شحارير الرياء في مديح طغاة سوريا
صبحي حديدي
يبدو أننا، نحن السوريين، لن نعدم فنّانات شقيقات وفنّانين أشقاء من لبنان الشقيق، يمتهنون (بكلّ ما ينطوي عليه هذا الفعل من معانٍ!) امتداح طغاة سورية، بل وادعاء تمثيل ضمير الشعب السوري في التغنّي بالأب حافظ الأسد، وبابنه الراحل باسل الأسد، ثمّ بابنه ووريثه بشار الأسد، وصولاً إلي حفيده حافظ بشار حافظ الأسد! ولقد قُيّض لنا أن نصغي إلي وائل كفوري يشدو هكذا: يا سورية رشّي طيوب/ علي بوابك دار ودار/ نحنا وشعبك صرنا قلوب/ تا توسع إبنك بشار ، ليس دون تحطيم الأرقام القياسية من حيث ابتذال اللغة وانحطاط المعني وتفاهة المديح. ثمّ جاء الدور علي نجوي كرم، لتصدح: بدنا نحافظ/ بدنا نجاهد/ بالروح البعثية/ ونسلّم بشار القائد/ رايتنا السورية ، ليس دون انفلات من كلّ عقال في النفاق والزلفي والمسخرة (قبل أشهر كان رامي الأمين قد كتب، في ملحق النهار الثقافي، مادّة ممتازة عن الأغنية البعثية اللبنانية ، حسب تعبيره الموفق تماماً).ثمّ جاءت شحرورة الوادي ما غيرها، صباح، لكي تشارك في افتتاح مهرجان دمشق السينمائي بموّال من كعب الدست، والحقّ يُقال، يمتدح شموخ الأسد الذي لا يهتزّ عرشه ، علي ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية. بالطبع، ليست خافية مصلحة الشحرورة في هذه الوصلة الردحية (إذْ، بمعزل عن تكريمها في المهرجان، أعلنت صباح أنّ الأسد قد تكفلها وابنتها هويدا مدي العمر)، غير أنّ المرء لا يقاوم الرغبة في التخابث قليلاً حول اختيارها مفردة العرش تحديداً، في وصف حكم الأسد: كانت تقصد الإطراء، لا ريب، ولكنّ الفطرة الشحرورية ساقتها إلي المساواة بين هذا النظام ـ الجمهوري، رسمياً في الأقلّ ـ بأنظمة العروش. ومَن كان سيري مفاجأة كبري لو أنّها استكملت إطراء العرش بإطراء صاحب السموّ، أو صاحب الجلالة؟ولكي لا نظلم المغنّيات والمغنّين من هذا العيار، بعد أن نضع جانباً طوابير الساسة والصحافيين والمحللين، نتذكّر واقعة مشهودة للشاعر اللبناني طلال حيدر، جرت قبل أكثر من عشر سنوات في البقاع اللبناني.
آنذاك، أزاحت بلدة شتورا الستار عن نصب تذكاري لتخليد باسل الأسد، حضره (لاحظوا كيف أنّ التغيّر والثبات هما في سنّة الحياة، سواء بسواء!) السادة نبيه بري رئيس المجلس النيابي، ورفيق الحريري رئيس الوزراء، ومحمد سلمان وزير الإعلام السوري. وفي ذلك الاحتفال ألقي حيدر قصيدة عصماء، امتزج فيها الرثاء الملحمي بالهجاء الميلودرامي، واختلط أنين المدح بطنين القدح، وتبارت مكابدات الأشواق مع إعلانات النفاق.ولقد بدأ برثاء الراحل، ثمّ مرّ علي مدينة القدس المحتلة ليجد النبي زعلان ، مما دفع الشاعر إلي شتم الفلسطينيين لأنهم باعوا أذان العصر/ تا يشتروا بستان ؛ وكان لا مفرّ من أن يمرّ علي العراق فيجد بو لهب، ومرتو معو/ محمّل عا ضهرا حطب/ بردان، عم يوقد عرب ؛ وبالطبع، لا بدّ من الشام وإنْ طال السفر: لاقيت الأسد سهران/ جايي عا ضهر البراق/ يخلّص الأذان/ وجايب معو هالشمس/ تتمشي علي الجولان ...والحال أنّ المرء قد لا يجادل حيدر في حقّ رثاء من يشاء، وأصلاً لا تجوز علي الميت سوي الرحمة، ويجوز عليه المديح الذي بلا ضفاف. ولا جدال، سوي ذلك الفنّي الجمالي المحض، حول الرموز التي يلجأ إليها حين يمدح أو يشتم؛ ولا تثريب علي مخيلته في أن تري أبا لهب وامرأته حمالة الحطب أينما يشاء، رغم أن التشبيه فقير وباهت لا يليق بمخيلة اعتادت علي التحليق وارتياد المجاز العالي. ولكن من حقّ المرء ذاته أن يجادل في مقدار اختلال ميزان الرياء عند الذين يتناولون الموت بمعانيه التراجيدية والكونية العابرة لحدود الكائن (وهذا ما حاول حيدر أن يفعله حين استخدم رموز المسيح والنبيّ والبراق وجعفر الطيار وحيدر الكرّار، لرسم صفات البشر).
وختاماً، لكي لا تبدو الساحة مقتصرة علي الشقيقات والأشقاء من لبنان، هنا تذكير بفقرات من حديث صحافي أدلي به مؤخراً عزمي بشارة، النائب الفلسطيني السابق في الكنيست الإسرائيلي، إلي صحيفة الوطن السورية الخاصة، غير البعيدة عن أجهزة السلطة: أعتقد أن الرئيس بشار الأسد هو أحد الأشخاص الموهوبين جداً الموجودين اليوم في العالم العربي، من ناحية المستوي الثقافي ومن ناحية صفاء التفكير أيضاً (...) عندما نتحدث عن الرئيس بشار الأسد، فإننا نتحدث عن رجل وصل السلطة في دولة تمرّ بوضع صعب، تهديدات الحرب، الوضع في لبنان، انهيار الإتحاد السوفييتي، الذي أدي إلي فقدان مصدر للتسلح. لم يأت بشار الأسد علي ظهر انقلاب، بل من داخل السلطة، الحديث هنا لا يدور عن مثقف قيادي بل عن رجل دولة، سياسي، من المفترض أن يدير الدولة. ماذا يجب أن أتوقع من ذلك؟ أقول إن لدي الرئيس بشار الأسد أفكاراً جديدة حول كيفية التجديد، ولديه حساسية مفرطة لألم الناس ومعاناة البشر، إنني أري أملاً كبيراً في ذلك
.
في كلّ حال، قد يتباين شحارير الرياء هؤلاء، في موهبة النفاق أو شطارة الكذب أو براعة الامتهان أو خفّة إراقة ماء الوجه... لكنهم، بلا استثناء، يظلون علي قدم المساواة ذاتها في اعتبار واحد: إهانة الشعب السوري، قبل إهانة الحقيقة!
صبحي حديدي
-------------------------------------------------------------
صبحي حديدي
-------------------------------------------------------------
المثقف والسلطة وسبل كسب العيش في السودان د. عبدالوهاب الأفندي
06/11/2007
يبدو أن أبعاد الأزمة السياسية ـ الأخلاقية ـ المعرفية التي ناءت بكلكلها علي سوداننا الحبيب أكثر عمقاً وتشعباً من أسوأ التوقعات حولها. ويتجلي هذا في طبيعة ومستوي الحوار الدائر حول الأزمة، الذي يسيطر عليه -مع استثناءات مهمة ـ الطابع الحزبي أو الأيديولوجي الضيق، والتراشق بالتهم والتنابز بالألقاب. وعلي الرغم من الظاهرة الصحية التي تمثلت في زيادة عدد المعلقين وكتاب الأعمدة المستقلين في الصحافة السودانية، إلا أن هؤلاء كثيراً ما يعانون من أزمة مزدوجة تتمثل في التصنيف المسبق ممن لا يرضيه حديثهم، إضافة إلي عدم الفهم لمنطلقاتهم خاصة من الجهات الحكومية (وكثير من الجهات الحزبية والمعارضة) التي تعتبر كل نقد عملاً عدائياً. ولا يخلو الأمر من تراشق بين بعضهم وتنابز بالألقاب يعيد بعضهم إلي خانة الانتماء الأيديولوجي حين يجد الجد. ولا يعني هذا بحال أننا ننتقد الإنتماء الحزبي أو العقائدي أو نعتبره مذمة أو منقصة، بل بالعكس، فإن الإنتماء السياسي ـ خاصة حين يتجرد من طلب المنفعة الشخصية والولاء الأعمي ـ يمثل مرحلة أعلي من التجرد الأخلاقي ونكران الذات. فالشباب الجامعي وغيرهم من الناشطين الذين يقتطعون من وقتهم وجهدهم (وأحياناً من مواردهم المالية الشحيحة) الكثير لينخرطوا في النضال السياسي، ويشتبكوا مع بعضهم البعض في النقاش حول الهم العام، ويقدمون التضحيات في سبيل ذلك، هم بالقطع أكثر عطاءً وأنبل مقصداً من أولئك الذين يقتصر اهتمامهم علي الشأن الشخصي ومتابعة الدروس، وإن كان طلب العلم في حد ذاته قيمة اجتماعية يتعدي نفعها الشخص المعني إلي مجتمعه. ولكن من جمع الحسنيين من الجد في طلب العلم مع الاشتغال النشط بالشأن العام يستحق ما فضل به الله المجاهدين علي القاعدين.وهناك مع ذلك درجة أعلي، هي درجة المثقف المشتغل بالشأن العام من منطلق غير حزبي، أو بدون أن يسجن نفسه في قالب حزبي ضيق. مثل هذه الشخصيات ضرورية لأنها تلعب دور ضمير المجتمع، لأنها لا تعارض السلطة فقط، بل قد تعارض المواقف والقيم والمعتقدات السائدة في المجتمع، وتتحمل في سبيل ذلك الأذي. وقد يتعرض أفراد هذه الطائفة للاضطهاد، وربما القتل، وفي أحيان كثيرة لا يعرف الناس فضلهم إلا بعد رحيلهم عن الدنيا. ولكن ما يتمتعون به من تجرد أخلاقي وصلابة مبدئية يجعلهم يتميزون عن غيرهم، وينال الاعتراف حتي من خصومهم.ولأسباب لا تخفي فإن هذا الدور لا يمكن أن تلعبه إلا قلة من الناس، أولاً لأن المؤهلات اللازمة له نادرة، وثانياً لما يتطلبه من تضحيات جسام. ذلك أن من يمتلك مثل هذه المؤهلات النادرة يكون ميالاً لاستثمارها فيما يعود عليه بالنفع القريب. وعليه فحتي حين نتأمل في الأفذاذ الذين ارتبطت أسماؤهم بمثل هذه المقامات عبر التاريخ (علي سبيل المثال لا الحصر: سقراط، أحمد بن حنبل، توماس مور، إلخ..) فإننا نجد أكثرهم اضطر اضطراراً إلي ركوب هذا المركب الصعب، في حين كانوا يفضلون السلامة. ولكن ما يميزهم هم أهم حين امتحنوا اجتازوا الامتحان بنجاح وصمدوا علي ما رأوا أنه الحق حتي النهاية المرة.الذي تغير مع مطلع الحداثة وبزوغ العصر الرأسمالي هو ظهور إمكانية أن يجمع المثقف بين استثمار مواهبه لمنفعته الشخصية مع الاحتفاظ بتعاليه الأخلاقي علي العالم من حوله. ولهذا لم يكن عجباً أن كان أحد أبرز الرموز للمثقف العام في العصر الحديث هو ايميل زولا، الروائي الفرنسي الذي تحدي في مقاله إني اتهم السلطات القائمة والرأي العام في نفس الوقت. ولكن زولا كما نعرف كان روائياً مشهوراً يكسب مبالغ طائلة من عائد بيع رواياته، وبالتالي لا يحتاج إلي أن يقف بباب سلطان يسأله العطاء، ولا يخشي أن يفقد وظيفة يعتمد عليها هو وعياله، ويخشي الهلاك إن فقدها. ولأنه معروف ومشهور فإنه لم يكن يخشي بأس السلطة ولا سلطان الرأي العام، بل كانت السلطة تخشاه والرأي العام يهابه. وهكذا يمكن ان يقال أن المثقف الحديث ودوره العام هما النتاج المباشر لإقتصاد السوق وبنية الدولة الحديثة وتمايز المؤسسات فيها. فقيام الإعلام وصناعة النشر المستقلين، إضافة إلي الاستقلال الذي تمتعت به المؤسسات الأكاديمية، حرم أهل السلطة من استخدام سلاح قطع الأرزاق كوسيلة ضغط لإخضاع المثقف لسلطانهم.وهنا بالضبط تكمن إشكالية المثقف في السودان ومعظم الدول العربية والإفريقية التي تعجز أسواقها المتواضعة عن دعم صناعة الثقافة، ولا تتمتع مؤسساتها الثقافية والأكاديمية باستقلال كاف. وأهم من كل ذلك فإن العمل في هذه المؤسسات حتي وإن تمتعت باستقلال محدود أصبح لا يمكن المثقف من أسلوب معيشة الطبقة الوسطي الذي أصبح المثقف يراه حقاً له، ولازمة من لوازم الكرامة والمكانة الاجتماعية اللائقة. وقد تكرس هذا الوضع في السودان ومعظم دول المنطقة بعد الطفرة النفطية في السبعينات وما تبعها من أزمات اقتصادية عصفت باقتصاد هذه الدول وكانت الطبقة المتعلمة وعلي رأسها المثقفون من أول ضحاياها. وقد أصبحت خيارات الطبقة المثقفة محدودة جداً، فإما الهجرة أو الالتحاق بركب السلطة أو الرضي بعيش الكفاف مكرهين.إضافة إلي هذا فإن الحكومات غير الديمقراطية تتعمد زيادة تضييق مساحة الاستقلال المتاحة كما فعلت حكومتنا السنية القائمة اليوم، والتي نستغفر الله من وزر المساهمة في سيئ أعمالها. فقد زادت الطين بلة، حيث زادت الناس فقراً علي فقر في أول عهدها، ثم لم تكتف بذلك فاستخدمت سلاح قطع الأرزاق ـ علي قلة غنائها ـ عمن لم ترض عنهم أو شكت في ولائهم، حتي أفقدت المؤسسات الأكاديمية والثقافية كل استقلال. وهي وإن كانت قد تراجعت مكرهة عن بعض تلك السياسات، خاصة فيما يتعلق بالرجوع إلي مبادئ اقتصاد السوق وإتاحة قدر لا بأس به من حرية الإعلام، إلا أنها أخذت تستخدم عين آليات اقتصاد السوق لتطويع المثقفين والكتاب. فهي من جهة تستخدم سلاح الإعلان لتطويع الصحافة، وتستغل تركيز الموارد في يدها ـ إما مباشرة عبر عائدات النفط، أو غير مباشرة عبر سيطرة الموالين علي قطاعات مهمة من السوق ـ لإغداق العطاء علي من ترضي وفرض الحرمان علي من عاند.هناك إضافة إلي ذلك دلائل علي أن الإشكالية تتعدي الحكومة الحالية وممارساتها إلي ما هو أعمق، لأن بنية الأحزاب السودانية القائمة تعاني من إشكاليات مماثلة ترهن إرادة مثقفيها للقيادات الطائفية أو القبلية أو (في حالة الجنوب) العسكرية، رغم قيام محاولات عدة للخروج من هذا الإسار منذ مؤتمر الخريجين مروراً بإنشاء الحزب الوطني الاتحادي ثم محاولة إعادة إحيائه في منتصف الثمانينات قبل أن يعود رموزه إلي بيت الطاعة الطائفي. وبين هذا وذاك كانت هناك محاولات أخري، منها إنشاء جبهة الهيئات عشية ثورة أكتوبر 1964 ومحاولة مشابهة مع انتفاضة نيسان (أبريل) 1985. ولكن فشل هذه المحاولات عمق إشكالية وضع المثقف السوداني المستقل وعجزه عن أن يفرض وجوده وسلطته الأخلاقية وإيصال صوته إلي الشعب مباشرة.ولا بد أن نكرر هنا إلي أن هذا لا يعتبر انتقاداً (علي الأقل ليس في هذا المقام) للأحزاب الطائفية أو حتي للقبلية، رغم تحفظاتنا علي البني والطبيعة غير الديمقراطية لهذه التركيبات. فهذه المؤسسات لها دور إيجابي يمكن أن تلعبه في الفضاء السياسي والاجتماعي. ولكن الإشكال هو في التناقض الذي يعيشه المثقف السوداني الذي يفضل أن يمارس دوره السياسي في استقلال عن هذه الكيانات، كما عبرت عن ذلك طلائع المثقفين منذ أيام مؤتمر الخريجين بل منذ مطلع العشرينات، ولكنه يجد نفسه مكرهاً للسير في ركابها. نفس الشيء يمكن أن يقال عن قطاع واسع من الإسلاميين يعارضون سياسات الحكومة الحالية والأسلوب غير الديمقراطي لاتخاذ القرار في أروقتها، ولكنهم يختارون مع ذلك الاستمرار في العمل من داخلها لاعتبارات عدة ليست كلها شخصية.هناك رأي يقول بأن هذا التصور لدور ريادي للمثقف هو من قبيل المثالية الساذجة، إذ أن من الأفضل بكثير العمل من داخل الحكومة أو الأحزاب القائمة من التعلق بأوهام كمال وتجرد بعيدة عن الواقع. ويزيد هؤلاء فيقولون إن مثل هذه الدعاوي المثالية الحالمة تصدر في الغالب من أشخاص مثلنا يقيمون في الخارج ولا يتعرضون مثل غيرهم للمعاناة والضغوط التي يتعرض لها المثقف السوداني في الوطن. وترتبط هذه التهمة بتهمة أخري تقول ان مثل هذه التحليلات تنضح بالتعالي الأخلاقي، وهي تهمة أطلقها البعض في إطار مختلف، كما فعل الأخ أمين حسن عمر في تعليقه علي اتهامي للحركة الإسلامية بالتعالي الأخلاقي علي بقية عباد الله.ويجب أن أعترف بأن في هذه الاتهامات قدراً من الصحة، فنحن مثل بقية المثقفين تعودنا أسلوب حياة الطبقة الوسطي، ولا شك أن إدراكنا أن مواقفنا الممانعة لن تكلفنا خسارة هذا الأسلوب بسبب وضعنا المتميز في الغرب والخيارات المتاحة لنا يؤثر في قراراتنا. ولكن من جهة أخري فإن الاتهام بالمثالية المفرطة في غير محله، لأننا مثل غيرنا كنا علي استعداد للتعامل مع الواقع علي مبدأ أن ما لا يدرك جله لا يترك كله. ومن هذا المنطلق تعاونا مع الحكومة الحالية علي أساس مبادئ وأهداف مشتركة عمادها أولاً دفع الضرر الذي كان يحيق باستقرار بل وجود الوطن حينها، ثم محاولة إيجاد صيغة توافقية تخرج البلاد من أزمتها. ولكن هناك فرقا بين الواقعية التي تقول إننا نبدأ من الواقع كما هو ثم ننتقل منه إلي ما هو أفضل، وبين الاستسلام لهذا الواقع والبقاء أسري له، بل والانحدار منه إلي الأسوأ. فليس من يقفز إلي المستنقع لينقذ العالقين فيه كمن يتخذ المستنقع مستقراً له ويتكيف مع الحياة الدائمة في داخله. والإشكال عن أكثر مثقفينا أنهم يبررون ـ وكثير منهم مخلصون في اعتقادهم ذاك ـ الصفقات التي يدخلون فيها بأنها ترتيبات مؤقتة تهدف للتغير من الداخل ، إلا أن التغيير يحدث في داخلهم هم، بينما يبقي الواقع علي ما هو عليه أو يزداد سوءاً. من جهة أخري فإنه من المجافاة للحقيقة أن يقال ان المثقفين السودانيين في مجملهم اختاروا المداهنة إلا من أغناه الله من فضله. فهناك الكثيرون ممن اختاروا التضحية، وحتي دخول السجن أو المنافي علي المداهنة. وهناك من ضحي بحياته من أجل المبادئ. وقد مرت علي البلاد أجيال من المفكرين والسياسيين اختارت باستمرار العفة والاستقامة والزهد في متاع الدنيا الزائل حتي حين آلت إليهم السلطة. بل هناك من تميزوا في هذا المجال واتخذوا الزهد منهجاً ومذهباً. وفي هذا المجال يحضرني مثال المفكر الراحل محمود محمد طه، الذي أختلف تماماً مع مذهبه العقائدي، ولكن أي مراقب لا يسعه إلا أن يحترم منهجه في الزهد المنهجي (لا زهد الاضطرار) في المظهر والمعاش، ناهيك بالثبات علي المبدأ حتي الموت.ولكن إشكالية أكثر مثقفينا لا تكمن في الجنوح إلي الفساد واختيار المنفعة الشخصية مثلما تكمن في الواقعية المفرطة، واستعجال النتائج وقلة الصبر علي الطريق الطويل. فهناك كثيرون انتموا إلي كيانات ثورية بطبعها، مثل أحزاب اليسار والحركات الإسلامية أو حتي الحركة الشعبية، وقدموا التضحيات من جراء من ذلك الانتماء، ولكنهم حين شهدت تلك الحركات انحرافات بينة حتي بمقاييسها هي، فضلوا البقاء فيها علي المفاصلة والبراءة، تبعاً للحجة المكررة بأن حركتهم علي علاتها هي أفضل من غيرها. وهذا هو أس البلاء.
06/11/2007
يبدو أن أبعاد الأزمة السياسية ـ الأخلاقية ـ المعرفية التي ناءت بكلكلها علي سوداننا الحبيب أكثر عمقاً وتشعباً من أسوأ التوقعات حولها. ويتجلي هذا في طبيعة ومستوي الحوار الدائر حول الأزمة، الذي يسيطر عليه -مع استثناءات مهمة ـ الطابع الحزبي أو الأيديولوجي الضيق، والتراشق بالتهم والتنابز بالألقاب. وعلي الرغم من الظاهرة الصحية التي تمثلت في زيادة عدد المعلقين وكتاب الأعمدة المستقلين في الصحافة السودانية، إلا أن هؤلاء كثيراً ما يعانون من أزمة مزدوجة تتمثل في التصنيف المسبق ممن لا يرضيه حديثهم، إضافة إلي عدم الفهم لمنطلقاتهم خاصة من الجهات الحكومية (وكثير من الجهات الحزبية والمعارضة) التي تعتبر كل نقد عملاً عدائياً. ولا يخلو الأمر من تراشق بين بعضهم وتنابز بالألقاب يعيد بعضهم إلي خانة الانتماء الأيديولوجي حين يجد الجد. ولا يعني هذا بحال أننا ننتقد الإنتماء الحزبي أو العقائدي أو نعتبره مذمة أو منقصة، بل بالعكس، فإن الإنتماء السياسي ـ خاصة حين يتجرد من طلب المنفعة الشخصية والولاء الأعمي ـ يمثل مرحلة أعلي من التجرد الأخلاقي ونكران الذات. فالشباب الجامعي وغيرهم من الناشطين الذين يقتطعون من وقتهم وجهدهم (وأحياناً من مواردهم المالية الشحيحة) الكثير لينخرطوا في النضال السياسي، ويشتبكوا مع بعضهم البعض في النقاش حول الهم العام، ويقدمون التضحيات في سبيل ذلك، هم بالقطع أكثر عطاءً وأنبل مقصداً من أولئك الذين يقتصر اهتمامهم علي الشأن الشخصي ومتابعة الدروس، وإن كان طلب العلم في حد ذاته قيمة اجتماعية يتعدي نفعها الشخص المعني إلي مجتمعه. ولكن من جمع الحسنيين من الجد في طلب العلم مع الاشتغال النشط بالشأن العام يستحق ما فضل به الله المجاهدين علي القاعدين.وهناك مع ذلك درجة أعلي، هي درجة المثقف المشتغل بالشأن العام من منطلق غير حزبي، أو بدون أن يسجن نفسه في قالب حزبي ضيق. مثل هذه الشخصيات ضرورية لأنها تلعب دور ضمير المجتمع، لأنها لا تعارض السلطة فقط، بل قد تعارض المواقف والقيم والمعتقدات السائدة في المجتمع، وتتحمل في سبيل ذلك الأذي. وقد يتعرض أفراد هذه الطائفة للاضطهاد، وربما القتل، وفي أحيان كثيرة لا يعرف الناس فضلهم إلا بعد رحيلهم عن الدنيا. ولكن ما يتمتعون به من تجرد أخلاقي وصلابة مبدئية يجعلهم يتميزون عن غيرهم، وينال الاعتراف حتي من خصومهم.ولأسباب لا تخفي فإن هذا الدور لا يمكن أن تلعبه إلا قلة من الناس، أولاً لأن المؤهلات اللازمة له نادرة، وثانياً لما يتطلبه من تضحيات جسام. ذلك أن من يمتلك مثل هذه المؤهلات النادرة يكون ميالاً لاستثمارها فيما يعود عليه بالنفع القريب. وعليه فحتي حين نتأمل في الأفذاذ الذين ارتبطت أسماؤهم بمثل هذه المقامات عبر التاريخ (علي سبيل المثال لا الحصر: سقراط، أحمد بن حنبل، توماس مور، إلخ..) فإننا نجد أكثرهم اضطر اضطراراً إلي ركوب هذا المركب الصعب، في حين كانوا يفضلون السلامة. ولكن ما يميزهم هم أهم حين امتحنوا اجتازوا الامتحان بنجاح وصمدوا علي ما رأوا أنه الحق حتي النهاية المرة.الذي تغير مع مطلع الحداثة وبزوغ العصر الرأسمالي هو ظهور إمكانية أن يجمع المثقف بين استثمار مواهبه لمنفعته الشخصية مع الاحتفاظ بتعاليه الأخلاقي علي العالم من حوله. ولهذا لم يكن عجباً أن كان أحد أبرز الرموز للمثقف العام في العصر الحديث هو ايميل زولا، الروائي الفرنسي الذي تحدي في مقاله إني اتهم السلطات القائمة والرأي العام في نفس الوقت. ولكن زولا كما نعرف كان روائياً مشهوراً يكسب مبالغ طائلة من عائد بيع رواياته، وبالتالي لا يحتاج إلي أن يقف بباب سلطان يسأله العطاء، ولا يخشي أن يفقد وظيفة يعتمد عليها هو وعياله، ويخشي الهلاك إن فقدها. ولأنه معروف ومشهور فإنه لم يكن يخشي بأس السلطة ولا سلطان الرأي العام، بل كانت السلطة تخشاه والرأي العام يهابه. وهكذا يمكن ان يقال أن المثقف الحديث ودوره العام هما النتاج المباشر لإقتصاد السوق وبنية الدولة الحديثة وتمايز المؤسسات فيها. فقيام الإعلام وصناعة النشر المستقلين، إضافة إلي الاستقلال الذي تمتعت به المؤسسات الأكاديمية، حرم أهل السلطة من استخدام سلاح قطع الأرزاق كوسيلة ضغط لإخضاع المثقف لسلطانهم.وهنا بالضبط تكمن إشكالية المثقف في السودان ومعظم الدول العربية والإفريقية التي تعجز أسواقها المتواضعة عن دعم صناعة الثقافة، ولا تتمتع مؤسساتها الثقافية والأكاديمية باستقلال كاف. وأهم من كل ذلك فإن العمل في هذه المؤسسات حتي وإن تمتعت باستقلال محدود أصبح لا يمكن المثقف من أسلوب معيشة الطبقة الوسطي الذي أصبح المثقف يراه حقاً له، ولازمة من لوازم الكرامة والمكانة الاجتماعية اللائقة. وقد تكرس هذا الوضع في السودان ومعظم دول المنطقة بعد الطفرة النفطية في السبعينات وما تبعها من أزمات اقتصادية عصفت باقتصاد هذه الدول وكانت الطبقة المتعلمة وعلي رأسها المثقفون من أول ضحاياها. وقد أصبحت خيارات الطبقة المثقفة محدودة جداً، فإما الهجرة أو الالتحاق بركب السلطة أو الرضي بعيش الكفاف مكرهين.إضافة إلي هذا فإن الحكومات غير الديمقراطية تتعمد زيادة تضييق مساحة الاستقلال المتاحة كما فعلت حكومتنا السنية القائمة اليوم، والتي نستغفر الله من وزر المساهمة في سيئ أعمالها. فقد زادت الطين بلة، حيث زادت الناس فقراً علي فقر في أول عهدها، ثم لم تكتف بذلك فاستخدمت سلاح قطع الأرزاق ـ علي قلة غنائها ـ عمن لم ترض عنهم أو شكت في ولائهم، حتي أفقدت المؤسسات الأكاديمية والثقافية كل استقلال. وهي وإن كانت قد تراجعت مكرهة عن بعض تلك السياسات، خاصة فيما يتعلق بالرجوع إلي مبادئ اقتصاد السوق وإتاحة قدر لا بأس به من حرية الإعلام، إلا أنها أخذت تستخدم عين آليات اقتصاد السوق لتطويع المثقفين والكتاب. فهي من جهة تستخدم سلاح الإعلان لتطويع الصحافة، وتستغل تركيز الموارد في يدها ـ إما مباشرة عبر عائدات النفط، أو غير مباشرة عبر سيطرة الموالين علي قطاعات مهمة من السوق ـ لإغداق العطاء علي من ترضي وفرض الحرمان علي من عاند.هناك إضافة إلي ذلك دلائل علي أن الإشكالية تتعدي الحكومة الحالية وممارساتها إلي ما هو أعمق، لأن بنية الأحزاب السودانية القائمة تعاني من إشكاليات مماثلة ترهن إرادة مثقفيها للقيادات الطائفية أو القبلية أو (في حالة الجنوب) العسكرية، رغم قيام محاولات عدة للخروج من هذا الإسار منذ مؤتمر الخريجين مروراً بإنشاء الحزب الوطني الاتحادي ثم محاولة إعادة إحيائه في منتصف الثمانينات قبل أن يعود رموزه إلي بيت الطاعة الطائفي. وبين هذا وذاك كانت هناك محاولات أخري، منها إنشاء جبهة الهيئات عشية ثورة أكتوبر 1964 ومحاولة مشابهة مع انتفاضة نيسان (أبريل) 1985. ولكن فشل هذه المحاولات عمق إشكالية وضع المثقف السوداني المستقل وعجزه عن أن يفرض وجوده وسلطته الأخلاقية وإيصال صوته إلي الشعب مباشرة.ولا بد أن نكرر هنا إلي أن هذا لا يعتبر انتقاداً (علي الأقل ليس في هذا المقام) للأحزاب الطائفية أو حتي للقبلية، رغم تحفظاتنا علي البني والطبيعة غير الديمقراطية لهذه التركيبات. فهذه المؤسسات لها دور إيجابي يمكن أن تلعبه في الفضاء السياسي والاجتماعي. ولكن الإشكال هو في التناقض الذي يعيشه المثقف السوداني الذي يفضل أن يمارس دوره السياسي في استقلال عن هذه الكيانات، كما عبرت عن ذلك طلائع المثقفين منذ أيام مؤتمر الخريجين بل منذ مطلع العشرينات، ولكنه يجد نفسه مكرهاً للسير في ركابها. نفس الشيء يمكن أن يقال عن قطاع واسع من الإسلاميين يعارضون سياسات الحكومة الحالية والأسلوب غير الديمقراطي لاتخاذ القرار في أروقتها، ولكنهم يختارون مع ذلك الاستمرار في العمل من داخلها لاعتبارات عدة ليست كلها شخصية.هناك رأي يقول بأن هذا التصور لدور ريادي للمثقف هو من قبيل المثالية الساذجة، إذ أن من الأفضل بكثير العمل من داخل الحكومة أو الأحزاب القائمة من التعلق بأوهام كمال وتجرد بعيدة عن الواقع. ويزيد هؤلاء فيقولون إن مثل هذه الدعاوي المثالية الحالمة تصدر في الغالب من أشخاص مثلنا يقيمون في الخارج ولا يتعرضون مثل غيرهم للمعاناة والضغوط التي يتعرض لها المثقف السوداني في الوطن. وترتبط هذه التهمة بتهمة أخري تقول ان مثل هذه التحليلات تنضح بالتعالي الأخلاقي، وهي تهمة أطلقها البعض في إطار مختلف، كما فعل الأخ أمين حسن عمر في تعليقه علي اتهامي للحركة الإسلامية بالتعالي الأخلاقي علي بقية عباد الله.ويجب أن أعترف بأن في هذه الاتهامات قدراً من الصحة، فنحن مثل بقية المثقفين تعودنا أسلوب حياة الطبقة الوسطي، ولا شك أن إدراكنا أن مواقفنا الممانعة لن تكلفنا خسارة هذا الأسلوب بسبب وضعنا المتميز في الغرب والخيارات المتاحة لنا يؤثر في قراراتنا. ولكن من جهة أخري فإن الاتهام بالمثالية المفرطة في غير محله، لأننا مثل غيرنا كنا علي استعداد للتعامل مع الواقع علي مبدأ أن ما لا يدرك جله لا يترك كله. ومن هذا المنطلق تعاونا مع الحكومة الحالية علي أساس مبادئ وأهداف مشتركة عمادها أولاً دفع الضرر الذي كان يحيق باستقرار بل وجود الوطن حينها، ثم محاولة إيجاد صيغة توافقية تخرج البلاد من أزمتها. ولكن هناك فرقا بين الواقعية التي تقول إننا نبدأ من الواقع كما هو ثم ننتقل منه إلي ما هو أفضل، وبين الاستسلام لهذا الواقع والبقاء أسري له، بل والانحدار منه إلي الأسوأ. فليس من يقفز إلي المستنقع لينقذ العالقين فيه كمن يتخذ المستنقع مستقراً له ويتكيف مع الحياة الدائمة في داخله. والإشكال عن أكثر مثقفينا أنهم يبررون ـ وكثير منهم مخلصون في اعتقادهم ذاك ـ الصفقات التي يدخلون فيها بأنها ترتيبات مؤقتة تهدف للتغير من الداخل ، إلا أن التغيير يحدث في داخلهم هم، بينما يبقي الواقع علي ما هو عليه أو يزداد سوءاً. من جهة أخري فإنه من المجافاة للحقيقة أن يقال ان المثقفين السودانيين في مجملهم اختاروا المداهنة إلا من أغناه الله من فضله. فهناك الكثيرون ممن اختاروا التضحية، وحتي دخول السجن أو المنافي علي المداهنة. وهناك من ضحي بحياته من أجل المبادئ. وقد مرت علي البلاد أجيال من المفكرين والسياسيين اختارت باستمرار العفة والاستقامة والزهد في متاع الدنيا الزائل حتي حين آلت إليهم السلطة. بل هناك من تميزوا في هذا المجال واتخذوا الزهد منهجاً ومذهباً. وفي هذا المجال يحضرني مثال المفكر الراحل محمود محمد طه، الذي أختلف تماماً مع مذهبه العقائدي، ولكن أي مراقب لا يسعه إلا أن يحترم منهجه في الزهد المنهجي (لا زهد الاضطرار) في المظهر والمعاش، ناهيك بالثبات علي المبدأ حتي الموت.ولكن إشكالية أكثر مثقفينا لا تكمن في الجنوح إلي الفساد واختيار المنفعة الشخصية مثلما تكمن في الواقعية المفرطة، واستعجال النتائج وقلة الصبر علي الطريق الطويل. فهناك كثيرون انتموا إلي كيانات ثورية بطبعها، مثل أحزاب اليسار والحركات الإسلامية أو حتي الحركة الشعبية، وقدموا التضحيات من جراء من ذلك الانتماء، ولكنهم حين شهدت تلك الحركات انحرافات بينة حتي بمقاييسها هي، فضلوا البقاء فيها علي المفاصلة والبراءة، تبعاً للحجة المكررة بأن حركتهم علي علاتها هي أفضل من غيرها. وهذا هو أس البلاء.
--------------------------------------------------------------
ثقافة ومجتمع 04.11.2007
"النساء وا
لسياسة في المغرب" ـ محاولة لتفسير غياب المرأة عن مواقع صنع القرار
مكانة المرأة الإجتماعية تحول دون تفعيل دورها السياسي
تبقى قضية المرأة، ليس فقط في المغرب ولكن في الأقطار العربية عموما، محكا لكل تطور حقيقي نحو الديمقراطية. الباحثة المغربية صورية موقيت تعالج أسباب غياب المرأة المغربية عن مواقع صنع القرار في كتاب صدر لها بالألمانية.
يظل إقبال المرأة على العمل السياسي في المغرب كما في بقية الدول العربية ـ الإسلامية ضعيفا مقارنة بإقبال الرجل. فالسياسة كانت وما تزال نشاطا محصورا إلى حد كبير على الرجال، لكن حركات التحرر الوطني ساهمت في تسييس المرأة وتحويلها من مجرد موضوع للسياسة إلى فاعل سياسي، كما أن تضافر عناصر موضوعية أخرى، وعلى رأسها التعليم وخروج المرأة إلى العمل وظاهرة التمدن المتسارعة، كلها عوامل ساهمت في هذه الصيرورة.
عوائق اقتصادية واجتماعية جمة
مشاركة النساء في صناعة القرار السياسي تساهم في تغيير وتطوير الثقافة السياسية لكل مجتمع
ترى الباحثة الاجتماعية صورية موقيت في كتابها "النساء والمشاركة السياسية في المسلسل الديمقراطي المغربي"، الذي صدر باللغة الألمانية عن دار إيكو للنشر، أن أبحاث المشاركة السياسية للنساء تؤكد بأن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمرأة، وخصوصا لدى الطبقات الشعبية الفقيرة، هي التي تحول دون مشاركتها في العمل السياسي وتعمل على إقصاءها من هذا المجال. كما ترى أن العنصر الثقافي يلعب دورا كبيرا في هذا الإقصاء، إذ أن ثقافة ذكورية في مبادئها وممارستها، لا تسمح للمرأة ولو بالتفكير في الانخراط في العمل السياسي، أما التنشئة الاجتماعية فلا تهيئ المرأة لدخول غمار العمل السياسي. ولربما هذا ما يفسر وضعية المرأة السياسية في المغرب.
فمنذ استقلال البلاد وحتى سنة 2004، لم يتجاوز عدد النساء اللواتي دخلن البرلمان الأربعين. فمازالت المرأة أقلية في البرلمان ومهمشة إلى حد كبير مقارنة بالحجم الديموغرافي للنساء داخل المجتمع وبالنظر إلى عدد النساء المنتميات إلى الأحزاب السياسية. وهو أمر يسري على كل البرلمانات العربية، التي لا يتجاوز التمثيل النسوي فيها أربعة في المائة، مقابل ثمانية في المائة في البرلمانات الإفريقية وعشرة في المائة في برلمانات أمريكا اللاتينية وثلاثين في المائة في برلمانات الدول الاسكندينافية.
الالتزام السياسي للنساء: خطوة نحو تغيير الثقافة السياسية
"النساء وا
لسياسة في المغرب" ـ محاولة لتفسير غياب المرأة عن مواقع صنع القرارمكانة المرأة الإجتماعية تحول دون تفعيل دورها السياسي
تبقى قضية المرأة، ليس فقط في المغرب ولكن في الأقطار العربية عموما، محكا لكل تطور حقيقي نحو الديمقراطية. الباحثة المغربية صورية موقيت تعالج أسباب غياب المرأة المغربية عن مواقع صنع القرار في كتاب صدر لها بالألمانية.
يظل إقبال المرأة على العمل السياسي في المغرب كما في بقية الدول العربية ـ الإسلامية ضعيفا مقارنة بإقبال الرجل. فالسياسة كانت وما تزال نشاطا محصورا إلى حد كبير على الرجال، لكن حركات التحرر الوطني ساهمت في تسييس المرأة وتحويلها من مجرد موضوع للسياسة إلى فاعل سياسي، كما أن تضافر عناصر موضوعية أخرى، وعلى رأسها التعليم وخروج المرأة إلى العمل وظاهرة التمدن المتسارعة، كلها عوامل ساهمت في هذه الصيرورة.
عوائق اقتصادية واجتماعية جمة
مشاركة النساء في صناعة القرار السياسي تساهم في تغيير وتطوير الثقافة السياسية لكل مجتمع
ترى الباحثة الاجتماعية صورية موقيت في كتابها "النساء والمشاركة السياسية في المسلسل الديمقراطي المغربي"، الذي صدر باللغة الألمانية عن دار إيكو للنشر، أن أبحاث المشاركة السياسية للنساء تؤكد بأن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمرأة، وخصوصا لدى الطبقات الشعبية الفقيرة، هي التي تحول دون مشاركتها في العمل السياسي وتعمل على إقصاءها من هذا المجال. كما ترى أن العنصر الثقافي يلعب دورا كبيرا في هذا الإقصاء، إذ أن ثقافة ذكورية في مبادئها وممارستها، لا تسمح للمرأة ولو بالتفكير في الانخراط في العمل السياسي، أما التنشئة الاجتماعية فلا تهيئ المرأة لدخول غمار العمل السياسي. ولربما هذا ما يفسر وضعية المرأة السياسية في المغرب.
فمنذ استقلال البلاد وحتى سنة 2004، لم يتجاوز عدد النساء اللواتي دخلن البرلمان الأربعين. فمازالت المرأة أقلية في البرلمان ومهمشة إلى حد كبير مقارنة بالحجم الديموغرافي للنساء داخل المجتمع وبالنظر إلى عدد النساء المنتميات إلى الأحزاب السياسية. وهو أمر يسري على كل البرلمانات العربية، التي لا يتجاوز التمثيل النسوي فيها أربعة في المائة، مقابل ثمانية في المائة في البرلمانات الإفريقية وعشرة في المائة في برلمانات أمريكا اللاتينية وثلاثين في المائة في برلمانات الدول الاسكندينافية.
الالتزام السياسي للنساء: خطوة نحو تغيير الثقافة السياسية

مساواة المرأة محك حقيقي لتطور الديمقراطية
يعتبر كتاب صورية مقيت بحثا اجتماعيا، لكن خصوصية البحث فرضت تقاطع عدد من المناهج، فلم تكتف الباحثة باعتماد مناهج البحث الاجتماعي، بل انفتحت على مناهج علوم أخرى متاخمة له كالأنثروبولوجيا والتاريخ وعلوم الدين، كما أنها لم تقف عند المجال الميكروسيوسيولوجي بل تعدته إلى مجال دراسة بنيات المجتمع وتقاطعاتها الماكروسوسيولوجية كما كان من الضروري التطرق إلى التطور السياسي والتاريخي والاجتماعي للمغرب منذ الاستقلال إلى سنة 2005، من أجل رصد طبيعة المخاض السوسيو ـ اقتصادي والسياسي الذي عاشه المجتمع المغربي ومدى تأثير ذلك على المشاركة السياسية للنساء المغربيات وعلى مستوى تواجدهن في المؤسسات السياسية للبلاد.
وتُقيم الباحثة المشاركة السياسية للنساء المغربيات بصورة ايجابية رغم استمرار حضور "ثقافة المخزن" والثقافة الدينية داخل المجتمع، وتخلص إلى أن الالتزام السياسي والمشاركة السياسية للنساء المغربيات ساهما في انتشار نسبي لثقافة الحوار داخل المجتمع المغربي.

وتبقى قضية المرأة، وليس فقط في المغرب ولكن في الأقطار العربية عموما، محك لكل تطور نحو الديمقراطية، نقطة تقاطع بين قيم التقليد وقيم الحداثة، أو بين الماضي والمستقبل، وامتحان لقدرة كل مجتمع على الانفتاح أكثر نحو الداخل: المرأة، كما الخارج: الآخر.
رشيد بوطيب
دويتشه فيله
---------------------------------------------------
---------------------------------------------------