
لا أعرف كيف أنتهى الضرب والجلد.. كما لم أعرف كيف فكوا وثاقي.. أومتى نزعوا الدولاب من حول جسدي والمرسة والقارس من حول كاحلي.
لم أعرف متى أنتهوا مني.
لكني أعرف أنهم كانوا متفانون في عملهم إلى أبعد الحدود من خلال أبدانهم المرنة ومهاراتهم العالية في التهشيم وأسلوبهم المحكم في قلب الطبائع والاستئثار بالروح وتهميشها.
بعد أن أنتهوا مني تركوني لشأني.. لجراحي العميقة. لم يعد أحدهم يعرني أي أهتمام.
تركوني مرمياً على الأرض تحت أقدامهم.بعدها.. علمت إنني وحدي أئِنُ.
جنون الألم تسلل إلى حواسي كلها.. فرش زاده على مساحة الأهداب الدموية النافرة من جلدي المشروخ, كان هذا الجنون قريباً مني.. نائماً على فوهة بركان راقد, في لحظة تحفزه العالية, ناشراً القشعريرة الموجعة فوق وسائد الحيرة ومواقد القلب والروح.
لم يبق مني إلا صوت الأنين الممزق الخائر. أنين مبحوح.. مخنوق. أنين رخو وضعيف يخرج بشكل متقطع من حنجرتي بخواء متعرج ناء.
حواسي كلها مشدودة إلى هذا الطيف اليقظ القادم على الوسائد المطوقة بالوجع والألم.
بقيت مسمراً في مكاني كالتائه السكران, لا يعرف ماذا يفعل, ولا يستطيع الحركة والمشي. لم أستطع أن أقف على قدمي. كانت أقدامي في حالة خدرغريبة. تنمل. كأن ملايين من النمل انزلقت بغتة على قدمي, جاءت على شكل أسراب من مكان ما وأستقرت في عقب رجلي. أحسست أن الطبقة السفلة منها لم تعد ملتصوقة بجسدي, كأنها قطعة لحم مفصولة عني.
جلست على مؤخرتي لا أقوى على حمل جسدي. كل شيء فيّ يرتعش. حاولت أن أمسك قدمي لكني لم أحس بها. كانت قواي خائرة تماماً.
لم أكن أدري أن جسدي لديه كل هذا المخزون المخبأ من الألم.. وهذه القدرة على أختزان الوجع ونشره في كل مكان مني
لم أستطع المشي. رحت أزحف على مؤخرتي, منعكفاً مرة داخل روحي المتعبة, وأحبي مرة أخرى, متكئاً على يدي وركبي. أمد إحدى ركبي إلى الأمام مستنداً على راحة كفوف يدي ثم أتبعها بأخرى, بينما أقدامي في الهواء لا اتركها تلامس الارض من كثرة الألم. بهدوء.. قليلاً قليلاً, أمد الخطا على الركب, فتتسلل الرمال الناعمة المذببة إلى جلدي. تتسلل من الأطراف النافرة, لتستقر في طيات جلدي.
في مسيرتي الطويلة, أسمع صوت أنيني كموسيقا مهتوكة الأوصال, مرمياً على بيادرصدئة. صوت يرتطم بالجدارفيرتد علي. أتابع مشواري. الهث واتاوه وأتابع بالرغم عني. أكاد اتقطع من الوجع. تابعت سيري الطويل إلى أن وصلت إلى قرب الجدار. بهدوء.. وهدوء. بهدوء وتأن. رويداً.. رويداً مددت أصابعي المرتجفة على الجدار. فرشتهما ببطء وتركتهما يتعرشوا كشجرة مكسرة القامة, متمايلة الأغصان والفروع. متهالك بتمامه. لكني أريد الوقوف. استندت على الجدار الأخرس, ثم فرشت يدي المرتعشة عليه. في البدء رحت أتحسس قدرتي.. قدرة جسدي على حملي. بدأت ارتقي قليلاً قليلاً في محاولة البقاء واقفاً، لكني لم أستطع. عدت ثانية للجلوس على مؤخرتي أنقب الرمال التي علقت بين, وفي الجراح في عقب قدمي وداخل اللحم المهروس.
أسئلة كثيرة تتوارد في خاطري في تلك اللحظات.. تبقيني في حدود السوداوية والصمت المطبق.
رحت أقول للزمهريروالصدى والهواء:
ـ آه.. يا أماه.
لماذا أنجبت مولودك في بلاد الوجع والخوف.
أية سعادة كان يحملها قلبك بين كفيك حين حلمت بمولود تنتظره المواجع. هل كنت تعرفين أن بلادنا بلادعابرة للمتاهة والسراب.. والقوافل الراحلة. بلاد مفتوحة على الريح والضباب والموت المنقوش على السلالم المعوجة والأغصان المكسرة. بلاد مفروشة على أكوام العواصف والهبوب المتناثرة المرمية هنا وهناك. لماذا كنت تظنين إنني مولود من الحب. بعدها إلى أين كنت تريدين أن أقف. على أي رصيف من أرصفة العمروفي أية لحظة من لحظاته سأقدم كقربان مدمس مسفوح الدم ومهتوك الروح والقلب مثل سنبلة جافة. هل كنت تعلمين على أي قربان من القرابين كنت سأمدد. لماذا بقيت يداك مرفوعتان إلى السماء تناجي أن يخففوا عني أستباحة دمي أمام قدميك. كنت تعلمين يا أماه أنني ولدت على الجمرالمشوب بخضرة عينيك.. أشتعل بينهما مطوق الساقين والقلب. إذاً.. لماذا كنت تبكين ما دمت تعرفين إننا قرابين منذورة للسماء والماء والأرض والتراب كما للطلاسم والظلمة السكرانة والضياع.
وقتها..أحسست أن جذوري مقطوعة وأنني في مهب الريح.
بقيت مسمراً على الأرض، أفتح فمي على وسع، استنشاق المزيد من الهواء, اشهق وازفردون أرادة مني. أحاول أن أرمم النفس الغائرة في البعد. لم أعد أحس بالعالم المحيط بي. نسيت رفاقي وأصدقائي الذين ينتظرون وجبتهم المرصوفة على عمامة الصباح الباردة.. ينتظرون موقد النارالتي ستشتعل في وهاد أجسدهم الغافية.
حالة أشبه بالغثيان والهذيان المكثف, غلفتني, تركتني بعيداً عن حالة الوعي.
استدعيت لحظات الهم قافزاً
قلت:
كنت في مضافة الوجع..غريباً. لم أعد أحس بالانتماء إلى شيء.. إلا إلى الألم.
تركوني وحيداً. لم يعد يلتفتوا إلي, مضوا ينشغلوا بغيري.
كان الصمت ثقيلاً.
زوبعة من الصدى النافذ حركت ذاكرتي التائهة أعادتني إلى جدول الحياة.
في استقالتي عن الأشياء المحيطة بي.. في استلقائي على الأرض المتعبة, رأيت وجهوه متشابهة للجلاد.
وجه واحد.. وجهان.. أو ثلاثة.. أوأكثرلا أدري.. ربما عدة وجوه. لكنها كانت وجوه متباعدة متداخلة ومكثفة في وجه واحد. وجه ضخم للغاية, له أنف عملاق, حاجبان كثان مثل أقواس الأفق المخضبة بالدم الخائب.
عيناه صغيرتان غائرتان في جمجمته الصدئة كالوديان العميقة القاحلة. فمه الكبيركجبل أجرد لا نبتة عليه ولا شجرة, أما أسنانه فقد كانت صفراء مائلة للسواد, بشرته متغيرة ومتبدله حسب الطقوس والمكان . فمرة رمادي ومرات أخرى سمراء داكنة أو سوداء معتمة. أما جسده فقد كان مشوه الخرائط . في كل مرة يبدو الجلاد في لون وشكل. في هذه الأجواء, في طقوس الصباح الكانوني البارد كان وجهه ممتقعاً مائلاً الى اللون الأسود. لم يكن له إلا جسد متأكل دون تراسيم متناسقة.
كان الجلاد في لحظة الشبق العليا حاراً.. لحظة ألتحامه بنفسه.. ماسكاً صمته بيده.. أدوات تعبيره عن ذاته.. أدوات بقاءه.
لم أرالعصافيرفي هذه السماء.. كما لم أسمع صوتها.
فرت وهربت إلى أطراف أخرى من عمارة العالم.
بالتأكيد أنها تزقزق في مكان ما من هذا العالم, تطيربعيداً عنا, تسخر من الألوان الداكنة والوجوه الرمادية النافرة. ربما أقول.. ربما تمرمن حولنا, لكنها لا تحط على أشجارنا وجداولنا. تطيرفي أهداب السماء الواسعة, تسرح ترحل إلى مكان انزلاق الضوء الشفيف والألوان الفضفاضة والمبهجة من أجل أعلان بوحها للفضاء الواسع والجمال والتمدد.
فتحت فمي مرة أخرى من أجل تمريرغروية الوجع وحرارته عبر اللسان والفم.
أحّسست بالوحدة للحظات وبالحرية أيضاً.. قلت في نفسي:
لقد ثملوا مني. لن يهتموا بي, لقد تركوني، أنهم مشغولون بغيري. لاشيء يشغلني إلا البحث عن استراحة الألم التي ترافقني وتبحرفي مرافئ حياتي. وجهي يلاصق كياني, مرتقياً سلالم المنفى والغربة. التحم بالدماء النازفة السائلة مني على الارض العطشة بهدوء ومرارة.
بأنين أخرس تمتصه الجدران وتطمسه ذاكرة الايام زفرت عباءة الليل الذي تزين ستائرالنجوم.
اتأوه وحدي من النار الكاوية التي ارتدتني.. والتي بقيت تلاحقني. ادحرج الزفيرالمتصاعد مني.. زفرة وراء زفرة إلى خارج مسامات جلدي. قوة حمقاء قبيحة تنبثق من داخل استراحة الوجع وتتفجر كشلال جارف، مفضية إلى طريق طويل.. طويل للبقاء في سريرالزمن. شيء ما كان يهرب معي.. يريدني أن أبقى في ملامحي القديمة وسنونه المأسورة.
حملت نفسي المتعبة كأنبعاث ميت.. كأمتعة ثقيلة, منطوياً على نفسي, كصرة مصرورة في كيس صغير, ملفوفاً من كل الجوانب إلى أن سرت بعيداً.. رحت أهرب وأهرب.
نسيت كل شيء.. الكون والعالم ورفاقي والشرطة.
تحولت إلى طائرفينيقي طليق، يحلق فوق أجنحة الوجع, يلامس الأهات الخارجة من أتون الدم، ملتصقا بنفسي كأفعى جريئة تلتف حول نفسها وتسبح في عينيها السارحتين فوق الضباب.
عدت مرة أخرى إلى المكان المحاط بي, كأنما أفقت من حلم, اتلمس لفائف بقائي على الأرض الباردة. أبلع ريقي الجاف ممعناً النظرفي الحرارة الصاعدة من لهيب الجسد والعذاب الذي لاحقني. من النار التي تلفحني من كل مكان. مسمراً في طرق الارتعاب، متخذاً تعابيراً متناقضة .
بنظرة خاطفة وسريعة كأنها البرق.. دخلت في وديان اللأشعورمني فوجدت بقية رفاقي وقوفاً على موازاة الجدار, رؤوسهم وعيونهم مطرقة في الارض, خائفون, يسمعون ويصغون إلى صوت الكوابل وهي تلسع أحدهم.
أنهم ينتظرون مصيرهم الذي لا فكاك منه. كل واحد ينتظرعبوره إلى الضفة الآخرى بفارغ الصبر. شعور صعب وقاس ومؤلم للغاية.. أنتظارلسع البرق على الجسد الأعزل. كل لحظة تساوي دهراً.. تبقى الأعصاب ساهرة يقظة تراقب أدق التفاصيل. مع كل كبل ينهال على القدم, يرافقها انكماش واستنفاركامل.
ربما لا أحد يعرف هذا الشعورالمتعب والمرهق إلا الذي جرب القذى والمرارة.
بالتأكيد أن دقات قلوبهم تتسارع في صدورهم.. متحفزون, يشربون الصباح البارد مراً كالعلقم.. مراً كومض كئيب.. ومض ثقيل.
كان بجانبي رفاق وأخوة وأصدقاء. قضينا مع بعضنا في السجن, زهرة أعمارنا, سنون طويلة, نعرف بعضنا في أدق التفاصيل. نعرف مشاعرالخوف أوالحب أو الكره التي تنتابنا. لحظات الحزن أو الياس أو القهرالتي نحس فيها لفقد صديق أوعزيزأوأب أو أم أو أخ. كنا مع بعضنا أقرب من الأهل لبعضهم لأننا كنا في محنة واحدة قاسية وأليمة. رحلة كفاح طويلة ضد الاستبداد والحكم الفردي الكريه. عندما كان يجلد أحدنا, أويضرب على وجهه, نحس بسيول الوجع تتشبث بصدورنا وتدخل في مسامات جلدنا وأفئدتنا.
الجلاد حافظ الأسد, مثله مثل كل الجلادين في العالم, لا يميزبين زيد أو عبيد من الناس. كل مخالف لسلطته الداشرة هو عدومحتمل له, لا فرق لديه بين مسيحي أومسلم.. شيعي أو سني.. درزي أوعلوي. الجميع أعداء تحت الطلب إلى أن تثبت براءتهم. أليس هو القائل:
من ليس معنا هو عدونا.
إنه الزمن الذي يجنح نحو الضلال في أوقات كثيرة, ينبش من بين مخالبه الطويلة أشواك سامة, تقرص لون الشمس, تدمي وتحرق الوجوه الجميلة والنيرة. زمن يطمس في ذاكرته كل الأحمال والأسفار.
لكم تخيلت هذا المسمى الرئيس حافظ الأسد, وهوممسكاً السوط أوالكبل أوأي أداة من أدوات التعذيب في يديه, وهوفي كامل هندامه المستورد, يعذب ضحاياه من كل الألوان. هذا الصنم المقرف القائم فوق أحلامنا, سارق الجمال والحرية والدفئ من ليالينا الطويلة. لقد تفنن هذا الهمجي في أبقاءنا نعيش تحت رحمته في أقسى الشروط.
هناك على مقربة بسيطة مني, رجال مطويي العزيمة, مكبلون, يخلدون للصمت الجرار, يحيون في أقسى الظروف من أجل أن يحيا الانسان كأنسان. يدفعهم الغضب من الحاضرالمرللعمل من أجل مستقبل أفضل. كل واحد لديه دزينة من المشاكل الصحية, نتيجة المدد الطويلة في السجن. كلهم واقفون بوجوم على الجدار في أنتظاروجبة الجلاد الصباحية القاسية.
كان عماررزق في الثامنة والعشرون من العمر. لديه مشاكل في القلب, بالإضافة إلى الروماتيزم. كانت الأوجاع ترهقه.. في الركب والمفاصل وأصابع الأقدام. كانت أقدامه وخاصة عند الأصبع الكبيرة, تزرق أغلب الأوقات, من تكثف الدم وتخثره في الرؤوس والنهايات العصبية, مما كان يجعله هذا الأمريصرخ بصمت من الألم, يتأرق الليل كله. تحت الضغط الذي يغلفه. والبلية الكبرى كانت أصابته بالانفلونزة في هذه الأوقات القاسية, يسعل طوال الوقت. كنت أقوال أي قدر
سيسعفه على البقاء:ـ كيف سيتحمل جسده هذه المشقة والشدة التي أمامه. مواسم طويلة ناضحة بالمرارة تنتظره كما تنتظرنا تحتاج إلى أجساد سليمة, قادرة على التحمل, لأننا بين يدي أوغاد ومجرمين, لا يعرفون معنى أن يكون للأخر حق في الحياة والحرية. كنت أسمع أنينه الذي يقطع نياط القلب والروح. آلام الروماتيزم في المفاصل لم يكن بالشيء الذي يمكن للمرء أن يتحمله بدون وجود مسكن أو دواء يخفف الوجع. مرات ومرات أحس وأرى كيف تسيل دموعه من عينيه, وهولا يستطيع الحركة, لخوفه من جلده في اليوم التالي. عندما يجلد أحدنا نبقى في حالة انطواء نفسي وانفلات داخلي مثل انسحاق الروح وإنكسارها التام. هذا الأحساس المؤلم يسبب الأذى النفسي الطويل للآخرين من رفاق وأخوة في المهجع.. بالرغم من أن عملية الجلد تتم دون أي سبب.
كان عمار صبوراً جداً, يبقى طوال الوقت مكوماً على نفسه, يمتص صراخه, ويبقيه في حلقه, ليرتد على روحه, فتبقى حياته ما بين السوداوية والقلق, والخوف من الغد الغامض. أشياء تدوخ وتذيب العظام في الرأس من هذا اللعاب المختلط ما بين الجفاف والأمل المكتوم.
هذ المرض المستيقظ دائماً, يجعل الجسد مثل الشواء الساخن على مواقد الحطب, منطوياً, يستفقد البقاء في وضع سليم.
طوال الوقت, تراه يجمع الخرق, أوبعض الأقمشة المتوفرة, ويلفها حول ركبه, من أجل أن تبقى دافئة في الشتاءات الباردة, وفي الليل والنهار الصحراوي البارد, لأنعدام التدفئة والحرارة في الشتاء, وعدم توفر السوائل الحارة أيضاً. في هذا السجن الخطير, لا تتوفر أية سخانة أو نارأو أية وسيلة من وسائل التدفئة. لذلك لم يكن لدينا ألا الثياب على قلتها من أجل حمايتنا من البرد والمرض.
عبد الله قبارة في الثالثة والستين من العمرولديه قصورعضلي في الساق بالإضافة إلى مرض السكري. لم يكن يستطيع الجلوس على الأرض أو يستطيع المشيء بشكل طبيعي.
مصطفى حسين في الستين من العمرومريض بالانفصام/ علامات المرض الواضحة بدأت معه بعد أسحاب الجيش العراقي من الكويت في أذار من العام 1991/ وأمراض متعددة لا يبوح بها لأحد. أوجاع في اللثة والأسنان وديسك في الظهروأوجاع في الركب والمفاصل. كان كتوماً جداً لا يعلن عن مرضه ولكنها في لحظات الوجع المستنفرة يقولها بالرغم عنه.
كان مصطفى لديه أحساس أن السلطة أخذتنا إلى سجن تدمرمن أجل تخويفه أوأدخال الرعب في قلبه. لم يكن يصدق أن قافلة الوجع حقيقة ساطعة. كنت أقول له في لحظات القهر الشديدة:
هل تظن يا أخي أنهم يجلدونا من أجل أن تخاف. ينظر إلي ساخراً ويحرك رأسه ولا يتكلم علامة على أنني فهمت ما في داخله من وساوس وأوهام. أرد عليه وأقول:
ما دامت السلطة أخذتنا إلى هذا السجن من أجل أن تخاف لماذا تخفف عنك الضرب/ كان وزنه لا يتجاوز الأربعين كيلوغرام, ربما لهذا السبب كانوا يضربونه أقل من غيره/. ينظر إلي ويبتسم بسخرية مرة, مرة أخرى.
مع هذا لم يراعوا مرضه وكبر سنه وعجزه وخوفه وأبقوه مدة ثمانية أشهرأضافية على حكمه المقررة من محكمة أمن الدولة. لقد بقي في السجن خمسة عشرة عاماً وثمانية أشهر. تنقل خلالها من التحقيق في أدلب إلى سجن أدلب, ثم سجن الشيخ حسن في دمشق وبعدها سجن عدرا وأخيراً سجن تدمر السيء السمعة. لكنه كان منضبطاً في هذا السجن, لخوفه الشديد من تصفيته, لذلك لم يبد أي مشكلة تذكرمع أحد, وبقي معنا في هذه الأجواء المخيفة مدة سنتان ونصف السنة.
لقد خرج من السجن تدمرفي 8/6/1998
كان مصطفى حسين يحتاج إلى العلاج من عدة أمراض. علاج طويل ومكث بدلاً من أبقاءه في السجن. لكنه حافظ الأسد بنظامه وسلطته وعائلته القذرة. لم يتركوا حرمة لشيء. لم يتركوا وسخة أوقذارة لم يفعلوها هؤلاء الحثالة. /مازالت سلطة حافظ الأسد قائمة عبرأولاده وعائلته الكريهة. ما زالت هذه السلطة القذرة تسجن خيرة أبناء بلادنا, لأبسط الأشياء, مثل المكالمة الهاتفية التي أجراها فائق الميرمع أحد النواب اللبنانيين والتي كما يقال ستؤدي به إلى المؤبد أو أكثر. مثله الدكتور عارف دليلة ومحمود عيسى وميشيل كيلووغيرهم.. القائمة طويلة وتطول ولا تقصر.. لا لسبب أقترفوه وأنما لرأي حملوه في رؤوسهم/.
محمد خير خلف لم يكن يتجاوز وزنه الخامسة والأربعين كيلوغراماً. لديه أوجاع مزمنة في المعدة والكولون.
مثله عبد الكريم عيسى ويوشع الخطيب وصفوان عكاش وبكرصدقي. بينما عمر الحايك كان جلد قدمه يتقشربأستمرارمن الأكزيما والألتهابات الجلدية الصعبة والمؤلمة.
يتبع..
آرام كربيت
بين الحاكم الجائر والفوضى
طيب تيزيني
جاء مصطلح "الفوضى الخلاقة" بمثابة دعوة للعودة إلى موضوع عريق في تاريخه ضمن التاريخ العربي الإسلامي. أما مرجعية هذا الموضوع فتعود- في شقٍّ أول منه- إلى الفكر السياسي الإسلامي، لكن شقه الثاني يجد مرجعيته في الفكر العولمي.
وإيضاحاً لذلك، نلاحظ أن بعض التاريخ السياسي الإسلامي، كما عبَّر عنه المأثور الإسلامي عموماً، جاء بمثابة تأكيد على أفضلية "الجور في الحكم" على فساد الحكم وفسق الحاكم، إذا اقتضى الأمر في الظروف المعنية المحددة. وقد ظهر مثل هذا الحكم في سياق الأزمات الكبرى، التي كانت تهدد "وحدة الأمة" ومن طرف آخر، أخذ التدفق العولمي الأميركي الراهن بخاصة، يطرح سؤالاً مركباً أمام فئات من السياسيين والمفكرين والمصلحين وغيرهم مفاده: ما الذي يعمله الحكام في المرحلة الراهنة، حين يلاحظون ذلك التدفق وخطره على الشعوب؟ هل يلجأون إلى "الحزم" في الأمر واتخاذ القرارات اللازمة، دون العودة إلى دوائر واسعة من الناس؟ وتتجلى هذه الإشكالية في "سؤال الديمقراطية" في المجتمعات العربية الراهنة.
ويمكن أو لعل ذلك يظهر في السؤال التالي، الذي يراه البعض من الحكام تعجيزياً وفاسداً: هل مهماتنا نحن رؤوس النظم العربية في مرحلتنا هذه التي تتعاظم فيها الاختراقات الخارجية والاضطرابات الداخلية، أن نطلق الديمقراطية على غير ما تطالب به مجموعات كثيرة أو قليلة في المجتمعات المذكورة؟ أو: ألا يمكن أن يوجد إطلاق الديمقراطية، الآن اضطراباً وخللاً في أوساط الناس الذين ما زالوا دون "سن الرشد" حتى لو كان أولئك الحكام يقرون بالاستبداد والفوضى والفساد، مع الحفاظ على وحدة المجتمع ورفض تفكيكه؟
إن موازنة بين الحكم الجائر والفوضى تقوم على أساس منطقي وأخلاقي فاسد، فلماذا تخيَّر الشعوب العربية بين الحكم الجائر الاستبدادي مع الحفاظ على وحدة المجتمع (كما يُقال)، وبين الفوضى والاضطراب، إذا حاول هذا الفريق أو ذاك من النظم العربية تطبيق مشروع إصلاحي؟
لقد سبق وقلنا في كتابات سابقة بما سمَّيناه "جدلية الداخل والخارج"، أما الدلالة الأولية لهذه الأخيرة فتقوم على أن الطرفين المذكورين فيها لا يمكن النظر للعلاقة بينهما إلا على أساس التكامل والتجادل مع إلحاح على أولوية الداخل، وفي هذه الحال يغدو غير صائب أن نُفرط بالاهتمام بواحد منهما، بذريعة أن ثانيهما يقتضي ذلك. وبتعبير مُدقق، لا يصح القول بالاستهانة بالخارج العالمي الراهن (التحولات الهائلة التي تجتاح الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا وأفريقيا وأستراليا وأميركا اللاتينية)، بحجة أننا أقوياء في داخلنا العربي. فهذا افتراض زائف وخطر، يعرّض هذا الداخل لاستباحة منهجية مطردة. وبالطبع، لا نتصور أن عاقلاً في العالم العربي يفكر على هذا النحو التدميري.
لكن ما يوجد، من طرف آخر، ضمن العالم المذكور وخصوصاً على صعيد أصحاب القرار، يتأسس على الفكرة الأيديولوجية التالية: نحن نعلم كم هنالك من تقصير وفساد وفقر وإفقار في مجتمعاتنا، وكم نحن بحاجة إلى إعادة النظر في مؤسساتنا المدمرة بتأثير أصحاب النفوذ، ولكن - يتابع هؤلاء- لا يجوز غض النظر عن أن مهماتنا الوطنية العامة التي تتمثل في مواجهة الاستعمار والإمبريالية (مثل تحرير الجولان وعربستان، والاسكندرونة والجنوب اللبناني، وغيره)، هي الأمور التي علينا أن نركز عليها. وبكلمة: التحرر الوطني والقومي أولاً، وبعده يأتي دور الداخل عبر إصلاح ديمقراطي اقتصادي وسياسي وقضائي وجامعي الخ. وقد أتى البروفيسور "برنارد لويس" في كتابه "الإسلام والغرب" على هذه الإشكالية، التي قد نصفها بكونها "خبيثة" بالمعنى المنهجي والسياسي، حين تحدث عنها بالصيغة التالية المأخوذة من الفكر الإسلامي، في إحدى قراءاته "يمكن للعالم أن يعيش في ظل الاستبداد، لكنه لا يستطيع العيش بالفوضى". والأستاذ المذكور يتابع، وفق القراءة الاسلامية الشريعية المذكورة: "فما دام الحاكم يؤمّن النظام... فلابد من إطاعته طاعة هي واجب ديني". لكن تعريف الأداء المطلوب من الحاكم في ظل العديد من الأنظمة، إن لم يكن كلها، في الحدود الدنيا، أما واجبات الرعيّة فكانت دوماً تُنفَّذ بحزم". انظر الكتاب المذكور مترجماً إلى العربية عام 2007.
هكذا يتضح أن وضع الشعوب العربية أمام "ثنائية الحاكم الجائر والفوضى" إنما هما خياران اثنان كلاهما مرّ أولاً، ومن طرف آخر، يُفصِح عن نفسه خطأ آخر يصل إلى مستوى التحول إلى خطر، إنْ أخذ به.
أما هذا فيقوم على النظر إلى الجور (الديكتاتورية في النظم الأمنية) على أنه بديل عن الفوضى ورادعٌ لها. ذلك لأن الجور يستلّ من الناس كراماتهم ومبادراتهم ومشاركاتهم المجتمعية، ليحولهم إلى عبيد أو إلى ما يقترب من ذلك، وفي هذا فتحُ الوطن أمام الغزاة يستبيحونه، فالجور (الاستبداد) مَجْلَبَةٌ للغزاة.
----------------------------------------------------------
الأسلمة والانسنة عند الصدر توافق أم اختلاف؟ أسلمة المعرفة لا تجذب الثقافة الإسلامية الى المنطق العلماني عامر عبد زيد
العراق
إن احد التوصيفات التي قدمت لهذا المفهوم علي أنها عملية اجتهادية فيما يتعلق بالتراث الإسلامي ومصادره وعملية أبداعية في تعاملها مع الاجتماعية والإنسانية، إذ أن الاجتهاد المعاصر لابد من أن يؤسس علي إدراك معرفي وتحليل منهجي ووعي تام بهذين المجالين: العلوم والمعارف الإسلامية المتوارثة ــ التي توالدت من رحم الفقه ــ والعلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة ــ التي ولدت من رحم الفلسفة ــ وبدون استيعاب هذين المجالين استيعابا تاما لن يمكن تحقيق اجتهاد إسلامي معاصر قادر علي تحقيق الافلاح والشهود الحضاري لهذه الأمة (1). قال الأمام علي عليه السلام: ليس الأيمان بالتخلي ولا بالتمني، ولكن ماوقر في القلب وصدقته الأعمال.)الاسلمه(الهوية) والانسنة(الاختلاف)أن المراد هنا هو عملية جمع بين العلوم الفقهية بأطرها الابستمولوجية والتصورات المعاصرة للعلوم الإنسانية والطبيعية وفق تصورها المعاصر، وذلك لان الحكم الفقهي لايمكن ربطه بالفقهية فحسب لان الحكم الفقهي يعني الوراثة مجال الإنسان من الناحية النفسية والاجتماعية من جهة والي إدراك الطبيعة فلكا وفيزياء من ناحية أخري وبهذا يمكن أن يكون الحكم اقرب إلي النص وأكثر حداثة في مراعاة الظرف المراد أن يعالجه وهذا يعني أمرين:خصوصية الموقف الإسلامي من جهة والحاجة إلي الأخذ بالتطورات المعاصرة لسد حاجة الإسلام، أي كيف يمكن بناء معرفة إسلامية تنتمي إلي ذات الأرضية الابستمولوجية من جهة ومن جهة أخري تحيط بكل التقنيات المعاصرة دون إن تقيد نفسها بالأطر الإيديولوجية العلمانية التي تشكل الحاضنة المعاصرة للعلم، أي القول بين العلم والإيديولوجية ثم وصل هذا العلم بالإيديولوجية الإيمانية الإسلامية من جهة أخري (احتياجات هذه القضية إلي بناء نظامها المعرفي بشكل كامل شامل للنموذج المعرفي والنظرية المعرفية، ورؤيتها في مصادر المعرفة وتاريخها وتصنيفها ومناهج النقد المعرفي، ثم كيفيات التوليد المعرفي، وكذلك بناء المنهج العلمي للتعامل مع الظواهر الاجتماعية والظاهرة الفقهية، وسائر الظواهر الأخري، وإخراج الفلسفة المعاصرة من مرحلة النهايات التي قادها إليها الفكر الغربي الحديث) (2) إلي الخروج من ثنائية الإنسان. الطبيعة إلي رحاب تصور اشمل في بعد ثلاثي الله (الغيب) الطبيعة والإنسان المستخلف علي هذه الأرض وخراج الأمر من طور الهيمنة إلي الأعمار.(فلابد من إعادة توظيف هذه العلوم ضمن ناظم منهجي توحيدي، ونموذج بعيد عن الوضعية، كاشف عن الغايات الإلهية في الوجود والحركة، لتأخذ هذه العلوم امتدادها الكوني (3). وهذا يعني الأمور التالية: أولا ــ الاسترجاع النقدي لذلك التراث وقرائنه قراءة معرفية.ثانيا ــ تمحيص نماذجه المعرفية علي هدي الأصول ــ وهي الكتاب الكريم منشأ للتصور عقيدة، والأحكام وتطبيقاته النبوية (التي شكلت هدي ولحمة السنة). باعتبارها المصدر المبين علي سبيل الإلزام. ثالثا ــ تحقيق التواصل والاتصال بذلك التراث وتجاوز فترات الانقطاع بعد استيعابها.رابعا ــ التمييز بين الثابت والمتحول فيه.ليتبين ما ينبغي استصحابه عبر الزمان والمكان مما هو ليس بخاص ولا موضعي من ذلك التراث وإخراج الخاص والموضعي منه وتجاوزه يعد استيعابه واستخلاص العبر واخذ الدروس منه (3). انه يعني إعادة بناء المعارف الإسلامية والعمل علي تجاوز رهان التراث عبر إعادة الفحص بالعودة إلي الثوابت في الأصول من جهة والحل من جهة أخري علي تجاوز التداخل بين الثابت والمتحول وصولا إلي ربط هذا التراث بالحاجات حتي أفق الواقعة والاستعانة بالعلوم المعاصرة من جهة والثقافة لكن مع إدراك الارتهان الإيديولوجي الغربي لتلك العلوم.هذا يعني تقريب العلوم من مركزية الشريعة التي شكل المركز أي جعل العلوم في خدمة الثقافة الإسلامية، ولا يعني سحب الثقافة الإسلامية لتكون خاضع لمنطق العلماني.ذلك أن الإسلام لا يعني فقط الجانب التشريعي بل انه يقدم تصور شامل للكون (إذا أردنا أن نلفت الانتباه إلي ذلك تجد أن آيات القرآن الكريم التي تبلغ فوق الستة ألاف ومئتي آية لا يتجاوز عدد الآيات المتعلقة بالتشريع منها خمسمائة آية علي أقصي تقدير وفي رأي البعض مائتا آية) (4)، وعلي هذا يؤكد المضمون باسلمة المعرفة علي الجمع بين الوحي كمصدر وبين المصادر العلمية البشرية الأخري. إلا أن مفهوم أسلمة المعرفة ليس مستقر بشكل واضح ولعل المدلولات تعود لهذا الدال فهي (فالبعض عبر بالاسلمة كترجمة للكلمة الإنكليزية lsllamization والبعض عبر باسلمة المعرفة وهي ترجمة Islamism وواضح من منحي الكلمتين أن الإسلامية lspitalis تعبر عن حالة ثابتة يصل إليها الموضوع بحيث يصبح مذهبا كما تقول capitalism أما التعبير بالاسلمة فهو تعبير يدل علي الحركة علي محاولة تغيير شيء من وضع إلي وضع آخر ومن هنا كان البعض يفضل اسلمة علي كلمة إسلامية والبعض رفض التعبيرين واتجه إلي استعمال كلمة التأصيل الإسلامي للعلوم أو التوجيه الإسلامي للعلوم (5). المهام التي تناولتها التجارب في أسلمة المعرفة هي آلاتية:المسألة الأولي:وضع الجهد العلمي العربي ضمن تاريخ العلوم حيث تم تغييب هذا الجهد من تاريخ العلم من قبل التاريخ الغربي الذي تهيمن عليه المركزية الغربية (لأننا نتبع الأسلوب والمفهوم الغربيان في تطور هذه العلوم ستتجاهل تماما المرحلة الإسلامية التي امتدت أربعة عشر قرنا حتي ألان والتي كانت تمثل فترة مضيئة من تاريخ الإنسانية)(6). إلا أن هذه العلوم توصف لدي المنصفين بكونها "عالمية" وهي الصفة التي بإمكاننا اليوم استخدامها لوصف العلوم العربية الإسلامية أنها عالمية بمصادرها ومنابعها وبتطوراتها وامتداداتها(7) وهذا يعني إدخال تلك العلوم والتعامل معها كجزء من تاريخ المعرفة العالمية.المسألة الثانية: محاولة إيجاد فصل بين التصور الإيديولوجي والعلوم حيث تهيمن علي تاريخ العلوم المفاهيم الإيديولوجية الغربية من المذهب المادي والعلمانية وكلها تدخل في تاريخ العلوم تشيع العدمية والنتيجة أن الطالب يتلقي معلومات ونظريات تتعارض مع ما وفر في قلبه من منطلق عقيدي، وهنا تحتاج المسألة إلي عناية الأستاذ بان يجمع بين المعلومتين بشكل منسق حتي يخرج الطالب من هذا الازدواج أو هذا التناقض الذي يوجد فيه. ب ــ الانسنة"humanism": القائمة علي أصالة الإنسان، وكونه مركز الوجود،وخالق الفضائل ومبدعها.وعلي هذا الأساس قامت النظرية العلمانية التي أهم ركائزها(العقلانية، والانسنة، والنسبية،والقطيعة مع التراث)(8) إذ نحن إزاء منهج يعتمد لاهوتاً خاصا في تعامله المباشر مع العالم والإنسان يمنح هذا اللاهوت الأصالة للإنسان، ويؤكد مركزيته عبر رؤية خاصة لله والإنسان والعالم.تنقسم هذه المرحلة أصالة الإنسان إلي بعدين: فردي وجماعي،وقد افرز نظامين متغايرين، بني النظام الليبرالي بناءه علي البعد الأول فيما بنيء النظام الشمولي علي الثاني.وقد افرز الموضوعات الآتية:1 ــ اللاهوت المفضي إلي نفي الإله بوصفه مشرعاً.2 ــ أصالة الإنسان والتأكيد علي فرديته.3 ــ سلطة الميول بوصفها منشأ حركة الإنسان ونشأته.(9) ولعل وصف "ألان تورين" بالغ الدلالة في هذا المجال آذ يقول: أن فكرة الحداثة اليوم مقترنة بتحرير الرغبات وتلبية الطلبات أكثر من اتحادها بسيادة العقل.هذا النبذ للقيود الاجتماعية الممنوعات الدينية والسياسية أو العالية، وحرية الرأي والتعبير طلبات أساسية تنبذ جميع إشكال التنظيم الاجتماعي والثقافي... ثم تجاوزها)(10) من هنا يمكن تجذير مفهوم نظرية المعرفة: إن الحديث عن نظرية المعرفة يعني الحديث عن مفهوم له انتماء تداولي وتاريخ معرفي ؛ بمعني أن نظرية المعرفة بوصفها مفهوم ينتمي إلي الحقل التداولي الغربي وعلي وجه الخصوص الفلسفة الحديثة ابتدأ بالقطيعة التي أحدثها الفكر الغربي مع أفكار العصور الوسطي علي الصعيد الأيديولوجي والابستمولوجي حيث بين الفلسفة المسيحية الوسيطة والفلسفة الحديثة قطيعة ابستولوجية ولكن هذا لا يعني غياب التواصل والتطور المتصل. فان القديم " الفكر الوسيط " لم يغيب تأثيره وهذا واضح في الخطاب العقلي والخطاب التجريبي معا ورغم ذلك فان القطيعة واضحة المعالم في بعدين الحقل المعرفي والمضمون الإيديولوجي، وهذا ما يدخل ضمن وحدة إشكالية تتمثل في منظومة من العلاقات التي تنسجها داخل فكر معين مشاكل عديدة مترابطة ومن هنا فإشكالية " نظرية المعرفة في الفكر الغربي الحديث يمكن إرجاعها إلي آلاتي: الحقل المعرفي: أي الجهاز التفكيري من مفاهيم وتصورات ومنطلقات منضوية تحت منهج ورؤية حيث هيمن المنهج الذي يعتمد العقل والتجربة مقياس لليقين في ظل رؤية ذات بعد مادي انضج في أكمل صوره مع (واجست كونت، أما المضمون الايديولوجحي أي الوظيفة الإيديولوجية: السياسية والاجتماعية في ظل هيمنة سلطة الدولة وتوجها العلماني الذي يحاول التأسيس إلي انفصال تام عن السلطة الكنيسة وافقها اللاهوتي في ظل تصور جديد كان للتوجه الليبرالي الذي يتخذ من الفرد مصدر اهتمام أول في ظل مجتمع يصنع تاريخه بعيدا عن التعالي الميتافيزيقي أسلمت نظرية المعرفة: إن النقل الميكانيكي للمفهوم من حقل معرفي " الثقافة الغربية الحديثة " إلي " الثقافة الإسلامية " عمل غير مشروع من الناحية المعرفية لأنه يطوع الموضوع " الثقافة الإسلامية " لصالح المفهوم نظرية المعرفة، وبالتالي يؤدي إلي تشويه الواقع، وهذا ما نجده في كثير من القراءات العربية المعاصرة التي لا نفصل بين الجذور فان النقل الذي يتعرض له المفهوم يجب أن يكون خاضع إلي تبيئة المفهوم أي ربط المفهوم بالحقل المنقول إليه ربطا عضويا عبر جدلية الإطلاع علي مرجعيته الأصلية وهذا يعني أيضا كشف الإطار الإيديولوجي لان النقل أحيانا يقود إلي نقل الإطار الإيديولوجي وهو تصور وليد السلطة السياسية والثقافية وليست ملزمة بطبيعة الحال إلي الثقافة المنقول لها بل التبيئة تجعله قادر علي أن يعيش ضمن الفضاء الجديد. بحيث لا تبدو استعارة منحازة سلفا بل لابد وان تتفق والموضوع المدروس.رؤية الكون1 ــ نظرية المعرفة الغربية: تنطلق من اتساقها بواقعها الثقافي الغربي فهي فكرة حضارية ارتبطت بسياق حضاري وليد رؤية للكون ومنهج ينطلق من ثوابت تلك الرؤية فالفكر الغربي بإطاره المثالي العقلي الفرنسي وامتداداته وليد واقع إقطاعي ونظام ملاكي بالمقابل فان المنهج التجريبي الإنكليزي امتداداته وليدة الواقع الليبرالي ونظامه الملكي المقيد بسلطة القانون واندماج الاثنان بالرؤية النقدية الكانطية وهي تعكس التداخل بين الواقعين وتحاول أن تجد خيار مشترك يشكل بشكل عام محاولة جديدة إلي تأسيس أفق جديد لتفكير داخل أفق الإنسان، فالمعارف القائمة علي أساس التجربة مقيدة بقواعد العقل وكل ماهو خارج التجربة ميتافيزيقيا غير مجدية إلا في نطاق الأخلاق.بمعني أن التجربة الليبرالية تتخذ من الإنسان العالم ومركز لهذا العالم بكل إبعاده فهذه الفكرة نظرية المعرفة آ جزء من تاريخ الأخر الغربي وتشكل جزء من مستوي ما وصل إليه من معرفة علمية مرتبطة بالإطار الإيديولوجي الذي يوجه تلك المعرفة التي جعلت من الإنسان مركز جديد للاهتمام وأقصت الميتافيزيقا منه.فالإنسان بما يملكه من معلومات تجريبية وعقلية منظمة للتجربة يشكل الكون علي غرار ما يدرك من ذلك العالم أنها بهذا قطيعة ابستولوجية وإيديولوجية مع العالم الوسيط.بل أن الأمر اخذ مأخذا أكثر حده عندما هيمن العقل الذاتي"الاداتي" (أن النزعة العلموية التي سادة في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن تعلي كلها من شأن الحس والتجربة علي حساب "العقل"، كما أن النقد الجذري الذي وجهه نيتشه للأخلاق والميتافيزيقا بصورة عامة ينطوي علي "تحطيم العقل".. وأخيرا حصرت الوضعية المنطقية المعرفة والمعني في القضايا التي يمكن التحقق منها تجريبياً...وإذن فهذه الاتجاهات تتفق جميعا، رغم اختلافها وتناقضها، في إلغاء "العقل" أو التنكر له والتضييق عليه)(11)2 ــ نظرية المعرفة الإسلامية:بالمقابل فان نظرية المعرفة الإسلامية هي وليدة ذلك الفضاء الوسيط الذي يجعل من الكون مسير بغاية كونية هي الله وان الإنسان مستخلف علي هذا الكون فاعل حر مريد مقيد بدستور هو القرآن كلام الله داخل التاريخ هادي. وهذا الأمر يجعلنا إزاء أمرين: الأول: عقائدي إذ نحن إزاء ثنائية خالق / مخلوق وهذه الثنائية مستبعدة في التصور الغربي لكونها ميتافيزيقية خارج نطاق التجربة، لكنها بهذا لا تخرج عن حيز الإلزام العقائدي لان التجربة إمام خيارين الأول كونها محدودة متطورة بنطاق إطلاع الإنسان وإمكانياته التي تنمو وتتطور مع مرور الزمن فما يبدو اليوم مجهول قد يبدو معلوم والمعرفة بهذا المقياس نسبية أما النطاق الأخر للتجريه كونها أيضا علما خادما يخدم العقيدة ولا يعني انه يشكل العقيدة فالعلم يقدم خدمات اجتماعية ولا يعني ارتباطه بالطرح المادي الذي ظهرت داخله التجربة وبالتالي العلاقة بين الخالق والمخلوق تعني انتماء عقائدي إيديولوجي رؤية للكون، العلم ينمي ويخدم تلك الرؤية ولا يلزم إلغاءها، فالله الخالق لا متناهي أما الإنسان ومعرفته متناهية وهي نسبية. لثاني معرفية إذ نحن إزاء مصادر للمعرفة متباينة في الوقت الذي تمركزت نظرية حول التجربة والعقل متخذة من الإنسان المرجع الأول لها بالنسبة للفكر الغربي نحن نجدها مختلفة إسلاميا حيث هناك مصادر للمعرفة متباينة يشكل الله المركز الأول والإنسان امتداد فهو خليفة وليس مركز وعلي هذا كانت مصادر المعرفة متباينة منها:الوحي: وهو الكلام الإلهي الذي يشكل الأساس الذي يكون للغيب دور في التاريخ فكلام الله يشكل حضور داخل التاريخ منفتح علي إدراك الإنسان له بما يتعلق بالمعرفة إذ للإنسان دور كبير أن ينطلق من الثوابت إلي اكتشاف ما في الكون من أدلة في إثبات الله وافق الإنسان اللامتناهي داخل العقل والتجربة وهي مستويات المعرفة الإنسانية التي يعتمدها الإنسان في اكتشاف ما يحيط به من مخلوقات لهدفين، الأول: ميتافيزيقي أدلة في إثبات الله اعتمدها المتكلمين والفلاسفة في إثبات الله، والثاني: علمي خدمي وهي العلوم التي اعتمدها الإنسان في خدمة الإنسان أعمار الأرض وحساب حاجات الإنسان وهي العلوم التي اعتمدها علماء الكلام في الطب والفلك فهي علوم خدمية هدفها الاكتشاف والأعمار تؤطرها فكرة التوحيد.الحس والتجربة الصوفية: وهي التجربة يوجهها العرفان والتصوف فهي تعتمد الحدس كوسيلة أعلي للحصول علي المعرفة وهذا لا يحصل دون مركزية الله باعتباره النور الذي يشرق علي العباد.من هذا فالمعرفة في الإسلام تعتمد هذه المصادر وبهذا نستطيع أن نحدد الأتي: 1 ــ الحقل المعرفي: وهو حقل مختلف عن التصور الغربي الذي يعد الفرد المركز والعالم هو الموضوع الذي يتشكل ليست الإدراك لدي الإنسان. بل أن المركز الأول هو الله وهو نور الحقيقة ومركزها فيما الإنسان هو الخليفة وموضوعة كل شيء بحسب قدرته التي تنمو بسبب ما أعطاه الله من إمكانيات وأنار بها عقله وقلبه. فالحرية إلي جانب الفعل إلي جانب العقل إلي جانب الإلهام وسائط ومراكز اتصال بالله من جهة وبالعالم المادي من جهة ثانية، أي انه لا يقصر علمه علي العالم الدنيوي بل يشمل علمه الله والعالم الأخروي لما لهذا من ارتباط بالأيمان الذي ينتج عن العقيدة.2 ــ الوظيفة الاديولوجية إيمانية تقوم علي التوحيد والنبوة والآخرة حيث نلمس في هذا ترابط بين الدنيوي والمقدس ترابط لا فكاك بينهما فيما الثقافة الغربية ثقافة يهيمن عليها الأفق المادي وقد ظهر في أكمل حال مع (أوجس كونت) ونقده وتحويله الدين كمستوي أول للمعرفة. في الوقت الذي يبدو هذا الكلام في ذلك الوقت عقلاني علمي اليوم يغدو مجرد وهم في نقد ما بعد الحداثة الذي يوغل في العدمية. ثانيا: ــ اسلمة وخطاب التجديد عند محمد باقر الصدر:المجالات التي كان السيد الشهيد قد تناولها تكمن من خلال البعد الثلاثي الواقع، نقد الأخر وموقفه من الواقع والثالث محاولة العودة إلي الأصول الشرعية في بناء تصور إسلامي معاصر يستجيب لتحديات التي تفرضها الاطاريح المعارضة وعلي هذا الأساس كانت عملية التجديد أو ما أطلقنا عليه الاسلمة التي تقوم علي مركزية الله وخلافة الإنسان، تقابل عملية الانسنة الغربية التي تقوم علي مركزية الإنسان.ونحن هنا نلمس هذا الجهد ينصب في الحقول الآتية:1. الحقل الاقتصادي:نجد انه قد نوه في مقدمة الكتاب/ اقتصادنا إلي أمر مهم في تأكيد العلاقة مع الأخر وأثارها النفسية تحول من نجاح تطبيق المناهج الغربية سواء كانت الليبرالية والاشتراكية ويرجع هذا إلي أسباب نفسية منها كون الأخر مستعمر ترك اثأر من الريبة والشك في كل ما يصدر عنه(أن الأمة بحكم حساسيتها الناتجة عن عصر الاستعمار لا يمكن بناء نهضتها الحديثة إلا علي قاعدة أصيلة لا ترتبط في ذهن الأمة ببلاد المستعمرين أنفسهم.... ويوجد تعقيد أخر يشكل صعوبة كبيرة وهو التناقض بين هذه المناهج والعقيدة الدينية التي يعيشها المسلمون... فهذه القوة مهما قدرنا لها من تفكك وانحلال نتيجة لعمل الاستعمار ضدها في العالم الإسلامي لا يزال لها أثرها الكبير في توجيه السلوك وخلق المشاعر وتحديد النظرة نحو الأشياء )(12). وهذا النفسية مختلفة عن تلك التي لدي الغربي ألقائمه علي تصورات نسانوية (أن انقطاع الصلة الحقيقية للإنسان الأوربي بالله تعالي ونظرته إلي الأرض بدلا عن النظرة إلي السماء انتزع من ذهنه أي فكرة حقيقية عن قيمومة رفيعة من جهة أعلي أو تحديدات تفرض عليه من خارج نطاق ذاته وهيأة ذلك نفسياً وفكرياً للإيمان بحقه في الحرية وغمره بفيض من الشعور بالاستقلال والفردية الأمر الذي استطاعت بعد هذا أن تترجمه إلي اللغة الفلسفية أو تعبر عنه علي الصعيد الفلسفي فلسفة كبري في تاريخ أوربا الحديثة وهي الوجودية إذ توجت تلك المشاعر التي غمرت الإنسان الأوربي الحديث بالصيغة الفلسفية فوجد فيها إنسان أوربا الحديث آماله وأحاسيسه هذا التحليل الذي يأخذ بنظر الاعتبار الاستعداد النفسي ةالاعتقادي ألقيمي وانعكاسه الاجتماعي علي فعالية التنمية والتحول له إبعاد في الدراسات النفسية التي تؤكد علي وجود فضاء نفسي(13) وكان لهذه المقولة أثارها القيمية لدي الباحثين في الاقتصاد كما درس مثلا "ماركس فيبر" في الأخلاق البروتستانتية، وكما فعل" فرا نسس فوكوياما "في التصدع العظيم.(14) إلا إن هذه الفكرة التي وظفها واوجد فيها حافز إلي توظيف الفكر الاقتصادي الإسلامي والتي مفادها وجود تصورات أعتقا دية غيبية لدي المسلم بفعل الدين الإسلامي مقابل التصورات المادية والفردية لدي الغربي وظفها ايجابيا في حين كان المستشرقون يرون فيها سلبية حاول المادين العرب دفعها محاولين إثبات مادية الفكر العربي كما فعل حسين مروة والطيب تزيني.ثم أن سماحته يتناول مفهوم "الاقتصاد الإسلامي" بالقول يجب أن نميز علم الاقتصاد عن المذهب الاقتصادي، فعلم الاقتصاد هو الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصادية،وإحداثها وظواهرها،وربط تلك الإحداث والظواهر بالأسباب والعوامل العامة التي تتحكم فيها.
-------------------------------------------------------
ثقافة ومجتمع 16.11.2007
تقرير جديد يظهر زيادة أعداد "الأطفال الفقراء" في ألمانيا
شبح الفقر يخ
يم على جزء مهم من أطفال ألمانيا
أظهر تقرير جديد أن معدلات فقر الأطفال تتضاعف بشكل كبير في ألمانيا خاصة في أوساط أبناء المهاجرين. وبينما تظل نتائج الجهود الحكومية متواضعة يدعو بعض الخبراء إلى تبني برنامج وطني بناء لمكافحة ظاهرة فقر الأطفال في ألمانيا.
أظهر التقرير السنوي المتعلق بأوضاع الأطفال في ألمانيا زيادة كبيرة في أعداد الأطفال الفقراء خلال الأعوام الأخيرة. وأوضح التقرير الذي نُشر في برلين أن أكثر من واحد من بين كل ستة أطفال، تحت سن السابعة، كان يعتمد بشكل دائم أو مؤقت على المساعدات الاجتماعية خلال عام 2006. وقد ارتفعت هذه النسبة بشكل كبير خلال العقود الأربعة المنصرمة، فالإحصائيات تشير إلى أن واحدا من بين كل 75 طفلا، بعمر أقل من سبعة أعوام، كان يعتمد بشكل دائم أو مؤقت على المساعدات الاجتماعية في عام 1965، مما يعني أن أعداد الأطفال الفقراء في ألمانيا ارتفعت بنحو 16 ضعفاً في غضون 40 عاما. وأوضح التقرير أن هذه البيانات تشير إلى أن معدلات فقر الأطفال تتضاعف كل عشرة أعوام تقريبا، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن أكثر الأطفال تضررا من الفقر في ألمانيا هم أبناء الأسر المهاجرة.
تدابير حكومية حثيثة...
جهود حكوم
ية لإحتواء ظاهرة فقر لدى الأطفال
ومن جانبها وصفت الوزيرة الاتحادية لشؤون الأسرة، أورسولا فون دير ليين، ظاهرة فقر الأطفال في ألمانيا بأنها أحد المشاكل التي يندى لها الجبين. وفي تصريح لها حول الموضوع نشرته صحيفة نويه بريسه الصادرة في هانوفر، اعتبرت الوزيرة الألمانية أن الطريق الأمثل لانتشال الأطفال من آفة الفقر يمر عبر دعم الأسر الشابة. وأضافت الوزيرة أنه تم بالفعل اتخاذ إجراءات في هذا الصدد، إذ قررت الحكومة الاتحادي توسيع الإعانات الأسرية وهو ما اعتبرته الوزيرة "حجر أساس مهم يصب في مصلحة رعاية جيدة للأطفال".
ويرى القائمون على إعداد التقرير أن تحسين مساعدات الاندماج المقدمة للأجانب تعد أحد أهم التدابير من أجل مكافحة تزايد عدد "الأطفال الفقراء" في أوساط أسر المهاجرين في ألمانيا. كما أوصى هؤلاء الخبراء بتوسيع المعونات المخصصة للأطفال لتتحول لضمان أساسي قائم بذاته يوفر رعاية شاملة وجيدة للأطفال مؤكدين في هذا الاتجاه على ضرورة استفادة أبناء المهاجرين من هذه البرامج.
...ونتائج متواض
عة
الأطفال بحاجة إلى بيئة آمنة ودعم ماديكافي لتطوير بنيتهم الجسدية والعقلية
أما صحيفة زويد دويتشه تسايتونغ الألمانية فقد اعتبرت أن أعداد "الأطفال الفقراء" في ألمانيا وصلت إلى درجة تبعث على القلق، وتساءلت الصحيفة عن الإمكانيات السياسية التي مازالت متاحة من أجل القضاء على هذه الظاهرة بعدما لم تؤت الجهود المبذولة خلال العقود الماضي ثمارها. فالامتيازات الضريبية التي مُنحت للأسر، التي لديها الأطفال، وزيادة معونات الأطفال المخصصة لها لم تثبت حتى الآن فاعليتها لاجتثاث تلك الظاهرة.
ومن ناحيته حمل رئيس المنظمة الخيرية للأطفال، توماس كريغر، انتهاج "سياسة قصيرة النظر" مسؤولية زيادة أعداد الأطفال الفقراء في ألمانيا ودعا الحكومة الألمانية إلى وضع برنامج وطني لمكافحة فقر الأطفال في بلد يتمتع بأقوى اقتصاديات أوروبا. وعلق على ذلك بالقول: "نحتاج إلى تغيير جذري في السياسة المتعلقة بالأطفال والأسرة بدلاً من الحلول السطحية".
كما حمل الحزب اليساري كذلك الحكومة الألمانية مسؤولية ارتفاع أعداد الأطفال الفقراء. فقد اعتبر نائب رئيس الكتلة اليسارية في البرلمان الألماني (بوندستاغ)، كلاوس إرنست، أن التقرير السنوي الذي يتناول أوضاع الأطفال في ألمانيا أثبت فشل أهداف سياسة سوق العمل والسياسة الاجتماعية خلال السنة الماضية. أما نقابة التربية والعلوم، التي انتقدت بدورها سياسة الحكومة الألمانية المتعلقة بهذا المجال، ودعت إلى عقد وطني لمكافحة هذه الظاهرة.
دويتشه فيله +وكالات (ط.أ)
------------------------------------------------------
فعلى مدى استعداد وجدية سوريا للتفاوض مع إسرائيل وعقد اتفاقية سلام معها، وموقف إسرائيل من الدعوات السورية للسلام، علقت صحيفة هاندلس بلات Handels Blatt:
"حتى الآن لم تقدّر إسرائيل الاستعداد السوري للسلام، فقبل عامين بررت موقفها بحجة أن كاهلها قد أثقل تماماً بالانسحاب من قطاع غزة. وعلى النقيض من أغلبية السياسيين في إسرائيل، فان المخابرات الإسرائيلية ترى أن الأسد الابن يسعى إلى تحقيق السلام، فهو يريد أن يتخلص من عبء تحالفه مع إيران، لأنه بذلك سيحقق مكاسب سياسية واقتصادية. واذا تحقق خروج سوريا من محور الشر، فان ذلك سيجلب الهدوء لكل المنطقة، كما أنه من الممكن أن يقلص النفوذ الإيراني الخطير أيضا، لان طهران ستخسر قاعدة أساسية وحليفا مهماً لها. كما انه من المهم للولايات المتحدة أن تبني ائتلافاً عربياً واسعاً مواجها لإيران"
وعلى اشتباكات غزة التي وقعت أثناء إحياء الذكرى الثالثة لرحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وأدت إلى مقتل ثمانية وجرح العشرات من مؤيدي حركة فتح برصاص القوة التنفيذية التابعة لحماس، علقت صحيفة دي تاغس تسايتونغ Die Tageszeitung على تفجر الوضع والانقسام الحاد في الصف الفلسطيني فكتبت:
"الانخفاض الكبير لشعبية الإسلاميين المتشددين بين المواطنين والانقسام الواضح في صفوف حماس، بعث الأمل لدى القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية في أن يحدث تغيير، فقد دعا محمد دحلان، القائد السابق للأمن الوقائي في قطاع غزة والعدو اللدود لحركة حماس، إلى مظاهرات أخرى لإنقاذ الفلسطينيين من معاناتهم ومن حركة حماس. والمظاهرات الحاشدة لم تكن تأييداً لحركة فتح أو القيادة في الضفة الغربية، وإنما احتجاجاً ضد حماس، فالناس في غزة يشعرون بأن القيادة الجديدة قد خدعتهم مثلما خدعهم رئيسهم الحالي محمود عباس"
وحول أسباب انفجار الوضع في غزة تجيب صحيفة دي فيلت Die Welt في تعليقها بالقول:
"يرى بعض الخبراء أن حماس ترد على محاولات عباس الأخيرة بتجريد أتباعها في الضفة الغربية من أسلحتهم. كما أنه من الواضح أن صراع الأخوة، الذي يمكن اعتباره حربا أهلية، لم يحسم بعد. غير أنه طالما لا يسيطر عباس على قطاع غزة، فانه لن يستطيع أن يعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل. كما لأنه لن يستطيع تطبيق ما سيتفق عليه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي اولمرت في مؤتمر انابوليس للسلام ـ في حال تحقيق تقدم في عملية السلام ـ ما لم تكن أكثرية الفلسطينيين مستعدة لقبول حل وسط. وعلى هذا النحو يبقى التشاؤم بعدم حدوث تغيير سريع مسيطراً على الشرق الأوسط"
عارف جابو
