بقلم: عطية مسوح
في حوار نقلته جريدة (الجماهير) الأردنية عن (الشرق الأوسط) اللبنانية، قال المفكر المعروف صادق جلال العظم إن الكثير من الماركسيين تراجعوا إلى خط الدفاع الثاني بعد انهيار التجربة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي. جاء السؤال على النحو التالي:
(ألا ترى أن بعض الماركسيين القدامى خلعوا عباءاتهم ليرتدوا عباءات أخرى علمانية أو حتى أصولية؟). وكان جواب العظم: (هذا صحيح. القسم الأكبر من الماركسيين، بعد فشل التجربة وانهيار الاتحاد السوفييتي تراجعوا لخط الدفاع الثاني، وهو قيم الثورة البورجوازية. ونحن ـ كماركسيين ـ كنا نعتبر أننا ندافع عن قيم أكثر تقدماً من قيم الثورة البرجوازية الفرنسية والثورة الليبرالية التي ضمت حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وتداول السلطة. وأرى أن قسماً كبيراً من المثقفين والمنظرين الماركسيين عادوا للدفاع عن هذه القيم في وجه زحف قروسطي طالباني. وأعتبر نفسي اليوم في موقع الدفاع عن علمانية الدولة وديمقراطيتها واحترام حقوق الإنسان، وأعتبرها المعركة الأهم على المستوى السياسي). إن الجواب صحيح ودقيق، يعطي قيم الثورة البورجوازية الفرنسية، وقيم الليبرالية السياسية ـ حقها، كما يعطي طموح الماركسية والاشتراكية إلى تجاوز تلك القيم تجاوزاً إيجابياً حقه أيضاً. فالماركسيون والاشتراكيون،هم أصحاب مشروع إنساني ديمقراطي أصلاً، يقوم على إلغاء الاستغلال الملازم للنظام الرأسمالي، ومتابعة مسيرة الديمقراطية التي خطت بها الرأسمالية والليبرالية إلى الأمام خطوات هائلة. إنهم، بربطهم الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية يمنحون مشروع الحرية مضموناً جديداً، ويقدمون صيغة لحقوق الإنسان أكثر اكتمالاً من الصيغة التي تضمنها المشروع البرجوازي. وهذا يعني أن المشروع الاشتراكي لا يقوم على إلغاء ما حققته الثورة البورجوازية من تقدم على صعيد التجربة السياسية والقيم الإنسانية، كما على صعيدَيْ الاقتصاد والعلم. وإنما يقوم على متابعة مسيرة التقدم الاجتماعي التي يعوقها الاستغلال الرأسمالي.إنه التجاوز الجدلي التقدمي، الذي يبقي على كل ما هو إيجابي في الحالة التي يجري تجاوزها. وفي هذا المجال، فإن المشروع الاشتراكي يعني المحافظة على منجزات التجربة السياسية البورجوازية، والقيم السياسية الليبرالية، مثل الاقتراع الشعبي الحر، وتداول السلطة على أساس نتائج الاقتراع الحر. وحق الإنسان في التعبير عن رأيه، ورعاية التعددية السياسية والفكرية والثقافية، وتساوي المواطنين أمام القوانين، وغير ذلك من الحقوق. ويضيف إليها قيماً جديدة تتعلق بالعدالة الاجتماعية القائمة على تدابير تدرجية تحد من الاستغلال وصولاً إلى الخلاص منه. أي إن المشروع الاشتراكي هو حلقة من حلقات السعي الإنساني إلى التقدم والحرية، وإزالة للعوائق التي يولّدها نظام الاستغلال الرأسمالي في طريق ذلك السعي. إنه متابعة للسير في طريق مفتوح لا نهاية له، فكما أن الرأسمالية ليست الحلقة الأخيرة و العليا في تطور البشرية، كذلك الاشتراكية، أو الشيوعية كما تصورها وبشر بها الماركسيون، ليست الحلقة الأخيرة في ذلك التطور، فلا نهاية للتاريخ ولا بلوغ للكمال في مجالَيْ العدل والحرية. لكن ما جرى في القرن العشرين، قام على منطق آخر، وممارسة مخالفة لطبيعة المشروع الاشتراكي ودوره التاريخي. فعلى المستوى النظري، جرى الاستهتار بالجوهر الإنساني للماركسية، فقُدِّم الطبقي على الإنساني. والأيديولوجي على الفلسفي. وانتزع فكر ماركس من سياقه، بوصفه حلقة من حلقات فلسفة الحرية، وصوّره حاملوه من الثوريين على أنه مجرد فكر (طبقي) يرمي إلى وضع طبقة مكان أخرى في قمة الهرم السياسي والاجتماعي. وعلى المستوى السياسي، قام حكم الاشتراكيين، حيث حكموا، على مبادئ وممارسات ألغت كل ما هو إيجابي في التجربة السياسية الإنسانية، كالانتخابات الحرة ومبدأ الاحتكام إلى صناديق الاقتراع في اختيار الحكام وممثلي الشعب، والتعددية السياسية، التي أُحِلّ محلها حكم الحزب الواحد الذي يفرض ذاته على المجتمع فرضاً، فانتهى مبدأ تداول السلطة كما سُحقت التعددية الفكرية، وكُرّس اللون الفكري الواحد، وأُلحقت الصحافة بالسلطة إلحاقاً كلياً، وماتت، أو قتلت، مؤسسات المجتمع المدني، إلى غير ذلك من ملامح التجربة السياسية التي قدمتها الأحزاب الحاكمة تحت اسم الاشتراكية أو الماركسية.وتحولت تلك الممارسات التي استندت في البداية إلى رؤى فكرية ضيقة وشائهة حسنة النوايا، إلى ممارسات لخدمة نظام حكم وفئة متنفذة لها مصالحها الخاصة، ولدت من أحشاء الحكم الاستبدادي وترعرعت في مناخ غياب الديمقراطية وحرية النقد. وهكذا، آلت التجربة السياسية الاشتراكية إلى نقيضها، أي إلى تكوين نخب جديدة تتربع على هرم الحياة السياسية والاقتصادية، ولكنها محمية بشعاراتها وتنظيراتها التي فقدت بريقها وجاذبيتها شيئاً فشيئاً. إن إلغاء المعارضة السياسية والتعددية الفكرية وحق الإنسان في النقد والتعبير عن رأيه، وفرض حكم الحزب الواحد أو الحزب المتعاون مع أحزاب صغيرة تتبعه وتلوذ به، شكلت تراجعاً عن قيم الثورة البورجوازية والليبرالية السياسية، لا متابعة لها، ولا تطويراً لإيجابياتها، فأخرجت التجربة الاشتراكية عن سكة التقدم، وجعلتها مؤهلة للانهيار. هذا هو الأساس الذي دفع بالماركسيين إلى التراجع إلى خط الدفاع الثاني على حد تعبير المفكر صادق جلال العظم. وأعتقد أن التراجع هنا ليس مجرد تكتيك في معركة خسرها الاشتراكيون، وهم يدافعون عن خطهم الثاني ويتهيؤون لمعركة جديدة يستردون فيها ما فقدوه، بل أراها تصحيحاً لمسيرة خاطئة، كان جوهرها إلغاء خط الدفاع الثاني، في إطار وهم التقدم والتجاوز، أي إلغاء القيم التي أرستها الثورة البورجوازية الفرنسية والليبرالية السياسية. والتصحيح المطلوب، هو استعادة تلك القيم واستيعابها واستكمالها، كي تكون الاشتراكية متابعة، وتجاوزاً جدلياً وإضافة حقيقية للقيم الإنسانية، وكي يكون مضمون المشروع الاشتراكي الجديد مزجاً بين قيم الليبرالية السياسية وقيم العدالة الاجتماعية.
عطية مسوح
----------------------------------------------------------------------------------------