
الرحيل إلى المجهول ــ تدمر5 ــ
آرام كربيت
غرفة الليل طويلة. تمتد وترتد على جسدي المتسكع على أبواب الغربة.
لم يستطع النوم أن يأخذنا إلى مملكته.. إلى مأدبة الوجود. بقيت الروح ترنو.. سارحة. ترفرف مع الدهشة والقلق. نُهاجر.. نحاول الرحيل فوق جسور الصمت إلى الصدى الأخر. ننوس بخفوت منعقدي اللسان. نمشي فوق الشهقات على كفوف القدر.. على الأخاديد المملؤءة بالنتؤاءت.
لم نكن ننتظرشيء سوى تمريرفرص الخيال إلى النقائض. ننقل النجوم المنقوشة فوق مئزرالليل إلى موضع أخر.
يا إلهي كيف سأنام على هذا البيتون الأحمق.. الجَّبانة. المضطجعة على كتل من البرد القادم من زعفران الليل والشتاء. من كانونه المشتعل بالهيجان.
كل عشرة دقائق ينهرنا العسكري من على السطح ويمطرنا بالشتائم. يسرق منا رقصة الحلم بالشرود إلى الحلم الآخر.
صراخ الشرطة وزعيقهم. عوائهم ونباحهم يستمرطوال الليل/ طوال الليل ينبحون.. هذه حقيقة/. يبقون مستيقظين يدورون ويراقبون المهاجع وأنفاس السجناء. من أجل الأجهاد عليها وتدميرها وتخريبها من الداخل. دورياتهم تبقى سهرانة ومنشغلة على الدوام في أبقاء أعصاب السجناء مستنفرة ويقظة طوال الأحدى عشرة ساعة. كل عشرة دقائق يقترب العسكري من الشراقة. يدق على شباكها المعدنية المصنوعة من قضبان فولاذية محلزنة بحذائه القاسي والقوي. يقول:
ـ ماذا تفعل يا أبن.. يا أبن.. شتائم بالجملة والمفرق. يكررأقواله:
هل لديك أحد في المرحاض. هل الجميع نيام. هل لديك شيء تريد أن تبلغ عنه.
لا اعتقد أن السجين في تدمر خلد للنوم مدة نصف ساعة متواصلة. الحلم بالنوم حلم بعيد المدى. أمل يصعب الوصول إليه. الأعصاب مشدودة. الحواس في حالة استنفارتام. أسوار الأذن منتصبة.. مشنفرة.. مشدودة التيقظ. متجهة نحو قدم الشرطي. حركته على السطح.. تنقلاته. محل طرح الكثيرمن الأسئلة:
ـ هل هو في محرسه. هل هو فوق الشراقة يراقبنا. ماذا يفعل الأن. هل يراقبني. هل سيجلدني في الصباح. أم إنه يكتفي في رؤيتنا نياماً. هل سيتركنا لشأننا ويذهب. هل يهم في الذهاب إلى الرحيل. هل سيدق على الشراقة أم يكتفي بوضع قدمه على القضبان المحلزنة. يزداد الوجع والخدرلرجلي وجنبي الذي استند عليه. آه لو أستطيع أن أقلب قليلاً. لويذهب إلى مكان أخر. أتمنى لو أسمح صوته. صوت حركة حذائه حتى أتنفس قليلاً. البول يحاصرني. كيف أفعل. يا رب ساعدني لأجتازهذا الوقت الصعب. أعطني القوة والصبر حتى أتحمل. أنا متعب من الاستلقاء الأجباري. إلى متى يبقى الليل طويلاً. أتخيل الناس في بيوتها كيف تذهب إلى الحمام دون أن يراقبها أي إنسان. أن يحصي أنفاسها ودموعها. أبقى في مكمني أراقب أنفاس الشرطي. الدررالتافهة والرخيصة التي ستخرج من بين شفتيه النتنة. آه.. إنه يمررقدمه على القضبان.. يلعب بهم. يدق قليلاً.. قليلاً. الأن سيشتد ضربه. لا لن يضرب. يضرب بقوة ويزمجرعلى السجين المناوب من أجل إدخال المزيد من الخوف في قلبه وقلوبنا. يزداد قلبي خفقاناً. إلى متى سيستمر هذا الوضع على هذا المنوال. أحلم بالحرية. أحلم بها طويلاً. ما أجملها. ما أحلى أن يعيش الإنسان في بلد أمن وحر. لا توجد فيه أحذية كبيرة.
لكم تمنيت أن أعيش في وطن يكف الحذاء العسكري أن يقررمصيرنا.
ما أن ننزلق في محراب النوم. ما أن نحاول الدخول في مملكة النوم. حتى يطل حذاء الشرطي. البوط الذي يساوي الحدود كلها. يخبط بكل قوة على السطح أوالقضبان المحلزنة. يسمعنا السمفونية المكررة كل يوم عشرات المرات. الكلامات والشتائم التي سمعناها يندء لها الجبين من كثرة سوقيتها.
تناوب كل واحد منا ساعتين في هذا الجب المسمى جب أبليس أوجهنم. كنا أشبه بجثث ملفوفة بأكفان مرمية على أرضية هذا المخزن الكبير. ينتظرقدرما يدفعها إلى مصيرأخر.
في هذه العتمة المعتمة. كيف ينبض القلب ويخفق. كيف يمكن لهذه الروح أن تخرج من هذا النفق الطويل. لم نتعلم أن نستظل تحت ظلال الأشجارالوارفة. تحت الأغصان الخضراء الكبيرة.. غزيرة الأوراق. الشجرة الوحيدة التي مكثنا تحتها. كانت عقيمة الجذور. معطوبة الأغصان. ميتة الأوراق. لا تستطيع أن تسد وهج الشمس اللأذعة ولا الحرارة القاس
ية أوالغبارالقادم من التيارات العابرة.لقد تفسخت بلادنا على كل الصعد. السياسية والأقتصادية والاجتماعية.
كانت منطقتنا العربية منذرة بتبدل الواجهة السياسية لأنظمة الحكم فيها خلال فترة التسوية التي بدأت بعد ضرب العراق وإخراجه من الكويت. كذلك بعد دخول اسرائيل وحلفائها العرب/ الأنظمة العربية/ مؤتمر مدريد.
بمقتل رابين وموته في نهاية العام 1995 أنتهى أي أمل في التسوية في المنطقة. كان هذا إنذاراً بمزيد من التشوه والتفسخ في النظام العربي. هذا الأنعكاس سيؤدي إلى المزيد من التفسخ في وضع شعوبنا وبلداننا.
مقتل رابين يعني أنتهاء التسوية. بمعنى أصح. أن الموسسة العسكرية الاسرائيلية غير جاهزة للدخول في تسوية مع حلفائها. لذا على الولايات المتحدة العمل على إدارة هذه المنطقة من العالم بطريقة مختلفة تنسجم مع المخاوف الأمنية الأسرائيلية وتدفع مسألة التبديل إلى إشعار أخر. أو البحث عن طرق أخرى لأدارة هذه الجزء من العالم وفق مصالحها الأنية والمستقبلية بطريقة تضمن لنفسها كلفة أقل. المنطقة مسترخية/استقرار/ تحت قبضة أنظمة أمنية لها باع طويل في السيطرة على شعوبها.
مسألة تأجيل تبديل الأنظمة العربية أقل كلفة وصعوبة بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية من أن تضغط على اسرائيل. من أجل القبول بالتسوية.
دائماً يرتأي الأمريكان أن تطبخ صراعاتنا الداخلية والخارجية في مراجل الأنظمة أو السلطات الديكتاتورية من أجل المزيد من التفسخ والانهيارفي بلداننا على مهل.
إذاً. السجن.. السجان/ النظام ـ السلطة/ العربية باقية إلى إشعار أخر. مسألة تبديل الوجوه والمكياج غير واردة في الأفق المنظور.
علينا أن نربط الأحزمة ونستعد لمسيرة طويلة من القمع والتشوه والخراب في بلداننا.
مؤتمربرشلونة كان نوع من مسحة الخلاص النورانية. لكن لم يكن لها أي قيمة عملية لعجزالأوربيين عن القيام بأي فعل سياسي عملي. ولضآلة تأثيرهم على مجريات الأحداث في العالم.
الآفاق مسدودة بالكامل. لا أمل بالخلاص على الأطلاق على المدى القريب والبعيد. علينا أن نتحمل مصيرنا بصبركبير.. أن نتحمل السجن الطويل وإلا سنموت من الهم والكمد والقهر.
الضوء المنبعث من اللمبة الصغيرة كان خافتاً للغاية. الزنزانة الكبيرة أشبه بمغارة أووكرمعتم.
في الصباح. في الساعة السابعة صباحاً استيقظنا مشوشي الذهن. متعبي الجسد.
المصادفة والزمن والمكان يصنعا القدر. القدرفراشة تستيقظ من غفوتها بهمس أقرب إلى النعاس. ونحن نامل أن تمرالدقائق من أجل أن نجتاز المصادفات والقدر بأقل قدرمن الوجع.
رحنا نمشي مع بعضنا داخل المهجع لأحساسنا أن العالم كله أختصر في هذه البقعة التي نعيش فيها. نتكلم على غيرهدى. لا نعرف ماذا نفعل وماذا يخبئ لنا هذا اليوم وغيره من مفاجأت. دخل عمر الحايك إلى الحمام وراح ينظف الدورات من الأوساخ المرمية في داخلها. فتحنا الحنفيات المصنوعة من السرنكات فتدفق الماء المأكسد المسترخي مدة طويلة داخل الأنابيب القديمة. ضببنا فراشنا وطويناها ووضعناها على طرف الجدار. لم نستطع أن نأكل أية لقمة نتيجة الخوف والقلق والترقب. لكن لم يكن في ذهني أنهم سيعذبوننا مدة طويلة. كنت أقول لماذا يعذبوننا. ماذا فعلنا. لا شيء يستوجب هذا الفعل. المسألة لن تمتد إلا لبضعة أيام أو شهر. ثم يعيدوننا إلى سجننا. لقد قفز ذهننا عن الحقائق الماثلة أمامنا. حقائق مرسومة بقوة أمام الجميع. لقد قتل هذا النظام ودمرمدن لسبب أقل من ذلك. لماذا لا يقتلنا أو يعذبنا. ما الذي يمنعه. الاخلاق مثلاً! هذه مسألة بسيطة. هذا النظام ورأس النظام لا أخلاق لديه.. ولا ضمير يحكم سلوكه. أما عن الردع. فمن يردعه! الشارع مثلاً.. مجتمعنا! هذا أيضاً لا يدخل في ضمن حساباته وهواجسه. الامريكان والأوربيون كانوا وما زالوا يباركوا سياساته الداخلية بالمطلق. المهم تحالفه مع اسرائيل وتنفيذ سياسات الأمريكان الخارجية سواء في لبنان أو الشأن الفلسطيني أو العراقي. المهم إدارة اللعبة باقتداردون ان يضر بقواعد اللعبة في إدارة شؤون المنطقة بما يضمن نتائج غيجابية للراعي الإمركي.
إذا نحن بيديه. يفعل بنا ما يريد ويرغب.
في الصباح في الساعة التاسعة تماماً. فتح الباب بهدوء. مط العسكري أو الشرطي رأسه وقال بهدوء وأدب جم:
ـ ليخرج الجميع إلى الباحة مع الحقائب.
حملت حقيبتي وخرجت.
في نظرة خاطفة. رأيت باحة يمتد طولها إلى حدود الخمسة عشرة متراً وعرضها الثمانية أمتار. تم على طول الباحة والسطح توزيع أعداد كبيرة من الشرطة العسكرية بكامل لباسهم الميداني. البيرية الحمراء والبوط الملمع والثياب الخضراء المكوية والنظيفة.
كانوا في حالة استنفاركامل. كأنهم كانوا في حالة استعداد تام للحرب. قال أحد الشرطة:
ـ قف بجانب الجدار. وجهك بأتجاه الجدار. لا تلتفت نحو اليمين أو اليسار. كنت أول من خرج. كان محمد خير بجانبي ومازن علي شمسين بجانب محمد خيروهكذا دواليك إلى أن خرج الجميع. ليبقى رأسك في الارض. صيغة موجهة لنا جميعاً.
بعد أن وقفنا ووجهنا نحوالجداروظهرنا نحو الشرطة.
كان الصمت مكتملاً. لم أسمع أي حركة أوكلام. كأن الباحة خالية تماماً. ما هي إلا لحظات حتى رأيت يداً قذرة حطت على أعلى كتفي. جرني إلى مأدبة غريبة. قال أحدهم:
ـ ضع الحقيبة على الأرض. ثم أردف:
ـ أفتحها.
بعد أن فتحتها ووضعتها أمامهم. امتدت الأيدي إليها وراحوا يخرجون ثيابي وأشيائي الخاصة الموجودة في الحقيبة. لوحات نحاس.. صورأبي وأمي وأخوتي البنات وأخي. ثيابي الداخلية.. حذائي وقشاط بنطالي. راح الشرطي يفتشها ويرميها على الأرض المملوءة بالحصى المذببة والرمال الصغيرة والتراب الناعم. ثم طلب مني أن أنزع حذائي وجواربي من رجلي. كما طلب مني أن أنزع أيضاً ثيابي كلها من على جسدي. وقفت بينهم عارياً تماماً كما خلقتني أمي في ذلك البرد القارس. خجلاً من نفسي ومن زمني. لا أعرف ماذا أفعل. إن رعباً غريباً وغربة غريبة تسللت إلى نفسي. قلت لنفسي:
ـ ماذا يريدون منا في هذا الصباح. كل شيء يسير بسرعة هائلة. لماذا يريدوننا عراة في هذا الصباح البارد. على هذه الحصى المذببة. لم يكن في المكان إلا صدى الهواء والريح وهما يلسعان الجدران والجسد الممدود في المكان بينهم.
شرطة كثيرة وخدمهم من البلدية/ عسكريون فارون من الخدمة العسكرية تقوم بخدمة الشرطة مجاناً/. يصدمني دائماً كلمة:
ـ وطي رأسك في الأرض. لا ترفعه على الأطلاق.
المكان بغيض وكريه. غابة من الوحوش واقفة. تريد أن تلتهم كل ما يقع بين يديها وفمها. معركة ما بين القهرونقيضه في مساحة صغيرة تجسد واقع خطير. شيء ثقيل يرزح فوق الصدرفي مكان موحش. المكان والبرد كأنما خلقا ليزحفا غلى قدمي ويصعدا إلى شفتي ووجهي . الصمت الثقيل يرفرف هبوطاً من رحلته الطويلة. الشرطة ثابتة في مكانها في حضرة رتبة كبيرة ما. خلق حالة دوران دائري من الخوف. كلهم يرزحون تحت حذاء الأوامر. قال:
ـ أحمل ثيابك وأدخل المهجع. حملت حوائجي وسرت. لقد صادروا الحقيبة والصورواللوحات والقشاط. تركوا الثياب فقط. بقيت وحدي. راحوا يفتشوا غيري.
أقف على الجماد الجامد.. على البرد المصمط. أحس بالاندثاروالارتعاش والرغبة بالخلاص. دائماً الوقت هو المشكلة. الوقت هو الذي يحاصرنا. هو الذي يسيرنا ويمضي بنا في رحلة العمروالبحث عن الآخر. يمضي تحت ثقل سطوة سطوته وسوطه.
تتناهى إلي أصوات قطط جائعة. قطط كبيرة تريد أن تفترس. وأنا أصرخ واولول بين مخالبهم.
بعد أن انتهوا من تفتيش الجميع. قال أحدهم:
ـ دع كل شيء في مكانه واقترب. أبقى عارياً. وجهك بأتجاه الجدار. يد رشيقة. لكن قوية. أمتدت الى فروة رأسي وقادتني الى وسط الباحة .
لفتني حلقة دائرية من الشرطة والبلدية وعزلتني. رأيت الإطار الخارجي للسيارة على الأرض/دولاب/ بجانبه الكثير من الكوابل السوداء المصنوعة من إطارالخارجي للسيارة/دولاب/ بالإضافة إلى قسطل من الحديد المحلزن فيه مرسة غليطة مرميون على الأرض. قال كبيرهم بلهجة أمرة وحازمة:
أنبطح على الأرض.
أنبطحت على الأرض العارية عارياً تماماً. صارجسدي مشدوداً ومستسلماً. على الحصى المذببة والرمال الناعمة.
بهدوء وثقل مررت قدمي الى الأمام ورفعتهما الى الاعلى كما أمروا.. مستسلما للقدر. تاركاً أمري له يقرر ما يراه مناسباً. قال:
ـ أدخل في الدولاب. بعد أن دخلت وثتبوا جسدي قال:
ـ أرفع قدميك الى الأعلى بشكل جيد. قربهم من بعضهم. بعد أن صارت أقدامي إلى فوق. تحولتُ الى شكل حرف U بالأنكليزية. تحولت الى كتلة لحم معجونة داخل الدولاب المطاطي.
رحت أهجس داخله:
ـ أكاد أختنق داخل الدولاب. قفصي الصدري يلتحم بأفخادي. الهواء يحتبس داخلي لا أستطيع أن أزفره. كما لا أستطيع أستنشاق الهواء المتجدد .
بقي الصباح
مسبلا جفنيه على مائدة الكون .راح يمشي في دورانه الهادئ .
يجدف ويبكي منزويا عند جدع الأفق .
الارتباك والأرادة المأسورة تكبر.
كنت مصلوب الأرادة مرمياً تحت أقدامهم.
جسدي مستنداً على فقرة واحدة أو فقرتين من عمودي الفقري. الحصى والرمال تلتصق بي وتدخل بتأن وهدوء الى ظهري دون مقاومة .
شعرت بالوخزالحاد. كالسكاكين تدخل جسدي من المكان الذي تريد. معجوناً بالوحل على الأرض الموحلة. جزعاً من المكان الشرير.
الرياح كامدة في مكانها. لا يسمع منها إلا صفير منفر. تضرب الجدران العالية وترتد على نفسها على شكل صوت حزين ثم تعود إلي محملة بالثقل.
كنت مكبلاً لا حول ولا قوة. كانوا دائرة من الشرطة حولي. وضعوا المرسة الغليطة المربوطة بالقسطل من الحديد المزئبق في رجلي إلى أعلى الكاحل. ثم راحوا يلفونها حول الكاحل ويشدوها بقوة من أجل أن يثبتوا الأقدام في الهواء. حتى لا تتحرك. قرصة المرسة وحدها كافية أن تنزف الرجل. بعد بضعة ثوان بأشارة من كبيرهم تغير كل شيء.
أثنان من الشرطة. كل واحدة بيده كبل طويل يصل إلى المتروعرض عشرة سنتمترات وسماكة واحد سم تقريباً. راحوا يضربوني. من أول كبل. أحسست بسيالة عصبية حارة تسيل في قدمي أومثل سيخ محمر يخترق جلدي. قلت في نفسي:
ـ يا الله من هذا. نارتشتعل في قدمي. ثم رحت في غيبوبة مفاجئة. ملفوفاً في ظلام دامس. تحول الغلاف الدائري للأرض من اللون الأزرق الفاتح الشفاف الى اللون الرمادي المسود.
كنت أتنفس بصعوبة بالغة. صدري يخرخروينشج. حشرجة وراء حشرجة. ما هي إلا لحظات حتى تغيرت أشياء كثيرة. صارت أقدامي كتلة ملطخة بالدم والوحل والتراب. التقرحات منتشرة في كل موضع من جسدي. يشاركني البرد في زيادة اللون الممتقع باللون المزرق. في صوتي أنين مبحوح.
يتبع
آرام كربيت
------------------------------------------------------------------
هل يحتمل أن نكون شهوداً على انهيار الحلم؟
فلورنس غزلان
هل يحتمل أن نكون شهوداً على انهيار الحلم ؟ أو شهوداً على تحطيم الذات وتحقيرها بيدها...هل يعقل أن تصبح ظاهرة الحوار نوعاً من أنواع السجال العقيم؟ ، فكل يغني على ليلاه ويسعى لكسب موقع أكبر ومساحة أوسع في صفحات الجرائد التي تستهلك وقتنا وجهدنا، لا شك أن غاية البعض من مفكرينا تقصد فائدة الحوار وتحاول الغوص في أعماق الحقيقة، تحاول إفساح المجال للعقل وإعطاءه قيمته التي حرم منها لزمن ليس بالقصير ، أو تفعيله وتنشيطه بالتفكير دون حدود أو مقدسات.....دون قيود أو محرمات...فكي نصل بر الأمان لا بد من إطلاق مسيرة العقل وتمزيق غلالة الظلام والضباب التي غلفت عقولنا وقيدتها بفعل الاستبداد العام والخاص المرتبط بنا شخصيا أو تراثيا أو أيدولوجياً...هل يعقل أن يصل الأمر بمن يسعون ــ دون أن نشك بمساعيهم ــ لفتح عقول وآفاق تشبثت بلغة الخطأ واستساغته لدرجة أصبح معها يقينا وقدساً محرما ...كل يعمل جهده لإثبات حسن نيته وحسن طالعه و عقلانيته....لكن الحوار أحيانا يأخذ منحى حوار الطرشان...فيكفي أن تطرح على الملأ نقطة حساسة وجوهرية في الحاضر وللبناء عليها في المستقبل، ليأتي المسئول وصاحب العلاقة في البحث ومن توجه له أسئلة المحاور ...حتى يأخذ جملة مما ورد في تساؤلك ونقطة وحيدة الجانب يجيب عليها بإسهاب ويجنب من خلالها القاريء والساعي للحقيقة عين الصواب ويحرفه عن الهدف..متخذاً من الله وكلماته حامٍ وراعٍ لفكره وما طرح كي يجعل يشوه صورتك بعين المواطن العادي، ويجعل منك مارقا ومحاربا لله والدين. كيف يمكنك الثقة به والسعي مرة أخرى لفتح آفاق النقاش وفتح الصدور والقلوب والعقول كي تصل للمنشود؟.يبدو أنك تعود للنكوص والغناء وحدك في حمامك تدَون وتدندن بنغمات تعتقد أنها ستجدي وتقدم خيرا ونفعا...لكن الغناء دون جوقة موسيقية ودون تضامن شعبي وجماهير مؤيدة تطرب لسماعك وسماع محاوريك وتقرأكم بشغف وتتخذ مواقفها مما تطرحون فتنحاز لهذا وتقف مع ذاك...فهل نصل لحوار ثقافي يندرج في أطر الحداثة ويسعى للتحديث فعلا وينقلنا لعالم أكثر وعيا؟...هل يمكن الحوار مع من يغلق دونك الأبواب ويضع نفسه بمكان كتب عليه( ممنوع الاقتراب ممنوع اللمس )...لأن الأنا طاغية في جو الثقافة ...لأن الثقافة وحيدة العين والجانب...هي أعورها الدجال .. ثقافة لا تشرع أبوابها ولا نوافذها على الآخر المختلف، لأن معشر الكثير من مثقفينا...يرون في تنظيراتهم قدسية تأتي من السماء وتمنحهم ( كارت بلانش) وتضع على رؤوسهم إشارة ضرب حمراء ...لأنهم لا ينطقون عن هوى بل باسم الكتاب المقدس وباسم التراث الإلهي ، باسم الأحاديث بكل ما تحمله من سند وعون وبكل ما كتبه أعلام الماضي!! ....يريد البعض إبقاءنا في قارورة الماضي ...مع بعض الورنشة والتلميع الكلامي بقليل من تكنولوجيا الحداثة كي تعطي ألوانها الزاهية صورة مشرقة عن برامجها المخفية والتي تعتقلنا في كهوف أكثر ظلامية مما نعيشه في ظل الاستبداد والأنظمة الشمولية...لماذا تطغى لغة التخشيب وانعدام الليونة على هؤلاء؟ متى نطلق العنان للمحاكمة المنطقية، ومتى نطلق العنان للتاريخية في تحليل الوقائع وظروفها الزمانية والمكانية؟ ...متى نحلق في سماء الواقع ونراه بعيون مفتوحة ونقرأ معا وجعنا الذي نعيشه نقرأ ما يجري لنا وما يجري لأحبتنا في الوطن وفي المنطقة...ماهو السبيل لتمزيق لحاء الزيف عن بعض الملامح التي نراها جميعا، لكننا نختلف في قراءتها...ــ حين يزداد العسف لدى النظام لدرجة يصبح التمييز عنده معدوما يضرب يمينا ويسارا ...يخشى الكلمة ويخشى الأقلام حتى من يواليه ويدافع عنه، حتى من يقف معه ويتبنى سياسته وينافق له ...لكنه يحاول بين الفينة والأخرى أن يتقرب من المواطن ويسجل بعض همومه...هذا ما يجري في عملية حجب المواقع دون تمييز ...فماذا يقرأ المواطن السوري اليوم سوى تشرين والثورة والبعث؟...ما هي المواقع الألكترونية المسموح بها؟ ...حتى بونجور شام، وحتى كلنا شركاء وكلها من أبناء النظام وأهله...أغلقت... حجبت ...عليكم ارتداء الحجاب في الليل والنهار ...عليكم تحجيب العقل وتحجيب الأفواه بأقفال محكمة مفاتيحها بأيدي رجال أجهزة الأمن.... ووزير الاتصالات الحريص على أمن الوطن من المارقين من كتاب وصحفيين...حرية صحافة ...حرية إعلام؟!! ...هذا خطر على الوطن...حرية كلمة؟! تعني تآمر على الوطن..حرية مواقع؟! ...تعني الانفلاش بل تعني الأمركة ( من أمريكا)...تعني التعامل مع العدو...ألا تكفيكم صحف الوطن وصحفيه المراقبين والمدججين بأقلام مربوطة ومزبوطة على ساعات جنرالات الأمن ( الوطنييييييييييييييييييي).!!!، فماذا تقولون؟.ــ حين يقف الكثيرون رعبا وخوفا...أو مداهنة وتملقا...للدفاع عن الاستبداد وعن الأنظمة الشمولية باسم القومية وباسم محاربة الاستعمار والاستيطان وباسم محاربة الضغوط الغربية ويحرف المواطن عن حقه في الحرية وفي الديمقراطية...يحرف المواطن حتى عن حقه في محاربة الفساد والاستشراء وعن حقه في النوم شبعان وعن حق ولده بدواء واستشفاء بمقابل زهيد...ألست أيها القاريء والمثقف والسياسي مسئولاً؟ــ حين تُغمض العين عما يجري في الداخل باسم الحرص على أمن الوطن ووحدته، وأن الهم الأول هو مايجري في المحيط وما يخطط في الخارج للقضاء على الداخل!...ــ حين تصبح القضية الفلسطينية قضية محلية وتفقد هيبتها وزخمها العالمي، وتخسر يوميا على مذبح الخصام الفتحاوي ــ الحماسي المنقسم على الكراسي ، لا من أجل هم المواطن الفلسطيني وجوعه ومعاشه ولا من أجل مصيره في دولة تصون كرامته ووطنيته وإنسانيته، وفي المقابل تكسب إسرائيل وتخطو نحو حقها العالمي...فمن المسئول؟ وكيف يمكن الحوار والوصول؟ .ــ حين نفقد بوصلة العدالة الاجتماعية وبوصلة معرفة خيار المواطن وبوصلة الطريق لقلبه وعقله وما يريده من السياسي ومن المثقف...حين تصبح المسافة شاسعة بينهما من المسئول؟ــ حين يدعم النظام السوري الحرب التركية على العراق باسم محاربة الإرهاب، وينسى اسكندرون والجولان وتحريرهما ، ويدعم ويسلح حزب الله وحماس والقيادة العامة باسم المقاومة والتحرير...وكأن مواطن سورية خارج إطار المقاومة ولا تليق به...ويبدو أن عودة الجولان ستتم على أيدي غير الأيدي السورية ومن أبواب غير أبواب الجولان!!ــ حين تطفو على السطح خيباتنا وخلافاتنا المذهبية والعشائرية وتغدو حربا معلنة ومناحرة نأطرها بأيديولجيا إلهية وندعمها بفتاوى تعتمد على علماء بادوا واندثروا...لكنهم يتمسكوا بتلابيبهم وبتعاليمهم لأنهم الأولياء الصالحين ، لأنهم من يمنحهم بركاته كي يَصِلوا ، من يشفع لخطابهم كي يمرروه علينا وبيننا...من يدعم برامجهم السياسية كي نعتمدها شريعة ومذهبا يفرق ولا يجمع...فكيف السبيل لملاقاة هؤلاء، وكيف السبيل لمحاورة من يغلق أبواب الوطن باسم الإله ..ومن يعتقد أن مفاتيح الأوطان تأتي من السماء، ولا يملكها إلا من ينطق ويبسمل باسم الإسلام...فكيف السبيل لنصرة من لا يدخل في شريعة الإسلام؟ ومن يعتبر طيفا من أطيافه...شهد أن لا إله إلا الله أم لم يشهد.....له لون غير لوننا ومذهب غير مذهبنا...جاءنا يوما مهاجرا وغدامنا وفينا....قاتل من أجل أرضنا وحافظ عليها لأنها أرضه أيضاً...فكيف السبيل لحوار من أجل وطن للجميع؟ــ حين تصعد المرأة إلى قيادة الكثير من الدول وتثبت كفاءتها وجدارتها أكثر من الرجال ونرى هذا يقوم في دول كانت حتى البارحة ذات أنظمة عسكرية ديكتاتورية أو في دول رأسماية تريد للمرأة أن تبقى في المنزل ، كما هي الحال في الأرجنتين وتشيلي،ألمانيا وليبيريا، وهاهي ستصل مرة ثانية في دولة إسلامية كما هي الحال في الباكستان لكن بلدان العرب التي تعيش في عصر غير عصرها وعالم الماضي بحلة الحاضر، تصدر أحزابها فتاوٍ تعتبر أن قيادة المرأة محرمة، وأن قيادة المسيحي غير جائزة!!، فكيف يمكنك التوصل لحوار مع أصحاب هذه الفتاوى حين يلغون نصف سكان الأرض ويحرمون عليهن القيادة؟..لأن نصف سكان الأرض برأيهم قاصرات...ناقصات عقل ودين!...ولا يمكن القياس والاعتماد عليهن في إدارة البلاد!.ــ حين تصبح مطالبنا بأكسجين نقي دون تلوث...بوطن دون فساد ( أحيلكم على ما كتبته صحيفة الثورة السورية البارحة وما تجرؤ على البوح به من فساد بملايين الدولارات في مشفى اللاذقية الأسد الجامعي، وفي مشاريع مياه دير الزور... والمخفي أعظم ...الخ) ..أو حرية النقد لمن لا تطالهم الأقلام والأيدي لأنهم الأكثر طهارة وقدسية...فهم من أهل البيت الحرام!!!!!!!!...ففي كل بلد من بلاد العربان بيت من بيوت الله الحرام يتبع أهل الحكم والنهي ...وهؤلاء خارج نطاق النقد منزهون منزلون بفعل ( بسطار العسكر أو رجال الأمن والحرس الجمهوري وووووو).من أجل هذا وذاك سآخذكم معي بجولة صغيرة في عالم ديمقراطية الكفار!...عالم أبناء الديمقراطية التي يرفضها غالبية الديمقراطيين العرب...خوفا وذعرا...من أن يقال عنهم أنهم عملاء!...خوفا وذعرا كي لا تضعهم الأنظمة في صفوف الأعداء..أو أنهم يريدون ديمقراطية تشبه ديمقراطية العراق التي حملتها أمريكا!!!...وقد غدت قميص عثمان ترهب بها الأنظمة كل من يطالب بحرية أو ديمقراطية...كل من يطالب بقانون أحزاب وجمعيات ومجتمع مدني وووو...أو ان اعترف له بما يطالب به ...يحيله على أن الوقت الآن غير مناسب ..والبلد محاصر والتآمر على الوطن والمقاومة والممانعة والتحرير ....الخلكني مع هذا أريدكم مشاركتي بما رأيت على شاشة التلفاز الفرنسي....وفي كل الأقنية وأمام كل متابعي الأخبار ...فقط كي تحلموا معي بالديمقراطية وكي تتوحموا عليها( من الوحام النسائي طبعا ...أو تترحمواعليها لأنكم لن تروها أبدا).ــ فتحت فمي وعيوني على اتساعها دهشة واستغراباً حين نقل لنا التلفاز الفرنسي نبأ زيارة قام بها رئيس الدولة الفرنسية ساركوزي بشكل مفاجيء لموقع محطة للسكك الحديدية ( سانت دوني) ، المستعصية عليه نتيجة قوة نقابييها وصلابة موقفهم في استمرار الإضراب حتى يصلوا لحقوقهم المتعلقة بقانون التقاعد الأخير الذي اعتمده ساركوزي شاهدنا ساركوزي يلتقي بالعمال والنقابيين يريد مناقشتهم ومعرفة آراءهم.....مد الرئيس يده مصافحا العمال ومن بينهم أحد ممثلي النقابات مرتديا أفروله العمالي واضعا يديه خلف ظهره فرفض العامل مد اليد لساركوزي؟؟؟؟!!!. ولم يتوقف الأمر على هذا العامل وحده، بل انبرى له العديد منهم...صائحا بوجه ساركوزي فقال أحد الشباب مهدداً:" الشارع بيننا وهو الخصم والحكم" فرد عليه ساركوزي قائلاً:" الشارع سيقف معي حين تمنعه من الوصول إلى عمله وبيته...فلا تهددني بالشارع".ثم جاءه ثالث ليقول :" لقد حسبت بالمليم ما رفعته من شعار اعمل أكثر تكسب أكثر، فوجدت أني أعمل أكثر وأكسب أقل..أتريدنا أن نحزم البطون أكثر؟ ... ويقصد هنا أن القوة الشرائية تنهار يوما بعد يوم..."لن أناقش مسألة موقف العامل الرافض للمصافحة... ولا غايته من الرفض، لأنه يعتقد أنه يصافح خصما ولا يريد أن يتنازل بالمصافحه عن حقه ولا الاعتراف لساركوزي بدوره..ولن أناقش ما قاله العمال الآخرون...لكن السؤال:ــ ماذا سيحصل لهؤلاء العمال باعتقادكم؟؟.هل سيسجل رجال الأمن أسماءهم ويتم استدعاءهم والإلقاء بهم في غياهب السجون؟ هل سيطردون من عملهم ويجوع أطفالهم؟ ...هل سيعاقبون على أقل تقدير ...نتيجة لعدم احترامهم لرئيس دولتهم؟.بكل تأكيد لن يصيبهم أي مكروه، بل سيصفق لهم رفاقهم ويشكروهم على موقفهم الصامد في الدفاع عن حقوقهم، وربما سيقومون بانتخابهم في دورة ثانية من دوراتهم النقابية!.هذا البلد الكافر...هذا الغرب الذي يرسل لنا بما تسمى ديمقراطية ( لا نريدها) ...هذه صورة من صور ديمقراطيته...هذه صورة من صور نحلم أن نراها...أن نعيشها...أن نحس بأننا بشر نستحق الاحترام ونستحق الحياة....نريد أن يحس العامل النقابي...أنه حر..حر يختار من يمثله ويدافع عن حقه...علما أن هذا البلد رأسمالي ...نعم رأسمالي....لكن عماله ناضلوا من خلال نقابات لها قوتها وقدرتها على فرض إرادة العمال...نقابات لم تأت بقدرة البعث ولا تنتمي لحزبه وقيادته فقط.....نقابات لم تضع يافطة الاشتراكية والقومية فوق صدرها وعلى مكاتبها....لكنها نقابات حرة وتنتمي لأحزاب مختلفة(أشهرها ( السيه جيه تيه..وتتبع الحزب الشيوعي الفرنسي، ونقابة السيه أف ديه تيه وتتبع الحزب الاشتراكي)...ولهذا يخشاها ساركوزي ويحسب لها ألف حساب...فمن يخشى رؤساؤنا؟ وأي نقابة يمكنها أن تهزهم؟ وأي حقوق وقوانين يمكنها أن تحمي عامل أو مواطن يجرؤ على رفع يده إلا بالتحية والصياح ( بالروح بالدم)...ويظل يصيح حتى تطلع روحه وينشف دمه. هذه هي ديمقراطية الكفار...فمتى تأتي ديمقراطياتنا وترى النور وتظهر للعلن؟ وماهو نوعها وماهو لونها؟ هل هي ما يريده عزمي بشارة؟ من خلال دفاعه عن الدول الشمولية آملا منها النصر والوحدة وحامية للقومية العربية من تآمر الغرب!!...هل يمكن لأنظمة الهزيمة والخسران أن تحمي القومية العربية؟ هل يمكن لأنظمة تقمع شعوبها وتسومهم كل أنواع العذاب والجوع وانعدام الحرية، أن تحقق نصرا على العدو وأن تحرر أرضا وهي التي سلمتها واستسلمت لإرادة العدو يصول ويجول فوق سمائها وأرضها؟ .باريس 30/10/2007
هل يحتمل أن نكون شهوداً على انهيار الحلم ؟ أو شهوداً على تحطيم الذات وتحقيرها بيدها...هل يعقل أن تصبح ظاهرة الحوار نوعاً من أنواع السجال العقيم؟ ، فكل يغني على ليلاه ويسعى لكسب موقع أكبر ومساحة أوسع في صفحات الجرائد التي تستهلك وقتنا وجهدنا، لا شك أن غاية البعض من مفكرينا تقصد فائدة الحوار وتحاول الغوص في أعماق الحقيقة، تحاول إفساح المجال للعقل وإعطاءه قيمته التي حرم منها لزمن ليس بالقصير ، أو تفعيله وتنشيطه بالتفكير دون حدود أو مقدسات.....دون قيود أو محرمات...فكي نصل بر الأمان لا بد من إطلاق مسيرة العقل وتمزيق غلالة الظلام والضباب التي غلفت عقولنا وقيدتها بفعل الاستبداد العام والخاص المرتبط بنا شخصيا أو تراثيا أو أيدولوجياً...هل يعقل أن يصل الأمر بمن يسعون ــ دون أن نشك بمساعيهم ــ لفتح عقول وآفاق تشبثت بلغة الخطأ واستساغته لدرجة أصبح معها يقينا وقدساً محرما ...كل يعمل جهده لإثبات حسن نيته وحسن طالعه و عقلانيته....لكن الحوار أحيانا يأخذ منحى حوار الطرشان...فيكفي أن تطرح على الملأ نقطة حساسة وجوهرية في الحاضر وللبناء عليها في المستقبل، ليأتي المسئول وصاحب العلاقة في البحث ومن توجه له أسئلة المحاور ...حتى يأخذ جملة مما ورد في تساؤلك ونقطة وحيدة الجانب يجيب عليها بإسهاب ويجنب من خلالها القاريء والساعي للحقيقة عين الصواب ويحرفه عن الهدف..متخذاً من الله وكلماته حامٍ وراعٍ لفكره وما طرح كي يجعل يشوه صورتك بعين المواطن العادي، ويجعل منك مارقا ومحاربا لله والدين. كيف يمكنك الثقة به والسعي مرة أخرى لفتح آفاق النقاش وفتح الصدور والقلوب والعقول كي تصل للمنشود؟.يبدو أنك تعود للنكوص والغناء وحدك في حمامك تدَون وتدندن بنغمات تعتقد أنها ستجدي وتقدم خيرا ونفعا...لكن الغناء دون جوقة موسيقية ودون تضامن شعبي وجماهير مؤيدة تطرب لسماعك وسماع محاوريك وتقرأكم بشغف وتتخذ مواقفها مما تطرحون فتنحاز لهذا وتقف مع ذاك...فهل نصل لحوار ثقافي يندرج في أطر الحداثة ويسعى للتحديث فعلا وينقلنا لعالم أكثر وعيا؟...هل يمكن الحوار مع من يغلق دونك الأبواب ويضع نفسه بمكان كتب عليه( ممنوع الاقتراب ممنوع اللمس )...لأن الأنا طاغية في جو الثقافة ...لأن الثقافة وحيدة العين والجانب...هي أعورها الدجال .. ثقافة لا تشرع أبوابها ولا نوافذها على الآخر المختلف، لأن معشر الكثير من مثقفينا...يرون في تنظيراتهم قدسية تأتي من السماء وتمنحهم ( كارت بلانش) وتضع على رؤوسهم إشارة ضرب حمراء ...لأنهم لا ينطقون عن هوى بل باسم الكتاب المقدس وباسم التراث الإلهي ، باسم الأحاديث بكل ما تحمله من سند وعون وبكل ما كتبه أعلام الماضي!! ....يريد البعض إبقاءنا في قارورة الماضي ...مع بعض الورنشة والتلميع الكلامي بقليل من تكنولوجيا الحداثة كي تعطي ألوانها الزاهية صورة مشرقة عن برامجها المخفية والتي تعتقلنا في كهوف أكثر ظلامية مما نعيشه في ظل الاستبداد والأنظمة الشمولية...لماذا تطغى لغة التخشيب وانعدام الليونة على هؤلاء؟ متى نطلق العنان للمحاكمة المنطقية، ومتى نطلق العنان للتاريخية في تحليل الوقائع وظروفها الزمانية والمكانية؟ ...متى نحلق في سماء الواقع ونراه بعيون مفتوحة ونقرأ معا وجعنا الذي نعيشه نقرأ ما يجري لنا وما يجري لأحبتنا في الوطن وفي المنطقة...ماهو السبيل لتمزيق لحاء الزيف عن بعض الملامح التي نراها جميعا، لكننا نختلف في قراءتها...ــ حين يزداد العسف لدى النظام لدرجة يصبح التمييز عنده معدوما يضرب يمينا ويسارا ...يخشى الكلمة ويخشى الأقلام حتى من يواليه ويدافع عنه، حتى من يقف معه ويتبنى سياسته وينافق له ...لكنه يحاول بين الفينة والأخرى أن يتقرب من المواطن ويسجل بعض همومه...هذا ما يجري في عملية حجب المواقع دون تمييز ...فماذا يقرأ المواطن السوري اليوم سوى تشرين والثورة والبعث؟...ما هي المواقع الألكترونية المسموح بها؟ ...حتى بونجور شام، وحتى كلنا شركاء وكلها من أبناء النظام وأهله...أغلقت... حجبت ...عليكم ارتداء الحجاب في الليل والنهار ...عليكم تحجيب العقل وتحجيب الأفواه بأقفال محكمة مفاتيحها بأيدي رجال أجهزة الأمن.... ووزير الاتصالات الحريص على أمن الوطن من المارقين من كتاب وصحفيين...حرية صحافة ...حرية إعلام؟!! ...هذا خطر على الوطن...حرية كلمة؟! تعني تآمر على الوطن..حرية مواقع؟! ...تعني الانفلاش بل تعني الأمركة ( من أمريكا)...تعني التعامل مع العدو...ألا تكفيكم صحف الوطن وصحفيه المراقبين والمدججين بأقلام مربوطة ومزبوطة على ساعات جنرالات الأمن ( الوطنييييييييييييييييييي).!!!، فماذا تقولون؟.ــ حين يقف الكثيرون رعبا وخوفا...أو مداهنة وتملقا...للدفاع عن الاستبداد وعن الأنظمة الشمولية باسم القومية وباسم محاربة الاستعمار والاستيطان وباسم محاربة الضغوط الغربية ويحرف المواطن عن حقه في الحرية وفي الديمقراطية...يحرف المواطن حتى عن حقه في محاربة الفساد والاستشراء وعن حقه في النوم شبعان وعن حق ولده بدواء واستشفاء بمقابل زهيد...ألست أيها القاريء والمثقف والسياسي مسئولاً؟ــ حين تُغمض العين عما يجري في الداخل باسم الحرص على أمن الوطن ووحدته، وأن الهم الأول هو مايجري في المحيط وما يخطط في الخارج للقضاء على الداخل!...ــ حين تصبح القضية الفلسطينية قضية محلية وتفقد هيبتها وزخمها العالمي، وتخسر يوميا على مذبح الخصام الفتحاوي ــ الحماسي المنقسم على الكراسي ، لا من أجل هم المواطن الفلسطيني وجوعه ومعاشه ولا من أجل مصيره في دولة تصون كرامته ووطنيته وإنسانيته، وفي المقابل تكسب إسرائيل وتخطو نحو حقها العالمي...فمن المسئول؟ وكيف يمكن الحوار والوصول؟ .ــ حين نفقد بوصلة العدالة الاجتماعية وبوصلة معرفة خيار المواطن وبوصلة الطريق لقلبه وعقله وما يريده من السياسي ومن المثقف...حين تصبح المسافة شاسعة بينهما من المسئول؟ــ حين يدعم النظام السوري الحرب التركية على العراق باسم محاربة الإرهاب، وينسى اسكندرون والجولان وتحريرهما ، ويدعم ويسلح حزب الله وحماس والقيادة العامة باسم المقاومة والتحرير...وكأن مواطن سورية خارج إطار المقاومة ولا تليق به...ويبدو أن عودة الجولان ستتم على أيدي غير الأيدي السورية ومن أبواب غير أبواب الجولان!!ــ حين تطفو على السطح خيباتنا وخلافاتنا المذهبية والعشائرية وتغدو حربا معلنة ومناحرة نأطرها بأيديولجيا إلهية وندعمها بفتاوى تعتمد على علماء بادوا واندثروا...لكنهم يتمسكوا بتلابيبهم وبتعاليمهم لأنهم الأولياء الصالحين ، لأنهم من يمنحهم بركاته كي يَصِلوا ، من يشفع لخطابهم كي يمرروه علينا وبيننا...من يدعم برامجهم السياسية كي نعتمدها شريعة ومذهبا يفرق ولا يجمع...فكيف السبيل لملاقاة هؤلاء، وكيف السبيل لمحاورة من يغلق أبواب الوطن باسم الإله ..ومن يعتقد أن مفاتيح الأوطان تأتي من السماء، ولا يملكها إلا من ينطق ويبسمل باسم الإسلام...فكيف السبيل لنصرة من لا يدخل في شريعة الإسلام؟ ومن يعتبر طيفا من أطيافه...شهد أن لا إله إلا الله أم لم يشهد.....له لون غير لوننا ومذهب غير مذهبنا...جاءنا يوما مهاجرا وغدامنا وفينا....قاتل من أجل أرضنا وحافظ عليها لأنها أرضه أيضاً...فكيف السبيل لحوار من أجل وطن للجميع؟ــ حين تصعد المرأة إلى قيادة الكثير من الدول وتثبت كفاءتها وجدارتها أكثر من الرجال ونرى هذا يقوم في دول كانت حتى البارحة ذات أنظمة عسكرية ديكتاتورية أو في دول رأسماية تريد للمرأة أن تبقى في المنزل ، كما هي الحال في الأرجنتين وتشيلي،ألمانيا وليبيريا، وهاهي ستصل مرة ثانية في دولة إسلامية كما هي الحال في الباكستان لكن بلدان العرب التي تعيش في عصر غير عصرها وعالم الماضي بحلة الحاضر، تصدر أحزابها فتاوٍ تعتبر أن قيادة المرأة محرمة، وأن قيادة المسيحي غير جائزة!!، فكيف يمكنك التوصل لحوار مع أصحاب هذه الفتاوى حين يلغون نصف سكان الأرض ويحرمون عليهن القيادة؟..لأن نصف سكان الأرض برأيهم قاصرات...ناقصات عقل ودين!...ولا يمكن القياس والاعتماد عليهن في إدارة البلاد!.ــ حين تصبح مطالبنا بأكسجين نقي دون تلوث...بوطن دون فساد ( أحيلكم على ما كتبته صحيفة الثورة السورية البارحة وما تجرؤ على البوح به من فساد بملايين الدولارات في مشفى اللاذقية الأسد الجامعي، وفي مشاريع مياه دير الزور... والمخفي أعظم ...الخ) ..أو حرية النقد لمن لا تطالهم الأقلام والأيدي لأنهم الأكثر طهارة وقدسية...فهم من أهل البيت الحرام!!!!!!!!...ففي كل بلد من بلاد العربان بيت من بيوت الله الحرام يتبع أهل الحكم والنهي ...وهؤلاء خارج نطاق النقد منزهون منزلون بفعل ( بسطار العسكر أو رجال الأمن والحرس الجمهوري وووووو).من أجل هذا وذاك سآخذكم معي بجولة صغيرة في عالم ديمقراطية الكفار!...عالم أبناء الديمقراطية التي يرفضها غالبية الديمقراطيين العرب...خوفا وذعرا...من أن يقال عنهم أنهم عملاء!...خوفا وذعرا كي لا تضعهم الأنظمة في صفوف الأعداء..أو أنهم يريدون ديمقراطية تشبه ديمقراطية العراق التي حملتها أمريكا!!!...وقد غدت قميص عثمان ترهب بها الأنظمة كل من يطالب بحرية أو ديمقراطية...كل من يطالب بقانون أحزاب وجمعيات ومجتمع مدني وووو...أو ان اعترف له بما يطالب به ...يحيله على أن الوقت الآن غير مناسب ..والبلد محاصر والتآمر على الوطن والمقاومة والممانعة والتحرير ....الخلكني مع هذا أريدكم مشاركتي بما رأيت على شاشة التلفاز الفرنسي....وفي كل الأقنية وأمام كل متابعي الأخبار ...فقط كي تحلموا معي بالديمقراطية وكي تتوحموا عليها( من الوحام النسائي طبعا ...أو تترحمواعليها لأنكم لن تروها أبدا).ــ فتحت فمي وعيوني على اتساعها دهشة واستغراباً حين نقل لنا التلفاز الفرنسي نبأ زيارة قام بها رئيس الدولة الفرنسية ساركوزي بشكل مفاجيء لموقع محطة للسكك الحديدية ( سانت دوني) ، المستعصية عليه نتيجة قوة نقابييها وصلابة موقفهم في استمرار الإضراب حتى يصلوا لحقوقهم المتعلقة بقانون التقاعد الأخير الذي اعتمده ساركوزي شاهدنا ساركوزي يلتقي بالعمال والنقابيين يريد مناقشتهم ومعرفة آراءهم.....مد الرئيس يده مصافحا العمال ومن بينهم أحد ممثلي النقابات مرتديا أفروله العمالي واضعا يديه خلف ظهره فرفض العامل مد اليد لساركوزي؟؟؟؟!!!. ولم يتوقف الأمر على هذا العامل وحده، بل انبرى له العديد منهم...صائحا بوجه ساركوزي فقال أحد الشباب مهدداً:" الشارع بيننا وهو الخصم والحكم" فرد عليه ساركوزي قائلاً:" الشارع سيقف معي حين تمنعه من الوصول إلى عمله وبيته...فلا تهددني بالشارع".ثم جاءه ثالث ليقول :" لقد حسبت بالمليم ما رفعته من شعار اعمل أكثر تكسب أكثر، فوجدت أني أعمل أكثر وأكسب أقل..أتريدنا أن نحزم البطون أكثر؟ ... ويقصد هنا أن القوة الشرائية تنهار يوما بعد يوم..."لن أناقش مسألة موقف العامل الرافض للمصافحة... ولا غايته من الرفض، لأنه يعتقد أنه يصافح خصما ولا يريد أن يتنازل بالمصافحه عن حقه ولا الاعتراف لساركوزي بدوره..ولن أناقش ما قاله العمال الآخرون...لكن السؤال:ــ ماذا سيحصل لهؤلاء العمال باعتقادكم؟؟.هل سيسجل رجال الأمن أسماءهم ويتم استدعاءهم والإلقاء بهم في غياهب السجون؟ هل سيطردون من عملهم ويجوع أطفالهم؟ ...هل سيعاقبون على أقل تقدير ...نتيجة لعدم احترامهم لرئيس دولتهم؟.بكل تأكيد لن يصيبهم أي مكروه، بل سيصفق لهم رفاقهم ويشكروهم على موقفهم الصامد في الدفاع عن حقوقهم، وربما سيقومون بانتخابهم في دورة ثانية من دوراتهم النقابية!.هذا البلد الكافر...هذا الغرب الذي يرسل لنا بما تسمى ديمقراطية ( لا نريدها) ...هذه صورة من صور ديمقراطيته...هذه صورة من صور نحلم أن نراها...أن نعيشها...أن نحس بأننا بشر نستحق الاحترام ونستحق الحياة....نريد أن يحس العامل النقابي...أنه حر..حر يختار من يمثله ويدافع عن حقه...علما أن هذا البلد رأسمالي ...نعم رأسمالي....لكن عماله ناضلوا من خلال نقابات لها قوتها وقدرتها على فرض إرادة العمال...نقابات لم تأت بقدرة البعث ولا تنتمي لحزبه وقيادته فقط.....نقابات لم تضع يافطة الاشتراكية والقومية فوق صدرها وعلى مكاتبها....لكنها نقابات حرة وتنتمي لأحزاب مختلفة(أشهرها ( السيه جيه تيه..وتتبع الحزب الشيوعي الفرنسي، ونقابة السيه أف ديه تيه وتتبع الحزب الاشتراكي)...ولهذا يخشاها ساركوزي ويحسب لها ألف حساب...فمن يخشى رؤساؤنا؟ وأي نقابة يمكنها أن تهزهم؟ وأي حقوق وقوانين يمكنها أن تحمي عامل أو مواطن يجرؤ على رفع يده إلا بالتحية والصياح ( بالروح بالدم)...ويظل يصيح حتى تطلع روحه وينشف دمه. هذه هي ديمقراطية الكفار...فمتى تأتي ديمقراطياتنا وترى النور وتظهر للعلن؟ وماهو نوعها وماهو لونها؟ هل هي ما يريده عزمي بشارة؟ من خلال دفاعه عن الدول الشمولية آملا منها النصر والوحدة وحامية للقومية العربية من تآمر الغرب!!...هل يمكن لأنظمة الهزيمة والخسران أن تحمي القومية العربية؟ هل يمكن لأنظمة تقمع شعوبها وتسومهم كل أنواع العذاب والجوع وانعدام الحرية، أن تحقق نصرا على العدو وأن تحرر أرضا وهي التي سلمتها واستسلمت لإرادة العدو يصول ويجول فوق سمائها وأرضها؟ .باريس 30/10/2007
---------------------------------------------------------------------
حزب الله : انتصار كان يمكن تفاديه
محمد علي مقلد
مواقف حزب الله السياسية والاعلامية تشير إلى حقيقة مزدوجة ، فهو من جهة يتصرف أمام إسرائيل والمجتمع الدولي كمهزوم ، وإزاء اللبنانيين كمنتصر ، في مفارقة تحتاج إلى تفسير . وهو ساكت عن كل الانتهاكات الاسرائيلية ولا يحرك ساكنا حيالها ، وهو راض ( من ظاهر تصريحاته على الأقل ) وموافق على تنفيذ قرار الأمم المتحدة ، الخ . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، يفتعل في الداخل توتيرا إعلاميا ، ويحرص على عدم دفعه التوتر السياسي إلى مستوى الخطر ، وإن حصل وأفلت التصعيد الإعلامي في لحظة معينة ، فهو يحرص حرصا صادقا على لجمه .يخطىء حزب الله إن اعتقد أن مثل هذه السياسية المتناقضة مربحة . لنفترض أنه حقق انتصارا على إسرائيل، وهذا أمر للنقاش ، فهو لم يقدر أن يجسد هذا الانتصار أو أن يترجمه ، لا في قرار الأمم المتحدة ، ولا في الوقائع على أرض الجنوب . لذلك استسهل تجسيده في الداخل اللبناني ، عبر نوع من التباهي بقدرة عسكرية فاقت كل قدرات كل الجيوش العربية ، وهذا ، بلا شك ، صحيح . لكنه بحد ذاته مأزق أو سبب لمأزق . إنه يقارن بين صموده الرائع ضد جيش العدو وانهيارات الجيوش العربية ، ثم يأتي ليتبارى مع القوى السياسية اللبنانية لا مع الجيوش العربية .لكنها مباراة دونكيشوتية لأن جميع القوى اللبنانية التي يتهمها حزب الله بالعمالة رفضت سلفا أي دخول في المبارزة معه ، ولأن حزب الله ، وهذا هو الأهم ، إن انتصر في الداخل على كل القوى اللبنانية ، مجتمعة أو منفردة ، فمأزقه يكمن في كونه لا يستطيع أن يجسد أو يترجم انتصاره في مشروع سياسي ، إلا بمواصفات معينة كبناء دولة الحزب الواحد ، دولة غير إسلامية على طريقة الحكم "العلماني" العلوي في سوريا ، تحكم الأقليات الأخرى وتضطهدها ، ولا تلغيها ؛ أو دولة إسلامية على طريقة إيران ، وكلا الاحتمالين في غير صالح ما يعلنه حزب الله من حرص على الطوائف والصيغة اللبنانية والوحدة الوطنية .المبارزة الداخلية خاضعة إذن لآليات المحاصصة المعتمدة في لبنان بين ممثلي الطوائف ، وبهذا يصبح حزب الله محكوما ، مهما بلغت قوته العسكرية ، بأن يترجم انتصاره على إسرائيل ، في نهاية المطاف ، داخل الطائفة الشيعية ، في منازعة مع حركة أمل ، لأن حصته في السلطة ، ضمن الآليات السلطوية السائدة لن تكون إلا جزءا من حصة الطائفة . وهذا وجه آخر للمأزق ، فهو يشعر أن قوته أكبر من قوة الطائفة ، في حين أن حصته هي بالضرورة ، أصغر منها .وجه آخر من وجوه المأزق ، هو أن حزب الله يعرف حدود المبارزة داخل الطائفة ، لكنه يبارز خارجها ، هكذا تماما فعل حين واجه إسرائيل ثم جاء ليترجم نتائج المواجهة داخل الوطن ، وها هو الآن يبارز الطوائف الأخرى ، وليس بإمكانه أن يترجم النتائج ، حتى لو انتصر ، إلا داخل طائفته . وهو في هذا المجال مكبل لأن رصيد الرئيس نبيه بري في حماية الوحدة الوطنية كبير جدا .وهم وتجهيل وشحن مذهبيإذن لم يبق أمام حزب الله إلا أن يحافظ على رصيد جماهيري بناه بالوعي المغلوط ، بالوهم والتجهيل والشحن المذهبي . عدة هذا النهج معروفة : عدو خارجي هو الإمبريالية والصهيونية ، وعدو داخلي هو كل عميل لهما ، وليس في قاموسهم محل لعدو داخلي إسمه التخلف والجهل . منطق التحليل والتفسير معروف هو الآخر : إنه المؤامرة . وآلته الإيديولوجية الغيب ورجم الغيب ، وآخر المبتكرات ، كتاب يوزع على الأنترنت ، يشبه كتابا وهميا شيعيا يتحدث عن ظهور المهدي المنتظر . وكل الشروط تصبح جاهزة ليبلغ الشحن المذهبي مداه .ليس صدفة أن يترافق نشر هذا الكتيب مع نهاية الحرب . أنه جاء ليعضد التصريحات والخطب والمقابلات الإعلامية ، وليقدم وعدا بالانتصار الأكبر : ظهور المهدي . ماذا في هذا الكتيب ؟ وما علاقته بالنهج الانتصاري ؟يعدد الكتاب حوالي عشرين علامة من علامات ظهور المهدي المنتظر ، وهي على التوالي ، كما وردت عناوينها في الكتيب : اجتماع اليهود على أرض فلسطين ، ظهور رجل من قم ( هو الخميني ) ، ظهور قوة عسكرية وإعلامية(الحرس الثوري الإيراني وحزب الله)،تأسيس الجمهورية الإسلامية، ظهور العمائم السود (مع صور لأصحاب العمائم : الخميني ، باقر الصدر ، مقتدى الصدر ، موسى الصدر ، باقر الحكيم ، محمد حسين فضل الله ، خامنئي )، حزب يقاتل على أبواب بيت المقدس(حزب الله )،دخول قوات غربية إلى العراق ، استشهاد نفس زكية في العراق ( محمد باقر الحكيم ) ، انتقال العلم من النجف إلى قم ، خروج تكفيري يقتل زوار المقامات ، قيام حكم إسلامي في العراق موال لإيران ، آخر حكام الحجاز إسمه عبدالله ، خوف الناس من الأوبئة والزلازل والأعاصير،دخول مذنب إلى مدار الأرض ، خراساني يسلم الراية للمهدي ( خامنئي )، قائد جيش المهدي شعيب بن صالح(أحمدي نجاد)، ظهور اليماني ، وهو سيد هاشمي إسمه حسن ( نصرالله)، نداء جبريل من السماء ، ارتباك إبليس .فضلا عن علامة أخرى وردت من غير ترقيم ، تتحدث عن انقلاب في سوريا ، وعن سفياني يدخل إلى الحجاز ليقمع ثورة في المدينة ، الخ .( مع حفظ ألقاب جميع من وردت أسماؤهم في النص ).نجزم أن حزب الله ليس مسؤولا قطعا عن هذا الكتيب الذي وضعه واضعوه ، " بتوفيق من المولى صاحب العصر والزمان " . لكننا نعتقد جازمين أن الذين وضعوه أنما وضعوه ليستكملوا فيه منطق انتصار حزب الله في الحرب ،أو كأنهم يقولون فيه ما يخجل حزب الله من قوله علنا ، أو كأنهم يستندون إلى انتصار حزب الله ويرون فيه مقدمة لانتصار الشيعة ، ولكن ، على من ؟ لسنا الآن في صدد نقاش فقهي لاهوتي في قضية المهدي ، إلا أننا نعتقد أن على حزب الله مسؤولية كبيرة في توضيح موقعه وموقفه من هذه التعبئة ، خصوصا وأن أفكار الكتيب هي أكثر انتشارا من خطبه الداعية إلى التهدئة ومن تصريحات مسؤوليه المغلفة بالحكمة ، وأن فكرة المهدي والمهدوية موجودة في معظم الديانات السماوية وغير السماوية ، وهي فكرة تجل عن أن تكون موظفة في طاحونة المصالح السياسية المباشرة واليومية . غيرأن مادة الكتيب تقوم على تعبئة مذهبية ، وتجد سندها في المناخ المحموم الذي نشأ خلال الحرب وبعدها ، والذي جعل الشيعة في مواجهة سائر الطوائف معزولين داخل شحن مذهبي، يتولاه الكتيب، من خلف ظهر التصريحات الهادئة والحكيمة الصادرة بين الحين والآخر . مواقف التهدئة تعيش لحظتها ثم تموت طالما أن الغرائز مهيأة وعقل الخرافة والأسطورة ما زال ينتظر خلف الأبواب .انتصار كان يمكن تفاديه إذا كان جمهور واسع من اللبنانيين لا يرى في نتائج الحرب مع إسرائيل انتصارا جليا وواضحا ، فإن على حزب الله ، إكراما لمشاعر هذا الجمهور ، ألا يرغمه على الاقتناع بما ليس مقتنعا به أو بماهو مقتنع بعكسه . إذن علينا أن نناقش بهدوء وإيجابية ، نعطي حزب الله ما له ، وعليه أن يقدم ما يترتب عليه من نقد ، مهما كان قاسيا .حزب الله حزب شجاع بلا شك . محازبوه وقادته أبطال بكل معاني البطولة . صمد كما لم يصمد جيش وقاتل كما لم تقاتل ميليشيا . استبسل دفاعا عن أرضه وعن سلاحه . كبد العدو خسائر لم يسبق له أن تكبدها ، وجعله يعيد النظر بخططه العسكرية أكثر من مرة ، ويتخبط في تنفيذها تخبطا غير معهود. كل كلام عن الانتصار لا يتعدى هذه الحدود يبقى معقولا وصحيحا وحقيقيا . لأن الجانب الأكبرمن هذه الحقيقة أخلاقي يتعلق بمزايا الأفراد أكثر منه بالبرنامج . أما جانبها السياسي فضئيل جدا ( وقد ذكرناه في مقالة سابقة ).إذا كانت الضرورات التعبوية لحزب الله تقتضي ألا يتحدث أمام جماهيره عن هزيمة ، فإن ماعرف به من مصداقية يفرض عليه أن يكف عن الكلام عن النصر بهذه الطريقة الاستفزازية والاستعراضية . لقد عرضت أمامه كل الأفكار والحجج وظل على إصراره ، بما يجعل العناد بعيدا عن المعقول والمنطق ويدخله في المحال . فهل يعتبر حزب الله دخول الجيش إلى الجنوب انتصارا لسياسته أم هزيمة لها؟ لقد خرج الجيش اللبناني من الجنوب في أول السبعينات من القرن الماضي . الحرب وحدها هي التي أعادته ، معززا بقوى دولية وأساطيل وإجماع دولي وعربي . كان الشعار : لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ، وصار الشعار ، لا سلاح إلا سلاح الشرعية .منذ الطائف وقضية دخول الجيش إلى الجنوب مطروحة على بساط البحث ، وقد ظل النظام السوري صامدا مع جوقته اللبنانية على رفض هذا الدخول ، خدمة لستراتيجية الممانعة ، بدل المواجهة . ثمن الاعتراض على النهج السوري لم يكن بسيطا ، فقد طال شخصيات ومواقف واتفاقات ، لم يكن آخرها الاعتراض على الانسحاب الاسرائيلي الأحادي من جزين ، تحت شعار جزين أولا ، ولا الذهول من عملية الانسحاب ، حين تمت ، لأنها تمت من دون رضى جبهة الممانعة اللبنانية السورية .من شعار رأى أن قوة لبنان في ضعفه ، إلى شعار رأى أن قوة المقاومة من ضعف الدولة ، استمرت المماحكة بين منطق الدولة ومنطق الثورة . وتغييب الجيش هو تغييب للدولة لصالح تعزيز مناخ مؤات للثورة . فضلا عن ذلك ، أفضت نتائج الحرب إلى إقفال خط التماس بين المقاومة والعدو الصهيوني ، ما يعني أن الإصرار على الاحتفاظ بالسلاح ليس إلا وجها من وجوه التقية الشيعية ، أي المناورة المكشوفة التي لا تنطلي على أحد . ومع إقفال هذا الخط بات الكلام عن وصل مزارع شبعا بالقدس والقرى السبع ( التي بها تكتمل مساحة 10452 كلم مربع ) والقضية الفلسطينية والأمة الإسلامية يحتاج إلى صيغة أخرى مختلفة جذريا عن الصيغة التي كان حزب الله يعتمدها وتمنى لو حافظ عليها .دخول الجيش لم يكن النتيجة الوحيدة . قبل الحرب كانت الطائرات الحربية تنتهك الأجواء اللبنانية فحسب ، بعدها استقرت إسرائيل (حتى الآن ) في أراض كانت قد انسحبت منها يوم التحرير، وفرضت حصارا بريا وبحريا وجويا غير مسبوق ، وأتت أساطيل العالم لتشارك في الرقابة على حدودنا وربما داخل حدودنا .أما عن الخسائر فحدث ولا حرج . بهذا الانتصار زعزعنا كيان العدو ( استقال ضابط رفيع ، وقد يستقيل آخرون ) ، الذي أمكن له أن يدمر ما دمر جسورا ومنازل وطرقات ومرافق عامة ، الخ . غير أن الحرب دمرت جسور الثقة بين القوى السياسية اللبنانية ، والأخطر أنها دمرت جسور الثقة بين المواطنين اللبنانيين ووطنهم . أفلا ينبغي على حزب الله أن يسأل عن عدد الجوازات التي رغب أصحابها بمغادرة الأراضي اللبنانية ، ليصيروا من المتحدرين من أصل لبناني ؟ أفلا ينبغي عليه أن يحمل نفسه جزءا من المسؤولية عن زرع اليأس في نفوس من نما في نفوسهم أمل ببناء لبنان جديد؟ بضعة انتصارات كهذا قد تؤدي إلى تغيير حكومي في إسرائيل ، ولكنها ستؤدي حكما إلى تدمير ما تبقى من هذا الوطن ، بل من هذه الأمة !لقد حقق حزب الله في هذه الحرب شعاراته كلها ، ولكن بالمقلوب . دخل الجيش بعد ممانعة ، احتلت إسرائيل أراضي جديدة وصرنا أمام مهمة تحريريها ولكن ، من دون حزب الله هذه المرة ؛ دخلت قوات دولية ، رحم الله العميد ريمون إده الذي طالب بدخولها منذ أكثر من ثلاثين عاما وجرى تخوينه وترويعه ؛حوصر لبنان من بحره وبره وجوه ؛قوات الحلف الأطلسي بقضها وقضيضها ، ومن ورائها منظمة المؤتمر الإسلامي ودول عدم الانحياز والجامعة العربية كلها لحماية الحدود اللبنانية وجعلها آمنة كسائر الجبهات مع الكيان الصهيوني ؛ باختصار ، وضع لبنان تحت الحماية الدولية ، الحماية لا من إسرائيل ، وهذا هو المؤسف ، بل من القوى الوطنية والقومية ، مع ما يترتب على ذلك من تبعات ، من بينها مراقبة الحدود اللبنانية السورية ، وليس اللبنانية الاسرائيلية ، الخ المغامرة بالطائفة مغامرة بالوطن المارونية السياسية كانت السباقة في مجال المغامرة ، بل المقامرة ، بالوطن ، عن طريق المغامرة بالطائفة . وقد آن للشيعية السياسية أن تتعلم من سواها . الشحن الطائفي والمذهبي مآله حرب أهلية بين الطوائف . وإذا كان حزب الله لا يريد دفع الأمور إلى شفا الحرب الأهلية ، ونحن نعتقد أنه لا يريد ، فعليه تقع مسؤولية تاريخية ، بالمعنى الإيجابي للكلمة ، عن نقل الوطن من الدويلات إلى الدولة ، من غير أن يجرب الشيعة ما سبق أن جربه الآخرون ، وأن يدفعوا الأثمان التي دفعها الآخرون ، أو أن يفرضوا على الوطن ما فرضه عليه الآخرون .نعرف أن ما يطلب من حزب الله يشبه المستحيل ، لكنه ليس مستحيلا . لقد جربت كل عمليات البناء التحاصصي بعقول طائفية . لا المحاصصة بنت وطنا ، ولا كونفدراليات المحاصصين باسم الطوائف ، ولا حتى القوى العلمانية التي جعلت نفسها طائفة مضافة وطالبت بحصتها .مفتاح السر في فشل المحاصصين هو الاستقواء بالخارج على خصوم الداخل . ومنه يبدأ التفريط بالوحدة الوطنية . الحرص على الوحدة الوطنية يبدأ إذن من نقيض ذلك : من الكف عن استدراج الخارج ضد بعضنا بعضا ، والكف عن تعامل القوى السياسية اللبنانية انطلاقا من اتهام بعضها بعضا بالعمالة للخارج . العمالة جزء من عدة المؤامرة ، بل من عقلية المؤامرة ، أي من عقلية الانقلاب ، أي من نهج التغيير بالعنف لا بالوسائل الديمقراطية . غير أنه ينبغي أن يعاد النظر بعلاقات الخارج – الداخل . ذلك أن الحضارة الرأسمالية التي قصرت المسافات ألغت المعيار الجغرافي لهذه الثنائية ، وباتت المصالح هي المعيار . وبناء عليه ليس عيبا أن تتلاقى مصالح قوى منتشرة على سطح الكرة الأرضية ، قوى رأسمالية تكونت منها الأمبريالية ويتشكل منها النظام العالمي الجديد ، وقوى اشتراكية تكونت منها الأممية ، وقوى أخرى تبني جبهاتها على أساس المصالح . ليس عيبا أن تلتقي مصالح حزب الله مع سوريا وإيران ، أو مصالح قوى الرابع عشر من آذار ضدهما ومع جبهة خصومهما ، ولكن ضمن معادلة جديدة يتعلم منها اللبنانيون الدرس المفيد من حرب استدراج القوى الخارجية ، التي تتدخل من أجل مصالحها هي بالدرجة الأولى ، ولا تمانع إن استفاد حليفها الداخلي . لكن مأساة اللبنانيين الذي استجاروا بأصدقاء الخارج على خصوم الداخل ، بدءا بمحاولة الحركة الوطنية اللبنانية القيام بإصلاح النظام اللبناني بقوة المقاومة الفلسطينية ، وانتهاء بمحاولة حزب الله تعديل الموازين الداخلية بقوة الصواريخ الإيرانية والصمت السوري على الجولان وعن شبعا ،أو محاولة قوى 14 آذار الاستقواء بحلف الأطلسي ضد حزب الله ( حسب رواية حزب الله ، وهي صحيحة لكنها غير دقيقة ) ... مأساتهم أنهم يكررون التجارب المرة من غير أن يتعلموا الدرس المفيد من كل الحروب ، حروبنا أو حروب الآخرين على أرضنا . وتتحول المأساة إلى كارثة إذأ كانت الشيعية السياسية تقرأ بالمقلوب أسباب فشل المارونية السياسية . إن هذه الأخيرة لم تفشل بسبب نقص في المهارة أو سوء في الأداء ، أو ضعف في الخبرة أو قلة في التسليح ... بل بسبب بنيوي قائم في أصل كل مشروع طائفي عنصري ، ذلك أن الطائفية معادية لروح العصر ولحرية الانسان ، وإذا كان على الأحزاب الطائفية أن تستدرك أخطاءها وتتفادى تكرار المغامرة – المقامرة ، فإن عليها أن تبحث ، على مهل وبكل التأني اللازم ، كيف تلغي شرنقتها الطائفية وتدخل في رحاب الوطن . هي دعوة إلى حزب الله وإلى سواه لتغيير الإسم والبرنامج والبحث عن " خلطة " جديدة ، يكون فيها الانتماء إلى الوطن هو المعيار ، والموقف من بناء الدولة على أساس الوحدة الوطنية هو المحك .16/09/2006
مواقف حزب الله السياسية والاعلامية تشير إلى حقيقة مزدوجة ، فهو من جهة يتصرف أمام إسرائيل والمجتمع الدولي كمهزوم ، وإزاء اللبنانيين كمنتصر ، في مفارقة تحتاج إلى تفسير . وهو ساكت عن كل الانتهاكات الاسرائيلية ولا يحرك ساكنا حيالها ، وهو راض ( من ظاهر تصريحاته على الأقل ) وموافق على تنفيذ قرار الأمم المتحدة ، الخ . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، يفتعل في الداخل توتيرا إعلاميا ، ويحرص على عدم دفعه التوتر السياسي إلى مستوى الخطر ، وإن حصل وأفلت التصعيد الإعلامي في لحظة معينة ، فهو يحرص حرصا صادقا على لجمه .يخطىء حزب الله إن اعتقد أن مثل هذه السياسية المتناقضة مربحة . لنفترض أنه حقق انتصارا على إسرائيل، وهذا أمر للنقاش ، فهو لم يقدر أن يجسد هذا الانتصار أو أن يترجمه ، لا في قرار الأمم المتحدة ، ولا في الوقائع على أرض الجنوب . لذلك استسهل تجسيده في الداخل اللبناني ، عبر نوع من التباهي بقدرة عسكرية فاقت كل قدرات كل الجيوش العربية ، وهذا ، بلا شك ، صحيح . لكنه بحد ذاته مأزق أو سبب لمأزق . إنه يقارن بين صموده الرائع ضد جيش العدو وانهيارات الجيوش العربية ، ثم يأتي ليتبارى مع القوى السياسية اللبنانية لا مع الجيوش العربية .لكنها مباراة دونكيشوتية لأن جميع القوى اللبنانية التي يتهمها حزب الله بالعمالة رفضت سلفا أي دخول في المبارزة معه ، ولأن حزب الله ، وهذا هو الأهم ، إن انتصر في الداخل على كل القوى اللبنانية ، مجتمعة أو منفردة ، فمأزقه يكمن في كونه لا يستطيع أن يجسد أو يترجم انتصاره في مشروع سياسي ، إلا بمواصفات معينة كبناء دولة الحزب الواحد ، دولة غير إسلامية على طريقة الحكم "العلماني" العلوي في سوريا ، تحكم الأقليات الأخرى وتضطهدها ، ولا تلغيها ؛ أو دولة إسلامية على طريقة إيران ، وكلا الاحتمالين في غير صالح ما يعلنه حزب الله من حرص على الطوائف والصيغة اللبنانية والوحدة الوطنية .المبارزة الداخلية خاضعة إذن لآليات المحاصصة المعتمدة في لبنان بين ممثلي الطوائف ، وبهذا يصبح حزب الله محكوما ، مهما بلغت قوته العسكرية ، بأن يترجم انتصاره على إسرائيل ، في نهاية المطاف ، داخل الطائفة الشيعية ، في منازعة مع حركة أمل ، لأن حصته في السلطة ، ضمن الآليات السلطوية السائدة لن تكون إلا جزءا من حصة الطائفة . وهذا وجه آخر للمأزق ، فهو يشعر أن قوته أكبر من قوة الطائفة ، في حين أن حصته هي بالضرورة ، أصغر منها .وجه آخر من وجوه المأزق ، هو أن حزب الله يعرف حدود المبارزة داخل الطائفة ، لكنه يبارز خارجها ، هكذا تماما فعل حين واجه إسرائيل ثم جاء ليترجم نتائج المواجهة داخل الوطن ، وها هو الآن يبارز الطوائف الأخرى ، وليس بإمكانه أن يترجم النتائج ، حتى لو انتصر ، إلا داخل طائفته . وهو في هذا المجال مكبل لأن رصيد الرئيس نبيه بري في حماية الوحدة الوطنية كبير جدا .وهم وتجهيل وشحن مذهبيإذن لم يبق أمام حزب الله إلا أن يحافظ على رصيد جماهيري بناه بالوعي المغلوط ، بالوهم والتجهيل والشحن المذهبي . عدة هذا النهج معروفة : عدو خارجي هو الإمبريالية والصهيونية ، وعدو داخلي هو كل عميل لهما ، وليس في قاموسهم محل لعدو داخلي إسمه التخلف والجهل . منطق التحليل والتفسير معروف هو الآخر : إنه المؤامرة . وآلته الإيديولوجية الغيب ورجم الغيب ، وآخر المبتكرات ، كتاب يوزع على الأنترنت ، يشبه كتابا وهميا شيعيا يتحدث عن ظهور المهدي المنتظر . وكل الشروط تصبح جاهزة ليبلغ الشحن المذهبي مداه .ليس صدفة أن يترافق نشر هذا الكتيب مع نهاية الحرب . أنه جاء ليعضد التصريحات والخطب والمقابلات الإعلامية ، وليقدم وعدا بالانتصار الأكبر : ظهور المهدي . ماذا في هذا الكتيب ؟ وما علاقته بالنهج الانتصاري ؟يعدد الكتاب حوالي عشرين علامة من علامات ظهور المهدي المنتظر ، وهي على التوالي ، كما وردت عناوينها في الكتيب : اجتماع اليهود على أرض فلسطين ، ظهور رجل من قم ( هو الخميني ) ، ظهور قوة عسكرية وإعلامية(الحرس الثوري الإيراني وحزب الله)،تأسيس الجمهورية الإسلامية، ظهور العمائم السود (مع صور لأصحاب العمائم : الخميني ، باقر الصدر ، مقتدى الصدر ، موسى الصدر ، باقر الحكيم ، محمد حسين فضل الله ، خامنئي )، حزب يقاتل على أبواب بيت المقدس(حزب الله )،دخول قوات غربية إلى العراق ، استشهاد نفس زكية في العراق ( محمد باقر الحكيم ) ، انتقال العلم من النجف إلى قم ، خروج تكفيري يقتل زوار المقامات ، قيام حكم إسلامي في العراق موال لإيران ، آخر حكام الحجاز إسمه عبدالله ، خوف الناس من الأوبئة والزلازل والأعاصير،دخول مذنب إلى مدار الأرض ، خراساني يسلم الراية للمهدي ( خامنئي )، قائد جيش المهدي شعيب بن صالح(أحمدي نجاد)، ظهور اليماني ، وهو سيد هاشمي إسمه حسن ( نصرالله)، نداء جبريل من السماء ، ارتباك إبليس .فضلا عن علامة أخرى وردت من غير ترقيم ، تتحدث عن انقلاب في سوريا ، وعن سفياني يدخل إلى الحجاز ليقمع ثورة في المدينة ، الخ .( مع حفظ ألقاب جميع من وردت أسماؤهم في النص ).نجزم أن حزب الله ليس مسؤولا قطعا عن هذا الكتيب الذي وضعه واضعوه ، " بتوفيق من المولى صاحب العصر والزمان " . لكننا نعتقد جازمين أن الذين وضعوه أنما وضعوه ليستكملوا فيه منطق انتصار حزب الله في الحرب ،أو كأنهم يقولون فيه ما يخجل حزب الله من قوله علنا ، أو كأنهم يستندون إلى انتصار حزب الله ويرون فيه مقدمة لانتصار الشيعة ، ولكن ، على من ؟ لسنا الآن في صدد نقاش فقهي لاهوتي في قضية المهدي ، إلا أننا نعتقد أن على حزب الله مسؤولية كبيرة في توضيح موقعه وموقفه من هذه التعبئة ، خصوصا وأن أفكار الكتيب هي أكثر انتشارا من خطبه الداعية إلى التهدئة ومن تصريحات مسؤوليه المغلفة بالحكمة ، وأن فكرة المهدي والمهدوية موجودة في معظم الديانات السماوية وغير السماوية ، وهي فكرة تجل عن أن تكون موظفة في طاحونة المصالح السياسية المباشرة واليومية . غيرأن مادة الكتيب تقوم على تعبئة مذهبية ، وتجد سندها في المناخ المحموم الذي نشأ خلال الحرب وبعدها ، والذي جعل الشيعة في مواجهة سائر الطوائف معزولين داخل شحن مذهبي، يتولاه الكتيب، من خلف ظهر التصريحات الهادئة والحكيمة الصادرة بين الحين والآخر . مواقف التهدئة تعيش لحظتها ثم تموت طالما أن الغرائز مهيأة وعقل الخرافة والأسطورة ما زال ينتظر خلف الأبواب .انتصار كان يمكن تفاديه إذا كان جمهور واسع من اللبنانيين لا يرى في نتائج الحرب مع إسرائيل انتصارا جليا وواضحا ، فإن على حزب الله ، إكراما لمشاعر هذا الجمهور ، ألا يرغمه على الاقتناع بما ليس مقتنعا به أو بماهو مقتنع بعكسه . إذن علينا أن نناقش بهدوء وإيجابية ، نعطي حزب الله ما له ، وعليه أن يقدم ما يترتب عليه من نقد ، مهما كان قاسيا .حزب الله حزب شجاع بلا شك . محازبوه وقادته أبطال بكل معاني البطولة . صمد كما لم يصمد جيش وقاتل كما لم تقاتل ميليشيا . استبسل دفاعا عن أرضه وعن سلاحه . كبد العدو خسائر لم يسبق له أن تكبدها ، وجعله يعيد النظر بخططه العسكرية أكثر من مرة ، ويتخبط في تنفيذها تخبطا غير معهود. كل كلام عن الانتصار لا يتعدى هذه الحدود يبقى معقولا وصحيحا وحقيقيا . لأن الجانب الأكبرمن هذه الحقيقة أخلاقي يتعلق بمزايا الأفراد أكثر منه بالبرنامج . أما جانبها السياسي فضئيل جدا ( وقد ذكرناه في مقالة سابقة ).إذا كانت الضرورات التعبوية لحزب الله تقتضي ألا يتحدث أمام جماهيره عن هزيمة ، فإن ماعرف به من مصداقية يفرض عليه أن يكف عن الكلام عن النصر بهذه الطريقة الاستفزازية والاستعراضية . لقد عرضت أمامه كل الأفكار والحجج وظل على إصراره ، بما يجعل العناد بعيدا عن المعقول والمنطق ويدخله في المحال . فهل يعتبر حزب الله دخول الجيش إلى الجنوب انتصارا لسياسته أم هزيمة لها؟ لقد خرج الجيش اللبناني من الجنوب في أول السبعينات من القرن الماضي . الحرب وحدها هي التي أعادته ، معززا بقوى دولية وأساطيل وإجماع دولي وعربي . كان الشعار : لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ، وصار الشعار ، لا سلاح إلا سلاح الشرعية .منذ الطائف وقضية دخول الجيش إلى الجنوب مطروحة على بساط البحث ، وقد ظل النظام السوري صامدا مع جوقته اللبنانية على رفض هذا الدخول ، خدمة لستراتيجية الممانعة ، بدل المواجهة . ثمن الاعتراض على النهج السوري لم يكن بسيطا ، فقد طال شخصيات ومواقف واتفاقات ، لم يكن آخرها الاعتراض على الانسحاب الاسرائيلي الأحادي من جزين ، تحت شعار جزين أولا ، ولا الذهول من عملية الانسحاب ، حين تمت ، لأنها تمت من دون رضى جبهة الممانعة اللبنانية السورية .من شعار رأى أن قوة لبنان في ضعفه ، إلى شعار رأى أن قوة المقاومة من ضعف الدولة ، استمرت المماحكة بين منطق الدولة ومنطق الثورة . وتغييب الجيش هو تغييب للدولة لصالح تعزيز مناخ مؤات للثورة . فضلا عن ذلك ، أفضت نتائج الحرب إلى إقفال خط التماس بين المقاومة والعدو الصهيوني ، ما يعني أن الإصرار على الاحتفاظ بالسلاح ليس إلا وجها من وجوه التقية الشيعية ، أي المناورة المكشوفة التي لا تنطلي على أحد . ومع إقفال هذا الخط بات الكلام عن وصل مزارع شبعا بالقدس والقرى السبع ( التي بها تكتمل مساحة 10452 كلم مربع ) والقضية الفلسطينية والأمة الإسلامية يحتاج إلى صيغة أخرى مختلفة جذريا عن الصيغة التي كان حزب الله يعتمدها وتمنى لو حافظ عليها .دخول الجيش لم يكن النتيجة الوحيدة . قبل الحرب كانت الطائرات الحربية تنتهك الأجواء اللبنانية فحسب ، بعدها استقرت إسرائيل (حتى الآن ) في أراض كانت قد انسحبت منها يوم التحرير، وفرضت حصارا بريا وبحريا وجويا غير مسبوق ، وأتت أساطيل العالم لتشارك في الرقابة على حدودنا وربما داخل حدودنا .أما عن الخسائر فحدث ولا حرج . بهذا الانتصار زعزعنا كيان العدو ( استقال ضابط رفيع ، وقد يستقيل آخرون ) ، الذي أمكن له أن يدمر ما دمر جسورا ومنازل وطرقات ومرافق عامة ، الخ . غير أن الحرب دمرت جسور الثقة بين القوى السياسية اللبنانية ، والأخطر أنها دمرت جسور الثقة بين المواطنين اللبنانيين ووطنهم . أفلا ينبغي على حزب الله أن يسأل عن عدد الجوازات التي رغب أصحابها بمغادرة الأراضي اللبنانية ، ليصيروا من المتحدرين من أصل لبناني ؟ أفلا ينبغي عليه أن يحمل نفسه جزءا من المسؤولية عن زرع اليأس في نفوس من نما في نفوسهم أمل ببناء لبنان جديد؟ بضعة انتصارات كهذا قد تؤدي إلى تغيير حكومي في إسرائيل ، ولكنها ستؤدي حكما إلى تدمير ما تبقى من هذا الوطن ، بل من هذه الأمة !لقد حقق حزب الله في هذه الحرب شعاراته كلها ، ولكن بالمقلوب . دخل الجيش بعد ممانعة ، احتلت إسرائيل أراضي جديدة وصرنا أمام مهمة تحريريها ولكن ، من دون حزب الله هذه المرة ؛ دخلت قوات دولية ، رحم الله العميد ريمون إده الذي طالب بدخولها منذ أكثر من ثلاثين عاما وجرى تخوينه وترويعه ؛حوصر لبنان من بحره وبره وجوه ؛قوات الحلف الأطلسي بقضها وقضيضها ، ومن ورائها منظمة المؤتمر الإسلامي ودول عدم الانحياز والجامعة العربية كلها لحماية الحدود اللبنانية وجعلها آمنة كسائر الجبهات مع الكيان الصهيوني ؛ باختصار ، وضع لبنان تحت الحماية الدولية ، الحماية لا من إسرائيل ، وهذا هو المؤسف ، بل من القوى الوطنية والقومية ، مع ما يترتب على ذلك من تبعات ، من بينها مراقبة الحدود اللبنانية السورية ، وليس اللبنانية الاسرائيلية ، الخ المغامرة بالطائفة مغامرة بالوطن المارونية السياسية كانت السباقة في مجال المغامرة ، بل المقامرة ، بالوطن ، عن طريق المغامرة بالطائفة . وقد آن للشيعية السياسية أن تتعلم من سواها . الشحن الطائفي والمذهبي مآله حرب أهلية بين الطوائف . وإذا كان حزب الله لا يريد دفع الأمور إلى شفا الحرب الأهلية ، ونحن نعتقد أنه لا يريد ، فعليه تقع مسؤولية تاريخية ، بالمعنى الإيجابي للكلمة ، عن نقل الوطن من الدويلات إلى الدولة ، من غير أن يجرب الشيعة ما سبق أن جربه الآخرون ، وأن يدفعوا الأثمان التي دفعها الآخرون ، أو أن يفرضوا على الوطن ما فرضه عليه الآخرون .نعرف أن ما يطلب من حزب الله يشبه المستحيل ، لكنه ليس مستحيلا . لقد جربت كل عمليات البناء التحاصصي بعقول طائفية . لا المحاصصة بنت وطنا ، ولا كونفدراليات المحاصصين باسم الطوائف ، ولا حتى القوى العلمانية التي جعلت نفسها طائفة مضافة وطالبت بحصتها .مفتاح السر في فشل المحاصصين هو الاستقواء بالخارج على خصوم الداخل . ومنه يبدأ التفريط بالوحدة الوطنية . الحرص على الوحدة الوطنية يبدأ إذن من نقيض ذلك : من الكف عن استدراج الخارج ضد بعضنا بعضا ، والكف عن تعامل القوى السياسية اللبنانية انطلاقا من اتهام بعضها بعضا بالعمالة للخارج . العمالة جزء من عدة المؤامرة ، بل من عقلية المؤامرة ، أي من عقلية الانقلاب ، أي من نهج التغيير بالعنف لا بالوسائل الديمقراطية . غير أنه ينبغي أن يعاد النظر بعلاقات الخارج – الداخل . ذلك أن الحضارة الرأسمالية التي قصرت المسافات ألغت المعيار الجغرافي لهذه الثنائية ، وباتت المصالح هي المعيار . وبناء عليه ليس عيبا أن تتلاقى مصالح قوى منتشرة على سطح الكرة الأرضية ، قوى رأسمالية تكونت منها الأمبريالية ويتشكل منها النظام العالمي الجديد ، وقوى اشتراكية تكونت منها الأممية ، وقوى أخرى تبني جبهاتها على أساس المصالح . ليس عيبا أن تلتقي مصالح حزب الله مع سوريا وإيران ، أو مصالح قوى الرابع عشر من آذار ضدهما ومع جبهة خصومهما ، ولكن ضمن معادلة جديدة يتعلم منها اللبنانيون الدرس المفيد من حرب استدراج القوى الخارجية ، التي تتدخل من أجل مصالحها هي بالدرجة الأولى ، ولا تمانع إن استفاد حليفها الداخلي . لكن مأساة اللبنانيين الذي استجاروا بأصدقاء الخارج على خصوم الداخل ، بدءا بمحاولة الحركة الوطنية اللبنانية القيام بإصلاح النظام اللبناني بقوة المقاومة الفلسطينية ، وانتهاء بمحاولة حزب الله تعديل الموازين الداخلية بقوة الصواريخ الإيرانية والصمت السوري على الجولان وعن شبعا ،أو محاولة قوى 14 آذار الاستقواء بحلف الأطلسي ضد حزب الله ( حسب رواية حزب الله ، وهي صحيحة لكنها غير دقيقة ) ... مأساتهم أنهم يكررون التجارب المرة من غير أن يتعلموا الدرس المفيد من كل الحروب ، حروبنا أو حروب الآخرين على أرضنا . وتتحول المأساة إلى كارثة إذأ كانت الشيعية السياسية تقرأ بالمقلوب أسباب فشل المارونية السياسية . إن هذه الأخيرة لم تفشل بسبب نقص في المهارة أو سوء في الأداء ، أو ضعف في الخبرة أو قلة في التسليح ... بل بسبب بنيوي قائم في أصل كل مشروع طائفي عنصري ، ذلك أن الطائفية معادية لروح العصر ولحرية الانسان ، وإذا كان على الأحزاب الطائفية أن تستدرك أخطاءها وتتفادى تكرار المغامرة – المقامرة ، فإن عليها أن تبحث ، على مهل وبكل التأني اللازم ، كيف تلغي شرنقتها الطائفية وتدخل في رحاب الوطن . هي دعوة إلى حزب الله وإلى سواه لتغيير الإسم والبرنامج والبحث عن " خلطة " جديدة ، يكون فيها الانتماء إلى الوطن هو المعيار ، والموقف من بناء الدولة على أساس الوحدة الوطنية هو المحك .16/09/2006
-------------------------------------------------------------
ايديولوجيون امنيون
موفق نيربية
لو استطاع أصحاب الايديولوجيا الأمنية أن يستغنوا عن العالم ويعيشوا بمعزل عنه لفعلوا ذلك من دون تردّد، فهم لا يريدون تدخّل أولئك الفضوليين ونظراتهم الحاسدة الناقدة المتصاعدة في عصر انكشاف العالم، ولو استطاعوا لناموا على «عقارهم» المكتوب –بأهله- لهم، وأحاطوه بأهداب العيون، وانفردوا به إلى أبد الآبدين. تكاد كلمة الايديولوجيا -كاسم أو كصفة ونسبة– تصبح لعنة في اللغة الفكرية السياسية المتداولة، ليس عندنا فحسب، بل في العالم كله. وهذا أمر محزن قليلاً، حين يكون درجةً من ردّ الفعل لا تحكمها الضوابط العلمية بمقدار المزاجية، ومشاعر التوبة أحياناً. فالكلّ ينسون مدلولها الأساسي الذي هو كونها «علماً للأفكار» أو المُثل، أو كونها «مجموعة متناسقة من الأفكار»، ويذهبون إلى حيث هي عنوان على الأفكار التي يقولبها مفكّرون لمصلحة سياسية أو اقتصادية اجتماعية، فيغلب عليها طابع تزييف الوعي والتعصّب العقائدي والابتعاد عن العلم والموضوعية أو عن البراغماتية بشكل من الأشكال. لكنها بقرة مذبوحة، فلا يضيرها إضافة سكين إلى السكاكين التي تشتغل فيها؟! وهنا نذهب بالأمر إلى نهايته، فندمجها بصفة غريبة، ونلفت النظر إلى وجه من المهزلة التي ما زلنا نعيشها.للدولة القوية ضرورة قد تسبق أهمية كونها دولة مدنية وحديثة وديموقراطية، وهي الوحيدة المفوّضة بالإكراه والعنف من بين أطراف العقد الاجتماعي، فلها وظيفة أمنية في كل المعايير والنظم، وحين تغلب هذه الصفة على تفاصيل العقد وتتجاهل موجباته من أنظمة وحكم للقانون ينطبق على الجميع بما في ذلك الدولة نفسها، تتغوّل ويتحكّم بها رسن السلطة الباغية، وتصبح دولة أمنية. الأيديولوجيا الأمنية –الأكثر زيفاً من أي اشتقاق آخر يلحق بالمفهوم- تعمل على تبرير الدولة الأمنية وطغيان سلطاتها، وإخفاء آفاتها، وإثارة الغبار الكثيف والعواصف من حولها حين تتلبّد أجواؤها وتتزعزع.في زمننا الانتقالي هذا، تتغيّر مواصفات القادة الأمنيين، ويصبحون أكثر قرباً من «الثقافة»، ليس من حيث هي نقد مستمر وتجديد وتغيير، بل من حيث هي تقييد للنقد وتجميل وتثبيت، لكن بأدوات جديدة، قد يكون بعضها حديثاً مثل علوم الحاسوب والاتصالات والإعلان... ومراكز البحث! ويتقدمون إلى أمام في واجهة السلطة والدولة من دون اعتراض أحد، بل بالترحيب أحياناً، بسبب الفعالية والأناقة والمهارات العصرية، على عكس بعض الساسة المحيطين بدائرة السلطة الفعلية أو مركزها المطلق. وصل الأمر إلى تولّي قادة الأجهزة الأمنية مهمات لا يقوم بها عادة إلا الدبلوماسيون الأكثر مهارة وكفاءة، يستعملون في ذلك أيضاً تلك الرهبة الخفية والرعشة الباردة التي يبعثونها في من أمامهم، والفرحة الكبرى بالابتسامة والنكتة حين ظهورها. وللايديولوجيا الأمنية وجوه أخرى، ليست فرعية بتاتاً، كما يحسب أهل الفكر من دون سياسة، من أهمها إثارة التوتّر السياسي الدائم، وتحويله إلى توتر أمني، أو العكس. وينسجم هذا تماماً مع السلطة السياسية في الدولة الأمنية، ورغبتها الدائمة في إعادة توليد سلطتها و«تدوير» مكوناتها، على لغة جماعة البيئة. في حين قد لا ينسجم بالمقدار نفسه حين تتفاءل تلك السلطة بعصرنة هيمنتها وتحديثها أو تكييفها، أو تميل إلى ذلك بالفعل، لا يستطيع القادة الأمنيون -وحتى رجالهم- إخفاء فرحتهم بأي أسباب أو ذرائع لإثارة التوتّر السياسي الاجتماعي الأمني، ويكادون يحتفلون بذلك بينهم وبين أنفسهم، وحين يأفل نجم أحدهم أو يخشى على دوره ومركزه، يكون شغله الشاغل اصطياد فرص هذا التوتّر وتطويرها. من الأيديولوجيا الأمنية أخيراً ما يدخل في البحث والإعلام عن طريق كتاب مختصين لا يحتملون مفاهيم الاعتدال والمصالحة والسلام مع الناس وبينهم، أو حتى من قبلهم مباشرة، والتحريض والتخوين والمؤامرة وتزوير التاريخ والوقائع من ضمن الأدوات «المعرفية»، في هذا الميدان. إضافة إلى التوتّر الداخلي، يهتم أهل الايديولوجيا الأمنية بالتوتّر الداخلي، ويفرحون بالصعوبات بينهم وبين الخارج، أو في الخارج بذاته، وفي الوقت الذي يثورون فيه غضباً واستنفاراً حين يرون أن هنالك عبثاً باستقرارهم الذي ينبغي ألاّ يُمس ويُخدش، يهلّلون لزعزعة الاستقرار حولهم، بل قد يعملون على ذلك، ولو بشكل مداور. عند ذلك يكونون باعة الاستقرار وسادته، وواحته. من تلك الوجوه أيضاً، وياللغرابة، شدّ الخيوط الخارجية وتعقيدها باتّجاه العزلة، فلو استطاع أصحاب الايديولوجيا الأمنية أن يستغنوا عن العالم ويعيشوا بمعزل عنه لفعلوا ذلك من دون تردّد، فهم لا يريدون تدخّل أولئك الفضوليين ونظراتهم الحاسدة الناقدة المتصاعدة في عصر انكشاف العالم، ولو استطاعوا لناموا على «عقارهم» المكتوب –بأهله- لهم، وأحاطوه بأهداب العيون، وانفردوا به إلى أبد الآبدين. لا يريدون من الدنيا إلا السياحة والرفاهية وما يستوردونه منها فقط. ألم ترَ تظاهرات الاحتجاج الشعبية الغاضبة على حالات الحصار كيف تخفي وراءها احتفالاً مكتوماً من منظّميها الرسميين أحياناً؟! تستعمل الأيديولوجيا الأمنية أيضاً تلك الوطنية المفرطة والقومية الغالية وحتى الجهاد المقاتل أخيراً، كما استعملت الاشتراكية والثورة وطهرانية اليسار في السابق. وذلك كلّه من طرائفنا التي لم تعد تضحك أحداً
موفق نيربية
---------------------------------------------------------------
علوم وتكنولوجيا 30.10.2007
جراحون ألمان يجرون عملية إنقاذية لجنين في رحم أمه
بعد مرور عام على ولادة مريم تأكد الأطباء الألمان من نجاح العملية

نجح أطباء في مستشفى جامعة بون الألمانية في إجراء عملية جراحية إنقاذية لجنين، تعرضت أمه لمرض تمزق أغشية الحماية في الرحم. وبعد عام من ولادة الطفلة، تأكد الأطباء من نجاح هذه العملية الأولى من نوعها في تاريخ الطب.
في عملية هي الأولى من نوعها في تاريخ الطب، قام فريق من الأطباء في مستشفى جامعة بون الألمانية بإجراء عملية جراحية ناجحة لجنين أنثى في رحم أمه، كان معرضا لخطر الموت حال ولادته، كما يقول الأطباء. وكشف الأطباء عن أن الأم كانت تعاني من تمزق مبكر في الأغشية المحيطة بالجنين، وهو مرض لا تعرف أسبابه إلى الآن، أصيبت به الأم في الأسبوع الـ 22 من الحمل، مما تطلب التدخل بواسطة عملية جراحية لحماية رئتي الجنين وإنقاذه من مخاطر الموت المحتمل في مثل هذه الحالات. فعادة ما يؤدي هذا المرض- كما يقول الأطباء -إلى تعريض الجنين لمجموعة من الأخطار التي يمكن أن تؤدي إلى وفاته داخل الرحم، وفي حالة ولادته فإن فرص نجاته تكون ضئيلة بسبب تعرضه للاختناق نتيجة عدم نمو الرئتين. ثقب بحجم رأس قلم حبر
التدخل الجراحي تم للجنين وهو مازال في رحم أمه
جراحون ألمان يجرون عملية إنقاذية لجنين في رحم أمه
بعد مرور عام على ولادة مريم تأكد الأطباء الألمان من نجاح العملية

نجح أطباء في مستشفى جامعة بون الألمانية في إجراء عملية جراحية إنقاذية لجنين، تعرضت أمه لمرض تمزق أغشية الحماية في الرحم. وبعد عام من ولادة الطفلة، تأكد الأطباء من نجاح هذه العملية الأولى من نوعها في تاريخ الطب.
في عملية هي الأولى من نوعها في تاريخ الطب، قام فريق من الأطباء في مستشفى جامعة بون الألمانية بإجراء عملية جراحية ناجحة لجنين أنثى في رحم أمه، كان معرضا لخطر الموت حال ولادته، كما يقول الأطباء. وكشف الأطباء عن أن الأم كانت تعاني من تمزق مبكر في الأغشية المحيطة بالجنين، وهو مرض لا تعرف أسبابه إلى الآن، أصيبت به الأم في الأسبوع الـ 22 من الحمل، مما تطلب التدخل بواسطة عملية جراحية لحماية رئتي الجنين وإنقاذه من مخاطر الموت المحتمل في مثل هذه الحالات. فعادة ما يؤدي هذا المرض- كما يقول الأطباء -إلى تعريض الجنين لمجموعة من الأخطار التي يمكن أن تؤدي إلى وفاته داخل الرحم، وفي حالة ولادته فإن فرص نجاته تكون ضئيلة بسبب تعرضه للاختناق نتيجة عدم نمو الرئتين. ثقب بحجم رأس قلم حبر
التدخل الجراحي تم للجنين وهو مازال في رحم أمه
ولدرء خطر اختناق الجنين بعد الولادة، قام فريق الأطباء الألمان بإجراء العملية باستخدام طريقة التدخل الجراحي البسيط (minimally invasive surgical procedure)، حيث عالجوا رئة الجنين بمادة تساعد على نموها بشكل طبيعي، في عملية هي الأولى من نوعها عالميا، بقيادة البروفسور الألماني توماس كول، الذي يعمل أيضا رئيسا للمركز الألماني لعمليات التدخل الجراحي البسيط قبل وأثناء الولادة في مدينة بون.
وخلال العملية تم فتح ثقب صغير في بطن الأم بحجم رأس قلم حبر تقريبا واستخدمت أجهزة متطورة مزودة بكاميرات للدخول عبر فم الجنين إلى رئتيه ومن ثم معالجتهما ببروتين ألبيوم Albium التي تساعد على نمو الرئتين، كما تم إدخال بالون مطاطي إلى مدخل الرئتين لتوفير حماية لها أثناء فترة الحمل ومنع خروج السوائل المساعدة على نمو الرئتين إلى الخارج.
المولود في أفضل حال
ولم يكن الأطباء متأكدين من أن العملية التي أجريت ستكون كافية لدرء خطر الموت عن الجنين الذي بقي في بطن أمه طول فترة الحمل دون حماية الأغشية التي تحيط به عادة، إلا أن الولادة تمت بنجاح. ويبلغ عمر الطفلة حاليا سنة واحدة وهي بصحة جيدة بين يدي والديها اللذين كادا يفقدان الأمل في إنقاذ حياة طفلتهما الوحيدة.
دويتشه فيله (ب.ح.)
---------------------------------------------------------------
