Mittwoch, 21. November 2007

موقع الرأي يتعرض للتخريب

الرأي" يتعرض للتخريب الكامل
الاصدقاء والرفاق:
يؤسفنا في موقع الرأي ان نعلن ان موقعكم هذا قد تعرض لأسوأ عملية تخريب يتعرض له موقع معارض على الاطلاق، حيث تم الغاء كامل قاعدة البيانات..
اننا في موقع الرأي اذ نعتبر ان هذا العمل غير أخلاقي بالمطلق، نساوي بينه وبين سياسات الحجب التي تمارسها السلطات السورية، متعرضة لأغلب مواقع المعارضة ان لم نقل كلها.
ويعمل فنيو الموقع على استعادة ما يمكن استعادته من أرشيفه. آملين العودة بأسرع ما يمكن..
هيئة التحرير
-----------------------------------

محاكمة المعارض السوري أنور البني تثير خلافات بين القضاة وتجدد معركة المطالبة بالاصلاح القضائي في سورية

جددت محاكمة المحامي أنور البني المطالبات العاجلة بالاصلاح القضائي في سورية وأظهرت وجود خلافات بين القضاة السوريين الذين يحاكمون نشطاء حقوق الانسان ففي الوقت الذي رفضت فيه محكمة النقض في دمشق أمس الطعن المقدم من فريق دفاع البني أبدت رئيسة الغرفة الجنائية في محكمة النقض القاضي سلوى كضيب عدم قناعتها بالقرار المطعون فيه الذي لم يطبق الحكم بالحد الأدنى ولم يبرر الأسباب التي جعلته يهمل ما استقر عليه الاجتهاد القضائي في سورية وكانت محكمة الجنايات بدمشق برئاسة القاضي محيي الدين حلاق قد حكمت على الناشط البارز بالسجن خمس سنوات بدلا من ثلاث سنوات ولم تبرر الأسباب التي دفعتها الى عدم الالتزام بالحد الأدنى للعقوبة الأمر الذي فسر من قبل جهات عربية وأجنبية على أنه توجيهات من السلطة التنفيذية لتشديد العقوبات على الناشطين في مجال حقوق الانسان جدير بالذكر ان المحامي أنور البني لم يوافق فريق الدفاع عنه على تقديم الطعن الذي رفضته محكمة النقض لعدم ثقته باستقلالية القضاء السوري عن السلطة التنفيذية وقد أدانت منظمات حقوقية وإنسانية أمس عدم قبول الطعن المقدم من فريق البني ورأت فيه انتهاكا لهيبة القضاء واستقلاليته وطالب بعضها في بيان مكتوب بالعمل الفوري على إجراء إصلاحات قضائية تعيد الهيبة للقانون وتجدد ثقة الشعب السوري بالعدالة التي تكاد تختفي من سورية تماما في ظل قوانين الطوارئ المعمول بها منذ اكثر من اربعين عاما في سورية وفي ما يلي نص البيان الصادر عن المركز السوري للأبحاث والدراسات القانونية في دمشق والمرصد السوري لحقوق الانسان محكمة النقض ترفض الطعن المقدم من المحامي انور البني بتاريخ 20/11/2007 صدر عن محكمة النقض السورية- الغرفة الجنائية- قراراً بالأكثرية قضى برفض الطعن المقدم من قبل هيئة الدفاع عن الناشط البارز المحامي أنور البني،رغم عدم موافقته على الطعن لعدم قناعته باستقلال القضاء وقد صدر القرار المذكور بالرغم من المخالفة التي أبدتها رئيسة الغرفة الجنائية في محكمة النقض القاضي سلوى كضيًب لعدم قناعتها بالقرار المطعون فيه الصادر عن محكمة الجنايات بدمشق برئاسة القاضي محي الدين الحلاق. ومما جاء في المخالفة: ( 2- استقر الاجتهاد القضائي على أنه في حال الصعود عن الحد الأدنى للعقوبة، فإنه على المحكمة أن تعلل ذلك، والقرار الطعين لم يبرر الحكم بما يزيد عن الحد الأدنى، وهذا من النظام العام لأنه يتعلق بالعقوبة، وحيث أن الأكثرية رأت رفض الطعن موضوعاً، ولم تأخذ بما سلف لذلك خالفتها ) وقد استندت رئيسة الغرفة الجزائية في مخالفتها على نص المادة 44 من قانون العقوبات السوري التي تنص: ( إذا لم ينطو القانون على نص خاص ، كان الحد الأدنى للحكم بالأشغال الشاقة المؤقتة، والاعتقال المؤقت والإبعاد والإقامة الجبرية والتجريد المدني ثلاث سنوات والحد الأعلى خمس عشر سنة) وإن الناشط أنور البني كان قد حكم على نص المادة 286 بدلالة المادة 285 وعقوبتها الاعتقال المؤقت الذي يتراوح بين ثلاث سنوات وخمس عشر سنة، فالحد الأدنى ثلاث سنوات ، وإن الحكم بخمس سنوات كان مجرد تصفية حسابات على حساب العدالة وحقوق الإنسان، وهذا يدل على أن القضاة يحكمون بالسلطة.خاصة في قضايا الرأي العام التي تتدخل فيها الوزارة، حتى فقد الناس ثقتهم بالعدالة. وكان من حقه أن تنظر بدعواه محكمة مستقلة عن أي تدخل كان، لأن استقلالية المحكمة ركن جوهري لازم لعدالتها والضمان الوحيد جعل المعايير الدولية للمحاكمات العادلة جزءا اساسيا من نظامنا القانوني بل من ثقافتنا القانونية الوطنية لهذا فإننا نطالب بإصلاح قضائي حقيقي، فما هي قيمة القوانين، إذا لم يطبقها قضاة مستقلون ومحامين أحرار. ومن المفروض أن القضاء يحمي الجميع، فمن يحمي القضاء ؟ والقضاء يحاسب الجميع، فمن يحاسب القضاء والمحاكمة إن لم تكن عادلة، لاتكون محاكمة، ولا تعدو كونها محض شكليات فلكلورية في سبيل حكم مسبق . ولايسعنا في النهاية إلا نسجل إدانتنا الشديدة لهذا الحكم الجائر بحق الناشط البارز في مجال حقوق الإنسان المحامي أنور البني والذي يؤكد وجهة نظره عندما رفض الطعن واعتبر مثل هذا الاجراء شكليا في مثل هذه المحاكمات لم يقدم او يؤخر في طابع الحكم السياسي الامني وبهذه المناسبة ندعو كافة دعاة الحرية وحقوق الإنسان لإدانة هذا الحكم الجائر وإعلان التضامن مع المحامي أنور البني وكافة معتقلي الرأي والضمير في سورية رامي عبد الرحمن مدير المرصد السوري لحقوق الانسان المحامي خليل معتوق المدير التنفيذي للمركز السوري للأبحاث والدراسات القانونية
المرصد السوري لحقوق الانسان
--------------------------------------------------------
مهزلة قضائية جديدة في محاكمة المعارض السوري فاتح جاموس

عقدت اليوم (الأربعاء 21/11/2007) جلسة لمحاكمة القيادي في حزب العمل الشيوعي المعارض السوري فاتح جاموس امام محكمة استئناف الجنح الاولى بدمشق برئاسة القاضي سحر عكاش وحضور مجموعة من المتضامنين من رفاقه وعدد من المحامين وممثل عن السفارة الامريكية ودبلوماسيين اوروبيين وأجلت الجلسة إلى (20/1/2008) وشهدت جلسة اليوم جدلا بين هيئة الدفاع والقاضي سحر عكاش عندما طلبت من هيئة الدفاع ابراز نسخة عن اعلان بيروت دمشق فكان رد الدفاع ان السيد جاموس كان معتقلا عند صدور هذا الاعلان فما علاقته بهذا الاعلان فقالت القاضي اذا المطلوب ابراز نسخة عن اعلان دمشق اثر ذلك تم تأجيل الجلسة لاحضار نسخة عن اعلان دمشق للتغير الديمقراطيجديرا بالذكر أن السيد فاتح جاموس القيادي في حزب العمل الشيوعي هو معتقل سابق لمدة قاربت التسعة عشر عاما(1982-2000) وكانت الأجهزة الأمنية قد قامت باعتقاله في 1-5-2006 من مطار دمشق الدولي إثر عودته من جولة في بعض البلدان الأوربية "وبعد مضي أكثر من خمسة أشهر تم في 12\10\2006 إخلاء سبيله بكفالة مادية وخلافا لأصول المحاكمات الجزائية وبتاريخ 29/10/2006، بادرت النيابة العامة إلى الطعن بقرار قاضي الإحالة أمام محكمة النقض من اجل تبديل الوصف لجرمي ,إلا أن محكمة النقض ردت الطعن شكلا وأعادت الاضبارة إلى محكمة الجزاء ,وبعد عدة جلسات أصدر القاضي قرارا بالتخلي عن هذه الدعوة ,لان المتهم يخرج من اختصاصها لأنه جنائي الوصف ,ويجب محاكمته أمام محكمة الجنايات إلا أن هيئة الدفاع تقدمت بطلب من أجل استئناف القرار ان المرصد السوري لحقوق الإنسان إذ يعتبر محاكمة السيد جاموس سياسية بامتياز يطالب السلطات السورية إيقاف تدخل أجهزتها الأمنية في شؤون القضاء و إنهاء هذه المهزلة القضائية المستمرة وإغلاق ملف الأستاذ فاتح جاموس وفي الوقت ذاته يطالب المرصد السلطات السورية بالإفراج الفوري والغير مشروط عن جميع معتقلي الرأي والضمير وعلى رأسهم البروفيسور عارف دليلة وميشيل كيلو ومحمود عيسى وكمال اللبواني وأنور البني وفائق المير, وبإطلاق الحريات العامة وكف يد الأجهزة الأمنية عن ممارسة الاعتقال التعسفي
المرصد السوري لحقوق الإنسان
-----------------------------------------------------
حفيدتي هدى

موقع أخبار الشرق - الثلاثاء 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2007
عصام العطار
حضرتُ مَوْلِدَها في آخن في 1/12/1980م، وحضرتُ تشييعَها ودفنَها في آخن قُرْبَ جدّتها لأُمّها الشهيدة: بنان، التي كانت أَحْفَى الناسِ بها قبلَ أن تُسْتَشْهَد.
وفَتَح الْفَقْدُ الجديدُ جُرْحاً جديداً في قَلْبٍ تَقَاسَمَتْهُ الجِراح، فما يَزال جرحُ جدّتها، وجراحاتٌ عميقةٌ أُخرى، تَنْزِفُ في القلب ولا تَلْتَئِم.
تَمُـرُّ بِنـَا الأيـّامُ يا أُمَّ أَيْمَنٍ بِأَحْدَاثِهَا الكُبْرَى سِرَاعاً جَوَارِيَا
فَلاَ تَلأَمُ الأيامُ جُرْحَكِ دَامِيـاً ولا تلأمُ الأيـامُ جُرْحِيَ داميـا
* * * * *
كانت هدى رحمها الله تعالى أوّلَ ولدٍ لبنتي هادية، وكانت عندما وُلِدَتْ بَسْمَةَ سعادة في حياتنا في غربتنا، وكان لها في طفولتها وعلى امتداد حياتها صفات بارزة تدعو إلى محبتها، وإلى الإعجاب بها والإشفاقِ عليها في وقتٍ واحد.
كانت في طفولتها وصباها وشبابها مُرْهَفَةَ الحسّ، مَشْبُوبَةَ العاطفة، إنسانيةَ الشعور، صادقةَ الطبع، قويمةَ السلوك، عظيمةَ الطموح، توّاقةً على الدوام إلى الأفضل والأقوم والأكمل.
وكانت تأبى إلاّ أن تكون سابقة في مختلف المجالات التي دخلتْها مهما كَّلفَها ذلك من جهد، وحرمها من راحة، وأرهقها من تعب.
وحُبِّبَ إليها المعرفةُ والعلم، والسَّبْقُ في المعرفة والعلم، والعطاءُ النافعُ من خلال المعرفة والعلم؛ فكانتْ متقدِّمةً في دراستها للعربية والدين في البيت وفي المسجد، وكانت متقدّمة في دراستها الابتدائية والثانوية في المدارس الألمانية.
واختارتْ هدى بعد الشهادة الثانوية الاختصاص بالقانون، لحاجة مجتمعاتنا في الغرب إلى القانون، وحاجة عالمنا في قضاياه العادلة إلى القانون؛ واختارتْ أن يكون اختصاصها في جامعة القانون في هامبورغ، التي تُعَدُّ في مجالها من أرقى جامعات العالم، فلا تضمّ إلاّ نُخْبَةَ النخبة من الأساتذة والطلاب، ولا تقبل كلَّ سنة إلاّ عدداً محدوداً من الطلبة الذين حازوا في شهاداتهم ودراساتهم السابقة أعلى العلامات، والذين يجتازون امتحاناً تحريريّاً وشفويّاً صعباً واختباراً شاملاً للشخصية والإمكانات، ويدفعون أقساطها المالية المرتفعة، مباشرةً إن كانوا قادرين، أو يوقّعون عَقْداً يلتزمون فيه بدفعها مقسّطة بعد التخرجِ والعملِ إن كانوا من المتفوقين غير القادرين، وهذا ما فعلته هدى.
كانت هدى متفوقةً متألقةً في الجامعة، كما كانت متفوقةً متألقةً قبلَ الجامعة، في دراستها، وفي شخصيتها وعطائها، وكانت موضع الإعجاب والاحترام أيضاً في إيمانها والتزامها حيثما كانت بدينها وحجابها وزيها الإسلامي في جامعتها، وفي جامعة (إكستر Exeter) التي درست فيها في إنكلترا، وفي مكاتب المحاماة الدولية التي تدربت فيها.
وأتقنتْ هدى خلال مسيرتها العلمية والثقافية بجدّها واجتهادها خمسَ لغات قراءةً وكتابةً وحديثاً: العربيةَ والألمانيةَ والفرنسيةَ والإنجليزيةَ واللاتينية، كما عرفت شيئاً يسيراً من المعرفة لغاتٍ أُخرى.
وكان يُرْجَى لها لو امتدّ بها العمرُ مستقبلٌ علميّ وإسلاميّ وإنسانيّ كبير جدّاً.
قال لنا أحد الأساتذة في تعزيته:
- "إن هدى ليست فقيدةً أُسَرِيّةً، ولكنها فقيدةٌ إنسانيةٌ وأخلاقيّة، فقد كان يُرجى لها أن تكون في المستقبل من أكبر فقهاء القانون في العالم، ومن أكبر حراس الحق والعدالة والقيم الإنسانية العليا".
وقد هزّ نبأ وفاة هدى جامعتها العالمية في هامبورغ، كما ذكر ذلك مدير الجامعة، فخيَّم فيها الحزن، وأقامتْ لها الجامعة حفلاً تذكاريّاً مؤثِّراً تكلّم فيه المدير، وبعضُ أعضاء مجلس الإدارة، وبعضُ الأساتذة والطلبة والخريجين، وذكروها بما يُشَرِّف كلَّ إنسان مهما علا قدره أن يُذْكَرَ به من المزايا والصفات.
ودعا مديرُ الجامعة أسرةَ الفقيدة الغالية إلى هامبورغ لتستقبلهم الجامعة وتُقَدِّمَ إليهم كتاباً تذكارياً أعدته عن هدى.
لا أقول هذا تفاخراً، معاذَ الله! وهل ينفعُها أو ينفعُنا التفاخر؟؛ ولكنّها كانت رحمها الله تعالى – أَملي في أن تكون لنا نحن العربَ والمسلمين، ونحن أبناءَ العالم الثالث، عيناً من العيون البصيرة الأمينة التي نُطِلُّ بها على العالم والعصر، وقضايا العالم والعصر، ولساناً من الألسنة العليمة السديدة التي تنطق بالحق في هذا العالم والعصر على مستوى العالم والعصر، وصورةً صادقة باهرة للمرأة المسلمة في مجالات العلم والفكر والعمل، فقد آتاها الله عزَّ وجلَّ من الإيمان والخلق والمواهب ما يؤهلها لهذا الدور المأمول. ولكنّ جهدَها الكبير الكبير، وتعبَها المتواصل المتواصل، للتفوق والتقدم، وأداءِ رسالتها المرجوّة على أفضل وجه ممكن، كانا أكبر من طاقتها الإنسانية، فأخذ الضعف والوهن يتسرب إلى جسمها وصحتها على توالي الأيام وهي تُكَابِرُ الضعفَ والوهن، حتى عجز الجسمُ الضعيف عن مَطالبِ الروح العظيم، فانهار الجسم، ورجعتِ الروحُ إلى ربّها راضيةً مَرْضِيَّةً إن شاء الله.
* * * * *
أكتب هذه السطور وفي عينيَّ وفي قلبي وأنا أكتبُ صُوَرٌ حيّةٌ رائعة مُتَتابعةٌ تَتَرَاءى لي صورةً بعدَ صورة لكلِّ مرحلةٍ من مراحل حياتها الغنية منذ كانت طفلةً صغيرة إلى أن وارينا جثمانَها التراب.
كأنّني أراها الآن شاخصةً أمامي وهي طفلةٌ صغيرة جميلة مبتسمة في الرابعة والخامسة والسادسة من العمر، تشاركُ في بعضِ ندواتِنا الحافلة القديمة بإلقاء أبيات من الشعر، أو قِطَعٍ من النثر، بفصاحةِ نادرةٍ وإتقانٍ عجيب.
سألتُ مَرَّةً في الجلسة الأخوية من إحدى هذه الندوات:
- من يتذكّر منكم الآن شيئاً يُطْربنا وُيمتعنا ويَنْفَعُنا من الشعر الجميل؟
فإذا بطفلة صغيرة حلوة تخترق الصفوف والكراسي، وتصعد بصعوبة إلى المنصّة وتقول: أنا..
وكَبَّرَ الحاضرون، وألقتْ هدى، بلسانها الطَّلْقِ، وأدائها الْبَيِّن الجميل، هذه الأبيات الرائعةَ الرائعةَ العزيزةَ على أسرتها، والتي يحفظُها كبارُ الأسرة وصغارُها:
فَإنْ تَكُنِ الأيـامُ فينـا تَبَدَّلـتْ بِبُؤْسَى ونُعْمَى والحوادثُ تَفْعَلُ
فما لَيَّنتْ مِنّـا قنـاةً صَلِيبَـةً ولا ذَلَّلَتْنـا لِلّتي ليسَ تَجْمُـلُ
ولكنْ رَحَلْناها نُفُوسـاً كريمـةً تُحَمَّلُ ما لا يُسْتَطاعُ فَتَحْمِـلُ
فلم أملك الدموعَ في عينيَّ من التأثّر.
وكأنّني أسمعُها الآن في نَدْوة أُخرى تُلْقي أبياتَ جَدِّها.
نَمْشْي إلى الغايةِ الكُبرى على ثِقَةٍ عَزْمٌ حَديـدٌ ونَهْجٌ غيرُ مُنْبَهِـمِ
وأنفسٌ قد شَـراها اللهُ صادقـةٌ أَقوى مِنَ الموتِ والتشريدِ والألمِ
إلى آخر الأبيات.. فيكونُ لها في نفوس الحاضرين أبلغُ الأثر.
لقد أَحَبَّتْ هدى العربيةَ منذ طفولتها المبكّرة أبلغَ الحبّ، وأعطتْها من قلبِها ووقتِها وجُهْدِها الشيءَ الكثير، وحَفِظَتْ مع ما حفظته من القرآن الكريم شيئاً لا بأسَ به من مُتَخَيَّرِ الشعر، وقرأتْ في الأدب العربيّ القديم والحديث، وبلغتْ في معرفتِها وقدرتِها في العربية ما لا يبلُغه كثيرٌ من أمثالِها ممّن يَدْرسون في بلدٍ عربيّ.
كانت - رحمها الله - تحرص على العربية حِرْصَها على قُرآنِها ودينها، وكانت تُذَكِّرني في كثير من أحاديثها معي بالحرصِ كلِّ الحرصِ على تعليم أبنائِنا العربية، فالعربيةُ كما تقول: هي الشخصيّةُ والهويّةُ والدينُ والمصير.
وحرصتْ هدى في مختلف مراحل حياتها على أن تعيش إسلامها كاملاً باطناً وظاهراً، فأصرّتْ على لبس الحجاب قبل أن يُفرض عليها الحجاب، واستمرّتْ على هذا النهج في مختلف الأمكنة والأوقات والظروف، وفَرَضَتْ بعلمها وتقدّمها وخلُقها ومزاياها المختلفة احترامَ اختيارِها ونهجِها هذا حيث تكون.
* * * * *
كانت هدى تتصل بي في شهور حياتها الأخيرة كلَّ يوم، فتغمرُني بفيضِ إيمانِها وعاطفتِها وحُبِّها، وقد شَفَّتْ نفسُها فليس فيها إلاّ الإيمانُ، وصدقُ التوجّهِ إلى الله عزَّ وجلَّ، والأملُ في خدمةٍ أفضلَ للإسلامِ والمسلمين، والإنسانيةِ والإنسان، وعملِ الخير بمختلف ضُروبه وسُبُلهِ على كلِّ صعيد.
قالت لي في ليلة من ليالي رمضان المنصرم، وكانت تتصل بي في رمضان حَوالَيْ منتصفِ الليل، لتتركَ لي إمكانية المشاركة في صلاة التراويح في المسجد إن قدرتُ على الذهاب إلى المسجد.
قالت لي:
- إنني أحسُّ في هذه الأيام والليالي إحساساً عميقاً جدّاً بأنني أقربُ إلى اللهِ مِنيّ إلى الناس، وإلى الآخرةِ مِنيّ إلى الدنيا، وأجدُ في الذِّكر والدعاء وقراءة القرآن سعادةً لا توصف، وأجدُ في قلبي طمأنينةً كاملةً للقاء ربي، ولا أستشعرُ خوفاً من الموت، ولكنني أحبّكم وأكره أن أفارقكم، ويَحُزُّ في نفسي أن أخرج من الدنيا ولم أحقّق فيها ما كنت أحلُم بتحقيقه لديني وأسرتي ونفسي، وللإنسانية كلِّها، وأكره أن أُسَبِّبَ لكم الألمَ والحزن.
هل ستحزنون عليَّ كثيراً إن مِتُّ؟
هل ستحزنُ عليَّ كثيراً يا جدّو؟
مسكينة مسكينة أُمّي
واحسرتاه عليها
أعانَها أعانَها الله
أرجوكُم لا تحزنوا، فنحن لا بدّ أن نلتقيَ وراءَ حدودِ هذه الدنيا، فنحنُ –والحمد لله- نؤمنُ بالله، ونحبُّ الله، ويحبُّ بعضُنا بعضاً أعمقَ الحبّ وأصدقَ الحبّ، ولا بدّ أن يلتقيَ من يحبّون الله، ويحبّون في الله، في ظلِّ عرشِ الله يوم القيامة.
وَأَحْسَسْتُ بصوتها يَخْتَلِج، وبأنّها تُمانع البكاء، وأحسستُ -وأنا في آخن وهي في هامبورغ- بدَمَعاتِها تتقاطَرُ على الْخَدَّيْن، ثمّ قالت:
- عفواً يا جدّو، لا بدّ أنني أحزنْتُك؛ ولكنْ تَأَكَّدْ تأكّدْ أنني سأكافح لأعيش، ولأنجح، ولأسعدَ بكم وأُسْعِدَكم، وأحقّقَ ما أستطيع تحقيقه من الآمال.
* * * * *
وفي الليلة التي سَبَقَتْ ليلةَ وفاتِها اتصلتْ بي في الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
قالت لي:
- لقد استيقظتُ من النوم لأَتّصلَ بك وأطمئنك، فأنا أعلم أنّك ساهر وبالك مشغول لأنني لم أتصل بك في موعدنا المعتاد قبلَ النوم.. لا تَقْلَقْ عليَّ يا جدّو فأنا بخير.
* * * * *
نَعَمْ أيتُها الحبيبة العزيزة، نَعَمْ يا هدى.. أنتِ بخيرٍ إن شاء الله تعالى، وكيف لا يكون بخير من صار إلى الرحمن الرحيم وهو أرحم به من أمه وأبيه، ولقيه مؤمناً صادقاً لا يشرك به شيئاً.
رحم الله حفيدتي هدى..
لقد كانت زهرةً نادرةً لم يمهلها العمر ليملأ أريجُها الدنيا.
وشجرةً طيبةً صَوَّحَتْ قبل أن تُعطِيَ ثمارَها المنتظرة.
وكوكباً غاب في مَطْلَعه قبلَ أن يبلغ مَدَى النظَر.
ولكنّها حكمةُ اللهِ وإرادتُه عزَّ وجلَّ، ونحنُ راضون كلَّ الرضا بقضاءِ الله وقدره.
"إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى"
"اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهَا، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهَا"
وإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ..
* * * * *
أخطُّ هذه الكلماتِ في الموعد الذي كانت تحدّثني فيه من الليل، وصورتُها في عينيّ وقلبي، وصوتُها العذب الحنون في أذنيّ وسمعي، وقلبي يئنُّ من لّذْعِ الفراق، ولا أتحدّثُ عن الدموع، فقد جفّتْ الدموعُ في عينيَّ من زمنٍ بعيد، فلم يَبْقَ في عينيَّ دموع.
* * * * *
وأنتم أيّها الإخوةُ والأخواتُ الأحبةُ الفضلاء، والأصدقاءُ الأعزاءُ الأوفياء، والأساتذةُ الكرامُ الأجلاّء، الذين اتصلتم بنا، أو كتبتم إلينا من مختلف البلاد.. شَكَرَ الله أُخُوّتَكم وفضلَكم، ومواساتكم وتعزيتَكم.
ولَئِن أعجزتْنا ظُروفُنا ووسائلُنا عن الكتابة لكلٍّ منكم بمفرده، فنرجو أن تعتبروا شكرَنا هذا موّجهاً لكلٍّ منكم بمفرده.
جزاكم الله خيراً.
والسلام عليكم ورحمة الله.
--------------------------------------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا