صبحي حديدي
11/01/2008
ما هي إلا أيام معدودة حتي تتضح حصيلة جولة الرئيس الأمريكي جورج بوش الشرق ـ أوسطية، الأولي والأخيرة طيلة ولايتين رئاسيتين، والتي ستقوده من إسرائيل الدولة اليهودية ، (حسب التوصيف الذي تطوّع باستخدامه وهو بعدُ علي مدرّج مطار بن غوريون، فأدهش مستضيفيه الإسرائيليين أنفسهم قبل الآخرين)، وتنتهي به في مصر (غير المرضيّ عنها في الكونغرس هذه الأيام، بسبب قلّة احتراسها إزاء الانفاق التي تربط غزّة بأرض الكنانة)، بعد المرور علي الكويت والبحرين والإمارات، فالمحطة الثانية الأهمّ بعد إسرائيل: السعودية، مربط الفرس الأولي ـ بالمعني البلاغي، وربما اللوجستي والمالي والعسكري تالياً ـ في أيّ تخطيط عسكري أمريكي ضدّ إيران.والحال أنها حصيلة لا تلوح هزيلة وفق معايير ما زرعته هذه الإدارة في المنطقة، وما يتوجب أن تحصده استطراداً، فحسب؛ بل هي في الأصل لا تزمع تحقيق اختراقات هائلة وفق نصائح البيت الأبيض إياه، كما أنها لن تؤدي الي نتائج هائلة كما حرص مستشار بوش لشؤون الأمن القومي، ستيفن هادلي، علي التشديد بلسانه شخصياً. وقد يكون هذا كلّه صحيحاً، ومنتظَراً تماماً، في ما يخصّ الشطر الإسرائيلي ـ الفلسطيني، سيّما ملفّات الوضع النهائي والمستوطنات والقدس ومتابعة توصيات مؤتمر أنابوليس، ومن الجليّ أن بوش لم يأتِ للخوض في تفاصيل هذه القضايا الشائكة في الأساس، أو الخروج من متاهاتها بأيّة نتائج ملموسة. كذلك ليس من المرجح أن تنطوي جولته علي فتح ملفات من طراز آخر، حقوق الإنسان والديمقراطية والإصلاح السياسي، في السعودية أو مصر، رغم أنها كانت وتظلّ في موقع الصدارة من ترسانة الخطاب الرسمي العقائدي لهذه الإدارة، فالكلام شيء والسياسة الفعلية شيء آخر مختلف وغير متطابق بالضرورة.فهل تكون الحصيلة هزيلة بصدد واحد من كبري غايات الزيارة، أيّ تلمس أو حتي التوصّل إلي صياغة سياسة احتواء جديدة متعددة المستويات ضدّ إيران، تكون الدول العربية التي زارها بوش منخرطة فيها، عاملة وفاعلة؟ وفي كلّ حال، ودون الانزلاق إلي حشد المعطيات والمعطيات المضادة حول احتمال أو استحالة توجيه ضربة عسكرية أمريكية قاصمة لإيران، وهذه رياضة تنتهي إلي الرجم بالغيب علي نحو أو آخر، فإنّ من الآمن أن يأخذ المرء علي محمل الجدّ سلسلة التقديرات التي يقول بها خبراء علي قدر كاف من المصداقية والرصانة، أو يسوقها محللّون سابقون في وكالة المخابرات المركزية (مثل كاثلين وبيل كريستيسن)، والتي تخلص إلي التالي: إذا كانت تلك الضربة ستقع لا محالة، فإنّ توقيتها المنطقي سوف يكون عند أجل ما قبيل حلول العام 2009 حين يكون بوش موشكاً علي تسليم البيت الأبيض إلي شاغله (شاغلته) الجديد(ة).سوف نري، إذاً، حصيلة جولة بوش في ما يخصّ مآلات الشطر الإيراني. ولكن، في الانتظار، يتذكّر المرء ما يُقال عادة، بحقّ غالباً، من إنّ جميع السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية يمكن أن تتبدّل مع تبديل الحرس في البيت الأبيض، ما عدا تلك السياسات العليا المعتمدة في الشرق الأوسط، أو تلك التي لا مناص من اعتمادها استناداً إلي مفاعيل سياسات سابقة لها أو عواقب تراكمت بسبب منها. صلابة هذا اليقين ليست مستمدة من افتراض يقول إنّ المعطيات في هذه المنطقة ثابتة ودائمة وأزلية، إذْ أنّ الشرق الأوسط كان وسوف يظلّ ـ مثل غيره في الواقع ـ خاضعاً لمبدأ التغيّر والتغيير، إنْ لم يكن بسبب قوانين التاريخ الذي يسير إلي أمام دائماً، فعلي الأقلّ لأنّ المنطقة واقعة في قلب التاريخ وغير منفصلة بالتالي عن حركة العالم المعاصر.صلابة اليقين مستمدة، أيضاً، من صلابة العمارة الكبري للدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث لا يلوح أنّ المصالح العليا الناظمة، والحاسمة، قد تبدّلت أو اتخذت أنساقاً جديدة تقتضي تعديل أو ترميم أو حتي إعادة تشييد تلك العمارة. ففي الماضي كانت العمارة تنهض علي ثلاث قواعد، تتفرّع عنها ركائز أخري أدني شأناً:
1)
احتواء الخطر الشيوعي والحيلولة دون وصول الروس إلي المياه الدافئة كما كانت الخرافة تقول، و
2)
ضمان
الهدوء التام علي جبهة النفط سواء لجهة تدفّق الخام أو انضباط أسعار البرميل، ثمّ
3)
الحفاظ علي أمن الدولة العبرية. وبمعزل عن حقيقة أنّ انطواء صفحة الحرب الباردة لم يتكفّل باحتواء الإتحاد السوفييتي فقط، بل أنجز محو خرائطه من أطالس العالم، فإنّ العمليات العسكرية الكبري، عاصفة الصحراء وغزو أفغانستان والعراق، وضعت تحقيق الغرضين الثاني والثالث ضمن خيارات مباشرة ذات إشكالية مفتوحة علي كلّ التناقضات العاجلة أو الآجلة في قلب مقاربة إمبراطورية سياسية وعسكرية كونية.ولقد مضي زمن كان فيه دبلوماسي حاذق مثل وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر مضطراً إلي استخدام دبلوماسية المكوك بين القاهرة وتل أبيب ودمشق والرياض وعمّان لإنجاز اتفاق (أو اختراق إعجازي، كما سار الوصف آنذاك) حول تفصيل صغير وغير إعجازي البتة.
ورغم أن الإتحاد السوفييتي كان آنذاك يملك سلّته الخاصة في المنطقة، فإن الوقائع اللاحقة أثبتت أن البيض تجمّع أخيراً في السلّة الأمريكية وحدها، حتي صار مالوفاً أن يأخذ السيناريو هذه الوجهة المتكررة المكرورة: لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة إلي ما هو أكثر من نصّ يتناوب علي تصحيحه نائب الرئيس، وزيرة الخارجية، مستشار الأمن القومي، وأحياناً وزير الدفاع؛ ثم يسطّر صيغته النهائية كاتب خُطَب الرئاسة مايكل جيرسون (أو هارلن ماكريني)! وتراجعه كاتمة أسرار الرئاسة كارين هيوز (قبل أن تنظر خلفها بغضب، وتستقيل)، فيصبح النصّ رؤيا و سياسة و خطّة سلام .ولِمَ لا، في نهاية المطاف! ثمة اختلال مريع في ميزان القوّة لصالح الدولة العبرية، مقابل أنظمة عربية شمولية واستبدادية وعاجزة وتابعة. الأسباب الأخري تبدأ من استقالة العالم طواعية أو اختياراً (الإتحاد الأوروبي، روسيا، الصين...)، ولا تنتهي عند تكريس مبدأ القطب الدولي الأوحد وبسط النفوذ الأمريكي علي نظام العلاقات الدولية وتعطيل ما تبقّي من أنساق عمل الشرعة الدولية في الأمم المتحدة عبر استخدام حقّ النقض تارة، أو شراء ذمم الحكومات بالمال والإعانات طوراً، دون التخلّي عن وسائل الضغط المتغايرة بين حين وآخر. ولقد شهد العالم، وسوف يشهد طيلة عقود كما يلوح، أنّ أية محاولة لكسر نظام القطب الواحد الامريكي (كما فعلت فرنسا جاك شيراك، مثلاً)، أو حتي المناورة فيه لأغراض انتهازية (كما فعل الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين) كانت تنقلب ضدّها في نهاية المطاف، فتعطي واشنطن مرونة إضافية في تدعيم النظام بـدل كسـره.
وفي قلب السجلّ الكوني لعربدة الولايات المتحدة تظلّ العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية حجر زاوية راسخاً لا يتزحزح أو يتآكل، حيث يتمّ تبادل المنافع مثل الستراتيجيات، ويجري التضامن علي مبدأ نصرة الحليف ظالماً أو مظلوماً، وتبلغ أخلاقية الكيل بمكيالين مقاييس فاحشة فاضحة غير مسبوقة.
وذات يوم بعيد ـ في سنة 1796! ـ حذّر الرئيس الأمريكي جورج واشنطن الأمّة الأمريكية من الإنخراط في ارتباط عاطفي Paionate Aachment مع أية أمّة أخري، لأنّ ذلك النوع من الإنخراط سوف يخلق وهماً عامّاً بوجود مصلحة مشتركة، إذْ لا توجد مصلحة مشتركة بين الأمم . بعد أكثر من قرنين ارتأي جورج بول (الدبلوماسي المخضرم، وأحد أبرز مستشاري الرئيس الأمريكي الأسبق جون كنيدي) أنّ هذا الإرتباط العاطفي بين الولايات المتحدة والدولة العبرية بلغ درجة فاقعة صارخة، تستدعي وضع كتاب كامل يرصد محطاتها منذ العام 1947. ولقد نصح بول الساسة الأمريكيين باعتماد مبدأ المثلّث في تمحيص العلاقة مع الدولة العبرية، بحيث يكون ضلع أوّل هو المصلحة القومية الأمريكية، وضلع ثانٍ هو المصلحة القومية الإسرائيلية، وضلع ثالث هو المصلحة القومية العربية. لكنّ الأيّام أثبتت، وما تزال، أنّ أضلاع المثلث الراهنة تسير علي نحو مختلف تماماً: ضلع أوّل هو المصلحة القومية الأمريكية، وضلع ثانٍ هو المصلحة القومية الاسرائيلية، وضلع ثالث هو... المصلحة القومية لليهود الأمريكيين!وذات يوم قريب، أواخر العام المنصرم 2007، كانت كارين هيوز (من موقع مسؤوليتها عن "الدبلوماسية العامة"، أي في عبارة أخري أوضح: أشكال البروباغاندا الهادفة إلي تحسين صورة الولايات المتحدة في ناظر الإنسانية)، قد تفاخرت بفضل أمريكا علي زعامات العالم المعاصر، فكشفت النقاب عن أنّ أكثر من 130 من المشاركين في برامجنا التأهيلية منذ العام 1945 صاروا زعماء في بلادهم، مثل رئيس وزراء بريطانيا الحالي غوردون براون، ورئيس فرنسا نيكولا ساركوزي ورئيس تركيا عبد الله غول ! ويصعب علي المرء أن يعزل فكرة التأهيل هذه، أياً كان المعني الملموس الذي تفضي إليه، بعيداً عن تلك العبارة الشهيرة التي أطلقها السناتور الأمريكي الشهير وليام فولبرايت قبل أكثر من أربعة عقود، وأثناء حرب فييتنام، عن وجود أمريكتَين وليس أمريكا واحدة: الأولي كريمة إنسانية، والثانية أنانية ضيّقة؛ واحدة ناقدة لذاتها، وأخري ممتدحة لصواب ذاتها؛ واحدة متعقلة، وأخري رومانسية؛ واحدة طيبة المزاج، وأخري كظيمة؛ واحدة تتساءل، وأخري تتكلم كالأساقفة؛ واحدة معتدلة، وأخري طافحة بالكثافة العاطفية؛ واحدة حكيمة، وأخري متغطرسة في استخدام القوّة العظمي.. .وبهدف الإقتداء بأيّ الأمريكتين جري (ويجري الآن أيضاً، ربما!) تأهيل أمثال براون وساركوزي وغول، إذا وضع المرء جانباً أمثال الأفغاني حامد كرزاي، والجورجي ميخائيل ساكشفيلي، والأذربيجاني حيدر علييف، والعراقي نوري المالكي...؟ وأيّ الأمريكتين يمثّل بوش في جولته الشرق ـ أوسطية الراهنة، أو لعلّ الحريّ هو صياغة السؤال كما يلي: هل يمكن لهذا القيصر الجديد إلا أن يمثّل أمريكا الإمبريالية، الإمبراطورية، غازية الشعوب، الأنانية، الممتدحة لصواب ذاتها، المتغطرسة في استخدام موقع القوّة الكونية الأعظم؟وهذا الموقع، ألا يبدو أشبه بترجيع لصورة روما في العالم القديم، حيث يتنقّل بوش وفي ركابه تلك الواجبات التي في ذمّة العالم تجاه روما المعاصرة، وتلك الحقوق الكونية التي يري قيصر القرن الواحد والعشرين أنّ من حقّ روما/واشنطن أن تتجاهلها تماماً (بينها، في المثال الأقرب عهداً، إعفاء الصناعة الأمريكية من التزامات بروتوكول كيوتو حول تخفيف غازات الإحتباس الحراري...)؟ ألا يسافر دون أن تكون في سلّة هواجسه تلك الإنقسامات الأخري حول الفقر المدقع والغني الفاحش، أو حول الشمال الصاعد إلي نعيم والجنوب الهابط إلي جحيم، أو حول قوّة عظمي تلوّث الكون بغازات صناعاتها وتطالب العالم بتأمين كمامة واقية لخياشيم الأمريكي الحسّاس... في آن!وفي العودة إلي غرض الجولة الأبرز، أي احتواء إيران، تعاقبت الإشارات من سالاي ميريدور سفير إسرائيل في واشنطن، إلي القيصر نفسه جورج بوش، مروراً بإيهود أولمرت وشمعون بيريس وكوندوليزا رايس، وكانت الرسالة صريحة واضحة: : لسنا نستثني أي خيار، وجميع الخيارات علي الطاولة. ما لا ينتظره المرء، في المقابل، هو أن تصدر إشارة ـ أية إشارة! ـ من السادة ملوك وأمراء ورؤساء أمصار واشنطن في العالم العربي، هؤلاء الذين يناسبهم تماماً سلوك الصمّ البكم العميٌ الذين لا يعقلون!
------------------------------------------------------------------------
تحية الى داعية الحوار المعتقل فايز سارة
طالعنا الأستاذ هيثم منّاع بمواقف جديدة عن الحوار بين السلطات السورية والمعارضة الوطنية الديموقراطية، معتبراً ان قوى اعلان دمشق هي من بادرت الى قطع الحوار مع السلطات: "هذه الخطى السريعة في القطيعة التامة بدرت من رموز اعلان دمشق الذين قدموا انفسهم بهذه الصفة، وفي كل مرة كنت أفاجأ بتصريح لقيادي في اعلان دمشق يقول بأن السلطة لا تحاور، كنت أسأل نفسي، لماذا تحاور هذه السلطة الخبيثة من يرفض مبدأ الحوار معها"؟.ورأى مناع انه اذا كان الحوار مع الجبهة الوطنية التقدمية ضرورياً، فلنتحدث فيه ونبحث عن مسالكه، آخذاً بالاعتبار ان هذا ليس مؤشر ضعف أو قوة. كما انه ليس علامة تواطؤ أو عمالة. بل خيار سياسي في ظل كيان سياسي واحد. وفي هذا الصدد اشاد مناع بموقف لجان احياء المجتمع المدني، واعتبر موقف اللجان جريئاً ويستحق الوقوف عنده.طبعاً نحن سننزل عند رغبة المناع الذي تمنى ان لا يسقط المزاودون في حفلة ادانة هذا الموقف، وسنسأل الاستاذ مناع سؤالين بسيطين ومشروعين:أولاً: ماذا عن السنوات الخمس التي سبقت صدور اعلان دمشق، اي الفترة الممتدة من ربيع دمشق في العام 2001 الى أواخر العام 2005 تاريخ صدور اعلان دمشق، الم يكن هدف المعارضة الاصلاح؛ ألم تعلن المعارضة رغبتها في الحوار؟؟كلام المعارضة الوطنية كان وقتها واضحاً: "هدف المعارضة الاصلاح، المعارضة ترغب في حوار مع السلطة يلتقي فيه الطرفان في وسط الطريق لما فيه مصلحة وخير البلاد والعباد، المعارضة تعول في الاصلاح على شخص من داخل النظام، مع عشرات التصريحات والتلميحات ان رئيس الجمهورية هو الشخص الأفضل والأنسب لقيادة عملية الاصلاح".وطبعاً ليس من الضروري التذكير بكم الرسائل والبيانات والمناشدات التي ارسلت الى رئيس الجمهورية وقتها، باعتباره الطرف الأنسب في الحوار، ماذا كانت النتيجة؟؟اعتقالات، تشديد، قمع، اغلاق المنابر التي بقيت مفتوحة، الاعتداء على المعتصمين ضد قانون الطوارئ بالضرب، التفنن في خطف الشخصيات الوطنية، والابداع في فبركة تهم مضحكة، استجرت "الضحك الأسود" على حد تعبير العزيز فايز سارة في مقالته (من يشوه مواقف معتقلي اعلان دمشق وسيرهم؟ السفير اللبناني، 27/12/2007).ثانياً: طالما ان السلطات ترغب بالحوار (من وجهة نظر الاستاذ مناع)، وطالما ان مبادرة لجان احياء المجتمع المدني جريئة وجديرة بالوقوف عندها، فما تعليقك على اعتقال الكاتب فايز سارة عضو لجان احياء المجتمع المدني التي اطلقت مبادرة الحوار، مع الأخذ بالاعتبار ان سارة نفسه هو من عمل على هذه المبادرة وصوغها والحصول على موافقة لجان احياء المجتمع المدني عليها واطلاقها؟الملفت ان السلطات لم تقرر اعتقال الاستاذ سارة الا بعد ان دعا الى الحوار، واجتهد في انجاح الحملة الاعلامية المضادة في الدفاع عن معتقلي اعلان دمشق، وتبيان مواقفهم الحقيقية، ولما علمت السلطات ما له من دور في الحملة قررت ان "تحاوره"، لكن على طريقة الحوار ذاتها التي حاورت بها رفاقه.لعل السلطة ترغب بالحوار، لكن ليس الحوار بين السلطة والمعارضة، انه الحوار بين السجين والسجان، حيث تكبل يدي المعتقل وراء ظهره، وتطمش عينيه، ويتعرض لشتى انواع "الحوار"، من لكمات وصفعات وركلات على وجهه، وكلام يليق بسنه وبمكانته الاجتماعية في حال اختلف بالرأي مع المحاور، حيث الحوار هناك يتكون من مجموعة تناقش بالعصي والدواليب فرداً مكبلاً، حيث يجلس المعتقلون بعد انتهاء الحوار ليتعرفوا على جوانب خفية من نعمة الكهرباء، وليتناولوا الغداء (فروج مشوي) وغيره من ضروب "الحوار"، وليتعرفوا على أصل "بساط الريح" الذي كتب عنه في القصص الخيالية.وأقتبس من مقالة سابقة للعزيز كمال اللبواني بشأن الحوار الذي اجري معه ومع البروفيسور عارف دليلة فك الله اسرهما وأسر جميع المعتقلين (الحوار لا يجري في السجون ومع رجال الأمن، 29 حزيران 2005): "إنني اعتبر ان الاعتقال هو أكبر اهانة للسياسة والسياسي والرأي العام معاً. ولا انصح احداً بقبول هذا النوع من الحوار لانه قد ينتهي كما انتهى معنا يوم 19/5/2002 ويوم 2/6/2002. عندما لم يقتنع الطرف الآخر بوجهة نظر ضابط كبير في جهاز الأمن السياسي هو رئيس الفرع السابق، فوجه الرفسات واللكمات الى وجه عارف دليلة وبطن وظهر حبيب عيسى، وغيرهم، بحضور ومساعدة بقية فريق "الحوار" "اقصد نائب رئيس الفرع ورئيس السجن ومساعدي التحقيق".ان كانت السلطة تريد الحوار فأهلاً به، لكن هذا الحوار يجب ان يكون حواراً بناء ومثمراً، حوار من اجل الوصول الى نتيجة، لا حوار من أجل الحوار وكسب الوقت؛ حوار مع السلطة نفسها، لا مع الجلادين؛ حوار لا يمكن ان يبدأ الا بعد اطلاق المعتقلين السياسيين، لسبب بسيط، لأنهم هم المحاورون انفسهم، لكن الواضح الى الآن ان السلطات لا تريد حواراً ولا هم يحزنون، ان جل ما تريده هو سوريا صامتة خالية من الأصوات المعارضة، الأمر الذي لن تحلم به طالما بقي هناك أشخاص أمثال فايز ساره ومعتقلي اعلان دمشق.
محمد علي العبد الله
-------------------------------------------------------------
ثقافة ومجتمع 10.01.2008
فوبيا الانترنت في العالم العربي ـ سوريا نموذجاً
اقبال واسع في العالم العربي على الانترنت رغم تشديد السلطات للخناق

في سوريا ـ كما في باقي الدول العربية ـ تقوم السلطات بتضييق الخناق على خدمة الانترنت من خلال حجب المواقع الإلكترونية دون الاعتماد على ضوابط ومعايير واضحة كما يرى الدكتور الجابي أحد أهم الناشطين السوريين في عالم الانترنت.
"شرطة الانترنت"، لقب يطلقه المدافعون عن حرية الصحافة في مصر على ما يصطلح عليه هناك "إدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكة المعلومات". هذه الإدارة التي أنشئت قبل أعوام قليلة، لا تهدف في رأي المراقبين الحقوقيين إلى أكثر من مراقبة المواقع الإلكترونية والإقدام على حجب بعضها أحياناً.
وفي تونس تتخذ الحكومة إجراءات قاسية ضد الشباب من مستخدمي الانترنت، خصوصا أولئك الذي يقدمون على زيارة مواقع إسلامية، انتهت بتوقيع أحكام بالسجن ضدهم تجاوزت عشر سنوات.
أما في سوريا فتتوالى الشكاوي باستمرار في أوساط السوريين منذ بدء خدمة الإنترنت، إذ تقدم السلطات المسؤولة عن الإعلام بحجب الكثير من المواقع واستدعاء العديد من المواطنين بتهمة "الشتم والسب" والتحقيق معهم وسجنهم أحيانا. ويتم هذا الحجب رغم عدم انتماء عدد كبير منهم إلى أي تيارات سياسية. فقد حجب موقع داماس بوست ولحقه موقع النزاهة كما تلقت جميع مزودات الخدمة مؤخرا أمراً بحجب موقع شبكة سيريا نوبلز syrianobles.com. وجاء هذا الحجز بعد أيام على حجب أحد المواقع التابعة للشبكة وهو موقع شباب لك دوت كوم Shabablek.com:، بالإضافة إلى حجب موقع الفيسبوك العالمي وموقع أمازون دوت كوم.
غياب المعايير
العالم العربي اصبح جزأء من القرية الكونية بفضل وسائل الاتصال الحديثة
فوبيا الانترنت في العالم العربي ـ سوريا نموذجاً
اقبال واسع في العالم العربي على الانترنت رغم تشديد السلطات للخناق

في سوريا ـ كما في باقي الدول العربية ـ تقوم السلطات بتضييق الخناق على خدمة الانترنت من خلال حجب المواقع الإلكترونية دون الاعتماد على ضوابط ومعايير واضحة كما يرى الدكتور الجابي أحد أهم الناشطين السوريين في عالم الانترنت.
"شرطة الانترنت"، لقب يطلقه المدافعون عن حرية الصحافة في مصر على ما يصطلح عليه هناك "إدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكة المعلومات". هذه الإدارة التي أنشئت قبل أعوام قليلة، لا تهدف في رأي المراقبين الحقوقيين إلى أكثر من مراقبة المواقع الإلكترونية والإقدام على حجب بعضها أحياناً.
وفي تونس تتخذ الحكومة إجراءات قاسية ضد الشباب من مستخدمي الانترنت، خصوصا أولئك الذي يقدمون على زيارة مواقع إسلامية، انتهت بتوقيع أحكام بالسجن ضدهم تجاوزت عشر سنوات.
أما في سوريا فتتوالى الشكاوي باستمرار في أوساط السوريين منذ بدء خدمة الإنترنت، إذ تقدم السلطات المسؤولة عن الإعلام بحجب الكثير من المواقع واستدعاء العديد من المواطنين بتهمة "الشتم والسب" والتحقيق معهم وسجنهم أحيانا. ويتم هذا الحجب رغم عدم انتماء عدد كبير منهم إلى أي تيارات سياسية. فقد حجب موقع داماس بوست ولحقه موقع النزاهة كما تلقت جميع مزودات الخدمة مؤخرا أمراً بحجب موقع شبكة سيريا نوبلز syrianobles.com. وجاء هذا الحجز بعد أيام على حجب أحد المواقع التابعة للشبكة وهو موقع شباب لك دوت كوم Shabablek.com:، بالإضافة إلى حجب موقع الفيسبوك العالمي وموقع أمازون دوت كوم.
غياب المعايير
العالم العربي اصبح جزأء من القرية الكونية بفضل وسائل الاتصال الحديثة

يشتكي معظم ضحايا الرقابة على الانترنت في العالم العربي من افتقاد السلطات القائمة إلى معايير واضحة وضوابط محددة للتعامل مع الانترنت، كما يقول الدكتور محمد نعيم الجابي مدير شبكة سيريا نوبلز syrianobles.com للمعلومات التي سعت منذ نهاية التسعينيات إلى خلق محتوى سوري متطور وملفت على شبكة الانترنت.
وذكر الجابي في مقابلة مع موقعنا إنه "من الضروري الاتفاق على معايير معينة، وغياب هذه المعايير يؤدي غالبا إلى سوء الفهم وسوء العلاقة وإلى خطر الفوضى". ويرى الناشط السوري في مجال الانترنت بضرورة "فرض خطوط حمراء على جميع المواقع، مثل احترام الدستور، وشخص رئيس الجمهورية واحترام الديانات السماوية، وهذه الضوابط أو الخطوط يجب أن تكون واضحة لا لبس فيها". كما يرى بأن جزءا من عمليات الحجب يعود إلى أسباب سياسية، في حين يعود الجزء الآخر إلى أسباب أمنية.
نحو وعي جديد بالانترنت
الرقابة على وسائل الاعلام في عالم مفتوح الفضاءات تفقد فعاليتها تدريجياً
لكن كلما زاد الوعي بشبكة الانترنت ورسالتها وأهميتها، يقول الجابي، كلما أدركت السلطات الحاكمة ماهية الشبكة، وأقدمت على إعداد كوادر تهتم بها وتكتسب ثقافتها، سوف تتراجع آلة الرقابة، لكنه يرى بأن سوريا تفتقد إلى بنية تحتية معلوماتية وإلى رؤية استراتيجية للانترنت رغم تضاعف عدد المستخدمين.
وأكد الجابي على الدور الكبير الذي تلعبه الانترنت في خلق ثقافة الحوار وردم الهوة القائمة بين الحضارات، أما فيما يتعلق بنشر المادة السياسية في سوريا فيقول:"إنه أمر حساس للغاية، إذ نقوم أولا بإخضاع المادة للرقابة الذاتية، لاسيما وأنه ليس لدينا سقف عال من الحرية". وأشار الجابي إلى أن سوريا شهدت في السنوات الأخيرة تطورا إيجابيا، مع ظهور صحف تابعة للقطاع الخاص، إلا أن ذلك يظل مجرد خطوة في رحلة طويلة، حسب تعبيره.
دويتشه فيله
ابراهيم محمد/ رشيد بوطيب
------------------------------------------------------------------
المجلس الوطني لإعلان دمشق في مرآة بعض نقّاده
بكر صدقي الحياة - 11/01/08
حين يتم تكريس حزب سياسي معين، دستورياً، «قائداً للدولة والمجتمع» معاً، وهذه هي الحال في سورية القرن الحادي والعشرين التي تعدّ عشرين مليوناً من السكان، يصبح من المنطقي اتهام كل خروج على الإجماع بالخيانة. وينتمي كل من الإجماع والتخوين الملازم له، إلى ثقافة العشيرة أو الأوبة، لا إلى مفهوم المجتمع الحديث الذي يتشكل تعريفاً من مصالح متعددة ومتعارضة، تعبر عنها أحزاب سياسية ومؤسسات اجتماعية متعددة، تضمن الدولة عدم تحول التعارضات بينها إلى صدام.
فإذا كان «الحزب القائد» المعيّن، قد حوّل المجتمع المقود، في غضون أكثر من أربعين عاماً من قيادته، إلى عشيرة أو أوبة، فمعنى ذلك أنه قد بلغ طور «نفي النفي». ذلك أنه بغياب المجتمع، يصبح «الحزب القائد» له نافلاً، ما دامت الدولة سبقتها إلى التحلل، تماشياً مع التحوّل الأوبوي ذاته؛ وهو تحوّل كافكوي، يصعب مع نتائجه تخيّل أدوار غريبة من نوع «مقاومة المشاريع والمؤامرات الإمبريالية!» أو «التطوير والتحديث» أو «التمييز بين الإرهاب والحق المشروع في مقاومة الاحتلال» مثلاً؛ وهي مهمات يعلن الكيان الموصوف هنا، كل يوم، تصديه لها.
من موجبات التصدي هذا، على غرابته، أن يتأسس على إجماع الأوبة وراء من يقودها، ما يفترض سلطة رعوية تحمي وتطعم، كشرط من شروط انتظام الرعية في الصف؛ والحال أن تلك عاجزة عن الحماية بدلالة الطلعات الجوية الحرة للمصنف عدواً، في أي وقت يشاء؛ عجزها عن إطعام العشرين مليوناً من الأفواه... بانتفاء شروط انتظامها في الإجماع، تنحو الأوبة ذاتها نحو التحلل السريع.
يعكس الهجوم الواسع الذي «حظى» به إعلان دمشق، من جهات معارضة للحكم، وجهاً من وجوه أزمة التغيير الديموقراطي في سورية، بما هي العجز عن بناء تفاهمات وطنية تخترق مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية والتيارات الإيديولوجية، حول قضية وطنية واحدة تستقطب الفعل السياسي. هذا يعني، في إطار التحولات النشطة في المنطقة، أن الوضع القائم وحده يشكل ضمانة أمام تحوّل الحالة السورية إلى حالة لبنانية أو عراقية. هذا استنتاج خطير، يترتب عليه أن الموجود هو الوحيد الممكن أو أفضل الممكن، الأمر الذي يفسر، بالمقابل، سبب بقاء أنصار التغيير أقلية ضئيلة في المجتمع.
يعرف مهاجمو الإعلان قبل غيرهم، الخلل الباهظ في موازين القوى بين النظام الحاكم وأنصار التغيير الوطني الديموقراطي؛ فما من شيء يبرر هجومهم على هؤلاء غير نظرتهم إليهم بوصفهم «طابوراً خامساً»، الأمر الذي أعلنه «الخبير الاستراتيجي» إياه، في معرض تبريره لاعتقال الأجهزة الأمنية عدداً من أعضاء المجلس الوطني وأمانته العامة؛ في حين حصر الرفيق السابق اتهامه برياض الترك؛ واتفق كل من الماركسي المزمن و»المفكر العربي من سورية» على الذود عن «مصالح الطبقات الشعبية» في وجه الهجمة الليبرالية الشرسة، وهي هنا إعلان دمشق طبعاً وليس المافيات النافذة؛ ودعا ثانيهما قيادة الإعلان، في تصريحات صحافية، إلى أخذ الصراع الإقليمي بعين الاعتبار.
نعم هكذا بالضبط: مصالح الطبقات الشعبية والمشروع الأميركي في المنطقة والصراع الإقليمي... عبارات هلامية تعني شيئاً واحداً: مقاومة التغيير مهما كان الثمن. مقاومة، لأن التغيير قادم، فيما يرون، بصورة محتمة؛ وهو تغيير نحو الأسوأ بما أن الفاعل أميركي، وفقط لأنه كذلك. الغريب أن الرفيق السابق، مثلاً، يعدد، في مقالة سابقة له، بحق، نقاط قوة النظام السوري وقدرته على تجاوز أزماته وإدامة حكمه! وسوف نرى بعد قليل أن المفكر العربي يشاركه الرأي هذا. وهكذا يتم الهجوم على أنصار التغيير، مرة بوصفهم عملاء لأميركا، ومرة لأن رهانهم خاسر!
من بين الأمثلة المذكورة يستحق «المفكر العربي من سورية» وقفة خاصة، سواء في بيانه المخصص لإعلان تجميد عضويته في إعلان دمشق، أو في تصريحاته الصحافية، أو في مقالته المنشورة في «القدس العربي». فهو في المناسبات الثلاث يقدم نموذجاً معبراً عن الحالة التي نعمل على فهمها.
يقوم البيان على فكرة أن المجلس الوطني لإعلان دمشق أنتج وضعاً يسيطر فيه التيار الليبرالي، بما يتعارض مع وزنه الحقيقي في المعارضة السورية وتمثيله الاجتماعي المعدوم؛ الأمر الذي يعوّضه بالاستقواء بقوى خارجية؛ بعد استبعاد حزب الاتحاد الاشتراكي من قيادة الإعلان. ويسهب المفكر المشار إليه، في مقالته المنشورة في القدس العربي، في بسط فكرته عن هذا الاستبعاد، آخذاً على الإعلان عدم استفادته من نموذج «الديموقراطية التوافقية» المأخوذ بها، فيما يرى، في الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة. ويأخذ على الاتجاه الليبرالي، فضلاً عن رهانه على أميركا، عدم ضمانه للحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الشعبية، وعدم اهتمامه بالقضايا الوطنية، وانحيازاته العربية، خاصاً بالذكر جماعة 14 آذار اللبنانية في المقالة، و»الأنظمة العربية» في البيان، التي يصفها بأنها «لا تختلف عن النظام السوري إلا بتبعيتها لأميركا». ويزيد المفكر فيحمّل الإعلان مسؤولية الامتناع عن الحوار مع السلطة، متسائلاً عما يمكن أن يدفع هذه الأخيرة إلى الحوار مع من يرفضه. إلى ذلك لا يوفر المفكر العربي من سورية بعض رموز المعارضة السورية من التشنيع الشخصي، مذكّراً بأفضاله عليهم في الدفاع عن حريتهم وكرامتهم (كذا!) حين كانوا في السجون، ما يوحي بندمه لظنه بأنه ساهم، بطريقة ما، في انتهاء محنتهم.
إذا قارنا بين البيان الأول لإعلان دمشق (تشرين الأول/أكتوبر 2005) الذي حدد التوجهات العامة للائتلاف المعارض، والبيان الصادر، مطلع الشهر الأخير من العام الفائت، عن المجلس الوطني لإعلان دمشق، سوف نرى أن الأخير هو أقرب، بروحه العامة، من التيار الذي يزعم اقصاءه من قيادة الائتلاف، والذي شارك بفعالية في صياغته؛ في حين أن روح البيان التأسيسي أقرب إلى التيار الذي يقال إنه سيطر في المجلس الوطني. وفي ذلك الوقت تعرّض الائتلاف وبيانه التأسيسي إلى هجوم عنيف، كمثيله اليوم، من قوى خارجه، وكان أبرزها مجموعات ليبرالية – علمانية، هاجمته بدعوى أنه يشكل خطراً على الوحدة الوطنية؛ وتعرضت فقرات من البيان إلى نقد (أقل عنفاً) من قوى داخل الائتلاف، عملت، بعد أربعة أشهر، على استصدار ما عرف باسم بيان التوضيحات، وهو في جوهره استجابة لحنين إيديولوجي قومي – يساري، ما انفكّ يشكل هويةً لحامليه؛ دخل بعده الائتلاف، بفعل عوامل عديدة، حالة من العطالة، وأخذت تظهر إلى العلن خلافات داخلية، عبّرت معاً عن أزمة في الائتلاف، عكست بدورها أزمة في المجتمع السوري أسميناها أزمة التغيير الديموقراطي.
بذلك يصبح من غير المفهوم، سياسياً، تجميد البعض عضويتهم في الإعلان اليوم، أي بعد بيان التوضيحات وبيان المجلس الوطني، في حين أنهم وافقوا على البيان التأسيسي، إلا إذا عددنا البيانات مجرد كلام فارغ. وإذا أمكننا تفسير تجميد حزب الاتحاد الاشتراكي لعضويته بنزعة حزبية ضيقة الأفق لعدم تمثيله في قيادة الإعلان، يبقى موقف المفكر العربي مثلاً غير مفهوم ما لم نقرأ المتغيرات السياسية العامة في السنتين الأخيرتين. ففي اللحظة التي انضم فيها المذكور إلى الإعلان، كان ثمة انطباع عام، ليس لدى المعارضة السورية وحدها بل لدى عموم المراقبين عبر العالم والنظام السوري نفسه ضمناً، بأن هذا الأخير بات على وشك الرحيل. إنها أيام انتحار غازي كنعان وتقرير ميليس الأول وانشقاق عبد الحليم خدام وذروة الضغوط الأميركية – الفرنسية والعزلة الدولية الخانقة. وعبّر البيان التأسيسي للإعلان عن انتقال المعارضة السورية من مطلب الإصلاح إلى مطلب التغيير. هذا معناه أن المفكر العربي كان يراهن، حين انضمامه إلى الإعلان، على الرحيل الوشيك للنظام بفعل الضغوط الدولية أساساً؛ وحين تبدلت الأوضاع، في الأشهر الأخيرة خاصة، وبدأت واشنطن تعيد النظر في سياستها تجاه دمشق، باتجاه الانفتاح والحوار، جمد المفكر عضويته وأخذ يبشر بالحوار مع الجبهة الوطنية التقدمية ويدعو إلى الاقتداء بها في فن الديموقراطية التوافقية، ويتهم إعلان دمشق الذي يتعرض لحملة اعتقالات واستدعاءات متواصلة إلى اليوم، بالاستقواء بأميركا.
لا مشكلة، فالسياسي الحق هو من يقرأ المتغيرات جيداً و»يشم» ما هو قادم. من حق المفكر العربي أن يميل كيفما مالت الريح وينحاز إلى الجهة التي يشاء، يحاور من يشاء ويقف ضد من يشاء، على ألا يتهم الآخرين بما فيه، وأن يتحلى بحد أدنى من أخلاقيات العمل السياسي، حتى لا نقول الفكري (ذلك لأن المفكر يفكر حتى لو كان «من سورية»).
لفتني في مقالة المفكر المشار إليها أنه يشخص ظاهرة معروفة لدى النظام السوري، هي افتقاده لمفكرين أو مثقفين يعبرون عنه ويجيدون الحوار. تراه يطمح، بطروحاته الجديدة، إلى سد هذا الفراغ؟ ما علينا، هذا أيضاً من حقه.
الواقع أنه، لا تركيبة المجلس ولا تركيبة أمانته العامة، تعبران عن سيطرة التيار الليبرالي، ففيهما اليساري والقومي والإسلامي إلى جانب شخصين فقط يمكن نسبهما إلى التيار الليبرالي، أحدهما رياض سيف الذي خصه المفكر العربي بوافر هجومه. وسيف كما هو معروف، لا يملك وزناً اقتصادياً أو مالياً، بل هو دونكيشوت حالم بإزاحة الاستبداد والفساد عن صدر وطنه، وهو أقرب إلى مفهوم الليبرالية السياسية منه إلى مفهوم الليبرالية الاقتصادية، ناهيك عن صفة (الجديدة) المضافة التي تعبر، كما يعرف مفكرنا جيداً، عن الاتجاه السائد اليوم في السياسة الاقتصادية في الولايات المتحدة وعدد من البلدان المتقدمة، وينحو نحو عولمة اقتصاد السوق المتحرر من قيود الدول والحدود؛ كما يعرف جيداً من يمثل هذا الاتجاه في سورية؛ ومع ذلك يطلق صفة الليبرالية الجديدة على تيار مفترض داخل الائتلاف المعارض، يعدّه مسؤولاً عن بؤس طبقاته الشعبية وضياع حلم الوحدة العربية، ومستقوياً بمشروع أميركي، يعلن بنفسه عن أفول نجمه.
كاتب سوري.
---------------------------------------------------------------
تعليقات الصحف الألمانية 11.01.2008
جولة الرئيس الأمريكي في الشرق الأوسط كانت الموضوع الرئيسي الذي شغل الصحف الألمانية الصادرة اليوم الجمعة، إضافة إلى الانتقادات الشديدة الموجهة إلى رولاند كوخ رئيس وزراء ولاية هيسين الألمانية بسبب تصريحاته المتعلقة بتشديد العقوبات الجنائية على أبناء المهاجرين.
زيارة الرئيس الأمريكي بوش للشرق الأوسط وتصريحاته المتفائلة بشأن إقامة دولة فلسطينية مستقلة قبل انتهاء فترة رئاسته أثارت اهتماما كبيرا لدى معلقي الصحف الألمانية، ولو أن القليل منهم يشاطر بوش رؤيته المتفائلة. على هذا الموضوع علقت صحيفة تاجيستسايتونج Tageszeitung الصادرة في برلين قائلة:
"بوش لم يهمل فقط طوال فترة رئاسته النزاع في الشرق الأوسط كما يعتقد ذلك الكثيرون. فهو ساهم في إحداث تغيرات هامة. حيث أنه تراجع عما كان متفقا عليه دوليا منذ فترة طويلة بأن جميع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة غير قانونية. فبوش عندما يتحدث عن المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية فإن ذلك يعني أن الولايات المتحدة قبلت في الواقع المجمعات الاستيطانية الإستراتيجية الكبيرة لإسرائيل في الأراضي المحتلة. وبوش يفتخر بنفسه كأول رئيس أمريكي أعتبر قيام دولتين حلا للنزاع في الشرق لأوسط. لكنه في الحقيقة مهد الطريق أمام سياسة إسرائيل الاستيطانية المبنية على الأمر الواقع."
وفي نفس السياق كتبت صحيفة نويس دويتشلاند Neues Deutschland تقول:
"آخر ما يموت الأمل. هذه الصيغة المبتذلة هي الأنسب لوصف الزيارة الأولى للرئيس الأمريكي بوش إلى الأرض المقدسة. إذ أنه من غير المحتمل التوصل إلى اتفاق حتى حول القضايا الرئيسية الثلاث المتعلقة بالحدود وبوضعية القدس وبعودة اللاجئين الفلسطينيين رغم استعداد إيهود أولمرت ومحمود عباس على التفاوض. فلا أولمرت ولا عباس لديهما الهيبة والقدرة السياسية التي تمكنهما من إقناع شعبيهما بقبول تنازلات مؤلمة. يضاف إلى ذلك أن تفاؤل الرئيس الأمريكي بوش حول تحقيق السلام في وقت قريب هو تفاؤل بدون أي أساس."
وفي الشأن الداخلي الألماني علقت صحيفة مانهايمر مورجن Mannheimer Morgen على الجدل الذي أثارته دعوات رولاند كوخ رئيس حكومة ولاية هيسن لتشديد العقوبات على أبناء المهاجرين المتورطين في أعمال إجرامية، بقولها:
"رولاند كوخ يعلم تماما أن السياسة التقشفية التي اتبعتها حكومة ولايته فيما يتعلق بأجهزة الشرطة والقضاء وبمعسكرات تأهيل الأحداث الجانحين مسئولة كذلك عن تردي أوضاع الشباب. وهو بدلا من الأخذ بالعبرة يطالب بفرض عقوبات مشددة وسريعة. وهذا نوع من الوقاحة. فالجميع يعرف أن قانون عقوبات الأحداث في ولاية هيسن هو الأشد مقارنة بالولايات الأخرى. وعلى كوخ أن ينتبه كي لا يشعر الناخب بأنه سيكون ضحية للخداع."
أما صحيفة نويه فستفيليشه Neue Westfنlische الصادرة في بيليفلد فعلقت على نفس الموضوع بقولها:
"كوخ يثبت بذلك على أنه سياسي عديم الضمير ويتلاعب بالحقائق. لكن عليه أن يعلم أنه لم يعد بالإمكان تزييف الأوضاع المتردية في ولايته فيما يخص جرائم الشباب. وهذا من شأنه أن يعزز موقف أندريا ابسيلانتي منافسته في انتخابات الولاية القادمة."
مجاهد عبد العزيز
-------------------------------------------------
جولة الرئيس الأمريكي في الشرق الأوسط كانت الموضوع الرئيسي الذي شغل الصحف الألمانية الصادرة اليوم الجمعة، إضافة إلى الانتقادات الشديدة الموجهة إلى رولاند كوخ رئيس وزراء ولاية هيسين الألمانية بسبب تصريحاته المتعلقة بتشديد العقوبات الجنائية على أبناء المهاجرين.
زيارة الرئيس الأمريكي بوش للشرق الأوسط وتصريحاته المتفائلة بشأن إقامة دولة فلسطينية مستقلة قبل انتهاء فترة رئاسته أثارت اهتماما كبيرا لدى معلقي الصحف الألمانية، ولو أن القليل منهم يشاطر بوش رؤيته المتفائلة. على هذا الموضوع علقت صحيفة تاجيستسايتونج Tageszeitung الصادرة في برلين قائلة:
"بوش لم يهمل فقط طوال فترة رئاسته النزاع في الشرق الأوسط كما يعتقد ذلك الكثيرون. فهو ساهم في إحداث تغيرات هامة. حيث أنه تراجع عما كان متفقا عليه دوليا منذ فترة طويلة بأن جميع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة غير قانونية. فبوش عندما يتحدث عن المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية فإن ذلك يعني أن الولايات المتحدة قبلت في الواقع المجمعات الاستيطانية الإستراتيجية الكبيرة لإسرائيل في الأراضي المحتلة. وبوش يفتخر بنفسه كأول رئيس أمريكي أعتبر قيام دولتين حلا للنزاع في الشرق لأوسط. لكنه في الحقيقة مهد الطريق أمام سياسة إسرائيل الاستيطانية المبنية على الأمر الواقع."
وفي نفس السياق كتبت صحيفة نويس دويتشلاند Neues Deutschland تقول:
"آخر ما يموت الأمل. هذه الصيغة المبتذلة هي الأنسب لوصف الزيارة الأولى للرئيس الأمريكي بوش إلى الأرض المقدسة. إذ أنه من غير المحتمل التوصل إلى اتفاق حتى حول القضايا الرئيسية الثلاث المتعلقة بالحدود وبوضعية القدس وبعودة اللاجئين الفلسطينيين رغم استعداد إيهود أولمرت ومحمود عباس على التفاوض. فلا أولمرت ولا عباس لديهما الهيبة والقدرة السياسية التي تمكنهما من إقناع شعبيهما بقبول تنازلات مؤلمة. يضاف إلى ذلك أن تفاؤل الرئيس الأمريكي بوش حول تحقيق السلام في وقت قريب هو تفاؤل بدون أي أساس."
وفي الشأن الداخلي الألماني علقت صحيفة مانهايمر مورجن Mannheimer Morgen على الجدل الذي أثارته دعوات رولاند كوخ رئيس حكومة ولاية هيسن لتشديد العقوبات على أبناء المهاجرين المتورطين في أعمال إجرامية، بقولها:
"رولاند كوخ يعلم تماما أن السياسة التقشفية التي اتبعتها حكومة ولايته فيما يتعلق بأجهزة الشرطة والقضاء وبمعسكرات تأهيل الأحداث الجانحين مسئولة كذلك عن تردي أوضاع الشباب. وهو بدلا من الأخذ بالعبرة يطالب بفرض عقوبات مشددة وسريعة. وهذا نوع من الوقاحة. فالجميع يعرف أن قانون عقوبات الأحداث في ولاية هيسن هو الأشد مقارنة بالولايات الأخرى. وعلى كوخ أن ينتبه كي لا يشعر الناخب بأنه سيكون ضحية للخداع."
أما صحيفة نويه فستفيليشه Neue Westfنlische الصادرة في بيليفلد فعلقت على نفس الموضوع بقولها:
"كوخ يثبت بذلك على أنه سياسي عديم الضمير ويتلاعب بالحقائق. لكن عليه أن يعلم أنه لم يعد بالإمكان تزييف الأوضاع المتردية في ولايته فيما يخص جرائم الشباب. وهذا من شأنه أن يعزز موقف أندريا ابسيلانتي منافسته في انتخابات الولاية القادمة."
مجاهد عبد العزيز
-------------------------------------------------
