إعلان دمشق في المحكمة: كاريكاتور القضاء بعد سوط الجلاّد
صبحي حديدي
كما بات معروفاً الآن، وبعد فترات احتجاز استخباراتية صرفة (أي في الأقبية والزنازين، بعيداًعن أيّ قضاء أو قضاة)، لفترات تراوحت بين 49 يوماً وبضعة ساعات، قرّر جهاز أمن الدولة في سورية إحالة معتقلي المجلس الوطني لـ "إعلان دمشق" إلى القضاء. وكان رياض سيف، النائب السابق في مجلس الشعب ورئيس هيئة أمانة الإعلان، قد انضمّ إلى قيادات وكوادر الإعلان المعتقلين، فداء الحوراني وأحمد طعمة الخضر وأكرم البني وعلي العبد الله وجبر الشوفي وياسر العيتي ووليد البني وفايز سارة ومحمد حجي درويش ومروان العش، إذْ اعتقله الجهاز ذاته في يوم مثول هؤلاء أمام محمد الساعور، قاضي التحقيق الثالث في دمشق.
لا أحد، بالطبع، يستطيع الإفتاء في كيفية عثور اللواء علي مملوك، رئيس الجهاز، على الموادّ القانونية التي أتاحت له الاحتفاظ بهؤلاء المواطنين خارج نطاق القضاء طيلة هذه الفترات المتباينة، غير الشرعية بأيّ عرف قانوني؛ ولا في "المزاج" القانوني الذي هبط بغتة على سادته في أعلى الهرم، فوجّهوا سيادة اللواء إلى تفعيل قوس القضاء بعد طول إعمال لسوط الجلاد. نعرف، مع ذلك، أنّ المعزوفة القانونية المكرورة إياها عُزفت مجدداً في القصر العدلي بدمشق: 1) النيل من هيبة الدولة وإيقاظ النعرات العنصرية والمذهبية؛ و2) تكوين جمعية بقصد قلب كيان الدولة؛ و3) نشر أنباء كاذبة من شانها أن توهن نفسية الأمة.
ولا مناص، في التسفيه الإبتدائي لهذه المهزلة القضائية، من أن يجنح المرء نحو مساجلات تبسيطية من الطراز التالي: أيّة دولة هذه التي ينال من هيبتها 163 مواطناً اجتمعوا سلمياً وطوعياً في دمشق، أي ليس في أيّ مكان خارج البلاد، في وضح النهار، وتداولوا في شؤون بلدهم وأمّتهم، وطالبوا بسورية أفضل وأعدل وأنظف، ولم يكن في حوزتهم أيّ سلاح ثقيل أو خفيف سوى الكلام (أو، كما عبّر أحمد منصور من فضائية "الجزيرة" في حواره مع وزير الإعلام السوري محسن بلال: "ده بيتكلّم بسّ!")؟ وكيف يمكن إيقاظ أية نعرة عنصرية أو طائفية إذا كان المجلس، كما ذكّرهم رياض سيف بحقّ: "يضم فداء حوراني، المسلمة السنية الحموية العلمانية القومية، والكردي الوطني عبد الحميد درويش، والمسلم العلوي اليساري الماركسي عبد العزيز الخير، والماركسي الليبرالي أكرم البني، والإسلامي الديمقراطي أحمد طعمة"؟
وكيف يمكن لهذه "الجمعية" التي اسمها "إعلان دمشق"، المؤلفة غالباً من محامين وأطباء ومهندسين وصيادلة وأكاديميين وكتّاب وصحافيين، أن تنجح في "قلب كيان الدولة"، إذا كانت تركيبة ذلك الكيان ليست أقلّ من نظام إستبدادي إستخباراتي عسكرتاري عائلي مافيوزي الطابع والطبيعة؛ عدد الأجهزة الأمنية فيه يقارب الـ 20، تتشعّب ميادين اختصاصاتها، وتتداخل صلاحياتها وتفويضاتها على نحو عنكبوتي عشوائي، وتتضخّم أعداد العاملين فيها (بين 250 إلى 300 ألف عنصر)، الأمر الذي يضع رقيباً أمنياً واحداً على كلّ 60 من مواطنات ومواطني سورية؟
وفي المقابل، وضمن سياق متابعة السجالات التبسيطية إياها، ماذا عن الموادّ الدستورية الأخرى التي تسفّه هذه الإتهامات، المنصوص عنها في الدستور السوري ذاته الذي استنّه النظام ذاته، في عهد حافظ الأسد؟ ماذا عن المادة 26: "لكلّ مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والإقتصادية والاجتماعية والثقافية"؛ أو المادة 38: "لكلّ مواطن الحقّ في أن يعرب عن رأيه بحرّية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى (...) وتكفل الدولة حرّية الصحافة والطباعة والنشر وفقا للقانون"؛ وأخيراً، وخاصة، المادة 39: "للمواطنين حقّ الإجتماع والتظاهر سلمياً في إطار مبادىء الدستور"؟ وما الذي فعله المشاركون في اجتماع المجلس الوطني لـ "إعلان دمشق" سوى ممارسة بعض هذه الحقوق؟
والحال أنّ المناخات الأمنية الراهنة (جرى خلال الساعات الأخيرة اعتقال الفنّان التشكيلي طلال أبو دان، عضو المجلس الوطني للإعلان، ومنذ موجة الإعتقالات الأولى يعيش عدد كبير من كوادر الإعلان في شروط الحياة السرّية، بعيداً عن عائلاتهم وأعمالهم) إنما تعيد التشديد على خلاصة سبق للبعض، وفي عدادهم كاتب هذه السطور، أن قال بازدياد علائمها وعلاماتها: أنّ نظام بشار الأسد يمكن أن ينقلب، في عدد من الملفات الأمنية الداخلية والسياسية الخارجية، إلى ما هو أسوأ بكثير ممّا كانت عليه حال تلك الملفات في عهد أبيه حافظ الأسد. على سبيل المثال الأحدث: كان الأخير سيتردّد كثيراً قبل أن يوجّه نقابة حزبية تافهة، في أقضى الشمال الشرقي من سورية، إلى إصدار بيان يتهم رياض الترك بالعملة للأجنبي؛ أو أن يكلّف وزارة الأوقاف أن تأمر خطباء المساجد، وبدل مديح "نظام الممانعة" والتغنّي بصمود "سورية الأسد"، بشتم رياض الترك من منابر صلاة الجمعة!
ولا يكفي، في يقيني الشخصي، النظر إلى نظام بشار الأسد كامتداد طبيعي وعضوي وبنيوي لنظام أبيه، بمعنى أن يكون «الحركة التصحيحية ـ 2» وأن يضيف إليها دون الإخلال بها، إذْ يتوجّب كذلك أن ينتظر المرء النتيجة الرديفة التالية: أنّ قِدَم عهد الأسد الابن، خصوصاً في جانب ارتباطه بالنظام القديم الذي بناه الأب، سوف يتكشّف على نحو دراماتيكي صارخ عند وقوعه في أوّل أزمة جدّية شاملة، أي حين ستقتضي المواجهة قواعدها الصارمة القاتلة المدمّرة، وحين لا يعني اللجوء إلى أنصاف الحلول سوى المزيد من تعميق المأزق. ورغم أنّ «ربيع دمشق» لم يكن يندرج في خانة الأزمات التي يمكن أن تهزّ أركان النظام وتكشف طبيعته الإستبدادية القديمة ـ المقيمة، فضلاً عن حقيقة أنّ ذلك «الربيع» كان في الأساس قد أطلّ مقترناً بالخفر والحياء كما يتوجّب القول، فإنّ السلطة لم تحتمله إلا بضعة أسابيع.
ونتذكّر، كما ينبغي هنا أيضاً، أنّ ذلك «الربيع» كان أقصر بكثير من أن يسمح بعبور سنونوة واحدة، وأكثر هزالاً من أن يستوعب نقاشاً سياسياً جديداً من أيّ نوع، وبينه وعلى رأسه ذلك النقاش حول «المجتمع المدني»، والذي بدأ صادقاً ومتواضعاً لكي ينتهي زائفاً وسفسطائياً. السلطة، في ائتلاف مدهش ضمّ الحرسَيْن القديم والجديد، لم تكتف بإطلاق الطوابير الخامسة في مسعى وأد النقاش في المهد وتجييره إلى ما ليس فيه وما يفرغه من المضمون الملموس فحسب، بل هي استنفرت أجهزتها من القمّة إلي القاعدة: بدأ الأمر من وزير الإعلام آنذاك عدنان عمران، ثمّ تواصل مع أحاديث الأسد نفسه إلى عدد من الصحف، وبلغ نائب الرئيس آنذاك عبد الحليم خدام، وانتقل بالإستتباع إلى أعضاء القيادة القطرية للحزب الحاكم، وانتهى بالطبع إلى كتّاب الأعمدة والتعليقات والمقالات «الفكرية» في صحف السلطة أو الصحف العربية الموالية.
ومنذ تولّي بشار الأسد مقاليد الحكم وحتى اندلاع حملات تجريم المثقفين ودعاة المجتمع المدني، مطلع العام 2001، تغاضت أجهزة السلطة عن خطاب إعلامي رسمي أخذ يبشّر بالتغيير، ويضطرّ في سياق التغنّي بالتغيير إلى توجيه بعض النقد المبطّن لتجربة الماضي، ويقتبس «خطاب القسم» على نحو انتقائي واتكائي وغائيّ زائف غالباً. ذلك أجبر السلطة على ما يشبه السكوت، وإنْ بنفاد صبر أقلّ، أمام جرأة رجال من أمثال رياض الترك والراحل أنطون مقدسي في صياغة نقد حقيقي صريح يتناول المسائل الحقيقية الصريحة، وأمام بيان الـ 99، ونشاطات «أصدقاء المجتمع المدني»، والمنتديات الثقافية.
غير أنّ صبر السلطة (وهي هنا جماع تمثيل نُخَب الأجهزة الأمنية والعسكرية والسياسية ـ الإقتصادية، إلى وكلاء الفساد والنهب والتجارة القذرة) أخذ ينفد سريعاً، وكان لا بدّ أن ينفد قبل استفحال الأمور واستقرار النقاش في الشارع والوجدان. وكان لا مناص من وقوع التطوّر الوحيد المنطقي في سياقات مثل هذه: اتّحاد مراكز السلطة الأمنية والعسكرية والمدنية، الحرس القديم مثل الحرس الجديد، في المطالبة بوضع حدّ «فوري» و«حازم» لما يجري في المنتديات الثقافية، ولما يُكتب في الصحف المحلية والعربية. الإقتراح الأوّل كان «إغراق» المنتديات الثقافية بالأعضاء البعثيين، الأمر الذي يجرّد هذه المنتديات من سلاح تمثيلها لـ «الرأي الآخر» في المجتمع السوري. الإقتراح الثاني كان العودة (بعد غياب طويل!) إلى قواعد الحزب الحاكم، واستنهاض عقلية العُصبة والتعصّب، والتحريض على النزول إلى الشارع لمواجهة المارقين من دعاة المجتمع المدني. أمّا الإقتراح الثالث فقد كان يخصّ القيادة السياسية نفسها، والرئيس بصفة خاصة: إنّ للصبر حدوداً، ولا بدّ من العودة إلى قبضة البطش! كلّ هذا تكشّف، دفعة واحدة، في أعقاب إطلالة «ربيع دمشق» التي لا يعقل أنّ النظام رأى فيها أزمة تهدّد وجوده، فكيف لا تكون الحال اليوم أدهى والنظام لا يخرج من مأزق حتى يدخل في سواه، على النقيض ممّا يفيد السطح الظاهر، حول راحة بيت السلطة واستقرار النظام؟
استطراداً، تشير سيرورة حملة الإعتقالات الأخيرة (من التأخر في تنفيذها تسعة أيام أعقبت انعقاد مجلس "إعلان دمشق"، إلى إطلاق سراح البعض والعودة إلى اعتقال البعض الآخر، إلى الوعد الذي قطعه الأسد أمام السناتور أرلين سبكتر والنائب باتريك كنيدي بالإفراج عن المعتقلين خلال وجود الزائرَين الأمريكيين في سورية، إلى هجاء هذا الوعد ذاته واعتبار التصريح به تدخلاً في الشؤون السورية الداخلية، وصولاً إلى التخبط طيلة أسابيع بين خيار الإبقاء على المعتقلين في عهدة جهاز أمن الدولة أو إحالتهم إلى القضاء، دون إغفال استخدام "تقنيات" جديدة في التعذيب والتحقيق واستخلاص الأدلة القانونية الكاريكاتورية، مثل تزوير إقرارات من بعض الموقّعين تؤكد ارتباط رياض الترك بقوى خارجية!)، تشير هذه السيرورة إلى مزيد من الإستقطابات داخل رؤوس النظام، حول السياسات الأمنية الواجب اتباعها ازاء المعارضة الداخلية.
وليس الأمر أنّ أياً من الرؤوس يمكن أن يعترض على استخدام قبضة البطش ضدّ أيّ مستوى جدّي من أنساق عمل المعارضة، ولكن من الواضح أنّ وعد الإفراج عن المعتقلين أمام سبكتر وكنيدي كان يصدر عن حاجة إلى تجميل وجه النظام أمام الزائرَين (وهما، في الأغلب، آخر مَن تبقّى من المستعدّين لمحاورة الأسد من قيادات الحزب الديمقراطي)، وإلى الإعراب في الآن ذاته عن قوّة النظام في وجه حفنة من المثقفين "هواة الإحتجاج الدائم" حسب تعبيره. من غير الواضح، منطقياً، ما إذا كان هذا التقدير يحظى بإجماع كافٍ داخل بيت السلطة، ليس بدليل الإنقلاب على الوعد فحسب، بل بدليل الإنقلاب إلى ضدّه الأشدّ! ما هو واضح، بل شديد الوضوح في الواقع، هو أنّ رجل الأمن الأقوى في العائلة، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية اللواء آصف شوكت، متفرّغ لتلك القضايا الاخرى الخافية الخفية، التي قد يصحّ بالفعل القول إنها تنال من هيبة النظام، بدليل أنها تستدعي استخدام وسائل ردع قاطعة قاتلة لا تُقارَن البتة بما يمارسه قاضي التحقيق الثالث في القصر العدلي بدمشق!
وفي مثل هذه الأيام، قبل ثلاث سنوات، كتب جو كلاين، الصحافي في أسبوعية «تايم» الأمريكية، أنه خلال التحضير للحوار الذي أجراه بعدئذ مع الأسد، كان قد تحدّث مع كمال اللبواني (أحد ناشطي «ربيع دمشق» الذين قضوا حكماً بالسجن، قبل اعتقاله مجدداً)، وأنّ اللبواني الطبيب طلب منه أن يسأل بشار الأسد الطبيب عن سبب اعتقاله. «لستُ أنا الذي زجّ به في السجن. لستُ أنا الذي يقوم بكلّ شيء في هذا البلد»... كان جواب الرئيس!
وكيف، إذاً، يستقيم ذلك الهتاف الهستيري: «الله، سورية، بشار، وبسّ»؟
-----------------------------------------------------
بتاريخ الخميس 3-1-2008 اعتقل فرع الأمن الداخلي في مدينة دمشق الأستاذ فايز سارة ، فيما يعتقد انه على خلفية مشاركته باجتماع المجلس الوطني لإعلان دمشق الذي حضره 163 شخص في 1-12-2007, لينضم بذلك إلى السبعة موقوفين من ذات الإعلان.
وكان احد ضباط الأمن من الفرع الداخلي قد اتصل بسارة الساعة الحادية عشر إلا ربعاً من ظهر أمس طالبا منه الحضور إلى مقر الفرع بالعاصمة دمشق , وتوجه سارة إلى المقر الأمني بعد إبلاغ زوجته.
سارة كاتب يعنى بالشأن العام بعدد من الصحف والدوريات العربية وعضو في لجان إحياء المجتمع المدني في سورية , وهو من مواليد 1950 " 57 عام " , متزوج ولديه ثلاث أولاد , يعاني من مرض في الغدة الدرقية.
عن المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان في سورية
اعتقل النظام السوري المدافع عن حقوق الإنسان فايز سارة بسبب دفاعه عن إعلان دمشق
أيام قليله قبل اعتقاله كتب الاستاذ فايز سارة في السفير اللبنانية هذا المقال:
فايز سارة : من يشوه مواقف معتقلي إعلان دمشق وسيرهم؟
اغتنم البعض فرصة الهجمة الامنية على اعضاء المجلس الوطني لاعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي ليشن حملة اعلامية مليئة بالافتراءات على الأشخاص الذين اعتقلوا، بل ان بعض الاتهامات تجاوز المعتقلين ليعيد فتح الاتهامات التي وجهت الى اعلان دمشق عند اطلاقه منتصف تشرين الاول من العام .2005 واحتوت حملة الافتراءات على اكاذيب وادعاءات، لا تغيب على البسطاء اهدافها الرخيصة، والتي ان لم تشوه صورة اعلان دمشق وصورة المعتقلين من قياداته في عيون من لا يعرفهم، فانها سوف تشكل مادة يمكن الاتكاء عليها في توجيه اتهامات أمنية الى المعتقلين، اذا تقررت احالتهم امام القضاء في وقت لاحق. وتنتمي حملة الاتهامات الى نظرية الكذب الغوبلزية النازية، التي يختصرها القول «اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس»! جوهر الاتهامات التي جرى توجهيها ضد المعتقلين السبعة، الصاق تهمة العلاقة مع الخارج والارتباط به بالمعنيين السياسي والتنظيمي، وهي تهمة جرى التركيز على الصاقها بالنشطاء من المعارضين السياسيين والعاملين في ميدان العمل الحقوقي والمجتمع المدني باستمرار، وقد طاولت اشخاصاَ مثل ميشال كيلو وانور البني وفائق المير وكمال لبواني وغيرهم ممن جهدت الاجهزة الامنية وبعض اركان النظام اضافة الى اعلاميين مرتبطين بالاجهزة على القول بارتباط تلك الرموز بالخارج الذي يأخذ ـ في كل الاحوال ـ شكل العدو، وان الارتباط تجاوز العلاقة السياسية الى علاقات اعمق ومنها الحصول على اموال من الخارج، وهي تهمة استجرت الضحك الاسود من قبل كل من سمعها لدرجة ان الاجهزة الامنية لم تتجرأ على سؤال المتهمين بها عنها، حيث ان تاريخ الاشخاص المعنيين أكبر من ان تهزه تلك الاتهامات الكاذبة والساذجة في آن معا. اذ من يستطيع الكذب في تاريخ شخصية مثل د. فداء الحوراني التي ولدت وعاشت في بيت أكرم الحوراني احد ابرز الشخصيات الوطنية السورية في القرن العشرين، والتي اضافت الى ذلك انخراطها في النشاط العربي العام، فكانت عضواً مميزاً في مواقفها عبر مسار المؤتمر القومي العربي وفي امانته العامة لسنوات طويلة بشهادة الكثيرين من رجالاته، وصارت شخصية قيادية في اعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي الذي تم في اول انتخابات ديموقراطية قبل عامين، وجرى التجديد لها في خلال المجلس الوطني الاخير لاعلان دمشق. وسيرة ومواقف فداء الحوراني تماثل في وطنيتها سير ومواقف الآخرين من معتقلي اعلان دمشق. منهم أكرم البني الذي ينتمي الى عائلة وطنية مكافحة ضد الاستبداد والاستغلال ـ من ابنائها المحامي انور البني المعتقل منذ ايار 2006 ـ قضى افرادها ما مجموعه نحو نصف قرن في السجون والمعتقلات، بل ان أكرم وحده قضى نحو سبعة عشر عاماً من الاعتقال على فترتين. ومنهم علي العبد الله الذي اعطى سنوات من عمره للعمل مع المقاومة الفلسطينية ضد اسرائيل والسياسة الاميركية في المنطقة، واعطى قسماً آخراً من عمره في الكتابة عن القضايا الوطنية ومن اجل كرامة مواطنيه ومستقبل ابنائهم، وقد اعتقل ثلاث مرات، قبل اعتقاله الاخير بسبب نشاطاته في حقل العمل العام، وكلها جعلته ـ كما اكرم البني ـ بين الشخصيات التي حرص اعضاء المجلس الوطني على انتخابها في قيادات اعلان دمشق. ان عمليات تشويه صورة ومواقف معتقلي اعلان دمشق، انما تتم بواسطة شخصيات هامشية، تطلق جملا انشائية لا معنى لها، ولا تستند الى اي معطيات او وقائع، وينطبق الامر في هذا على ما هو مكتوب في مقالات او تقارير او اخبار، نشرتها الصحافة او المواقع الالكترونية، او عبر ما تم بثه في اذاعات ومحطات فضائية، لا يكلف العاملون فيها انفسهم عبء التدقيق في ما يقال على نحو ما هو مطلوب في الامانة والموضوعية الاعلامية. ذلك ان وثائق اعلان دمشق الاساسية، وما تم اقراره في المجلس الوطني الاخير، بينت بوضوح مسار الاعلان ومواقفه ازاء مختلف القضايا، مما يتبناه ويلتزم به قياديو الاعلان من المعتقلين وغيرهم، فقد اقر المجلس الوطني بياناً ختامياً عن اعماله، أكد فيه على المستوى الداخلي سلمية التغيير الوطني الديموقراطي، ونبذ العنف وسياسات الإقصاء والاستئصال، داعياً إلى تداول السلطة عبر الانتخاب الحر، وإلى حرية الرأي والتعبير والتنظيم، وفق مبادئ التعددية والمواطنة وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية واستقلال السلطات وسيادة القانون. وأكد المجلس في مجال السياسة الخارجية على الحفاظ على الاستقلال الوطني وحمايته من خطر العدوان الصهيوني المدعوم من الإدارات الأميركية والتدخّل العسكري الخارجي، معتبراً أن «هذا الموقف لا يتناقض مع فهمنا لكون العالم أصبح أكثر تداخلاً وانفتاحاً، فينبغي ألا نتردد في الانفتاح والإفادة من القوى الديموقراطية والمنظمات الدولية والحقوقية في ما يخص قضيتنا في الحرية والديموقراطية، وخصوصاً في المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان». ولا تمثل هذه المواقف سوى تأكيد على النهج السياسي والعملي الذي اتبعه الاعلان منذ قيامه قبل عامين رغم كل الصعوبات التي احاطت بعمله لا سيما الصعوبات السياسية والامنية التي خلقتها السلطات في وقت كان فيه المطلوب منها فتح قنوات حوار ليس مع اعلان دمشق وقواه فقط، بل مع كل السوريين وجماعاتهم السياسية والمدنية من اجل مواجهة التحديات الماثلة في المستويين الداخلي والخارجي. ان الوقائع والنصوص، تكشف الاكاذيب المقصودة والمبرمجة التي تروج ضد معتقلي اعلان دمشق، وهي تماثل الاكاذيب التي احاطت بمعتقلي اعلان بيروت ـ دمشق/ دمشق ـ بيروت عام ,2006 وضد معتقلي ربيع دمشق 2001 الذين ما زال عميدهم عالم الاقتصاد عارف دليلة سجيناً يعاني اوضاعاً صحية صعبة تهدد حياته. وتجنب الكتاب والناشطون السوريون الخوض في الرد على الاتهامات الظالمة والاكاذيب المقصودة، ما برهن عن وعي عميق ومسؤول بالاهم في ما ينبغي القيام به من اجل وطنهم ومستقبل ابنائه، وتوفير قدراتهم وطاقاتهم في هذا السياق، من دون ان يعني الامر انهم لا يتابعون مسلسل الاكاذيب والاتهامات وحملات التحريض ضدهم، واهدافها في تشويه مواقفهم في اطار تشويه مواقف ومسار الوطنية السورية التي ينتمون اليها.
السفير
الخميس 2007-12-27 06:47:27
------------------------------------------------

اعتبرت حصار غزة "عقوبة جماعية" وأدانت تقاتل "فتح" وحماس""هيومن رايتس وتش": أمريكا تدعم مستبدين وتنتهك حقوق الانسان
التقرير انتقد تعذيب المعتقلين في غوانتانامو
نيويورك- وكالات
رأت منظمة "هيومن رايتس ووتش" المدافعة عن حقوق الانسان في تقريرها السنوي ان الولايات المتحدة واوروبا تقبلان بـ "حكام مستبدين يقدمون انفسهم على انهم ديموقراطيون" في دول مثل باكستان ونيجيريا وروسيا وكينيا حيث تنتهك حقوق الانسان. وقال التقرير الذي نشر مساء الخميس 31-1-2008، إن "الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والديموقراطيات النافذة الاخرى, بسماحها للمستبدين بان يقدموا انفسهم على انهم ديموقراطيون، من دون ان تطالبهم بتطبيق الحقوق السياسية والمدنية التي تعطي للديموقراطية معناها, تساهم في تعريض حقوق الانسان عبر العالم للخطر".
وتحدث التقرير عن انتهاكات تقوم بها الولايات المتحدة في "حربها على الارهاب"، وبينها اعتقال 275 شخصا لم توجه اليهم اتهامات في غوانتانامو (كوبا), واللجوء الى سجون سرية خارج الاراضي الامريكية وتبرير الحكومة لاستخدام التعذيب في التحقيق مع المشتبه بهم. ولم يسجل تقرير هيومن رايتس ووتش السنوي للعام 2008 اي تحسن في وضع حقوق الانسان في الولايات المتحدة، رغم جهود الكونغرس الامريكي لانهاء التجاوزت المفترضة في اطار الحرب على الارهاب. وقالت المنظمة "لم يسجل اي تقدم واضح بشأن معاملة من يسمون "مقاتلين اعداء"، بما في ذلك اولئك المعتقلون في غوانتانامو باي (كوبا) او استخدام اماكن اعتقال سرية" في دول اجنبية. وقال هيومن رايتس ووتش ان 39 شخصا يعتقلون في مراكز اعتقال سرية امريكية، مشيرة الى ان الحكومة الامريكية اقرت باعتقال ما مجموعه 100 شخص. وقال التقرير "بموجب القانون الدولي هؤلاء الاشخاص لا يزالون "متوارين" بشكل غير شرعي حتى تعترف بهم الولايات المتحدة". وعلى الصعيد الداخلي اعتبرت المنظمة ان 2,2 مليون شخص كانوا مسجونين خلال العام 2007 في الولايات المتحدة اي بارتفاع نسبته 500% في السنوات الـ 30 الاخيرة وهو اكثر بخمسة اضعاف عدد السجناء في بريطانيا. واضافة الى كونها تضم اكبر عدد من السجناء في العالم اشار التقرير الى ان عدد السجناء السود يزيد في الولايات المتحدة 6,5 اضعاف عن عدد السجناء البيض.
على صعيد آخر، دانت "هيومن رايتس ووتش" الحصار المفروض على غزة, معتبرة انه يشكل "عقوبة جماعية" تضرب 1,5 مليون فلسطيني يعيشون في القطاع. واعتبرت أن "الحصار الاسرائيلي يحرم سكان القطاع من الغذاء والمحروقات والادوية التي يحتاجونها ليؤمنوا بقاءهم. انها عقوبة جماعية تنتهك القانون الدولي". كذلك، اشارت المنظمة الى ان المجموعات المسلحة الفلسطينية تواصل "هجماتها العشوائية بالصواريخ على مناطق مأهولة في اسرائيل في انتهاك للقانون الدولي". واوضحت المنظمة ان 245 فلسطينيا "نصفهم تقريبا لم يكونوا متورطين في اعمال العنف" قتلوا في هجمات للجيش الاسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية بين يناير واكتوبر 2007 . واتهمت الجيش الاسرائيلي "بتشجيع ثقافة الافلات من العقاب في صفوفه عبر امتناعه عن التحقيق في مقتل المدنيين. كما اتهمت المنظمة حركتي فتح وحماس المتنافستين بارتكاب "انتهاكات خطيرة للحق الانساني الدولي" خلال المواجهات الداخلية التي دارت بينهما في 2007 وانتهت بسيطرة حماس على القطاع في يونيو. وتابعت "هيومن رايتس ووتش" ان 318 فلسطينيا قتلوا في المواجهات الداخلية خصوصا في قطاع غزة بين يناير واكتوبر 2007 .
أما على الجهة العراقية، فرأت المنظمة ان أوضاع حقوق الانسان في العراق تدهورت خلال 2008، خاصة مع استمرار العنف ضد المدنيين. واضافت ان "عمليات التطهير الطائفي" التي تقوم بها مجموعات سنية وشيعية مسلحة مستمر ايضا بالرغم من الخطة الامنية التي بدا تنفيذها الجيش الامريكي والقوات العراقية في فبراير. وذكرت المنظمة خصوصا الاعتداء الاكثر دموية منذ الحرب العام 2003 ضد الطائفة الايزيدية، التي فقدت ما لا يقل عن 500 من اتباعها في شمال البلاد في اغسطس الماضي. واكدت ان "الجيش الامريكي يواصل عملياه ضد المتمردين السنة والشيعة في جميع انحاء البلاد ما يؤدي الى سقوط عدد غير محدد من الضحايا المدنيين". وقال التقرير ان واحدة من النتائج الاخرى للخطة الامنية الارتفاع الكبير في عدد المعتقلين, موضحا ان "السجون العراقية المكتظة تستقبل بعصوبة هؤلاء المعتقلين الجدد بينما يغرق النظام القضائي في الملفات ما يؤدي الى تراجع الاوضاع في السجون حيث باتت تسود الانتهاكات والتعذيب". وقالت ان طريقة تنفيذ اعدام الرئيس الاسبق صدام حسين اواخر ديسمبر 2006 "ضاعفت قلق الاقلية السنية من حكومة الغالبية الشيعية". واخيرا, اشارت المنظمة الى ان مقتل 17 مدنيا عراقيا في سبتمبر الماضي بايدي العالمين في شركة "بلاكووتر" الاميركية الامنية كشف "امكانية الافلات من العقاب التي تتمتع بها مثل هذه الشركات الامنية الخاصة العاملة في العراق".
---------------------------------------------------
قضايا وأحداث 01.02.2008
تجربة اليساريين في أوروبا- تصالح الأيديولوجية مع السياسة
ويل فان أوين مرشح كتلة اليسار في ولاية هسن

في الوقت الذي لا تحبذ فيه الأحزاب الألمانية التعاطي مع اليساريين، تمكّن هؤلاء من المشاركة في حكم عدة دول أوروبية من خلال تحالفات مع أحزاب أخرى رئيسية. موقعنا يستعرض بعض التجارب على هذا الصعيد.
يستطيع اليساريون ترشيح كفة أندريا إبسيلانتي، مرشحة الحزب الاشتراكي الديمقراطي لتولي رئاسة الوزراء في ولاية هسن، بيد أنها ترفض بشكل قاطع الدخول في ائتلاف معهم. ورغم النتائج التي حققها اليساريون في انتخابات ولايتي هسن وساكسونيا السفلى، إلا أن الأحزاب الألمانية الكبيرة المحافظة منها أو الاشتراكية تحاول تجنب التعاطي معهم.
ويرى تيم شبير، أستاذ العلوم السياسية في معهد أبحاث الأحزاب وحقوقها في جامعة دوسلدورف الألمانية، أن نظرة الكثيرين من مواطني غرب ألمانيا لليساريين تتلخص في أنهم من بقايا ألمانيا الشرقية، أو ما كان يعرف بــ "جمهورية ألمانيا الديمقراطية". وأضاف شبير قائلا: "يجب علينا أن نقر بأن كثيرا من اليساريين انبثقوا من رحم الحزب الاشتراكي الديمقراطي وتقاليده، غير أن رواسب أفكار حزب الوحدة الاشتراكي الألماني/ الشيوعي سابقاً في جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة مازالت تجد لها رواجا بين أفكار الاشتراكيين الديمقراطيين وهو ما يشكل مشكلة في حد ذاته، لاسيما بالنسبة لمواطني غرب ألمانيا".
اليساريون في غرب أوروبا
ونظرة إلى تجارب عدد من دول غرب أوروبا كفرنسا وإيطاليا والسويد فإنه من الملاحظ أنه لم تكن لديها مثل تلك المشكلة كما هو الحال عليه في ألمانيا، بل على العكس من ذلك تماما؛ فقد كانت الأحزاب اليسارية في هذه البلدان جزءا من تشكيلة حكومات تلك الدول. وأضاف البروفيسور شبير أنه في سبعينيات القرن المنصرم كان للأحزاب الشيوعية حضور كبير في المشهد السياسي الأوروبي بشكل عام وكانت تتمتع بنجاح ملموس وقاعدة شعبية لا بأس بها مقارنة بغيرها من الأحزاب.
والأحزاب اليسارية في أوروبا متعددة الجذور والخلفيات والمنطلقات الأيدلوجية، ومع ذلك يمكن "وضعها في بوتقة واحدة"، كما يرى الباحث شبير. لقد كان جزء كبير من هذه الأحزاب في أصولها شيوعي، ومع انتهاء الحرب الباردة أخذت هذه الأحزاب تحدث تغييرات في بنيتها السياسية وطروحاتها وبرامج عملها لتتناسب ومتطلبات المرحلة. من ناحية أخرى نجد عددا آخر من الأحزاب اليسارية قد انفصل في وقت مبكر عن الأحزاب الشيوعية، حيث استطاعت أن تعيد تشكيل نفسها بطريقة معتدلة، تمكنها من مخاطبة قاعدة عريضة من الناس. فعلى سيبل المثال؛ اليساريون في هولندا يحظون بتأييد كبير بين الناخبين، شأنهم شأن اليساريين في السويد الذين أخذوا أيضا يطرحون قضايا أقرب إلى أفكار حزب الخضر مثل قضايا البيئة والتنمية.
قاعدة شعبية عريضة؟
كشفت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في هولندا أن هناك تغيّرا نوعيا في مزاج الشارع الهولندي الذي بات يميل نحو اليسار شيئاً فشيئاً، إذ حصل اليساريون على نسبة 16.6بالمائة من أصوات الناخبين. كما أن الدول الاسكندينافية تشهد تقدما لليساريين وذلك بحصولهم حوالي على 10 بالمائة من أصوات الناخبين وهو أمر لا يجوز التقليل من شأنه ، كما يرى البروفيسور شبير. فحزب الشعب الاشتراكي الدنماركي، وحزب اليسار السويدي والائتلاف اليساري الفلندي؛ فجميعها أحزاب يسارية، لكنها تطرح سياسات اجتماعية وبيئية، كما أوضح الباحث في شؤون الأحزاب، البروفيسور شبير .
وكذلك الحال ذاته بالنسبة لليساريين في إيطاليا وفرنسا ولكن على الرغم من أن "هذه الأحزاب تتسم بطابع الاعتدال سواء في خطابها أم في الاسم الذي تحمله تبقى تحمل في طياتها بذور الأفكار الشيوعية"، وفق رؤية الباحث الألماني.
صعود اليسار
التصويت عل
ى برنامج عمل حزب اليسار في ألمانيا
لم يكن في بداية الأمر هذا الثقل لليساريين في ألمانيا مقارنة بالأحزاب الأخرى، ولكن بعد الوحدة الألمانية بدت بشكل واضح ملامح كتلة اليسار تتشكل، حيث أخذ الشارع الألماني يشعر بها ويتلمس برنامجها. ويمكن القول إن الاشتراكيين كانوا سببا وراء تنامي القاعدة الحزبية والشعبية للأحزاب اليسارية في أوروبا. وفي المشهد الألماني لعل هذا الانتفاع يتجلى في التغيرات التي أدخلها المستشار الألماني السابق، غيرهارد شرودر، على بعض الخطوط العريضة للحزب الاشتراكي الديمقراطي من خلال شعار"الوسطية الجديدة" وهو ما ينظر إليه على أنه نوع من الانحراف عن المفاهيم التقليدية والسياسات العريضة التي دأب الحزب على تبنيها تجاه الطبقة العاملة وشكل العلاقة مع النقابات وهو ما سهل على اليساريين استقطاب الناخبين المؤيدين للجناح اليساري في الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
ويرى البروفيسور شبير أن "الأحزاب الاشتراكية التي حافظت على هويتها الاشتراكية التقليدية استطاعت أن تهمش اليساريين كما هو الحال على سبيل المثال في فرنسا". بينما في ألمانيا والدنمارك وهولندا فإن الإصلاحات التي أدخلها الاشتراكيون على الخطوط العريضة لأحزابهم جعلت ناخبيهم في كثير من الأحيان يتحولون عنهم إلى اليساريين.
التحالفات مع اليساريين
وفي أطار مساعيها للمشاركة في الحكم دخل عدد من الأحزاب اليسارية في أوروبا في ائتلافات وتحالفات مع أحزاب أخرى ولكنها لم تكن بهذا النجاح. فمثلا في عام 1998 دخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي في تحالف مع حزب اليسار وحزب الخضر. ولكن النتيجة سرعان ما خسر اليساريون أصوات ناخبيهم. وقال رئيس حزب اليسار السويدي، جودرون أوتاس، معلقا على هذا الائتلاف: "نحن لا نأسف على هذا الائتلاف، إذ تمكنا بعض الشيء من تنفيذ بعض أفكارنا ولكن بشكل عام لم تكن تجربتنا ناجحة على هذا الصعيد".
ومهما يكن من الأمر وفي ضوء تجارب اليساريين في أوروبا فإنه ربما يكون من المناسب للاشتراكيين الديمقراطيين في ولاية هسن أن يدخلوا في تحالف مع اليساريين من أجل ضمان أغلبية مطلقة حتى الانتخابات القادمة.
دويتشه فيله
سيلا ديدك/ إعداد هشام العدم
--------------------------------------------------
تجربة اليساريين في أوروبا- تصالح الأيديولوجية مع السياسة
ويل فان أوين مرشح كتلة اليسار في ولاية هسن

في الوقت الذي لا تحبذ فيه الأحزاب الألمانية التعاطي مع اليساريين، تمكّن هؤلاء من المشاركة في حكم عدة دول أوروبية من خلال تحالفات مع أحزاب أخرى رئيسية. موقعنا يستعرض بعض التجارب على هذا الصعيد.
يستطيع اليساريون ترشيح كفة أندريا إبسيلانتي، مرشحة الحزب الاشتراكي الديمقراطي لتولي رئاسة الوزراء في ولاية هسن، بيد أنها ترفض بشكل قاطع الدخول في ائتلاف معهم. ورغم النتائج التي حققها اليساريون في انتخابات ولايتي هسن وساكسونيا السفلى، إلا أن الأحزاب الألمانية الكبيرة المحافظة منها أو الاشتراكية تحاول تجنب التعاطي معهم.
ويرى تيم شبير، أستاذ العلوم السياسية في معهد أبحاث الأحزاب وحقوقها في جامعة دوسلدورف الألمانية، أن نظرة الكثيرين من مواطني غرب ألمانيا لليساريين تتلخص في أنهم من بقايا ألمانيا الشرقية، أو ما كان يعرف بــ "جمهورية ألمانيا الديمقراطية". وأضاف شبير قائلا: "يجب علينا أن نقر بأن كثيرا من اليساريين انبثقوا من رحم الحزب الاشتراكي الديمقراطي وتقاليده، غير أن رواسب أفكار حزب الوحدة الاشتراكي الألماني/ الشيوعي سابقاً في جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة مازالت تجد لها رواجا بين أفكار الاشتراكيين الديمقراطيين وهو ما يشكل مشكلة في حد ذاته، لاسيما بالنسبة لمواطني غرب ألمانيا".
اليساريون في غرب أوروبا
ونظرة إلى تجارب عدد من دول غرب أوروبا كفرنسا وإيطاليا والسويد فإنه من الملاحظ أنه لم تكن لديها مثل تلك المشكلة كما هو الحال عليه في ألمانيا، بل على العكس من ذلك تماما؛ فقد كانت الأحزاب اليسارية في هذه البلدان جزءا من تشكيلة حكومات تلك الدول. وأضاف البروفيسور شبير أنه في سبعينيات القرن المنصرم كان للأحزاب الشيوعية حضور كبير في المشهد السياسي الأوروبي بشكل عام وكانت تتمتع بنجاح ملموس وقاعدة شعبية لا بأس بها مقارنة بغيرها من الأحزاب.
والأحزاب اليسارية في أوروبا متعددة الجذور والخلفيات والمنطلقات الأيدلوجية، ومع ذلك يمكن "وضعها في بوتقة واحدة"، كما يرى الباحث شبير. لقد كان جزء كبير من هذه الأحزاب في أصولها شيوعي، ومع انتهاء الحرب الباردة أخذت هذه الأحزاب تحدث تغييرات في بنيتها السياسية وطروحاتها وبرامج عملها لتتناسب ومتطلبات المرحلة. من ناحية أخرى نجد عددا آخر من الأحزاب اليسارية قد انفصل في وقت مبكر عن الأحزاب الشيوعية، حيث استطاعت أن تعيد تشكيل نفسها بطريقة معتدلة، تمكنها من مخاطبة قاعدة عريضة من الناس. فعلى سيبل المثال؛ اليساريون في هولندا يحظون بتأييد كبير بين الناخبين، شأنهم شأن اليساريين في السويد الذين أخذوا أيضا يطرحون قضايا أقرب إلى أفكار حزب الخضر مثل قضايا البيئة والتنمية.
قاعدة شعبية عريضة؟
كشفت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في هولندا أن هناك تغيّرا نوعيا في مزاج الشارع الهولندي الذي بات يميل نحو اليسار شيئاً فشيئاً، إذ حصل اليساريون على نسبة 16.6بالمائة من أصوات الناخبين. كما أن الدول الاسكندينافية تشهد تقدما لليساريين وذلك بحصولهم حوالي على 10 بالمائة من أصوات الناخبين وهو أمر لا يجوز التقليل من شأنه ، كما يرى البروفيسور شبير. فحزب الشعب الاشتراكي الدنماركي، وحزب اليسار السويدي والائتلاف اليساري الفلندي؛ فجميعها أحزاب يسارية، لكنها تطرح سياسات اجتماعية وبيئية، كما أوضح الباحث في شؤون الأحزاب، البروفيسور شبير .
وكذلك الحال ذاته بالنسبة لليساريين في إيطاليا وفرنسا ولكن على الرغم من أن "هذه الأحزاب تتسم بطابع الاعتدال سواء في خطابها أم في الاسم الذي تحمله تبقى تحمل في طياتها بذور الأفكار الشيوعية"، وفق رؤية الباحث الألماني.
صعود اليسار
التصويت عل
ى برنامج عمل حزب اليسار في ألمانيالم يكن في بداية الأمر هذا الثقل لليساريين في ألمانيا مقارنة بالأحزاب الأخرى، ولكن بعد الوحدة الألمانية بدت بشكل واضح ملامح كتلة اليسار تتشكل، حيث أخذ الشارع الألماني يشعر بها ويتلمس برنامجها. ويمكن القول إن الاشتراكيين كانوا سببا وراء تنامي القاعدة الحزبية والشعبية للأحزاب اليسارية في أوروبا. وفي المشهد الألماني لعل هذا الانتفاع يتجلى في التغيرات التي أدخلها المستشار الألماني السابق، غيرهارد شرودر، على بعض الخطوط العريضة للحزب الاشتراكي الديمقراطي من خلال شعار"الوسطية الجديدة" وهو ما ينظر إليه على أنه نوع من الانحراف عن المفاهيم التقليدية والسياسات العريضة التي دأب الحزب على تبنيها تجاه الطبقة العاملة وشكل العلاقة مع النقابات وهو ما سهل على اليساريين استقطاب الناخبين المؤيدين للجناح اليساري في الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
ويرى البروفيسور شبير أن "الأحزاب الاشتراكية التي حافظت على هويتها الاشتراكية التقليدية استطاعت أن تهمش اليساريين كما هو الحال على سبيل المثال في فرنسا". بينما في ألمانيا والدنمارك وهولندا فإن الإصلاحات التي أدخلها الاشتراكيون على الخطوط العريضة لأحزابهم جعلت ناخبيهم في كثير من الأحيان يتحولون عنهم إلى اليساريين.
التحالفات مع اليساريين
وفي أطار مساعيها للمشاركة في الحكم دخل عدد من الأحزاب اليسارية في أوروبا في ائتلافات وتحالفات مع أحزاب أخرى ولكنها لم تكن بهذا النجاح. فمثلا في عام 1998 دخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي في تحالف مع حزب اليسار وحزب الخضر. ولكن النتيجة سرعان ما خسر اليساريون أصوات ناخبيهم. وقال رئيس حزب اليسار السويدي، جودرون أوتاس، معلقا على هذا الائتلاف: "نحن لا نأسف على هذا الائتلاف، إذ تمكنا بعض الشيء من تنفيذ بعض أفكارنا ولكن بشكل عام لم تكن تجربتنا ناجحة على هذا الصعيد".
ومهما يكن من الأمر وفي ضوء تجارب اليساريين في أوروبا فإنه ربما يكون من المناسب للاشتراكيين الديمقراطيين في ولاية هسن أن يدخلوا في تحالف مع اليساريين من أجل ضمان أغلبية مطلقة حتى الانتخابات القادمة.
دويتشه فيله
سيلا ديدك/ إعداد هشام العدم
--------------------------------------------------