اعتقال عدنان مكية
اعتقلت السلطات السورية الأستاذ عدنان مكية من أهالي العاصمة دمشق يوم السبت 2-2-2008 من مقر عمله في محلّ لبيع الألبسة، واقتيد إلى احد مراكز التوقيف الأمنية.
مكية من مواليد 1961 ، متزوج ولديه ولدان ، حاصل على شهادة في المعهد الهندسي وهو مستقل غير منتم لأي حزب سياسي ، مارس النشاط العام مع لجان إحياء المجتمع المدني ومن ثم انضم إلى إعلان دمشق.
ويعتقد أن اعتقال مكية أتى على خلفية مشاركته باجتماع المجلس الوطني لإعلان دمشق الذي عقد في 1-12-2007 والذي حضره 163 شخص , وقد سبق للسلطات السورية أن استدعت مكية عدة مرات للتحقيق معه على ذات الخلفية.
وباعتقال مكية يرتفع عدد معتقلي إعلان دمشق إلى 13 معتقلاً علماً أن الجميع باستثناء عدنان مكية وطلال أبو دان قد أحيل إلى القضاء العادي في دمشق، وهم الدكتورة فداء أكرم حوراني - د. أحمد طعمة - أكرم البني - علي العبد الله - الدكتور وليد البني - محمد حجي درويش - الدكتور ياسر العيتي - جبر الشوفي - مروان العش - فايز سارة - رياض سيف - طلال أبو دان- عدنان مكية .
ويأتي هذا الاعتقال ليؤكّد استمرار الحملة الأمنية التي يتّسع نطاقها ويتلاحق, بينما تتجاهل السلطات السوريّة نداءات المنظّمة لإيقاف موجة الاعتقالات في سوريّة .
إن المنظّمة الوطنية لحقوق الإنسان في سوريّة إذ تعرب عن قلقها البالغ إزاء اتساع نطاق الاعتقالات في سوريّة المستندة لإعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية في البلاد منذ خمس وأربعين عاماً ,تطالب السلطات السوريّة بإطلاق سراح الزملاء في إعلان دمشق وتطالب السلطات بإيقاف مسلسل الاعتقالات فوراً.
المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان في سورية 4-4-2008
-----------------------------------------------------
معتقلو دمشق من سجن إلى سجن
عمر قدور
في الأخبار أن معتقلي دمشق، الذين تم احتجازهم على خلفية انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق بتاريخ 2007121، سيتم ترحيلهم من أقبية المخابرات إلى السجون المدنية بتاريخ 28/1/2008 بغية التحقيق معهم وتقديمهم إلى القضاء، أي أن ما يُفترض بكونها إجراءات قانونية تبدأ بعد حوالي شهر ونصف شهر من توقيفهم. السؤال الذي لا مكان له في بلد مثل سوريا هو: كيف يتم توقيف هؤلاء طوال هذه المدة من دون توجيه تهمة لهم؟
إلى فايز سارة وعلي العبدالله وأكرم البني وفداء الحوراني والمعتقلين الآخرين نستطيع التوجه إليكم بالقول: بالتأكيد كنتم تتوقعون ما حصل، ولم يثنِ ذلك عزيمتكم، ولم تتوقعوا رداً على اعتقالكم يتجاوز البيانات والكتابات، وهذا أيضاً لم يثن عزيمتكم. بقي في الأخبار التي قد لا تعرفونها أن معتقل ربيع دمشق الدكتور عارف دليلة بحالة صحية شديدة السوء، ورجله مهددة بالبتر. كما أننا نحن الذين خارجاً تابعنا التداعيات المؤسفة التي لحقت انعقاد المجلس الوطني، والتي لا بد أن تضغط على وجدان أي معتقل منكم فظلم ذوي المعارضة أشد مضاضة.
عندما يُعتقل ناشط سوري يكون السؤال: إلى متى؟ فعلى الأغلب لا أحد يسأل عن التهمة، التهمة في هذه الحالات تعدّ نافلة أو جاهزة. أي اجتماع قد يُبنى عليه تهمة "العمل على تشكيل جمعية سرية محظورة غايتها المساس بأمن الدولة". وأي بيان، أو حتى مقالة أحياناً، يتعرض إلى قضايا الاستبداد أو الفساد قد يبنى عليه تهمة "ترويج معلومات كاذبة تمس سمعة البلاد". وأي اتصال مع جهة خارجية، بما فيها المنظمات غير الحكومية، يكون صاحبه معرضاً لتدرجات من التهم تبدأ بـ"التخابر مع جهة عدوة"، وصولاً إلى "تحريض جهات أجنبية على التدخل وتهديد أمن وسلامة الوطن". الفائدة الوحيدة من معرفة التهمة هي معرفة المدة المُقرر للمعتقل أن يقضيها. فمن المتداول أن السلطة تقرر الفترة اللازمة لـ"تأديب" الناشطين، ومن ثم يتم تقرير التهمة الملائمة زمنياً. وفي حالات خاصة، كحالة الدكتور عارف دليلة، قد يحصل معتقل ما على عقوبة تفوق ما يحصل عليه أقرانهم الموقوفون للأسباب ذاتها.
مع بداية عهده راجت معلومات عن أن الرئيس بشار الأسد سحب التفويض الممنوح لأجهزة المخابرات باعتقال من تشاء، وبلا سقف زمني. ثم أتت الوقائع لتكذب هذه المعلومات، فهناك معتقلون أمضوا شهوراً في أقبية المخابرات، ثم أفرج عنهم من دون توجيه تهمة، وآخرون أمضوا شهوراً قبل توجيه الاتهام لهم. وفي حالتنا هذه، التي تخّص معتقلي المجلس الوطني، يُقرأ تحويل المعتقلين إلى سجون مدنية على أن السلطة ليست في وارد الإفراج عنهم، بل إن النية معقودة على زجهم في السجن، لمدة لا تقل عن سنتين قياساً على حالات سابقة مشابهة. المفارقة السوداء هي أن من طبيعة الأمور أن يكون التحويل إلى القضاء المدني خلاصاً من عتمة الأقبية، وربما عدلاً، أما في الحالة السورية فقد عانى الناشطون من زجهم في زنزانات تحتوي على مجرمين جنائيين، إمعاناً في إذلالهم، كما أن الأحكام التي نالوها تدلّل على أن القضاء المدني ليس أحسن حالاً من المحاكم العسكرية، أو محكمة "أمن الدولة" الاستثنائية.
ما يحدث اليوم مطابق لما حدث عند صدور إعلان بيروت/دمشق، فحينها أيضاً قامت أجهزة الأمن السورية باعتقال عدد من الموقعين على الإعلان، ومن ثم الإفراج عن بعضهم، وتقديم البعض الآخر للمحاكمة. الرسالة في كل مرة هي أن السلطات السورية لن تسمح بالتعبير عن الرأي، ولن تسمح للناشطين بالحراك السياسي، أي أن أطروحات التغيير السلمي الديمقراطي التي تتبناها المعارضة السورية لن تجد صدى عند السلطة سوى المزيد من الترهيب والقمع. وأن ينعقد المجلس الوطني لإعلان دمشق، في ظل هذه الظروف، فذلك يعني وجود 167 ناشطاً، هم الأعضاء الذين حضروا المجلس، على استعداد لدفع ضريبة آرائهم. ومما تجدر الإشارة إليه أن مجرد انعقاد المجلس خفيةً كان بمثابة انتكاسة لأجهزة الأمن التي دأبت على تفريق تجمعات أقل عدداً وشأناً، فهذه الأجهزة لا تمتلك من سعة الصدر أو المكر أن تسمح بانعقاد الاجتماع، ولو كمصيدة، ومن ثم تنقض على المشاركين فيه، كما قد يتوهم البعض.
إذن بإمكاننا القول إن الأداء الأمني لم يكن مفاجئاً لأحد، وفي الواقع أتت المفاجأة من تنظيم معارض، نُظر إليه طويلاً على أنه طرف أساسي في المعارضة السورية. وأول المفاجآت، بحسب المشاركين في اجتماع المجلس الوطني، هو استخدام هذا التنظيم لحق الفيتو على اقتراح بتسمية معتقلي ربيع دمشق أعضاءً في المجلس. كما جادل مندوبو التنظيم طويلاً من أجل إضافة توضيح ينص على أن العدوان الإسرائيلي مدعوم أمريكياً، وكأن القاصي والداني لا يعرفان حجم التحالف الأميركي الإسرائيلي!. وكان لذلك كله أن يبقى في أروقة الاجتماع، لكن حزب الاتحاد الاشتراكي العربي توّج مواقفه ببيان تجميد عضويته في إعلان دمشق. وبصرف النظر عما كُتب عن أن التجميد جاء احتجاجاً على فشل الحزب في انتخابات المجلس أو سوى ذلك، فإن مبررات التجميد توحي بأن الأطراف الفائزة بالانتخابات تتناغم مع المشروع الأميركي في المنطقة، بل إن بعضها قد يكون مرتبطاً بهذا المشروع ما يصل إلى مرتبة الخيانة بحسب إيديولوجيا الحزب. ومع أن بيانات الحزب اللاحقة حاولت التنصل من اتهام الآخرين بالعمالة لأمريكا، إلا أنها بقيت تشي بهذا الاتهام، ولعلّ أبلغ ما يعبّر عن الموقف الملتبس للحزب هي مقالة منشورة لأحد كوادره بعنوان "إنها ليست خيانة بالضرورة"!.
لأي تنظيم في المعارضة السورية الحقّ في اتخاذ الموقف السياسي والإيديولوجي الذي يرتئيه، وفي المقابل ينبغي النظر فيما إذا كان هذا الموقف يخدم قضية المعارضة ككل. ولكن المؤسف أن المواقف المُشار إليها تخدم ما تذهب إليه السلطة من اتهام المعارضين بالارتباط بأجندة خارجية. ومن المؤسف أيضاً أن يصدر بعض الناشطين السوريين في الخارج بيانات تصب في السياق ذاته، مع أنهم كابدوا تجربة الاعتقال لسنوات طويلة قبل أن يضطروا إلى العيش في المنافي. ولأن أصحاب هذه المواقف مدركون لحساسية الموقف لا تفوتهم الإشارة دائماً إلى أنهم ضد الاعتقال، ومواقفهم لا تعطي ذرائع للسلطة... إلخ!.
مرة أخرى ينبغي التأكيد على حق الاختلاف بين أطياف المعارضة السورية، التي تجمع تنظيمات متعددة المشارب وحتى أفراداً مستقلين، ولأن إدارة الاختلاف أصعب من الإقرار به يستحسن بالمعارضة السورية أن تراجع تجربتها خلال السنوات السبع الماضية، وعلى وجه التحديد تجربة إعلان دمشق بعد مرور أكثر من سنتين على صدوره. والجدير بالذكر أن إعلان دمشق شكّل تحالفاً فضفاضاً بين تيارات قومية عربية وأخرى كردية، بالإضافة إلى اليساريين والإسلاميين والناشطين المستقلين، ولذلك يصعب تصور اتفاق بين الجميع على برنامج سياسي متكامل، وعلى تصورات منسجمة لسوريا ما بعد التغيير الديمقراطي المنشود. وبات من الضروري مراجعة فكرة التحالف نفسها، وبما يجعل التحالف أكثر ديناميكية، وأقل عرضة للانقسامات. إذ ليس من المعقول أن يحتوي الإعلان على إشارات ملائمة لإيديولوجيات الأحزاب المنضوية فيه، وعلى سبيل المثال لا يعقل وجود توافق بين طموحات القوميين العرب ونظرائهم الأكراد، كما لا يعقل وجود انسجام فكري بين الأخوان المسلمين والعلمانيين السوريين. ومن المعلوم أن الإشارة إلى مذهب الأغلبية السنية قد أدى في حينه إلى انقسام في أوساط الناشطين السوريين. وسيكون من شأن عدم تبلور فكرة التحالف أن يأتي تنظيم قومي يضع المسألة الوطنية على قدم المساواة مع قضية دارفور، وأن يأتي تنظيم يساري يضع المسألة الوطنية بمصاف معاداته لأميركا، أو انضوائه ضمن جبهة ما يُسمى جبهة الممانعة.
الغيرة على تحالف إعلان دمشق، والرغبة في استمراره، لا تعنيان أن يتجاهل القائمون على الإعلان الخللَ الجوهري الموجود فيه. فليس من واجب أي تحالف سياسي في العالم أن يوحد وجهات النظر للمنضوين فيه، التحالفات السياسية هي بطبيعتها تحالفات مرحلية، وتقتصر نقاط الاتفاق فيها على توافقات مرحلية محدودة. وعلى سبيل المثال كان يكفي الموقعين على إعلان دمشق أن يتفقوا على التغيير السلمي الديمقراطي، وعلى وسائل الوصول إلى هذا الهدف، بدلاً من إهدار الوقت والجهد في خلافات فكرية. ولو أن هذا الجهد انصب على البحث في الوسائل العملية، أي ترجمة التحالف إلى وقائع على الأرض، لربما كسبت الحياة السياسية السورية الكثير بدلاً مما تخسره الآن. لقد سُجّل للإعلان أنه أول إطار يجمع قطاعاً عريضاً من المعارضة، وفي هذا دلالة رمزية هامة على الرغبة في التغيير، ولا يجوز التوقف بعد أكثر من سنتين عند الدلالة الرمزية للإعلان، بل ينبغي التأمل في عمر هذه التجربة ومكتسباتها وأخطائها. وأكثر ما تنبغي مراجعته هو الحصاد القليل لناحية حضور الإعلان في الشارع السوري. لا ضير في أن تعترف المعارضة بأخطائها، وعلى نحو خاص الممارسات التي شكلت غطاء سياسياً لأداء السلطة الأمني. وقد تكون التطورات الأخيرة مناسبة لفرز نقاط الاختلاف أو الاتفاق من جديد، إذا توفرت النية لاستيعاب الدرس.
يستحق معتقلو دمشق وقفة مساندة حقيقية، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع آرائهم، ولا شك في أن الأقلام التي دافعت عن حريتهم تلقى التقدير، لكن الأولى أن تأتي المساندة من "أهل البيت"، وهذه لا تكون طبعاً بتراجع المعارضة وتشتتها، وإلا يكون هؤلاء قد خسروا حريتهم، وخسروا القضية التي تسببت في اعتقالهم.
إلى فايز سارة وعلي العبدالله وأكرم البني والآخرين.. من المخجل أن نشهد انتقالكم من سجن إلى سجن، لقد كتبتم مراراً دفاعاً عن حريات الآخرين، ولن يكون مستغرباً أن يبقى هذا هاجسكم حتى وأنتم خلف القضبان.
المستقبل ـ ملحق (نوافذ) - الاحد 3 شباط 2008
------------------------------------------------
يوم في قصر العدل
رزان زيتونة
كنا بانتظار الدكتورة فداء، وهي سيدة جميلة ولطيفة، صاحبة ابتسامة ساحرة. هي طبيبة معروفة، زوجة، وأم لشاب في العشرينيات من عمره. هي ابنة السياسي السوري الراحل أكرم الحوراني. هي ناشطة سياسية، انتخبت مؤخرا لرئاسة المجلس الوطني لإعلان دمشق. وهي أول سيدة في الحراك الديمقراطي السوري، تعتقل وتحال على القضاء في "العهد الجديد"، أي منذ سنوات سبع. بعد ذلك، لن يكون من الصعب إدراك، لماذا كان الجميع يشعرون بخفقان سريع في القلب وتوتر، بانتظار أن تظهر بالقرب من غرفة قاضي التحقيق. وأخيرا، عناصر الشرطة يحيطون بسيدة جميلة ولطيفة ذات ابتسامة ساحرة ، اسمها فداء الحوراني.
وعلى الرغم من شوق الجميع، الأهل والأصدقاء، للقاء المعتقلين العشرة، وبعد اختفاء دام أكثر من شهر ونصف لدى فرع أمن الدولة، كانت اللحظات عجيبة فيما حملت من تناقضات.
العين تلمح فداء، وكانت أول من حضر أمام القاضي. والعين ترغب لو تنغلق أبدا، فتمحي عبر "غض النظر"، حضيض ما وصل إليه وطن تساق نخبه بالقيود وسط حشود رجال الأمن والشرطة. والعين ترغب لو تنفتح أبدا، فتحتفظ حتى النهاية، بابتسامة قوة وفيض أمل ومحبة، وهدوء واثق من نفسه وساخر من جيش "رجال" يطوقون ابتسامة.
ليست السيدات كثيرات في حراكنا العام السوري. لكن الواحدة منهن تساوي قمرا وحقل نجوم.
جرى استجواب فداء وكذا التسعة الآخرين المعتقلين على ذمة إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي. جميعهم نالوا من هيبة الدولة ونشروا الأخبار الكاذبة وأثاروا النعرات العنصرية والطائفية! كانوا يمرون واحدا إثر آخر إلى غرفة التحقيق بلمح البصر. وجوه متعبة وأجساد ناحلة، ويبتسمون ونفعل مثلهم، بالكاد نحافظ نحن على عضلات وجهنا في شكل ابتسام.
الصحفي والناشط علي العبد الله، عرض عقب التحقيق معه على الطبيب الشرعي لإصابته في أذنه نتيجة التعذيب. تسأل زوجته وابنته، لماذا هو في غرفة الطبيب؟ ونجيب، لتوقيع بعض الأوراق. تنسل الابنة بيننا تحاول استراق الحديث، وتقول، لا تخبروا أمي. وأمها تقول، لا تخبروا ابني، والابن يتصل من غربته ليقول، لا تخبروا أمي. حسنا، لن نخبر أحدا!
يتمشى عناصر الأمن على كثرتهم بيننا. يراقبون الهمسات، أعقاب السجائر ترمى من الأصابع النزقة، محاولات تسلل الأهالي إلى مكان قريب لاستراق النظر لأحبتهم، التهليل للمعتقلين حين يمرون مسرعين مقيدين، ويدونون بنظراتهم الثاقبة ذلك كله.. بالعربي!
قبيل الغروب، كان تسعة من المثقفين والصحفيين يساقون إلى سيارة السجن الكبيرة الأشبه ببراد نقل الأطعمة، إلى جانب سجناء جنائيين آخرين. قريب أحد هؤلاء السجناء الجنائيين كان يصرخ تجاهه عبر الباب الخارجي المطل على شارع النصر، "لا تخف، أيام وتخرج من السجن، (دبرت) كل شيء، إخلاء السبيل أصبح في جيبنا"!
جريدة (الجريدة) 1/2/2008
رزان زيتونة
كنا بانتظار الدكتورة فداء، وهي سيدة جميلة ولطيفة، صاحبة ابتسامة ساحرة. هي طبيبة معروفة، زوجة، وأم لشاب في العشرينيات من عمره. هي ابنة السياسي السوري الراحل أكرم الحوراني. هي ناشطة سياسية، انتخبت مؤخرا لرئاسة المجلس الوطني لإعلان دمشق. وهي أول سيدة في الحراك الديمقراطي السوري، تعتقل وتحال على القضاء في "العهد الجديد"، أي منذ سنوات سبع. بعد ذلك، لن يكون من الصعب إدراك، لماذا كان الجميع يشعرون بخفقان سريع في القلب وتوتر، بانتظار أن تظهر بالقرب من غرفة قاضي التحقيق. وأخيرا، عناصر الشرطة يحيطون بسيدة جميلة ولطيفة ذات ابتسامة ساحرة ، اسمها فداء الحوراني.
وعلى الرغم من شوق الجميع، الأهل والأصدقاء، للقاء المعتقلين العشرة، وبعد اختفاء دام أكثر من شهر ونصف لدى فرع أمن الدولة، كانت اللحظات عجيبة فيما حملت من تناقضات.
العين تلمح فداء، وكانت أول من حضر أمام القاضي. والعين ترغب لو تنغلق أبدا، فتمحي عبر "غض النظر"، حضيض ما وصل إليه وطن تساق نخبه بالقيود وسط حشود رجال الأمن والشرطة. والعين ترغب لو تنفتح أبدا، فتحتفظ حتى النهاية، بابتسامة قوة وفيض أمل ومحبة، وهدوء واثق من نفسه وساخر من جيش "رجال" يطوقون ابتسامة.
ليست السيدات كثيرات في حراكنا العام السوري. لكن الواحدة منهن تساوي قمرا وحقل نجوم.
جرى استجواب فداء وكذا التسعة الآخرين المعتقلين على ذمة إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي. جميعهم نالوا من هيبة الدولة ونشروا الأخبار الكاذبة وأثاروا النعرات العنصرية والطائفية! كانوا يمرون واحدا إثر آخر إلى غرفة التحقيق بلمح البصر. وجوه متعبة وأجساد ناحلة، ويبتسمون ونفعل مثلهم، بالكاد نحافظ نحن على عضلات وجهنا في شكل ابتسام.
الصحفي والناشط علي العبد الله، عرض عقب التحقيق معه على الطبيب الشرعي لإصابته في أذنه نتيجة التعذيب. تسأل زوجته وابنته، لماذا هو في غرفة الطبيب؟ ونجيب، لتوقيع بعض الأوراق. تنسل الابنة بيننا تحاول استراق الحديث، وتقول، لا تخبروا أمي. وأمها تقول، لا تخبروا ابني، والابن يتصل من غربته ليقول، لا تخبروا أمي. حسنا، لن نخبر أحدا!
يتمشى عناصر الأمن على كثرتهم بيننا. يراقبون الهمسات، أعقاب السجائر ترمى من الأصابع النزقة، محاولات تسلل الأهالي إلى مكان قريب لاستراق النظر لأحبتهم، التهليل للمعتقلين حين يمرون مسرعين مقيدين، ويدونون بنظراتهم الثاقبة ذلك كله.. بالعربي!
قبيل الغروب، كان تسعة من المثقفين والصحفيين يساقون إلى سيارة السجن الكبيرة الأشبه ببراد نقل الأطعمة، إلى جانب سجناء جنائيين آخرين. قريب أحد هؤلاء السجناء الجنائيين كان يصرخ تجاهه عبر الباب الخارجي المطل على شارع النصر، "لا تخف، أيام وتخرج من السجن، (دبرت) كل شيء، إخلاء السبيل أصبح في جيبنا"!
جريدة (الجريدة) 1/2/2008
--------------------------------------------------
فيروز على كتف قاسيون
ديمة ونوس
عند الساعة الثامنة من مساء الاثنين، ارتسمت ابتسامة على ثغر قاسيون. ليست الابتسامة الأولى وربما لن تكون الأخيرة. فهو الشاهد الوحيد على ما يجري في دمشق. يطلّ عليها منذ زمن طويل. يتفرج على فرحها وحزنها ويصمت. لكنه قد يبتسم أحياناً. وابتسامته تكون غريبة بعض الشيء.
قاسيون يبعد الضباب وغيوم الشام الواطئة ويتأمل المدعوين وهم يدلفون إلى «دار الأوبرا» ليلتقوا بالسيدة فيروز. قاسيون لم يكن مدعواً. ومحمد الماغوط، إن تعب يرمي برأسه على كتف قاسيون لم يكن مدعواً. وأنطون المقدسي، قاوم أحلامه وعاش في دمشق ودفن فيها لم يكن مدعواً. وسعد الله ونوس، كتب كلمة يوم المسرح العالمي وألقاها على خشبة مسرح الحمراء في قلب دمشق لم يكن هو أيضاً مدعواً. «أهل الشآم» الذين التقوا بالست فيروز في الستينيات على أرض المعرض لم يكونوا مدعوين. أهل الشام، يصحون على صوت الملكة وهي تغني من وراء جدران البيوت. يصغون إليها ويحتسون قهوتهم الصباحية ويشردون وقد ترتسم على أفواههم ابتسامة غريبة.
جاءت فيروز إلى دمشق وأحيت الحفلة الأولى على مسرح «دار الأوبرا» رغم كل النداءات. كانت كصبية في العشرين من عمرها تتبختر على الخشبة، تغنج بمشيتها، تتمرد على الوالي النائم دائماً. تصرّ وتلحّ وترفض الصمت لأن «الحكي لم يخلق إلا لنحكي». هذا ما قالته فيروز. والصالة المخنوقة بالناس كانت تهتز من إيقاع التصفيق والصراخ. ما ان تلفظ فيروز جملة من جملها الثائرة عن فساد الوالي والدولة المصنوعة من خشب والختم المخصص لثلاث معاملات كل شهر حتى تعلو حدة التصفير والتصفيق. وأهل الشام لم يكونوا مدعوين. ولا مثقفوها المتمردون كفيروز. ولا قاسيون.
أهل الشآم الذين تجمعوا لساعات طويلة على باب «درا الأوبرا»، يلفهم الهواء الرطب والبارد طال انتظارهم دون جدوى. فالسيارات الفارهة وصلت قبلهم واستطاعت التسلل إلى البهو الفسيح وحصلت على بطاقات لفئة أخرى من أهل الشام. فئة لم تغادر بيتها ولم تنتظر في الخارج ولم تعصر ميزانيتها لتلتقي بالملكة. فقط استغنت عن سياراتها وسائقيها لبعض الوقت. وسائقو تلك السيارات الذين كلفوا بإحضار البطاقات لم يكونوا مدعوين أيضاً. لكنهم ابتسموا ربما عندما لمحوا اسم السيدة فيروز مطبوعاً في أعلى البطاقة. البطاقة التي رافقتهم للحظات قصيرة تفصل دار الأوبرا عن المالكي والمزة وأبو رمانة والأحياء الراقية الأخرى.
الشام التي سميت «عاصمة للثقافة العربية»، هل كانت مدعوة؟ الشام ليست مجرد ماضٍ يعبق بروائح الياسمين المتدلي على الجدران والهال المتبخر من فناجين القهوة وبردى يطفح بشعر نزار قباني وبصوت فيروز. هي أيضاً حاضر. وغادة السمان التي قرئت مقاطع من روايتها «فسيفساء دمشقية» خلال الافتتاح الرسمي تركت دمشق منذ زمن طويل. الرائحة لا تصنع وطناً. ومحمود درويش الذي كتب عن دمشق وقرئت قصيدته في الاحتفالية افتقدته دمشق. والحنين إلى الماضي، لا يغني الحاضر.
كثيرون انتظروا مساء الاثنين. ساروا في الشوارع المفضية إلى ساحة الأمويين حيث دار الأوبرا، ليلتقوا بالملكة. كثيرون تجمعوا في الساحة الكبيرة رغم البرد القاسي، أعينهم معلقة إلى قاسيون. وقاسيون يتعرّق، يتندّى، يتلوّن، يختبئ وراء الضباب، يسند الملكة على كتفه ويبتسم...
(دمشق) السفير 2/2/2008
--------------------------------------------------------
من اجل ان يكتمل الاحتفال
سمر يزبك
نعم أضاء ليل دمشق بالألوان النارية، وخرجت جموع من البشر المتدافعين لرؤية الكرنفال، وكان الصقيع في سفح قاسيون يلفح الوجوه.
نعم دخل المسؤولون والوزراء إلى دار الأوبرا في دمشق قرب قاسيون، وأضئيت الأنوار، وصفق الحضور، وتجولت الكاميرا كملكة، بين أروقة المدرجات ونقلت لنا ترف المخمل الأحمر.
من منا لم يخفق قلبه وهو يلمح دمشق تحت وهج الأنوار الملونة، من منا لم يشعر بتلك العزة التي تلقي بالضلوع الى جبال بيضاء لا مفر من ارتقائها، حين اجتمعت حشود البشر، وتعالى النشيد العربي السوري، وخفق العلم.
من منا لم يتمن لو أن دمشق أضاءت قلباً وقالباً، بنار تشبه روحها قبل أن تتحول الى مدينة أبدية ومطلقة للسكون.
ومن منا لم يغمض عينيه وهو يتابع الرقصات الجوية لفتيات قدمن من آخر الدنيا لتقديم الافتتاح الشعبي لمدينة تختزن من الفلكلور والرقص، ما يجعلها بغنى عن كل رقص غريب!
من منا لم يبك، وهو يعرف أن الثقافة التي يريدونها أن تكون احتفالا خاصا بسوريا، واستثناء يليق بوجهها الحضاري الحقيقي، الوجه غير المعلن والمختبئ في ثنايا التاريخ، هي ثقافة التصفيق فقط!
من منا لم يتمنى لو أن دمشق تحتفي بالثقافة والمثقفين، على طريقة تليق بناسها ومثقفيها الذين ما يزالون يقبعون في السجون، وكنا نتوقع أن يتم العفو عنهم بمناسبة افتتاح دمشق عاصمة للثقافة.
كنا نتوقع أن يتم التغاضي قليلا عما فات، والافراج عن المرضى منهم الذين ينازعون، وعن العجائز المصابين بأمراض خطيرة، وأن يتم الالتفات الى ما يعانونه وسط هذه الظروف المناخية القاسية.
كنا ننتظر أن تمر هذه الاحتفالية دون أقبية، ودون خوف المثقفين من قول ما يريدون قوله، وكنا ننتظر أن لا يخشوا إن اجتمعوا أن يكون بانتظارهم رجال بوليس لاقتناصهم وتوزيعهم على زنازين دمشق.
يليق بدمشق أن تكون عاصمة للثقافة، ولا يليق بها خشخشة الزنازين وصمتها البارد.
يليق بدمشق أن يخرج الكثيرون عن صمتهم، وأن يقولوا كلمة حق، بأن الثقافة ليست في المهرجانات، ولا في التصفيق، ولا في الألوان.
الثقافة ليست فقط تلك الأماكن الأثرية التي سيزورها ضيوف دمشق، وليست في التظاهرات العالمية التي سيأتي اليها كبار المطربين والمثقفين لإحياء لياليها.
الثقافة ليست ان تأتي الرائعة فيروز لتغني لمجموعة من البشر وتكون سعر بطاقة الدخول لحفلتها ثمن عيش فرد سوري لنصف شهر!
الثقافة هي الانسان نفسه، وإن كان علينا التغني بالثقافة فعلينا التغني بالانسان نفسه، الانسان هو أصل الثقافة، وهو مبتغاها وهو قيمتها وجمالها، فأين هو من احتفالية دمشق عاصمة للثقافة؟
اين هو المثقف السوري من هذه الاحتفالية؟
وهل كان مختبئا في صفوف المصفقين في دار الأوبرا، أم كان يتابع في بيته وعيونه الدامعة القلقة على دمشق بدء الاحتفال بمدينته.
لو أطلق سراح المعتقلين ـ أغلبهم من كبار السن والمرضى ـ ألم تكن هذه الخطوة ستحسب كخطوة طيبة للحكومة السورية لانتهاج طريقة عملية لإعادة الاعتبار لحرية الرأي في عاصمة الثقافة؟
كيف سنحتفل بعاصمة للثقافة تعتقل مثقفيها وناشطيها السياسيين وأصحاب الرأي؟
كيف سنقبل كل حجر فيها، وما حدث هو العكس: قبل بدء الاحتفالية، بدأت جملة مداهمات واعتقالات لافتة. الدكتور عارف دليلة في خطر وسط صمت حكومي. ميشيل كيلو ورفاقه، ومؤخرا فايز سارة وغيرهم، يقبعون في السجون، بينما أنوار دمشق تضاء.
لن ندخل في تفاصيل ما حدث لهم... فهذا حديث ذو شجون.
أقول وكلي يأس من صدى كلماتي، هذا في أحسن الأحول إن لم نلحق بهم واحدا بعد الآخر، الجميع الآن يخاف أن يقول كلمته، وينتظر دوره في ما سيحدث له، والغالبية تنتظر فرجا إلهيا، ولكن هل يمر هذا الافتتاح سدى دون أن يجعل أحدنا يضع يده على قلبه وهو يسمع النشيد الوطني السوري، ويتمنى على الحكومة أن تطلق سراح المعتقلين وتبدأ هذه السنة صفحة أكثر بياضا من التي سبقتها؟
على الأقل ستحسب لها هذه البادرة كخطوة نحو وحدة وطنية تنير ليل دمشق بأرواح مبدعيها، ولا تظلم بأقبية عذاباتهم!
(دمشق)
السفير 25/1/08
-----------------------------------------------


