اهالي غزة تهافتوا علي شراء المواد الغذائية والسجائر وحتي الأسرة والاجهزة الالكترونية مئات الآلاف من الفلسطينيين يتدفقون الي مصر بعد تفجير حواجز رفح
24/01/2008
رفح ـ القدس العربي من اشرف الهور:تدفق مئات آلاف الفلسطينيين علي مصر من قطاع غزة امس الاربعاء عبر حاجز حدودي فجره نشطاء لشراء وتخزين أغذية ووقود يعانون من نقص فيهما نتيجة الاغلاق الذي تفرضه اسرائيل علي القطاع. وقالت مالكة متجر مصري اكتفت بذكر اسمها الاول فقط وهو حميدة وهي تنظر للارفف التي أصبحت خالية نتيجة شراء سكان غزة للسلع مستخدمين الجنيه المصري والشيقل الاسرائيلي هؤلاء الناس متعطشون للحرية والطعام ولكل شيء .وقالت وزارة الخارجية المصرية ان مصر اقترحت اجراء مراجعة مع اسرائيل والسلطة الفلسطينية بشأن كيفية اعادة تنشيط اتفاقية الحدود. وقال سكان رفح ان نشطاء فلسطينيين قاموا بسلسلة تفجيرات أثناء الليل دمرت نحو 200 متر من الحاجز الحدودي المعدني وارتفاعه ستة أمتار بين قطاع غزة ومصر الذي أقامته اسرائيل عام 2004 قبل عام من سحب قواتها ومستوطنيها من غزة. واستمر بحلول الليل تدفق الفلسطينيين بمن فيهم أسر كاملة علي الجانب المصري من رفح. وقدر مسؤولون محليون أن ما لا يقل عن 350 ألف شخص عبروا الحدود في فرصة نادرة للخروج من القطاع الذي يصفه أهل غزة بالسجن الكبير. وقال محمد سعيد الذي كان يجر عربة صغيرة باليد اشتريت كل شيء أحتاجه للمنزل يكفيني لشهور. اشتريت طعاما وسجائر وحتي جالونين من وقود الديزل لسيارتي .ويفتح سقوط حاجز رفح ثغرة جديدة في جهود اسرائيل التي تتعرض لهجمات صاروخية متكررة من قطاع غزة الذي تحكمه حماس لمواصلة الضغط علي القطاع في مواجهة انتقادات دولية بسبب نقص السلع والوقود ومحنة الفلسطينيين. لكن الولايات المتحدة حليف اسرائيل الرئيسي هبت للدفاع عنها. وقالت دانا بيرينو المتحدثة باسم البيت الابيض الفلسطينيون في غزة يعيشون في فوضي بسبب حماس وينبغي أن يقع اللوم عليهم بالكامل .وتدفق الناس علي الجانب المصري من رفح بعضهم علي عربات تجرها الحمير حاملين الحقائب لملئها بالسلع الاستهلاكية. وفي القاهرة قال الرئيس المصري حسني مبارك انه أعطي أوامره لقوات الامن المصرية بالسماح بدخول الفلسطينيين من قطاع غزة. وتابع قلت لهم اتركوهم يدخلون ليأكلوا ويشتروا الاغذية ثم يعودون طالما أنهم لا يحملون أسلحة .وردا علي سؤال حول امكانية ايجاد حل دائم وليس حلول مؤقتة للحصار المفروض علي غزة، قال الرئيس المصري ان اول تمهيد للحل الدائم هو ان يتوقفوا (الفلسطينيون) عن النزاعات فيما بينهم لان استمرار الخلافات بينهم هو عز الطلب لاي عدو وهو يريد ذلك .ولكن الرئيس المصري حمل كلا من اسرائيل وحركة حماس مسؤولية الوضع الحالي في غزة.واعتبر ان حماس من خلال اطلاقها الصواريخ تعطي اسرائيل فرصة للوصول الي هذا الوضع الصعب والمعقد مطالبا حركة حماس بوقف اطلاق الصواريخ في وقت نسعي فيه لانهاء هذا الوضع الصعب وفتح آليات امام انفراج الاوضاع .واوضح شهود فلسطينيون أن الامن المصري الموجود في الجهة المصرية من الحدود لم يتدخل ازاء اندفاع المواطنين الفلسطينين . وقال مصدر امني اسرائيلي ردا علي اختراق الحدود المصرية ـ الفلسطينية، من الان فصاعدا علي مصر ان تهتم باحتياجات غزة الانسانية .واضاف المصدر حسب موقع معاريف الالكتروني بان مصر سهلت امس علي اسرائيل اتخاذ قرارها بالانفصال نهائيا عن قطاع غزة وانه ورغم المساعدات الطارئة التي قدمتها للقطاع بشأن الكهرباء الا انها ستنفصل نهائيا عن غزة وعلي حكومة حماس الاعتماد من الآن فصاعدا علي البنية التحتية المصرية لتزويد مواطني القطاع بالكهرباء والغذاء والوقود.وحرص وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك الذي يزور باريس علي عدم انتقاد مصر. وأبلغ باراك الصحافيين قائلا أعتقد أنهم (المصريون) يعلمون وسيحترمون دورهم في هذه الصورة بأسرها. لا أعتقد أن من المفيد الاسهاب أكثر من هذا .وكانت انتقادات اسرائيلية في الآونة الاخيرة لفشل مصر في كبح تهريب الاسلحة الي قطاع غزة عبر أنفاق تحت الارض في رفح أثارت ردا غاضبا من مصر احدي المساندين الرئيسيين لمحادثات السلام التي تحث الولايات المتحدة اسرائيل والفلسطينيين علي اجرائها. وكان رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت قال ان اٍسرائيل ليست لديها نية للتسبب في أزمة انسانية في قطاع غزة ولكنها ستحرم الفلسطينيين في القطاع من السلع الكمالية ما دام اطلاق الصواريخ مستمرا. وفي خطوة جديدة قالت مصادر فلسطينية ان اسرائيل أعادت امس الأربعاء منع امداد قطاع غزة بالوقود والغاز رداً علي اقتحام آلاف الفلسطينيين لمعبر رفح.وقال محمود الخزندار رئيس جامعة أصحاب شركات البترول في قطاع غزة ان الجمعية أبلغت بشكل رسمي من الجانب الاسرائيلي بوقف امدادات الوقود والغاز عبر موقع ناحل عوز العسكري شرق مدينة غزة منذ ساعتين.وقال الخزندار ان اسرائيل تتذرع في الاجراء الجديد لما جري في معبر رفح من اقتحام المعبر واجتياز آلاف السكان الي الأراضي المصرية.ويبدو ان مدينة رفح المصرية كانت بانتظار سكان رفح الفلسطينية، حيث اشتري الفلسطينيون كل انواع البضائع، من المواد التموينية والسجائر وحتي الاسرة والفراش. وتهافت اهالي غزة علي شراء الاجهزة الكترونية مثل الهواتف المحمولة والتلفزيونات ما ادي الي نفاد المخزون منها لدي العديد من المحلات التجارية في رفح والعريش. وقال ابو احمد صاحب محل في سوق رفح المصرية لـ العربية نت التجار هنا قاموا برفع الاسعار لان الاقبال غير عادي وغير مسبوق .وقال احمد حلاوة وهو فلسطيني في العشرينات من عمره وجاء من غزة هذه فرصة بالنسبة لنا (...) يكفي حصار ويكفي خنق لنا في قطاع غزة . وأشارت أم حسن الغول التي كانت ترافق ولديها قمت بشراء خمس صفائح من الجبنة لاولادها الثمانية، موضحة انها تقيم في مخيم الشاطئ وانها المعيل الوحيد لابنائها بعد وفاة زوجها. وقام عدد من الفلسطينيين بشراء خراف واغنام من مدينة العريش (45 كلم جنوب معبر رفح)، بينما حمل مئات منهم اكياسا مليئة بمواد تموينية واساسية وغذائية. وكانت سيارات وعربات تجرها الحمير تدخل فارغة الي مصر وتعود الي غزة محملة بشتي مستلزمات الحياة.واشتري مزارع من غزة 20 خروفا وضعها فوق سيارة نصف نقل عائدا الي غزة. وفي الوقت نفسه، دخلت شاحنات محملة بالاسمنت ومواد البناء، وهي مواد نفدت من غزة منذ عدة اشهر بسبب الحصار، ما ادي الي توقف اعمال البناء. وجاء جمال، وهو ضابط سابق في اجهزة الامن الفلسطينية مع ابنه، وكانا يحملان 4 اواني بلاستيكية كبيرة فارغة. وقال سأشتري وقودا لاننا لم نعد نجده في غزة .
-----------------------------------------------------------------
الأحبار والإكليروس في مواجهة رياض الترك! :حبيب صالح
2008/01/24
24-1-2008م
من بين كل من انتسبوا إلى المعارضة، ومن جاؤوها عرضاً، وحده رياض الترك لم يأت إليها عبر مؤسسات النظام مستقيلاً أو مطروداً أو شريداً، وحده الذي ولد فيها، قبل أن يأتي إليها الكثيرون لظروفهم الخاصة، أو لاعتبارات أملتها القراءات النقدية،أو المستطردة! هم جاؤوا إليها عندما تساذجوا ففهموا أن النظام لابد آفل، وسارعوا لحجز أماكنهم! وجاؤوها يحضرون القسمة، ويشهدوا ليلة الزفاف!
وعندما أظهرت التطورات وإعادة تركيب المعادلات في المنطقة تبين الجميع أن النظام كان متقدماً جداً، في إقامة معادلاته الإقليمية والدولية منذ إتفاقية الفصل الأولى عام 1973 –1974، ثم عبر مبادرته في إطار إتفاقية الأسد مورفي لدخول لبنان، ثم ما تلاً تطورات احتلال بيروت عام 1982، واحتلال بغداد، وحرب الكويت ومؤتمر مدريد، واستمرار الأحوال في الجولان على ما هي، منذ ثلاثين سنة!
الذين اعتقدوا أن استطرادات الإحتلال الأميريكي لبغداد عام 2003 سوف تعبر الحدود مع الأنبار غرباً، فوجأوا أن قبائل الصحوة تعيش على طرفي الحدود! وأن العبور إلى غير بغداد غير ممكن… وأن حدودنا مع الأطراف الإقليمية والدولية،بالدعم الأميريكي، محصنة سياسياً أكثر بكثير مما هي محصنةعسكرياً!!
رياض الترك وحده كان يعلم مدى عمق العلاقات الأميركية السورية ومدى تحصين النظام لمواقعه الإقليمية والدولية عبر الحدود شمالاً مع تركيا،لتطويق العامل الملِي الضاغط مذهبياً على النظام، ووحده رياض الترك، كان يعلم مدى متانة واتساع العلاقات السورية الإيرانية التي تلونت بالنفط وقوته السياسية، واتشحت بالقوة العسكرية الإيرانية المطبقة على الخليج الضاغط سنياً على الداخل السوري أبان أحداث 1977-1982، وامتداد ذلك الدور الإيراني عبر حزب الله في لبنان، المهيمن على كل المعادلات والاستحقاقات اللبنانية تجاه الولايات المتحدة واسرائيل والعرب،وورقة المواجهة الأولى لسورية من جهة،والتفاوض من جهة أجرى!
وعبر تلك المكونات جميعاً،نجح النظام السوري في تثبيت دعائمه، وأفلح إلى حد كبير في معالجته للمسار الداخلي لجهة الانفتاح الاستثماري العربي والدولي، وعبر اقترابه بشكل أو بآخر من القاعدة الأساسية التي يتكون في أرحامها ومؤسساتها التيار السلفي، والتيار التكفيري في سورية! وذلك عبر منظومات الإفتاء، ومؤسسات الإسلام المعتدل، الذي يتخاطب مع التيارات السلفية في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وعبر البرجوازية التجارية السورية التي تحالف معها ومع الإسلام المعتدل فزاوجهما ليعملا معاً على ضبط الشارع السوري ويجيرانه للنظام!
كل هذا السرد، في تقديري، جعل رياض الترك يقرأ الواقع السوري قراءة مختلفة تماماً!
وأنا لا أريد أن أختزل القضية السورية في شخص رياض الترك، فهذه واحدة من محرماتي التي لا أعمل بنواميسها، لأنني بعد جمال عبد الناصر لا أريد ولا أعترف أن الراية انتقلت إلى أحد بعده! فضلاً عن أن عصر الاستقلال الوطني وحركات التحرر قد انتهى! وزالت معه مكونات الزعامات التاريخية! والقضية السورية، بعد عصر الرموز وعصر العظماء وعصر المنظومات الأممية إنما انتقلت حكماً ونهائياً إلى الشعب…الذي وجب عليه وعلى من يعمل في الشأن العام أن يسعى إلى ترجمتها عبر آليات ومؤسسات ديمقراطية تنجز حكم الشعب ودولة الشعب، بالشعب!
وأعود إلى رياض، فأدعي أن رياض والذين يراهنون على رمزيته، أو ارتضوه اسماً وموقفاً، حالةً سورية مؤكدة، تفعل في الحياة السورية، حيناً من الزمن وفي مرحلة انتقالية.. لم يستطع مرادفته في ذلك شخص أو حزب، ذلك أن الرجل لم يأت عبر معامل الأديداس أو عز الدين ناصر أو المجالس المعينة!ووحده دون سواه يبقى المتطهر من كل ارتباطات وإيحاءات الأجهزة كما لم يكن الأحبار "القوميون" الذين أقاموا الشراكات الأمنية الذائعة الصيت. ولعبوا دور الإعتدال ودور ضباط ارتباط مع المعارضة وضدها، في آن، واسألوا رياض في ذلك! وفي حالة أخرى ؛ إنما جاء الترك من خلال أمانته لمنظومة شعبية يسارية ومن أقبية الموت ومطاردة رغيف الخبز، الذي لم يمسك به يوماً! وما كان له أن يصل إلى هذا المطاف لولا أنه في مرحلة،ما، كان الشخصية المعادلة لشخصية حافظ الأسد مؤسس النظام القائم اليوم! وتأتى له ذلك بعد أن سجن لفترة طويلة على خلفية مواقفه من العلاقات السوفيتية العربية، والمبادرة السورية في لبنان، وقمع النظام لمختلف قوى اليسار في سورية وغيرها، وبنى جميع مواقفه على الإيمان بالحالة الوطنية العروبية المتفاعلة مع الخصوصية السورية، والمتحررة من الإرتباط الأممي الذي أرسى تجربة حزبية ماركسية أشبه بالحالة اليوغسلافية أيام جوزيف بروز تيتو، التي من طبيعتها أن تنتهي إلى حالة ديمقراطية وطنية مؤكدة، انتهى إليها اليسار اللبناني، واليسار العربي أيام جمال عبد الناصر، واليسار الأوروبي برمته، والذي يحكم نصف أوروبا اليوم!
لماذا كل هذا الشرح عن رياض الترك وماعلاقته بالحالة التي وصلت إليها المعارضة، وإعلان دمشق وقراءات رياض للعلاقات الأميريكية السورية العربية، وأقول:
1. أدرك رياض بما لالبث فيه، وهذه قراءتي الشخصية، أن المعارضة السورية لاتستطيع الرهان على التغيير الداخلي الوطني والسلمي الذي تؤكد عليه دوماً، وأكد عليه إعلان دمشق،سوى إقامة ترتيبات وصداقات دولية للمعارضة السورية، ومقابل تلك التي يقيمها النظام ويعمل في إطار معادلاتها! وبذلك تتحقق المعادلة الدولية في العلاقة الثنائية مع النظام والمعارضة، معاً!
2. إن ماانتهى إليه رياض في هذا الصدد، وعبر قراءتي له، أن تجربته في الحزب الشيوعي سابقاً، إنما مكنته من استيعاب توترات التجاذب في الداخل السوري على ضوء تجارب الأحزاب اللبنانية، التي ارتبطت جميعاً بعلاقات دولية، سواء في إطار الإشتراكية الدولية التي ينخرط في إطارها الحزب التقدمي الإشتراكي، وحزب اليسار الديمقراطي اللبناني، وعلى ذات النهج يرتبط حزب الله بإيران بعلاقات أيديولوجية، والأحزاب الأخرى ترتبط بسورية…!
3. هذا لايقودني بالمطلق لإن أقول إن إعلان دمشق وتصريحات رياض عن العلاقة مع الولايات المتحدة، إنما ينصرف أميريكياً إلى المدى الذي وصلت إليه الأحزاب اللبنانية أو غيرها!
4. فكل ماأراد رياض أن يلفت إليه، هو أن تعترف الولايات المتحدة بإن هناك قوتان في سورية: هي قوة المعارضة إلى جانب النظام! مع التأكيد بالإطلاق أن رياض لم يتجاوز في أي تصريح له النهج الوطني الإستقلالي لقوى المعارضه، وإعلان دمشق التي تدعو إلى التغيير السلمي والتدريجي والوطني،دون الإرتياط أو الإرتهان لإية قوة خارجية!!
5. وعندما يمتدح رياض الترك، زيارة الرئيس الأميريكي بوش إلى المنطقة، فهو لم يسقط هذا الدعم على شخص بوش، أو أياً من مبادراته في العراق أو فلسطين!
6. ورياض الترك يعلم أن السيد بوش ومجموعته من المحافظين الجدد سيتركون الحكم في نهاية هذا العام 2008، وبالتالي فإن أي تفاؤل يبديه الترك وغيره تجاه زيارة بوش، إنما ينصرف إلى العلاقات المتوازنة مع الولايات المتحدة كما الإتحاد الأوروبي، كما العالم كله.. على أساس أن هناك صوتان في سورية وليس صوتاً واحدا: صوت النظام القائم!
وعلى قاعدة هذه القراءة فإن تصريحات السيد الترك إنما تنصرف حصراًإلى بناء البعد الدولي لعلاقات المعارضة السورية، وللضرورة التي ترى أن المعارضة تسعى وتقدم مشروعاً للتغييرفي بلد ما، فإن هذه الضرورة تقتضي احتساب العامل الدولي، كعامل أساسي في نضالات الشعوب والمنظومات! وحتى لاينجح النظام في تطويق هذه المعارضة وإحراقها، وإعتبارها مجرد شأن داخلي، يخص النظام،دون سواه!!
أما في "المناكفات "الإعلامية الجارية، فأنا أعتقد أن قراءة، رياض الترك عبر تصريحاته الأميريكية، إنما كانت تستطرد في مناكفة الخطاب الإعلامي للنظام، وهذه نافلة إعلامية مضافة ومفترضة على هوامش الخصومات والمواجهات السياسية التي قامت أساساً عندما نشأ مشروع المعارضة السورية الحديث والمستحدث!والذي يتعامل معه النظام على أنه قضية وجود من عدمه!
وفي كل الظروف علينا أن نأخذ تصريحات الترك عبر مقاربة سهلة وبسيطة: فالترك ليس رئيساً للوزراء ولارئيساً للدولة ولا وزيراً للخارجية، وعليه، فإن تصريحاته لاتنتهي في مكان ما أو زمان ما في مواقع تقاطع مع السياسات الأميريكية في المنطقة، وهي لن تنتهي بفتح سفارة أميريكية لدى المعارضة، أو سفارة للمعارضة السورية لدى الولايات المتحدة! ذلك أن المعارضه ليست في سدة الحكم،الأمر الذي لايسمح لإحد أن يتهم المعارضه بإنتاج اصطفافات،وتوقيع معاهدات،وهنا لايتوفر البعد الدبلوماسي القائم بين المعارضه وأية دوله!
إذاً ما هو مشرّع للنظام في إطار ضروراته الدبلوماسية والدولية، هو مشرّع،بالتقابل، مع ضرورات للمعارضة في الإتصال بالعالم وتعريف العالم بها، وتعرفها عليه!!
مهام المعارضة هي تحقيق التغيير الديمقراطي سلمياً على أسس حداثوية ديمقراطية مما يهيأ في المرحلة التالية لإختيار الأهداف المستقيلة والشعب عبر آليات ومؤسسات وخيارات منتخبة ومتوافق عليها! أما تكليف المعارضة مسبقاً بوضع مشروع "سلطوي" شامل مستقبلي "والتصويت عليه" هو من سلطة حاكمة يأتي في مرحلة لاحقة! وليس من مهام معارضة ناشئة، يفترض أن تملك في كل ما تخطط للقيام به ضمن ثوابتها المعلنة والمكتوبة!!
إن رياض الترك بماله، وهو كثي،ر وماعليه، وهو قليل، إنما كان كثيره يقضي ألا يذهب إلى السفارة الأميريكية، باعتبارها موقعاً رسمياً للإدارة الأميريكية، وهي ليست منظمة غير حكومية، أو أكاديمية للحقوق، أو هي منظمة هيومان رايتس! وخطأه المركب كان أن يؤدي تلك الزيارة مع رياض سيف، بالذات!
فرياض سيف ليس له تاريخ وطني مشرف، وهو البرجوازي الصغير الذي أراد أن يصبح كبيراً في أحضان النظام وعندما خسر تطلعاته وأحلامه في أروقة النظام، التحق بالمعارضه،انتقاما،فأصبح الرابح الكبير عندما مشي خلفه رياض الترك،في زيارة مشتركة إلى السفارة، والمجلس الوطني لإعلان دمشق!
كذلك يظل رياض الترك الرقم الأصعب في المعادلة السورية، ذهب إلى السفارة أو عاد منها،وهو يستمر كبيراً في مواجهة الصغار!!!كل مافي الأمر، أن الكبار عندما يشتمهم الصغار،يربح الكبار،ويخسر الصغار!!!
وفي ختام ماانتهت إليه،أقول للذين هاجموا رياض الترك وكالوا له التهم : لماذا لم تتحدثوا عن أنابوليس، وإنتخابات الرئاسة في لبنان، وقبائل الصحوة التي شكلت رافعة حقيقية للمشروع الأميريكي في العراق..وكل هذه القبائل تتقاطع مذهبياً وسياسياً مع مذهب الأحبار والأكليروس الذين جمدوا مشاركتهم في إعلان دمشق،ليتلوا الصلوات على محراب الدعوات "القومية" التي أريقت في كامب ديفد عام1979وفي احتلال بغداد، وسقوط المشروع القومي العربي،لسقوط النظام العربي،الذي فشل في تشكيل رافعة نهضوية ديمقراطية له، وبالتالي فإن ماتبقى من هذا المشروع،لم يترك لرياض الترك ما يسفحه أو يجتزأه أو يتآمر عليه!! وما تبقى من عصر "القوميات الجوراسي"،لم يعد يكفي أحبار دمشق ليتباكوا ويتمترسوا به ويعيدوا اجترار أطر قومية ويسارية جديدة تستنسخ القديم منها!!
وتعرقل مسيرة الإنتقال إلى الديمقراطية، وتخدم من يوالونهم ويتحالفون معهم، تحالفاً لن يدوم،حيث سيبدأ فك الارتباط والطلاق البائن، قريباً!!
حبيب صالح
كاتب ومعارض سوري
"الرأي / خاص"
2008/01/24
24-1-2008م
من بين كل من انتسبوا إلى المعارضة، ومن جاؤوها عرضاً، وحده رياض الترك لم يأت إليها عبر مؤسسات النظام مستقيلاً أو مطروداً أو شريداً، وحده الذي ولد فيها، قبل أن يأتي إليها الكثيرون لظروفهم الخاصة، أو لاعتبارات أملتها القراءات النقدية،أو المستطردة! هم جاؤوا إليها عندما تساذجوا ففهموا أن النظام لابد آفل، وسارعوا لحجز أماكنهم! وجاؤوها يحضرون القسمة، ويشهدوا ليلة الزفاف!
وعندما أظهرت التطورات وإعادة تركيب المعادلات في المنطقة تبين الجميع أن النظام كان متقدماً جداً، في إقامة معادلاته الإقليمية والدولية منذ إتفاقية الفصل الأولى عام 1973 –1974، ثم عبر مبادرته في إطار إتفاقية الأسد مورفي لدخول لبنان، ثم ما تلاً تطورات احتلال بيروت عام 1982، واحتلال بغداد، وحرب الكويت ومؤتمر مدريد، واستمرار الأحوال في الجولان على ما هي، منذ ثلاثين سنة!
الذين اعتقدوا أن استطرادات الإحتلال الأميريكي لبغداد عام 2003 سوف تعبر الحدود مع الأنبار غرباً، فوجأوا أن قبائل الصحوة تعيش على طرفي الحدود! وأن العبور إلى غير بغداد غير ممكن… وأن حدودنا مع الأطراف الإقليمية والدولية،بالدعم الأميريكي، محصنة سياسياً أكثر بكثير مما هي محصنةعسكرياً!!
رياض الترك وحده كان يعلم مدى عمق العلاقات الأميركية السورية ومدى تحصين النظام لمواقعه الإقليمية والدولية عبر الحدود شمالاً مع تركيا،لتطويق العامل الملِي الضاغط مذهبياً على النظام، ووحده رياض الترك، كان يعلم مدى متانة واتساع العلاقات السورية الإيرانية التي تلونت بالنفط وقوته السياسية، واتشحت بالقوة العسكرية الإيرانية المطبقة على الخليج الضاغط سنياً على الداخل السوري أبان أحداث 1977-1982، وامتداد ذلك الدور الإيراني عبر حزب الله في لبنان، المهيمن على كل المعادلات والاستحقاقات اللبنانية تجاه الولايات المتحدة واسرائيل والعرب،وورقة المواجهة الأولى لسورية من جهة،والتفاوض من جهة أجرى!
وعبر تلك المكونات جميعاً،نجح النظام السوري في تثبيت دعائمه، وأفلح إلى حد كبير في معالجته للمسار الداخلي لجهة الانفتاح الاستثماري العربي والدولي، وعبر اقترابه بشكل أو بآخر من القاعدة الأساسية التي يتكون في أرحامها ومؤسساتها التيار السلفي، والتيار التكفيري في سورية! وذلك عبر منظومات الإفتاء، ومؤسسات الإسلام المعتدل، الذي يتخاطب مع التيارات السلفية في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وعبر البرجوازية التجارية السورية التي تحالف معها ومع الإسلام المعتدل فزاوجهما ليعملا معاً على ضبط الشارع السوري ويجيرانه للنظام!
كل هذا السرد، في تقديري، جعل رياض الترك يقرأ الواقع السوري قراءة مختلفة تماماً!
وأنا لا أريد أن أختزل القضية السورية في شخص رياض الترك، فهذه واحدة من محرماتي التي لا أعمل بنواميسها، لأنني بعد جمال عبد الناصر لا أريد ولا أعترف أن الراية انتقلت إلى أحد بعده! فضلاً عن أن عصر الاستقلال الوطني وحركات التحرر قد انتهى! وزالت معه مكونات الزعامات التاريخية! والقضية السورية، بعد عصر الرموز وعصر العظماء وعصر المنظومات الأممية إنما انتقلت حكماً ونهائياً إلى الشعب…الذي وجب عليه وعلى من يعمل في الشأن العام أن يسعى إلى ترجمتها عبر آليات ومؤسسات ديمقراطية تنجز حكم الشعب ودولة الشعب، بالشعب!
وأعود إلى رياض، فأدعي أن رياض والذين يراهنون على رمزيته، أو ارتضوه اسماً وموقفاً، حالةً سورية مؤكدة، تفعل في الحياة السورية، حيناً من الزمن وفي مرحلة انتقالية.. لم يستطع مرادفته في ذلك شخص أو حزب، ذلك أن الرجل لم يأت عبر معامل الأديداس أو عز الدين ناصر أو المجالس المعينة!ووحده دون سواه يبقى المتطهر من كل ارتباطات وإيحاءات الأجهزة كما لم يكن الأحبار "القوميون" الذين أقاموا الشراكات الأمنية الذائعة الصيت. ولعبوا دور الإعتدال ودور ضباط ارتباط مع المعارضة وضدها، في آن، واسألوا رياض في ذلك! وفي حالة أخرى ؛ إنما جاء الترك من خلال أمانته لمنظومة شعبية يسارية ومن أقبية الموت ومطاردة رغيف الخبز، الذي لم يمسك به يوماً! وما كان له أن يصل إلى هذا المطاف لولا أنه في مرحلة،ما، كان الشخصية المعادلة لشخصية حافظ الأسد مؤسس النظام القائم اليوم! وتأتى له ذلك بعد أن سجن لفترة طويلة على خلفية مواقفه من العلاقات السوفيتية العربية، والمبادرة السورية في لبنان، وقمع النظام لمختلف قوى اليسار في سورية وغيرها، وبنى جميع مواقفه على الإيمان بالحالة الوطنية العروبية المتفاعلة مع الخصوصية السورية، والمتحررة من الإرتباط الأممي الذي أرسى تجربة حزبية ماركسية أشبه بالحالة اليوغسلافية أيام جوزيف بروز تيتو، التي من طبيعتها أن تنتهي إلى حالة ديمقراطية وطنية مؤكدة، انتهى إليها اليسار اللبناني، واليسار العربي أيام جمال عبد الناصر، واليسار الأوروبي برمته، والذي يحكم نصف أوروبا اليوم!
لماذا كل هذا الشرح عن رياض الترك وماعلاقته بالحالة التي وصلت إليها المعارضة، وإعلان دمشق وقراءات رياض للعلاقات الأميريكية السورية العربية، وأقول:
1. أدرك رياض بما لالبث فيه، وهذه قراءتي الشخصية، أن المعارضة السورية لاتستطيع الرهان على التغيير الداخلي الوطني والسلمي الذي تؤكد عليه دوماً، وأكد عليه إعلان دمشق،سوى إقامة ترتيبات وصداقات دولية للمعارضة السورية، ومقابل تلك التي يقيمها النظام ويعمل في إطار معادلاتها! وبذلك تتحقق المعادلة الدولية في العلاقة الثنائية مع النظام والمعارضة، معاً!
2. إن ماانتهى إليه رياض في هذا الصدد، وعبر قراءتي له، أن تجربته في الحزب الشيوعي سابقاً، إنما مكنته من استيعاب توترات التجاذب في الداخل السوري على ضوء تجارب الأحزاب اللبنانية، التي ارتبطت جميعاً بعلاقات دولية، سواء في إطار الإشتراكية الدولية التي ينخرط في إطارها الحزب التقدمي الإشتراكي، وحزب اليسار الديمقراطي اللبناني، وعلى ذات النهج يرتبط حزب الله بإيران بعلاقات أيديولوجية، والأحزاب الأخرى ترتبط بسورية…!
3. هذا لايقودني بالمطلق لإن أقول إن إعلان دمشق وتصريحات رياض عن العلاقة مع الولايات المتحدة، إنما ينصرف أميريكياً إلى المدى الذي وصلت إليه الأحزاب اللبنانية أو غيرها!
4. فكل ماأراد رياض أن يلفت إليه، هو أن تعترف الولايات المتحدة بإن هناك قوتان في سورية: هي قوة المعارضة إلى جانب النظام! مع التأكيد بالإطلاق أن رياض لم يتجاوز في أي تصريح له النهج الوطني الإستقلالي لقوى المعارضه، وإعلان دمشق التي تدعو إلى التغيير السلمي والتدريجي والوطني،دون الإرتياط أو الإرتهان لإية قوة خارجية!!
5. وعندما يمتدح رياض الترك، زيارة الرئيس الأميريكي بوش إلى المنطقة، فهو لم يسقط هذا الدعم على شخص بوش، أو أياً من مبادراته في العراق أو فلسطين!
6. ورياض الترك يعلم أن السيد بوش ومجموعته من المحافظين الجدد سيتركون الحكم في نهاية هذا العام 2008، وبالتالي فإن أي تفاؤل يبديه الترك وغيره تجاه زيارة بوش، إنما ينصرف إلى العلاقات المتوازنة مع الولايات المتحدة كما الإتحاد الأوروبي، كما العالم كله.. على أساس أن هناك صوتان في سورية وليس صوتاً واحدا: صوت النظام القائم!
وعلى قاعدة هذه القراءة فإن تصريحات السيد الترك إنما تنصرف حصراًإلى بناء البعد الدولي لعلاقات المعارضة السورية، وللضرورة التي ترى أن المعارضة تسعى وتقدم مشروعاً للتغييرفي بلد ما، فإن هذه الضرورة تقتضي احتساب العامل الدولي، كعامل أساسي في نضالات الشعوب والمنظومات! وحتى لاينجح النظام في تطويق هذه المعارضة وإحراقها، وإعتبارها مجرد شأن داخلي، يخص النظام،دون سواه!!
أما في "المناكفات "الإعلامية الجارية، فأنا أعتقد أن قراءة، رياض الترك عبر تصريحاته الأميريكية، إنما كانت تستطرد في مناكفة الخطاب الإعلامي للنظام، وهذه نافلة إعلامية مضافة ومفترضة على هوامش الخصومات والمواجهات السياسية التي قامت أساساً عندما نشأ مشروع المعارضة السورية الحديث والمستحدث!والذي يتعامل معه النظام على أنه قضية وجود من عدمه!
وفي كل الظروف علينا أن نأخذ تصريحات الترك عبر مقاربة سهلة وبسيطة: فالترك ليس رئيساً للوزراء ولارئيساً للدولة ولا وزيراً للخارجية، وعليه، فإن تصريحاته لاتنتهي في مكان ما أو زمان ما في مواقع تقاطع مع السياسات الأميريكية في المنطقة، وهي لن تنتهي بفتح سفارة أميريكية لدى المعارضة، أو سفارة للمعارضة السورية لدى الولايات المتحدة! ذلك أن المعارضه ليست في سدة الحكم،الأمر الذي لايسمح لإحد أن يتهم المعارضه بإنتاج اصطفافات،وتوقيع معاهدات،وهنا لايتوفر البعد الدبلوماسي القائم بين المعارضه وأية دوله!
إذاً ما هو مشرّع للنظام في إطار ضروراته الدبلوماسية والدولية، هو مشرّع،بالتقابل، مع ضرورات للمعارضة في الإتصال بالعالم وتعريف العالم بها، وتعرفها عليه!!
مهام المعارضة هي تحقيق التغيير الديمقراطي سلمياً على أسس حداثوية ديمقراطية مما يهيأ في المرحلة التالية لإختيار الأهداف المستقيلة والشعب عبر آليات ومؤسسات وخيارات منتخبة ومتوافق عليها! أما تكليف المعارضة مسبقاً بوضع مشروع "سلطوي" شامل مستقبلي "والتصويت عليه" هو من سلطة حاكمة يأتي في مرحلة لاحقة! وليس من مهام معارضة ناشئة، يفترض أن تملك في كل ما تخطط للقيام به ضمن ثوابتها المعلنة والمكتوبة!!
إن رياض الترك بماله، وهو كثي،ر وماعليه، وهو قليل، إنما كان كثيره يقضي ألا يذهب إلى السفارة الأميريكية، باعتبارها موقعاً رسمياً للإدارة الأميريكية، وهي ليست منظمة غير حكومية، أو أكاديمية للحقوق، أو هي منظمة هيومان رايتس! وخطأه المركب كان أن يؤدي تلك الزيارة مع رياض سيف، بالذات!
فرياض سيف ليس له تاريخ وطني مشرف، وهو البرجوازي الصغير الذي أراد أن يصبح كبيراً في أحضان النظام وعندما خسر تطلعاته وأحلامه في أروقة النظام، التحق بالمعارضه،انتقاما،فأصبح الرابح الكبير عندما مشي خلفه رياض الترك،في زيارة مشتركة إلى السفارة، والمجلس الوطني لإعلان دمشق!
كذلك يظل رياض الترك الرقم الأصعب في المعادلة السورية، ذهب إلى السفارة أو عاد منها،وهو يستمر كبيراً في مواجهة الصغار!!!كل مافي الأمر، أن الكبار عندما يشتمهم الصغار،يربح الكبار،ويخسر الصغار!!!
وفي ختام ماانتهت إليه،أقول للذين هاجموا رياض الترك وكالوا له التهم : لماذا لم تتحدثوا عن أنابوليس، وإنتخابات الرئاسة في لبنان، وقبائل الصحوة التي شكلت رافعة حقيقية للمشروع الأميريكي في العراق..وكل هذه القبائل تتقاطع مذهبياً وسياسياً مع مذهب الأحبار والأكليروس الذين جمدوا مشاركتهم في إعلان دمشق،ليتلوا الصلوات على محراب الدعوات "القومية" التي أريقت في كامب ديفد عام1979وفي احتلال بغداد، وسقوط المشروع القومي العربي،لسقوط النظام العربي،الذي فشل في تشكيل رافعة نهضوية ديمقراطية له، وبالتالي فإن ماتبقى من هذا المشروع،لم يترك لرياض الترك ما يسفحه أو يجتزأه أو يتآمر عليه!! وما تبقى من عصر "القوميات الجوراسي"،لم يعد يكفي أحبار دمشق ليتباكوا ويتمترسوا به ويعيدوا اجترار أطر قومية ويسارية جديدة تستنسخ القديم منها!!
وتعرقل مسيرة الإنتقال إلى الديمقراطية، وتخدم من يوالونهم ويتحالفون معهم، تحالفاً لن يدوم،حيث سيبدأ فك الارتباط والطلاق البائن، قريباً!!
حبيب صالح
كاتب ومعارض سوري
"الرأي / خاص"
------------------------------------------------------------------
المجلس الوطني لإعلان دمشق حدث هام في حياة المعارضة السورية: رأي أطياف
2008/01/20
رأي أطياف:
شكل انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق في 1/12/2007، نقلة هامة في حياة المعارضة السورية، إذ قدم في بيانه الختامي رؤية سياسية متوازنة ومتطورة قياساً على وثائقه التي صدرت منذ تأسيسه وحتى الآن. كما شكلت وثيقته التنظيمية تحولاً جدياً في حياته الداخلية التي اعتمدت الاقتراع النسبي عند تعذر التوافق في هيئاته، وكذلك إحداث هيئات قيادية، العنصر المستقل له دور هام فيها. بهذا المعنى لم يعد بإمكان أية جهة مهما علا شأنها تعطيل قراراتها، حين رفضها لأي موقف أو مشروع.
من هنا نلحظ الفارق النوعي بين تآلف "إعلان دمشق" وبين "التجمع الوطني الديمقراطي". فالإعلان أضحى منفتحاً، ليضم التيارات السياسية الأساسية في المجتمع السوري وشخصياته المستقلة، متساوية مع الأحزاب في التمثيل والتصويت. أما التجمع الوطني الديمقراطي فله حياته الداخلية الخاصة القائمة على التوافق. فأي حزب له حق الاعتراض، وإبطال أي موقف أو مشروع قرار لا يرضى به.
فإذا ألقينا نظرة على تركيبة هيئتي إعلان دمشق، "رئاسة المجلس الوطني وأمانته العامة"، نلحظ تمثيلاً متوازناً لأكثر الأحزاب وممثلي المجتمع المدني والتيارات السياسية والشخصيات المستقلة. هذه التركيبة تضم تنوعاً له دلالة هامة لمستقبل الحركة الديمقراطية السورية، التي ينبغي أن تعكس التنوع الموجود داخل المجتمع السوري، وإن كنا مازلنا بعيدين عن التمثيل الحقيقي له. فهناك قوى وشخصيات وأحزاب، مازالت خارج الإعلان، لها دورها وتأثيرها السياسي في المجتمع. لكن هذه الحالة التي مثلتها الهيئات القيادية للإعلان، يمكن أن تشكل حافزاً لتحول الإعلان إلى حركة شعبية ديمقراطية، إذا نجح في تحقيق بعض التقدم، ولو كان جزئياً. وأبلغ دليل على صحة ما نقول ترؤس شخصيتين مستقلتين بارزتين لهيئتي الإعلان القياديتين.
ومما له دلالة هامة كنتيجة من نتائج انعقاد المجلس الوطني، أن الدعوة إلى إقامة النظام الوطني الديمقراطي لم تبق في إطارها النظري، بل انتقلت إلى الممارسة العملية، حين جرى النقاش حول وثائقه، وخاصة بيانه الختامي، حيث جرى نقاش معمق أثناء إعداده. كذلك مارس المندوبون، بحرية وسرية، حقهم الانتخابي في اختيار قيادتيهم. علماً أنه تخلل عند المناقشة سجالات اتصفت بالحدية أحياناً، والتهديد بالانسحاب أحيانا أخرى، من جانب عدد لا بأس به من ممثلي حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي وحزب العمل الشيوعي. لكن المجلس الوطني تمكن في النهاية من إقرار وثائقه وانتخاب هيئاته. فكانت الحصيلة عموماً إيجابية، عبرت عنها الأكثرية الساحقة للمندوبين. هنا نبدي أسفنا لما جرى، خاصة أن البعض لم يتحلَّ بالروح الديمقراطية التي تفرض عليه أن يتقبل النتائج، وإن جاءت مخالفة لرغباته وأمانيه. فكان عليه أن يغلب مسألة الوحدة ويحرص على بقائه مع شركائه في الإعلان.
حظي المجلس الوطني الأخير بالاهتمام على المستوى الداخلي والعربي والدولي. لكن الأهم، ما جرى من ردود أفعال لدى السلطة ضد ناشطي الإعلان، وخاصة ضد قيادته المنتخبة. كما ترافق معها انتقادات حادة من بعض قادة الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل الشيوعي، اللذين جمدا نشاطهما في مؤسساته، منتقدَيْن نتائج أعمال المجلس. وقد تضامن معهما عدد من الأقلام داخل الوطن وخارجه. كما استغلت السلطة هذه الحالة فأشركت أبواقها ضد ه.
على المستوى الإعلامي حظيت نتائج المجلس الوطني باهتمام أفضل من السابق، حيث كانت لدى أوساطه جملة من الانتقادات والملاحظات، جعلتها في شك من قدرة الإعلان على أن يتحول إلى قوة ذات وزن أو شأن في حياة البلاد. وقام بعض الصحافيين باستعراض أجزاء طويلة من البيان الختامي، بسبب من دقة طرحه للقضايا الوطنية (استعادة الجولان والحفاظ على الاستقلال الوطني) والديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية، وأن إنجازها يرتبط موضوعياً بالخلاص من الاستبداد وإشاعة الحرية والديمقراطية. ومن الهام هنا القول؛ أن هذه المسائل قد عولجت بالترابط مع محيطها العربي والإقليمي والدولي.
باختصار هناك تفاؤل لدى أوساط عديدة داخلية وعربية ودولية، بأن يتحول الإعلان إلى قوة سياسية مؤثرة، خلافاً لما كانت تنظر إليه بشيء من الشك والتحفظ.
* * *
مازال شعبنا يعاني من سطوة الاستبداد، على مر سنين طويلة، أبعدته عن الاهتمام بالشأن العام. وبسبب من سوء الأوضاع المعاشية والاقتصادية واستشراء الفساد، واستقالة الدولة عن أداء دورها الخدمي والاجتماعي، جعلت المواطن يلهث ليل نهار وراء لقمة عيشه، قلقاً على أمنه من بطش آلة القمع المستشرية كالسرطان في جسد المجتمع. في هذه الحالة لم ينطو المجتمع على نفسه فقط، بل انكفأت الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني عن أداء دورها في مواجهة هذه الحالة الشاذة، التي تتسم بالاستقالة من التعاطي في الشأن السياسي. لكن سرعان ما أخذت تتبدد تدريجاً خلال السنوات الأخيرة، حيث أخذت بقايا بعض الأحزاب والنخب الثقافية والاجتماعية تلملم صفوفها. فكان قمةَ تجلياتها إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي. بهذا المعنى لا ينبغي أن تأخذنا العزة حين حققنا بعض النجاح في عقد المجلس الوطني، لأن قوى هذه الحركة وشخصياتها، مازالت تعاني من ضعف الصلة مع المجتمع. فالسلطة تعلم أنها الآن لا تشكل خطراً جدياً عليها. هذه حقيقة علينا أن ندركها بعمق كي لا نصاب بالغرور، وشرط الوصول إلى رحم الشعب هو الاهتمام الجدي بالناس المتضررين من الاستبداد والفساد والإفقار المتعمد لشرائح واسعة من مجتمعنا والمكتوية بالارتفاع الجنوني للأسعار. فالمطلوب إذاً إيجاد الآليات والصيغ التي تمكنه من الالتحام به. في مثل هذه الحالة يمكن لقوى الإعلان، بله لأية قوة اجتماعية أو سياسية، أن تؤثر في حياة البلاد وتحقق التغيير المنشود. إن هذه المهمات تشكل تحدياً للذات التي عليها أن تتغلب على تردداتها ومخاوفها حين مجابهة المصاعب التي تصطنعها السلطة لعرقلة مسيرتها. كذلك عليها أن تتغلب على الكثير من ترسبات الماضي الأيديولوجية وأساليب العمل الماضية العقيمة، وتبتدع بديلاً منها ما يتلاءم مع متطلبات الأجيال الجديدة ومعطيات العصر.
إن التجربة السياسية التي عاشها منتسبو الإعلان والمتعاطفون معهم، مازالت حديثة العهد، "سنتان وبضعة أشهر". هؤلاء بما يمثلون من تيارات متنوعة وبما يحملون من أيديولوجيات متباينة، وإن جمعتهم مناهضة الاستبداد لا يمكن أن يتأقلموا أو يعتادوا على حوارات حارة من دون منغصات، حين تمس محرماتهم. بمعنى آخر، ليس سهلاً أن تتلاقى هذه التيارات حول الحد الأدنى المشترك على المستوى الوطني والعربي والدولي، وكذلك ما له علاقة بالمؤثرات الخارجية على بلادنا. لذلك حين مارس بعض المندوبين في المجلس الوطني دورهم الانتخابي كانوا يحتاجون إلى معايير تضمن حرية الاختلاف، التي ينبغي ألا تهز وحدة الحركة الديمقراطية. أي أن نكون مرنين وموضوعيين حين عملية الاقتراع ضد من يخالفنا الرأي. وفي المقابل علينا أن نلتزم بما نتوافق عليه أدبياً عند الترشيح إن حصل، فلا يجوز أبداً تمرير أكثر من مرشح من هذه الجهة أو تلك، طمعاً في زيادة التمثيل، الأمر الذي يخالف التوافق ويشتت الأصوات، ويقود إلى نتائج سلبية نحن بغنى عنها. من المؤسف أن هذه الحالة، قد وقع ضحيتها قادة الاتحاد الذين احتجوا على نتائج الانتخاب، دون حق، بسبب ما ارتكبوه من أخطاء.
إن احتجاج هذا الحزب ومعه حزب العمل الشيوعي على نتائج أعمال المجلس الوطني، لا يعكس الحقيقة تماماً، فهما شاركا في إعداد مشاريع الوثائق، بما فيها مشروع البيان الختامي. لكنهما اتخذا مواقف معارضة لها حين المناقشة في المجلس الوطني. وهذا ما أثار دهشة الجميع. وكنا نأمل أيضا أن تسود الروح الديمقراطية التي تفرزها نتائج التصويت على الوثائق والاقتراع الذي جرى بسرية ونزاهة. فبدلاً من رمي التهم على الآخر، كان على الفريق الفاشل، أن يبحث في الأسباب التي أدت إلى فشله، بدلاً من أن يحمل الآخرين المسئولية عنه، وكيل التهم الجزاف التي تنال من سمعة الإعلان وسمعتهم أيضا.
* * *
لم تكتف السلطة باستخدام بعض أبواقها وعملائها المندسين هنا وهناك في التشهير بما تمخض عنه المجلس الوطني، خصوصاً وثيقته السياسية. فلجأت بعد أسبوع إلى أسلوبها القمعي. فاستدعت حتى كتابة هذه السطور أكثر من أربعين ناشطاً في المعارضة الديمقراطية، واستبقت رهن الاعتقال تسعة ناشطين أغلبهم أعضاء في هيئات الإعلان القيادية. والموقوفون هم: د. فداء الحوراني رئيسة المجلس الوطني، ود. أحمد طعمة وأ. أكرم البني أمينا سر الرئاسة، وأ. علي العبد الله ود. وليد البني ود. ياسر العيتي وأ. جبر الشوفي أعضاء الأمانة العامة، وأ. فايز سارة وأ. محمد درويش. وهناك عدد من الناشطين الذين تواروا عن الأنظار بسبب التهديدات بالاعتقال والاستدعاء منهم المهندس غسان النجار والدكتور عبد العزيز الخير.
إن احتفاظ أجهزة الأمن بهؤلاء، وعزلهم عن العالم الخارجي، ومنعها زيارة الأهل وإدخال أدويتهم وحاجاتهم الضرورية، أمر يذكرنا بعودتها إلى أساليبها البغيضة أيام الأسد الأب، حين كانت تعامل الموقوفين معاملة قاسية يندى لها الجبين. هذا عدا عما تسرب إلينا من معلومات عن استخدام العنف ضد بعضهم.
منذ أن شنت السلطة حملتها الآثمة ضد قوى الإعلان، سارعت مختلف القوى والشخصيات المهتمة بالشأن العام وحقوق الإنسان داخل سوريا وخارجها، إلى إبداء قلقها وسخطها واستنكارها لتصرفاتها الرعناء، خاصة أنها جاءت في فترة الأعياد، وفي ذكرى صدور "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". وأبدى الكثيرون دهشتهم إزاء هذه التصرفات، بعد أن اطلعوا على أعمال المجلس الوطني وقرؤوا وثيقته الوازنة والمتوازنة، التي تشكل في جوهرها ليس مخرجاً لأزمات البلاد فحسب، بل مخرجاً لما تعانيه السلطة من تخبط في سياساتها العربية والإقليمية والدولية، الأمر الذي يفرض عليها التعقل والحرص على المصلحة الوطنية لمواجهة الأخطار الخارجية، وأن تبادر إلى الحوار مع المعارضة الديمقراطية بدلاً من قمعها وشن حملة هوجاء ترميها بشتى التهم الباطلة!.
يصعب علينا إحصاء الجهات والدول والمنظمات والأحزاب والقوى والأفراد الذين أعلنوا تضامنهم مع إعلان دمشق ومع أطروحاته السياسية، وطالبوا بالإفراج الفوري عن معتقليه. لا بد هنا أن ننوه إلى الدعوة التي أطلقتها الأمانة العامة للإعلان للقيام بحملة واسعة من أجل الإفراج عنهم وعن معتقلي إعلان بيروت - دمشق وعن جميع معتقلي الرأي السياسيين. كما أصدر حزبنا بياناً يستنكر فيه العودة إلى سياسة القمع ويطالب بالإفراج الفوري عنهم. وقد أفردت هيئة تحرير أطياف ملفاً واسعاً عن هذا الحدث السياسي الهام.
* * *
بعد هذا العرض لأعمال المجلس الوطني، وما تمخض عنه من وثائق وقيادات، وأيضاً ردود أفعال من جانب الاتحاد وحزب العمل وغضب السلطة من وصول المعارضة الديمقراطية المبعثرة إلى تآلف عريض يضم أغلبيتها، الأمر الذي أقلقها كثيراً، فأدى إلى حملة الاعتقالات والاستدعاءات الواسعة، إضافة إلى التعليقات على هذا الحدث الهام، كل ذلك يؤكد على أهمية تحول الديمقراطية السورية إلى حالة جديدة أقضت مضجع السلطة.
لكن ما يهمنا هنا أن نعبر مع قيادات الإعلان عن دهشتنا لمواقف الاتحاد وحزب العمل اللذين هما أدرى بواقع الإعلان، وأكثر معرفة بقادته والكثير الكثير من أعضائه. لكننا مازلنا نحرص على استمرار وحدة جميع مكونات إعلان دمشق بما فيها الاتحاد وحزب العمل وكلنا أمل أن يعالجا مواقفهما التي عبرا عنها خلال النقاش العام في المجلس الوطني، سواء أمام الهيئة العامة، أم أمام أعضاء الأمانة السابقة. ونحن هنا لا نود أن نذكر تفصيلات هذه المسائل منعاً لاستغلالها من قبل أعداء الإعلان. ومع ذلك نود أن نذكّر هنا ببعض الأمور التي هي الآن موضع نقد لها:
أ- حين الحديث عن التوافق كمبدأ لإقرار المسائل الأساسية، عند صياغة مواد البنية التنظيمية، كان الجميع موافقاً عليها، لكن لدى نقاشها طرحت تساؤلات من أكثرية أعضاء الأمانة السابقة، إذ اعتبروا اجتماع المجلس الوطني شبيهاً باجتماع البرلمان، فطرحوا سؤالاً هل نقف عند التوافق أم نقلده بالتصويت بأكثرية الثلثين؟. هنا، بعد حوار طويل وافق الجميع بمن فيهم أ. حسن عبد العظيم ممثل الاتحاد وممثل حزب العمل على القبول بها إذا لم يحصل التوافق.
ب- أما مسألة التمثيل النسبي، فنحن نوافق المعترضين على أنه لم يحصل حين الإعداد لانعقاد المجلس في إطار المحافظات وفي إطار المستقلين أيضا. ويؤسفنا أن نقول أن من عارض التمثيل النسبي ممثلا الحزبين المذكورين أعلاه وبعض أعضاء الأمانة. هذا الأمر خلق نوعاً من التنافس. فأتى كل فريق بأسماء يقول أنها تمثل حالة ما تؤهلها بأن تكون أعضاء في المجلس الوطني. بل نود أن نؤكد هنا مادامت المسألة قد طرحت للعلن أن حزبنا لم يشارك في مثل هذا التنافس الذي لا نريد أن نصفه الآن بشيء حفاظاً على حسن العلاقة مع من ارتكب هذه الأخطاء. فجاء ممثلو الحزب فقط وفق التسمية الرسمية )ممثلان عن كل حزب)، واكتفى بالتمثيل الرمزي بالقبول بمن ترشحه المحافظات ممثلاً عنها وليس ممثلاً عن الحزب. ولم يقدم أحداً باسم "شخصية سورية وطنية ديمقراطية"، ولم يدخل منافساً في هذه المعمعة.
ج- لكن حزبنا حرص بكل إصرار على أن يخضع جميع المرشحين للانتخاب من المجلس الوطني الذي هو بمقام الهيئة العامة الناخبة. هنا يتساوى المندوبون جميعاً بمن فيهم ممثلو الأحزاب، حرصاً على ممارسة الديمقراطية الحقيقية التي تقدم للمجتمع صورة مثلى عن ديمقراطية الإعلان. بمعنى أن كل حزب في هذه الحالة سيكون هو ومن يمثله موضع الامتحان الحقيقي من جمهور المقترعين. فهذا السلوك يشجع كثيراً الأوساط التي مازالت مترددة في الانخراط في الإعلان مخافة أن لا يكون لها دور تحت ظل الأحزاب.
د- نحن نعتقد أن هذا التحول في طريقة الحوار والتمثيل والتصويت، إنما يدفع إلى مزيد من الوحدة المتضمنة تنوعاً في المواقف والسياسات المختلفة والمحتفظة في الوقت نفسه بحقها في التعبير عن آرائها ضمن وسائلها الخاصة. وبهذا يتحقق مبدأ "القبول بحق الاختلاف في إطار الوحدة". لكن مع الأسف أن هذا المستوى المطلوب من التجمعات المعارضة مازال بحاجة إلى مزيد من الممارسة، والحوار والصبر، كي نصل إليه. لكن تجربة الإعلان الأخيرة، رغم بعض نواقصها، تعتبر تجربة ناجحة وبالاتجاه الصحيح.
------------------------------------------------------------------
http://www.ahewar.org/ - الحوار المتمدن
إعلان دمشق.. اغتيال ربيع آخر
مسعود عكو
2008 / 1 / 24
قد يكون كتب على دمشق أن لا تعيش ربيعها المعارض، وبات مستقبل إعلانه زنازين مظلمة بحق قواده، وأنصاره، الذين أعلنوه كقوى للتغيير الوطني الديمقراطي، وظهوره كأبرز القوى السياسية المعارضة داخل البلاد، ناهيك أن هذا الإعلان قد استقطب معظم القوى السياسية، بأغلب أطيافها الإثنية، والدينية، والطائفية، ويعد حتى الآن؛ أحد أبز التحالفات السياسية للمعارضة السورية داخل وخارج البلاد.إعلان دمشق.. الذي ضم قوى عربية وكردية وأشورية، إسلامية ومسيحية، علمانية ومتدينة، يسارية ويمينية. سعياً منهم لوضع مذكرة تفاهم للقوى المعارضة، أو المختلفة مع النظام من شأنها تأسيس، أو تسعى لتأسيس اتحاد سياسي يطرح فكرة إصلاحية، محاولاً إقامة نظام وطني ديمقراطي، يكون مدخلاً أساسياً في مشروع التغيير الوطني، والإصلاح السياسي العام، والشامل في البلاد، منتهجين الأساليب السلمية، والمبنية على التوافق، واحترام الحوار والاعتراف بالرأي، مطالبين بإصلاحات ديمقراطية في البلاد، ورفض التغيير الذي يأتي محمولاً من الخارج كما ورد في المذكرة التأسيسية للإعلان.إعلان دمشق.. ربيع باتت تزهر براعمه، وتتفتح أزهاره، ناثراً حبات طلعه في رياح التغيير، معلناً انتصاراً جديداً على الاعتقالات، والأحكام العرفية، وقوانين الطوارئ، فارضاً نفسه كحقيقة سياسية اجتماعية، مؤسساً لثقافة المواجهة، وتحدي القمع، والاستبداد الذي اغتصب الحياة بكل ألوانها وأشكالها.. ربيع واجه شتاء الفساد، الذي طال كل شيء، وباتت رياح ربيعه، تغير المفاهيم القمعية، والاستبدادية، وتؤسس لإيديولوجية جديدة، تواجه التسلط، وتغمد سيوف القمع من فوق الرقاب، وتنادي لحرية حقيقية انتظرها الكثيرون.إعلان دمشق.. ربيع طال انتظاره، حركة حان وقتها، لتبدأ بوضع قطار البلاد على السكة الصحيحة، والتي من شأنها إيصال الوطن، والمواطن إلى بر الأمان، بما يعصف بها من كوارث، وعواصف ترتطم بها، وكثيرون يستغلون هذه الكوارث، لاستجرار الويلات إلينا. فالحري بكافة أبناء هذا الوطن التكاتف لنصرته، لا النيل من دعاة، ورموز الديمقراطية، وطلاب الحرية التي اغتيلت منذ عقود.إعلان دمشق.. ربيع متجدد يزهر كل يوم في كل بقعة من أرض سوريا، ستتحول كل الميادين، والساحات إلى رياض للإعلان، وحدائق تزهر فيه أهدافه، ومبادئه، وسيمضي قدماً كأداة للتغيير، والتعبير عن أمال، وتطلعات شعبا التواق للعيش كبقية شعوب المعمورة، وينسف كل أغلال الحقد، ويحطم كل جدران الكراهية، ويبدد غيوم الذل، والخنوع، لينتصر بقوة، وإرادة شعب كان، وما يزال حياً، وحراً، وأبياً.رغم النداءات الدولية التي طالبت النظام السوري بإطلاق سراح هؤلاء المعتقلين، لكن! بدون جدوى فما زالت د. فداء الحوراني، وأكرم البني، ود. وليد البني، وأحمد طعمة، وجبر الشوفي، وعلي العبد الله، ومحمد ياسر العيتي، يقبعون في أقبية الأجهزة الأمنية، من دون أدنى مراعاة للقوانين الدولية، وحتى الوطنية التي تفرض وجوب مذكرات قضائية رسمية، لتوقيف المواطنين، ولا يجوز حجز حرية أي إنسان، ولكن! هكذا تكون الحياة السياسية، والقضائية في بلد يرزح تحت نير قوانين طارئة، وأحكام عرفية.كثيرون دفعوا حياتهم ضريبة لحرية، وديمقراطية سوريا، وكثيرون يقبعون الآن في زنازين مظلمة، فمازال البروفيسور، والعالم الاقتصادي عارف دليلة، والناشط والمحامي أنور البني، والكاتب والصحفي ميشيل كيلو، والسياسي د. كمال لبواني، ومحمود عيسى، ورياض درار، وفايق المير، وآخرون، وانضمت إليهم كوكبة أخرى من السياسيين، والمعارضين لقوانين الطوارئ، والأحكام العرفية الراغبين في إصلاحات ديمقراطية حقيقة في البلاد، فإلى متى تعامل الدولة مواطنيها بهذا الشكل؟؟؟ وتئد أي بصيص حوار بين نظرتين مختلفتين للواقع.تساؤلات تنخر تلافيف الذاكرة السورية، لماذا موجة الاعتقالات هذه؟ ولما كل هذا الانتقام من مواطنين سوريين يعبرون عن آرائهم وأفكارهم بطرق سلمية؟ لماذا يخشى نظام كامل من عشرات المواطنين الذين لا يملكون سوى أقلامهم، وأفكارهم، وسنين امضوا معظمها قابعين في سجون منفردة؟؟ شيء بات مخجلاً بكل المقاييس، ويبدي مدى الخطورة القادمة من وراء ممارسات هذه العقلية الضيقة النافية للآخر!! لا غرابة في هذا ولكن! لما هذه الشراسة في الاعتقالات الآن؟؟ آثمة صفقات، ومساومات تكون أثمانها مواطنون سوريون؟؟ أم هو استمرار وأد حرية التعبير، والانتقام من الحقائق، واغتيال ربيع آخر باتت تخضر أوراقه رويداً رويداً.
http://www.ahewar.org/ - الحوار المتمدن
إعلان دمشق.. اغتيال ربيع آخر
مسعود عكو
2008 / 1 / 24
قد يكون كتب على دمشق أن لا تعيش ربيعها المعارض، وبات مستقبل إعلانه زنازين مظلمة بحق قواده، وأنصاره، الذين أعلنوه كقوى للتغيير الوطني الديمقراطي، وظهوره كأبرز القوى السياسية المعارضة داخل البلاد، ناهيك أن هذا الإعلان قد استقطب معظم القوى السياسية، بأغلب أطيافها الإثنية، والدينية، والطائفية، ويعد حتى الآن؛ أحد أبز التحالفات السياسية للمعارضة السورية داخل وخارج البلاد.إعلان دمشق.. الذي ضم قوى عربية وكردية وأشورية، إسلامية ومسيحية، علمانية ومتدينة، يسارية ويمينية. سعياً منهم لوضع مذكرة تفاهم للقوى المعارضة، أو المختلفة مع النظام من شأنها تأسيس، أو تسعى لتأسيس اتحاد سياسي يطرح فكرة إصلاحية، محاولاً إقامة نظام وطني ديمقراطي، يكون مدخلاً أساسياً في مشروع التغيير الوطني، والإصلاح السياسي العام، والشامل في البلاد، منتهجين الأساليب السلمية، والمبنية على التوافق، واحترام الحوار والاعتراف بالرأي، مطالبين بإصلاحات ديمقراطية في البلاد، ورفض التغيير الذي يأتي محمولاً من الخارج كما ورد في المذكرة التأسيسية للإعلان.إعلان دمشق.. ربيع باتت تزهر براعمه، وتتفتح أزهاره، ناثراً حبات طلعه في رياح التغيير، معلناً انتصاراً جديداً على الاعتقالات، والأحكام العرفية، وقوانين الطوارئ، فارضاً نفسه كحقيقة سياسية اجتماعية، مؤسساً لثقافة المواجهة، وتحدي القمع، والاستبداد الذي اغتصب الحياة بكل ألوانها وأشكالها.. ربيع واجه شتاء الفساد، الذي طال كل شيء، وباتت رياح ربيعه، تغير المفاهيم القمعية، والاستبدادية، وتؤسس لإيديولوجية جديدة، تواجه التسلط، وتغمد سيوف القمع من فوق الرقاب، وتنادي لحرية حقيقية انتظرها الكثيرون.إعلان دمشق.. ربيع طال انتظاره، حركة حان وقتها، لتبدأ بوضع قطار البلاد على السكة الصحيحة، والتي من شأنها إيصال الوطن، والمواطن إلى بر الأمان، بما يعصف بها من كوارث، وعواصف ترتطم بها، وكثيرون يستغلون هذه الكوارث، لاستجرار الويلات إلينا. فالحري بكافة أبناء هذا الوطن التكاتف لنصرته، لا النيل من دعاة، ورموز الديمقراطية، وطلاب الحرية التي اغتيلت منذ عقود.إعلان دمشق.. ربيع متجدد يزهر كل يوم في كل بقعة من أرض سوريا، ستتحول كل الميادين، والساحات إلى رياض للإعلان، وحدائق تزهر فيه أهدافه، ومبادئه، وسيمضي قدماً كأداة للتغيير، والتعبير عن أمال، وتطلعات شعبا التواق للعيش كبقية شعوب المعمورة، وينسف كل أغلال الحقد، ويحطم كل جدران الكراهية، ويبدد غيوم الذل، والخنوع، لينتصر بقوة، وإرادة شعب كان، وما يزال حياً، وحراً، وأبياً.رغم النداءات الدولية التي طالبت النظام السوري بإطلاق سراح هؤلاء المعتقلين، لكن! بدون جدوى فما زالت د. فداء الحوراني، وأكرم البني، ود. وليد البني، وأحمد طعمة، وجبر الشوفي، وعلي العبد الله، ومحمد ياسر العيتي، يقبعون في أقبية الأجهزة الأمنية، من دون أدنى مراعاة للقوانين الدولية، وحتى الوطنية التي تفرض وجوب مذكرات قضائية رسمية، لتوقيف المواطنين، ولا يجوز حجز حرية أي إنسان، ولكن! هكذا تكون الحياة السياسية، والقضائية في بلد يرزح تحت نير قوانين طارئة، وأحكام عرفية.كثيرون دفعوا حياتهم ضريبة لحرية، وديمقراطية سوريا، وكثيرون يقبعون الآن في زنازين مظلمة، فمازال البروفيسور، والعالم الاقتصادي عارف دليلة، والناشط والمحامي أنور البني، والكاتب والصحفي ميشيل كيلو، والسياسي د. كمال لبواني، ومحمود عيسى، ورياض درار، وفايق المير، وآخرون، وانضمت إليهم كوكبة أخرى من السياسيين، والمعارضين لقوانين الطوارئ، والأحكام العرفية الراغبين في إصلاحات ديمقراطية حقيقة في البلاد، فإلى متى تعامل الدولة مواطنيها بهذا الشكل؟؟؟ وتئد أي بصيص حوار بين نظرتين مختلفتين للواقع.تساؤلات تنخر تلافيف الذاكرة السورية، لماذا موجة الاعتقالات هذه؟ ولما كل هذا الانتقام من مواطنين سوريين يعبرون عن آرائهم وأفكارهم بطرق سلمية؟ لماذا يخشى نظام كامل من عشرات المواطنين الذين لا يملكون سوى أقلامهم، وأفكارهم، وسنين امضوا معظمها قابعين في سجون منفردة؟؟ شيء بات مخجلاً بكل المقاييس، ويبدي مدى الخطورة القادمة من وراء ممارسات هذه العقلية الضيقة النافية للآخر!! لا غرابة في هذا ولكن! لما هذه الشراسة في الاعتقالات الآن؟؟ آثمة صفقات، ومساومات تكون أثمانها مواطنون سوريون؟؟ أم هو استمرار وأد حرية التعبير، والانتقام من الحقائق، واغتيال ربيع آخر باتت تخضر أوراقه رويداً رويداً.
--------------------------------------------------------