم من لبنان مقابل تنازلات تبقى أقلّ من معاهدة سلام. إلا أن السوريين وقد جُنّ جنونهم، شنّوا عدداً من الحروب على الجميّل وسلطته المركزيّة مستعينين بقادة الطوائف اللبنانيّة المتضرّرين من سلطة الجميّل. وكان أهم ما فعلوه بموجب هذه الاستراتيجيّة الهائجة الاشتراك مع الإيرانيين في إنشاء "حزب الله" اللبناني.
فحسب الرواية الأكثر تداولاً، نشأ هذا التنظيم الشيعيّ الراديكاليّ الداعي، في بداياته، إلى إقامة "جمهوريّة إسلاميّة" في لبنان، بدور مباشر لعبه محتشمي، سفير طهران في دمشق آنذاك، وكانت سوريا جسر العبور لعناصر في "الحرس الثوريّ" الإيرانيّ ممن انتقلوا إلى لبنان ليدرّبوا الحزب الجديد عسكريّاً ويعلّموه الصفاء الثوريّ والأصوليّ الخمينيّ.
أما الفلسطينيّون الذين انحازوا للعراق في حربه مع إيران، واستمروا يصرُّون على دورهم الذاتيّ المستقلّ عن الدور السوريّ، فتحوّل "حزب الله" وأطراف لبنانيّة أخرى موالية لسوريا أداةً لمعاقبتهم. ذاك أن تلك الجماعات بدأت تحرمهم صفتهم كمقاتلي إسرائيل، واحتكر الحزب هذا الدور انطلاقاً من أنه الطرف الذي يلتحم بالدولة العبريّة جغرافيّاً في جنوب لبنان، فيما تعرّض الفلسطينيّون للإقصاء إلى شماله وشرقه وإلى تونس. وفي موازاة حروب طرابلس والبقاع والمخيّمات التي خاضها مؤيّدو سوريا والتابعون لها في لبنان ضد فلسطينييه، هُدرت دماء كثيرة دفع أغلبها نشطاء ومثقّفو الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ.
وبين عشية وضحاها صار تعبير "العروبة" أصلاً، أواخر القرن التاسع عشر، التي ولدت كاعتراض على التديين العثمانيّ للحياة العامّة، لا يرد إلا مقروناً بالإسلام في تأويل خمينيٍّ أو شبه خمينيٍّ له. وبدل الحديث عن "الأمّة العربيّة" صار التعبير الرائج، من دون أيّة مراجعة، "الأمّة العربيّة والإسلاميّة"، علماً بأن الفارق بين التسميتين يساوي حوالى 800 مليون إنسان.
وعلى العموم كان المناخ الدينيّ والمذهبيّّ الطاغي، من الحرب العراقيّة- الإيرانيّة، إلى الجهاد الأفغانيّ ضدّ السوفييت، يؤدّي جميعاً إلى تراجع القضيّة الفلسطينيّة كقضيّة محوريّة في الهموم العربيّة، ولكنْ أيضاً تراجع الحداثة السياسيّة عموماً لصالح الوعيين الدينيّ والمذهبيّ الساطعين.
هكذا كُتب الفصل الأوّل في القفزة الإيرانيّة نحو الداخل العربيّ.
-----------------------------------------------------