Mittwoch, 24. Oktober 2007














الرحيل إلى المجهول ــ تدمر 3 ــ

آرام كربيت
استولى علينا القلق والحيرة والإرهاق.
أغلبنا راح يقطع رحلة الوجع الطويلة. ننتقل من من أسى إلى أخر. بلغنا تيارالدهشة الأقرب إلى الفاجعة. نسير دون أن نهتدي إلى المكان الهادي. مرميون على الارض الوعرة.. الأرض المنفرة المتموجة.
كنا أقرب إلى حالة التشنج العارمة. الصدمة التي بقت تحت ذاكرتنا المتجددة. ما أن تنام حتى تفيق على الصراخ والألم.
نقع.. نتدحرج. نطلق الآهات الحارة من حناجرنا المتألمة. لكننا نسير إلى هنا.. إلى هناك كما يحددوه لنا.
صارت حياتنا ملك مجموعة من الحمقى.. العسكر. يفعلوا بنا ما يريدون.
العسكر.. الحمقى لا يلتفتون إلى هذا أبداً. إلى وضعنا المأساوي. تراهم يضحكون ويقهقون بشكل دائم:
أمشي يا عرس.. أمشي يا ديوس.. يا منيك.. أمك... ألفاظ لم ينزل بها سلطان من قبل.
الضرب والركل والبصق والرفس يستمرمع السيرالقاسي الذي أجبرنا على القيام به.
العرق يتصبب من أجسادنا بغزارة في هذا الشتاء البارد.
النفير العسكري الجائريطلق صراخه القبيح علينا:
ـ أمشي يا خائن.. يا فاسق.. يا خسيس.
من طرف الطماشة. كنت أرى أحذيتهم الكبيرة. الجزء السفلي المدلى من الكرباج الذي ثُضرب به.
هل هذا وطن أم وجع دائم. لمذا نحّن إليه ونحبه. قلت في نفسي:
لن أرى السماء بعد اليوم. لن أرى الغيوم المثقلة بالضباب. لن أجلس تحت قبة الشمس، والتحف الهواء بعد اليوم. صرت كالأعمى اتلمس الخطا من خلال اللمس.
الغربة ذعر، إحساس خانق بالاقتلاع، سواد محفور في جذور الليل.
الأجساد تتحرك في مواضع المتاهة الواسعة.
كنت موقناً أن الدم سينفرمن الشرايين، شاقاً لنفسه روافد لها منافذ متعددة. تتسع فتحات الأنف لأخراج النبض المتدفق.
بعد معاناة طويلة وإجهاد ممل. توقفنا. رؤوسنا على الجدار. حقائبنا في أيدينا نلهث وننتظر. مستغرقين في الصمت والهدوء الكامل. لم يقولوا كلمة واحدة ماذا سنفعل. أصواتهم الهادرة أختفت بسرعة كما بدأت قبل ساعة ونصف الساعة أو نحوهما. رؤوسنا منكسة على الجدار. مستغرقين في البحث عن موطئ آمان. بعيداً عن أنفاسهم الداكنة وأغلالهم القاسية. كنا متوتري الأعصاب. لا نستطيع أن نقوم بمبادرة أو حركة لا تحمد عقباها. ماذا نفعل. هل نبقى في مكمننا أم نتحرك. لكن.. إذا تحركنا إلى أين نذهب ونسير. هذه الطماشة أو العصابة اللعينة على أعيننا ماذا نفعل بها. يا آلهي أعطنا الصبر ودعنا نبادر إلى فعل شيء. مروقت طويل. نحن وقوف في حالة الصمت الوعرة. تأخذ منا كل مآخذ. توقف الضرب وتلاشت الشتائم. هدأت المفأجاة والدهشة المثقلة بالفزع والغربة والغرابة بعد رحلة طويلة من الصدمة التي لحقت بنا. قال حكمت مرجانة:
ـ نحن في مهجع. أنزعوا الطماشات من على وجوهكم وعيونكم.
كأنهم ملح. كأن العسكركانوا ملح أو ضباب صيفي تبخروذاب. أين الشرطة العسكرية.. كيف ذهبوا. لماذا لم نسمع صوت أغلاق الباب. لماذا لم يقولوا لنا أننا في مهجع. هل هذا سرمن أسرارهم المقدسة. لماذا تركونا وقوف مدة طويلة على الجدارومضوا. لماذا تركونا نكتشف الأمر بأنفسنا.
الحقيقة:
الأشياء التي تحدث في هذا السجن الخطيرلا يمكن تفسيره على الاطلاق. لا يمكن معرفة أي خطوة من خطواتهم. لماذا يفعلوا ذلك. هل هذا الأمر أمرصادرمن مسؤولي السجن أم هوخوف مركب. أو كره و حقد دفين وأحمق. كل شرطي يبالغ في إظهارعدائيته وعدوانيته للسجناء العزل.
فتحت عيني على وسع. كنا في مكان أشبه بدهليزكبير. جدران عالية تصل إلى سبعة أمتار.. ربما أقل أو أكثرلا أدري. عرض المهجع سبعة أمتارفي طول أربعة عشرة متر. قست الطول والعرض بقدمي.
كانت المياه تغطي مساحة المهجع الواسعة.
رفعت رأسي إلى الأعلى. رأيت فتحتان في السقف. طول كل فتحة متران في عرض متران تقريباً. مركزتان في وسط السقف. ياآلهي لماذا هذه الفتحات في هذا السقف العالي. رحت أضع الاحتمالات البريئة مثلي مثل رفاقي. قلت ببلاهة:
ـ ربما من أجل التهوية والشمس. أردف أخر. قال:
ـ في السابق. كان السجن مكتضاً بالسجناء. يصل العدد في كل مهجع إلى المئتين أو الثلاثمائة سجين في كل مهجع. لذلك فتحوا فتحة في السقف. من أجل دخول المزيد من الهواء والضوء. وتابع:
ـ حتى لا يمرض السجناء!
رحت أتساءل.. والسؤال مشروع. لماذا هذا الارتفاع العالي للجدران. المطرالذي يدخل من هذه الفتحات السماوية كيف يمكن منعه. كيف يحمي السجناء أنفسهم من المطر والبرد والحرارة.
بوجود هذه الفتحات في السقف لا يشعرالسجين إنه تحت سقف. هذه الفتحة تجعله عارياً تماماً. مراقباً من السماء والأرض. كأنه مزروع دون إرادة منه في غابة مطيرية أو صحراء. رحنا ننظرإلى السماء المملوءة بالغيوم والضباب. الذي أخذ لونها يميل تدريجياً إلى الأسود الداكن.
أرض المهجع مستوية تماماً. تصل سماكة بيتونها المسلح إلى نحو العشرين سنتمتر.
كانت الجدران سميكة.. لكنها نظيفة. مكلسة باللون الأبيض الناصع. لا كتابة ولا شخبطة ولا أي شيء يدل على وجود غيرنا في هذا المكان الخطير. أيعقل أن نكون وحدنا في هذا السجن الخطير والمعروف على الصعيد العالمي بقسوته ووحشيته. هل فرغ من المعتقلين. لا ندري. أسئلة كثيرة تنتابنا ولكن لا جواب عليها.
يبدو أن هذا المهجع وغيره بني بعد أحداث حماه أو قبله بقليل.
أقتربنا من الجدران. وجدنا عليه شباك من النايلون العادي ولكنه قاسي جداً. مشغول على طول المهجع. وضع على أرتفاع مترمن الأرض تقريباً. من الباب إلى فتحات الحمام. ثم يدور ليصل إلى الباب مرة أخرى من الجهة المقابلة له. على طابقين. الغباريغطي هذه الشباك. عندما ددقنا عليه هرالغبارعلى الأرض. قدرنا أن هذا دلالة على أن المهجع كان فارغاً مدة طويلة. كيف صنع أخوتنا السجناء الذين قبلنا هذا الشباك. أي رياح عطرة دخلت إلى عقولهم ودفعتهم على القيام بهذا العمل.
من أين أمنوا المواد الأولية لصناعتها. وكيف. من أين جلبوا الأدوات التي تساعدهم على تركيبها. المنظر طاغي. يتوهج بلمعان عجيب. مثل شباك الصيادين. كيف أستطاعوا أن يثقبوا الجدران على عمق 2سم من الطرفين. بعدها.. كيف أدخلوا الحبال في الشقوق. كيف سمحت الشرطة العسرية بذلك. من أين لهم الجرأة في طلب كهذا. عمل يتميزبتقنية عالية وجودة وخبرة عالية. صنعت في مكان لا يسمح بأستخدام أي وسيلة حديثة من وسائل العصركالحديد أو الخشب.
هذه الشباك صنعت من أجل وضع الثياب والحاجات الأساسية عليها. على خطين متوازيين. على طول الجدار. عمل يحتاج إلى نفس طويل. صبروشغل حرفي عالي.
آه.. ما أذكى الانسان. دائما يستنبط الوسائل والأساليب التي تساعده على تكييف الواقع الصعب لشروط عيشه. حتى لو كان قاسياً وهداماً.
في صدرالمهجع مدخل إلى الحمام والمراحيض.
لقد صنع الذين قبلنا كل شيء من أكياس النايلون/ أكياس الخبز/ التي تجلب كل صباح.
عند توزيع الطعام. مرق أو بعض اللحم مع العظم. إذا وجد. يخرجون العظام. يحفونها على الجدران بهدوء وصمت. يحاولوا ان يختاروا عظمة صغيرة لها ثقب صغير. بعد أخراج الخبزمن الكيس. يقطع الكيس على شكل شرائح بعرض 2ـ 3 سم ثم يمط إلى الأمام. تجدل هذه الشريحة إلى أن يتحول إلى خيط متين وقوي. يدخلوا هذه الخيطان في الأبر المصنوعة من العظام ثم يخيطون بها كل حاجاتهم الأساسية كالجوارب أو ترقيع الثياب.
من هذا الخيط. صنعت الحبال والشبالك. كما أجرى بعض الأطباء الجراحون السجناء. الكثير من العمليات الجراحية لأخوتهم من السجناء. كالزائدة الدودية أوغيرها.
يقف أحدهم. يمسك المريض من يديه. بينما الأخريمسكه من قدميه. يعمل رجل واقف قرب رأسه على الأمساك بخرقة أوقطعة قماش. يضعها في فمه. حتى إذا أشتد الألم عليه أثناء أجراء العملية. يضغط على القماش. حتى لا يكسر أسنانه. مع شد من سجين أخرعلى فمه حتى لا يصرخ أويصدر صوتاً ينبه الحراس. حتى لا يتحرك السجانون من مكمنهم. حتى تبقى الكرهيه في قلوبهم ولا تخرج إلى ساحة الفعل. ثم حتى لا يكتشفون هذا الوضع.
يتم تعقيم الجروح بعد العملية بالدهون والشحون الحيوانية القادمة مع الطعام.
بهذه الطريقة صنعوا الكثير من الأشياء المفيدة والضرورية لحياتهم الطويلة في السجن التي تمتد إلى العشرات من السنين.
خزان الماء من النايلون. طوله متران وعرضه متران وأرتفاعه متر.
الفتحات التي يخرج منها الماء من السرنكات/ الحقنات المربوطة بالابر/ الأبرة تخرج من الحقنة ولا تعطى للسجناء وخاصة في المراحل الأولى من السجن في بداية الثمانينيات وحتى بداية التسعينيات/. التي تعطى للمرضى/ وكلها مربوطة بالجدران.
يملئ الماء في الحوض وقت مجيئه. الحوض يتسع تقريباً إلى المئتان أو الثلاثمائة ليترمن الماء. يعمل على تلبية حاجة المئات من السجناء. وقت أنقطاع الماء في هذه البادية المعزولة عن العالم.
وضعنا حقائبا على الشباك. وقفنا جانباً. نتقي البرد والماء المملؤء على الارض.
بقينا أحد عشرفرداً في هذا الدهليزالكبير. أين ذهب رفاقنا. أين البقية. سؤال لا يمكن أن نطرحه على أحد.
هنا الغربة القاتلة والعزلة على أشدها.
هنا تتجسد ثقافة الموت البطيء والفراغ عبرعزلة خانقة عن العالم.
فقدنا أتصالنا بالعالم الخارجي بالكامل.
لا يوجد راديو. لا متابعة للتطورات العالمية. لا توجد كتب أو أقلام أو دفاتر. لا موسيقة أو صوت شجي. استبدلوا صوت فيروز بصوت العسكر والضرب والشتائم. لا زيارات ولا ضحك. الكلام ممنوع. البكاء والحنين واليأس ممنوع. يتبعها توتروحشي قاتل. توتريعصرالقلب. يحرق الأعصاب والأوردة.
لم نكن نعرف ماذا نفعل.
الباب الحديدي. كبيرومطلي هو الأخرباللون الأسود الفاحم. يقف في وجوهنا. كتلة صماء خرساء موجعة. مجرد أن ننظر إليه نحس بطوفان الكآبة. طوفان يحلق حول العين. يجعل الأسى يكبروينمو بأضطراد إلى أن يصل إلى مرحلة القرف من الحياة ومن هذا العالم.
في سجن تدمر. يحس الإنسان نفسه مثل /أهل الكهف/. لغياب صور الحياة.. حركة الأحياء. الواقع اليومي للبشروالكائنات الحية الأخرى.
خمسة أعوام هنا في هذا المكان.
لكم تمنيت أن أرى زهرة.. أو وردة برية. وجه امرأة أو قرد. طغيان الصمت والسكون المترافق مع الأرهاب اليومي المنظم. يجعل أقوى أنسان على سطح الأرض ينهارمن تلقاء ذاته. العزلة وحدها في هذا المكان الصامت. كافي لأن يميت الانسان من الكمد والهم. الخوف عامل مكمل وخاطف لحرق الأعصاب والقلب.
عرفت زمني وقدري في هذا الطوفان الجارف من السوداوية المرة. أعيش على ألحان قديمة ونغمات طافحة من دون أمل.
حافظ الأسد.. هذا الوحش. الذي يعتقد أن الطقم الجميل وربطة العنق الأنيقة المستوردة ستجعله رجلاً متحضراً وعصرياً.
دعم النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لهذا البدوي القادم من الجبل. جعلته يكشر.. ويكشف عن أنيابه الخفية. أنفرد بنا من خلال سلطة داشرة. لاحدود لهيجانها. أوأيقاف آلتها الحمقاء الصماء.
المعادلة الدولية كانت جزء مهم وراء إحجامنا ونكوصنا وقبولنا بالأمر الواقع.
أننا عزل. الزمن ليس معنا. إنه علينا. زمننا وعر وقاسي. موجاته قوية وعاتية.
عندما يحل الخوف. عندما يصل إلى درجة الرعب. ينسى الإنسان أحزانه وهمومه الخاصة. يبدأ بالتركيزعلى مسألة البقاء على قيد الحياة.

طاحونة القمع. طاحونة تسحق كل من يقف أمامها أو في مؤخرتها أو على الجانبين. طاحونة تأكل الأخضرواليابس. مثل الجراد الصحراوي. الذي يسحق كل لون له بهجة الحياة. جراد شامل. يأتي على كل شيء. يشمل كل الموجودات. كل المخلوقات. القمع يطمس كل معالم الخير والجمال والحب.
رافقنا العسكرطوال الوقت من الجانبين والمقدمة والمؤخرة.
أخذ اللون الأسود يطول ويطول. كلما طال الوقت. صارجسدي أقل قدرة على حملي. وأزداد خفوتاً. تألمت لوضعنا وأنتابني اليأس والحسرة لهذه التعاسة التي تحاصرنا.
كانت رياح كانون تزمجر. تدفع هبوبها إلى داخل المهجع. ترتج الجدران. تهتز. يرفقها ثقل صوتي محسوس وعاتي. رائحة الهواء البارد المندفع من الخارج. يرفقها ليل أسود. إحساس بالخطر. من أن تنشق الأرض. ويخرج منها بخار حارق مع المغما من الأعماق.
رحت أتجول داخل التعاسة والتمزق. يشغلني التوجس والانزواء.
يا إلهي! يا وجعي الوجع. ما هذا الذي نحن فيه وعليه.
كانت السماء تمطر.
راح ماء المطر يتسلل عبرالفتحات الكبيرة التي في السقف إلى داخل المهجع. رحنا نبتعد.. ننزوي. إلى أن صرنا إلى جوار الباب. تتجمع المياه. تستقرفي الساحة المنخفضة القريبة من الباب. المكان داشرومفتوح على الريح والهواء والمطروالزمهريروالصمت. ماذا نفعل ومن أين نبدأ. رحنا نصرخ من أجل أن يأتي أحدهم لمساعدتنا. رحنا نتساءل:
ـ هل يمكن يتركوننا في هذا الوكرالوعرلوحدنا. دون أن يقدموا لنا الطعام والفراش ومكانس من أجل جرف وشطف الماء. كيف يمكن أن نمنع دخول المطرإلى الداخل. العتمة زنرت كل الأطراف. لم نعد نعرف إلى أين نذهب وماذا نفعل.
أين سننام في هذا الدهليزالكبير.. كيف نتدفأ. سيحتاج كل واحد منا إلى خمسة لحف وفرش ووسائد تقيه من هذا البرد الداخل إلى المهجع من كل الأطراف.
القدر دفعنا لطلب المساعدة من الجلاد.
طفقنا ننطوي على بعضنا في زاوية كامدة. ضوء الليل ينزلق بغتة. ينتشرمنفصلاً عنا. يبتلع كل من يقف في طريقه. تيارجارف من التعب والقلق والألم يدخل إلى أعماقنا.
تتلاحق الدقائق والثوان كأنها دهر. تدور أفكارنا وتصب في صور بعيدة. لتنساب كشعور أخذ بالاندثار. مغلولاً في قيود. مشلول التأثيرعلى مجرى الأحداث. نخوض في الاوحال العميقة متعثري الخطا.
فتح الباب بغتة. صاح أحدهم بلهجة أمرة وقوية:
ـ ليخرج أثنان منكم. من أجل إدخال الفوارغ والمكانس.
خرج محمد خير خلف أولاً ثم تبعته. قال لي:
ـ يا أبن القحبة.. يا أبن الشرموطة أدخل الفوراغ. عندما هممت بأدخال الفوراغ. رفسني رفسة قوية حين دخلت.. كدت أقع. أدخلت طشت كبير. فيه لبن ولحم مع عظم وتفاح. بقي محمد خير بينهم. أنفردوا به. سمعنا صوت الصفع على الوجه مع لكم وضرب. قالوا له:
ـ وطي رأسك يا أبن الزنى. وطي رأسك يا أبن.. شتائم لا تعد ولا تحصى. وطي رأسك عندما تتكلم مع أسيادك. وطي رأسك يا ذليل. كان الضرب مبرحاً. لقد تناولوه ضرباً. على الرأس والظهروالوجه مع شتائم لا يمكن أن يتعلمها الانسان إلا في قصورالديكتاتور.
دخل محمد خيرخلف متورماً. قال:
ـ ما هذا. ضرب يصل إلى درجة الجنون.
هذا الجنون سيستهلك كل طاقة لنا على البقاء أحياء.
أعطونا المكانس والطشوت. لكل واحد لحاف وبطانيتان وعازل. البطانيتان قديمتان ومهترئتان.
عندما أغلقوا الباب. سمعنا صوتاً يتكلم من أعلى السقف. رفعنا رؤوسنا. صرخ الشرطي من على السطح بأعلى صوته. وطي رأسك يا أبن القحبة.. يا أبن الشرموطة.. عندما تتكلم. ليبقى رأسك ملازماً للأرض. لا ترفعه على الاطلاق.
كان الظلام دامساً. كيف عنّ له أننا نرأه. هو الأخرلم يوفر شتيمة لم يقلها. صرنا محاصرون. من الباب والسطح.. الطقس البارد والظلام.. الشتائم والضرب. إذاً نحن مهددون في جذورنا. كيف يمكن أن تصمد أجسادنا وأرواحنا. كيف نستطيع أن نقف على أقدامنا. من أين لنا القدرة على التحمل. وفي كل يوم نفقد قدركبيرمن الطاقة والإحساس بالأمان.
راحوا يشربوّنا الذل جرعة وراء جرعة.
قال الشرطي الذي على السطح:
ـ جهز شرشف. أفتحه. أفتحه بسرعة يا أبن القحبة.. يا أبن.. وهكذا. ركضنا بسرعة. فتحنا أحد الشراشف التي جلبها أحدنا معه. رمى الشرطي لمبة صغيرة على الشرشف. عاد للقول:
ـ ليصعد أحدكم على كتف الأخر. ليصعد حتى يصل إلى اللمبة ويضعها في السوكة. عملنا حلقة دائرية من خمسة أفراد. تبعها حلقة أخرى من ثلاثة أفراد. بعدها حلقة من فردين. صعد عمار رزق إلى الأعلى ووضع اللمبة في السوكة.
يتبع
آرام كربيت
-------------------------------------------------------------

نحن السوريون، هل يمكننا التفاؤل
فلورنس غزلان

نعيش تحت وطأة الاستبداد منذ أربعة عقود، تحت نير قانون الطواريء منذ ما ينيف على ذلك، في ظروف اقتصادية مريعة تزداد صعوبة وتضيق آفاق منافذها على المواطن يوماً بعد يوم ، يتفشى الفساد في كل مظاهر الحياة ومعالم التواصل المجتمعي والاقتصادي والإداري لدرجة أصبحت فيها قوانين هذا الفساد وقوانين صانعيه والقائمين عليه قيماً بحد ذاتها تسيطر على العقلية وتنخر عالم الشباب والاقتصاد معاً ، أما عالم الثقافة والتثقيف ...سواء داخل الأطر المجتمعية أو السلطوية من مدارس وجامعات ومعاهد ومراكز ...ودور نشر ومكاتب ومتاحف وسينما ومسرح وفن وموسيقى...كله يسير بسرعة الصاروخ نحو الانحدار والانزلاق في متاهات تزداد حيالها سعة الهوة وعمق المسافة بين الوعي والنضج والقدرة على التقدير والاستيعاب والتطور ، وبالتالي انعدام إمكانية اللحاق بركب عالم التطور والحداثة العالمية...وكي نتمكن من الحلم والأمل ، بأن الغد يحمل في طياته أفقا للخلاص من نفق الظلام الذي نغرق فيه ونزداد اختناقاً...أما عالم المبادرة الفردية فتبقى عاجزة ضمن المعطيات والأوضاع السياسية المتحكمة بالبلاد وما تمارسه على المواطن من تضييق وتسخير لكل طاقاتها وأجهزتها من أجل استمرار الحرمان ومنع حتى الخيارات الفردية..إن استطاعت إلى ذلك سبيلا .لماذا هذا الشعور بالإحباط ؟ ولماذا هذا الشعور بانسداد الطرق ..؟ ..وهل يعني أن مصيرنا المحتوم هو الموت البطيء ، أو الفوضى والخراب؟...أم هناك شعاع من نور يمكننا التقاطه والتشبث بحبله ليكون طوق نجاتنا؟، ثم ما هي المظاهر التي تدعو للإحباط أو تبعث على اليأس أحيانا...إن لم يكن غالباً؟ ...* استطاع الشعب السوري ، أن ينجو من ثمانينات القرن الفائت بأعجوبة ..استطاع أن يخرج وفيه بعض الحياة...استطاع أن يعيش...لكنها حياة فيها الكثير من سمات الوفاة ( الكلينيكية) ـــ إن صح التعبيرــ وتحلى حتى الآن بصبر أيوب، وانتظر مرور العواصف وقد تعددت أنواعها السياسية والاقتصادية ...والاجتماعية وبتواطؤ عربي وعالمي .*استطاعت السلطة منذ تلك الفترة تدجينه وتجييش الكثير من شبابه وأحزابه... بعد استخدامها كل تقنيات الحداثة القمعية والإرهابية المستخدمة يوميا من خلال الأجهزة الأمنية لمحاربة المواطن ومحيطه لو خطر له السير عكس اتجاه الريح السلطوية ، أو تصور أنه فعلا ( مواطن لا فرد من أفراد الرعية)، فمارس حقه واعتقد أن القانون السوري يصون له هذا الحق!، أو أن قوانين الكون المعترف والمصادق عليها من دولته تصون له حقه الإنساني، وأن الحياة العامة شأنه ويتعلق مصيره ومصير أبنائه ووطنه حيال دوره الفاعل فيها. لكن عندما دفع الثمن غالياً ...أيقن أن الصمت طريقه الوحيد لإعلان الرفض والحفاظ على الحياة...أو أن يدير ظهره لهذه الحياة العامة ويرضى بالتهميش والإقصاء ولو ظاهريا...مع احتفاظه بالأمل وتسلحه فيه* اعتقد الكثيرون، بعد خطاب القسم للرئاسة الأولى ، وتسلم الشباب دور المسؤولية، أن تسلحه بالأمل لم يكن عبثا!، وأن آفاق الغد يمكنها أن تفتح ذراعيها من جديد لهذا الوطنفخرجت الأحزاب المقموعة والمدماة من سراديب التخفي ...واعتقدت أقلام وأصوات بعض المثقفين أن دمشق ستتخلى عن كبوتها...وعن خريفها وبؤسها الطويل، وستعود لارتداء حلتها الربيعية الياسمينية من جديد!..علما أن بعض بوادر الانفراج خرجت من قبعة حواة الاستبداد ..وأرخت الحبل لتسهل مهمة سلاسة التوريث...فاختلط الأمر على بعض الرؤوس السياسية ففركت عينيها واستيقظت تعد عدتها لنشاط فوق الأرض.. أوقدت شموع معرفتها وشحذت ما تبقى لها من قوة وراحت تجمع شتاتها بعد موت استمر ثلاثة عقود...ورغم ماعاشته من ظلم واجتثاث وتشتيت وتقطيع...ورغم ما تعانيه هي في الأصل من ضعف يحتاج لإعادة تأهيل...لكنها تسلحت بروح التسامح من أجل الوطن ومدت يدها لقاتليها البارحة، واقترحت مصالحة وطنية....صمت آذان السلطة حيالها...* لكن السلطة الجديدة بحلتها الشبابية القديمة بميراثها وتقليدها وخوفها من المواطن وانعدام ثقتها به وبما يصدر عنه وعن مثقفيه وأحزاب معارضته ــ رغم اعترافها لهذه المعارضة بأنها ( معارضة شريفة ووطنية ) ــ لكن الاعتراف من أجل التباهي بالحرية والديمقراطية شيء وتطبيقه على أرض الواقع شيء آخر،فالسلطة عندما تمكنت وتمركزت وثبتت أقدامها بعد مرور عاصفة ال 2005 بسلام وخروجها من نفق الخضخضة وعودة قوتها أكبر حتى بعد خروج الورقة اللبنانية من يدها، لكنها ما تزال تشك حتى بنفسها وبقوتها وقدرتها على الثبات، لماذا؟ ...رغم أن كل خيوط القوة الداخلية بيدها ، فإنها لا تستطيع حتى أن تتصور في الخيال، أنه يمكن لقوى المعارضة أن تكسب بعض الأوراق والأصوات هنا وهناك..تريد أن تظل السيد كامل السلطة والسيادة والقيادة والريادة مئة بالمئة...دون حسيب أو حساب ، دون رقيب أو مسائل، دون نقابة أو اتحاد لا تصب جميعها ولا تصفق للنظام، دون تنظيم أو جمعية نسوية أو شبابية لا تعتمد الحزب قائدا وتمتنع عن التطرق والتلفظ لغير هذه القيادة والسيادة ...لأنها قبل كل شيء وبعد كل شيء :ـــــ.........هي الوطن، والوطن هي....................هي مصدر الوطنية وصاحبة الحق في إصدار بطاقات الوطنية والتخوين....ومن لا يعجبه ليشرب من البحر...كيف يمكن لمن راهنوا على إمكانية التغير والتبدل من خلال النظام القائم أن يقتنعوا بمثل هذه الإمكانية، طالما أن ميراث الديكتاتورية المفرطة في عنفها واستبدادها وقمعها لكل رأي مغاير وكل حركة ونشاط خارج إطار السلطة، والتي عرفت سجونها أنوعاً من التعذيب والقتل والقهر الإنساني لم يشهد له التاريخ مثيلاً ، تشيب له نواصي السامع والقاريء فما بالك بالناجي وذائق الموت أو فاقد أحد الأبناء؟، كيف يمكن لصاحب ميراث بهذا الحجم والكم الهائل من تراكمات الخوف من الآخر ومن الانفتاح باتجاهه أو محاولة تحسين وتلميع صورة الأمس، إنها بنظره لو تمت تعني مسخاً لصورة السيادة المطلقة عن طريق البطش واثبات الهيبة والقدرة على القمع والقوة والسيطرة ومنع التنفس وحصد اللغة وتخوين مفرداتها لمن يستخدمها خارج خطاب السلطة؟.كيف يمكن لطواقم السلطة ، التي تعودت استخدام العنف ولغة احتقار الآخر وتثقفت وتسلحت بالحقد الأعمى على كل مختلف معتبرة الوطن بقرتها الحلوب خاصتها وحدها وحزبها القائد وأبناءه الموالين، كيف يمكن لمثل هذه الثقافة وعمرها عقود أن نغسل درنها وآثارها من أدمغة لا تعرف سواها؟ كيف يمكن الاستشفاء من نفسية جماعية صورت الوطن مزرعة لذوي السيادة والقيادة ومنحتهم صورة الممانعة والصمود بوجه المشاريع الغربية التي تريد القضاء على الوطن ( هي ) وتحاصر أحلام المواطن بالحرية والتحرير ؟ ، بل اعتنقت إسلاما جديداً وارتدت ثوب الحامي والمناصر والمدافع عن صورة الله على الأرض، كما أدارت ظهرها لحلفاء الأمس القريب عربياً وأعملت فيه تقطيعا واتهاما وتخوينا وأعطت لذاتها صورة المنقذ الذي لا يساوم...مشككة بمساعيهم ومآربهم التي لم تكن بعيدة عن مآربها البارحة!...لكنها اليوم تصب في مآرب إقليمية مختلفة الموازين والمواثيق...لأن غاياتها تصب في مصلحة ممانعة جديدة الحلةمقاومة ومناطحة ومقاتلة في صفوف القول لا العمل...كما اتخذت مساراً سياسياً عالميا جديدا أيضا من خلال مناصرتها لحركات تعمل على تشغيلها وتحريك خيوطها عندما تريد المساومة أو العناد من أجل الاصطياد وكسب بعض المغانم...وتوظف هذا الدعم والمناصرة في أطر الصلابة والصمود وأهداف الأمة القومية!. وباعتقادي أن هذه الوسائل لم تعد تنطلي على أحد.هل يمكن لمثل هذا الخطاب وهذه الثقافة السياسية أن تغير وتتغير؟ هل نستطيع البناء على ما نراه ونلمس نتائجه ؟ والتحالف مع من يرفض حتى الاعتراف بوجودك وبوطنيتك؟ أو يقبل تقاسم الوطن معك مهما كانت حصتك منه ضعيفة واهنة لا تؤثر بمكاسبه ومناصبه؟أنستطيع بعد هذا المراهنة على التغير التدريجي من خلال الواقع المر؟ أليس الأجدى أن نبحث عن حلول أخرى، ونعيد النظر بما نحن عليه؟... النظام يخشى المعارضة على ضعفها...والمعارضة تخشى النظام وتنكمش وتتقلص وتناور متسلحة بخطاب الأمس ..ومتشبثة بتراث مدارسها القديمة ...مبتعدة عن المواطن وهمومه...غارقة في محاربة بعضها متنافسة بينها على محاولات سحب البساط من تحت أطرافها بدلا من سحب البساط من تحت النظام!...متصارعة على لم الشتات الماضي في بوتقة جديدة لكنها تنصهر في محلول الماضي وخطابه العقيم ...متشبثة بخرافتها في قراءة الواقع ...وهي العاجزة عن قراءة ما يريده المواطن السوري ، والعاجزة عن فهم حياته ومعاشه وغارقة في التنظير له وقد سئمها وابتعد عنها كما سئم النظام....فكيف السبيل لتقليص المسافة؟...إعادة النظر بالنفس والخطاب وحتى بالعناصر المهترئة وتجديد الثوب بكل ما تعني أطر التجديد ...التجديد داخليا ومضمونا ...الدخول في قلب المواطن وعقله وتبني هم معيشته وحياته وجوعه وسقمه...ومن ثم الالتفات للحرية والديمقراطية ... لن يأتي المواطن للمعارضة...هي من يجب أن يذهب إليه....يفكر به وبحياته يتبنى همه اليومي المعاشي وهمه الوطني ...لقد فقد المواطن الثقة بمحيطه وبمن يتحدث باسمه...استعادة الثقة تعني المصداقية في تبني همومه الاقتصادية ثم السياسية... على من تقع المسؤولية؟ وكيف السبيل للمراهنة وعلى من؟ ، هل نستطيع الاستمرار في الحلم؟ وإلى متى؟ من سيخرج الزير من البير؟ كلها أسئلة تطرح على المعارضة السورية...أو المعارضات ..عفوا...ومن يجد ويحسن الجواب عليها سألحق بركبه.

------------------------------------------------------------

حذار من تجربة غزّة ... الاستحقاق الرئاسي في لبنان وأهميته
سمير فرنجية الحياة - 24/10/07//
يشكل الاستحقاق الرئاسي محطة مفصلية في الأزمة التي يعاني منها لبنان منذ 32 سنة:
- فإما أن يكون مدخلاً لاستكمال معركة الاستقلال من خلال تــــوليد سلطة وطنية جديدة تنقل البلاد من حالة التصارع بين مكوناتها الطائفية الى حالة سلام أهلي دائم، وتالياً تفتح آفاقا جديدة للخروج من نفق الحروب المتواصلة وإعادة وصل لبنان بالعالم وبناء دولة حديثة قادرة على حماية اللبنانيين وتأمين شروط العيش الكريم للجميع،
- وإما أن يأتي هذا الاستحقاق ليعيد الأوضاع الى ما كانت عليه في زمن الهيمنة السورية، فيحول الدولة مجدداً الى دولة تابعة تتحكم بها مصالح واستراتيجيات لا علاقة للبنانيين في تحديدها ولا خيار لهم سوى دفع كلفتها. وأمام اللبنانيين تجربة حديثة العمر تشكل نموذجاً لما ينتظرهم في حال نجحت سورية في منع اجراء الانتخابات، وهي تجربة حركة «حماس»، الشريك الفلسطيني في المحور السوري-الايراني، التي حوّلت غزة الى إمارة متخلفة تديرها محاكم التفتيش.
كذلك يشكل هذا الاستحقاق لحظة الحقيقة بالنسبة الى المسيحيين في لبنان:
- فإما أن يكرس خروجهم النهائي من السلطة بعدما جرت مصادرة مركز الرئاسة الأولى طيلة فترة الوصاية السورية وحتى اليوم.
- وإما أن يعيد لهم دورهم في لبنان والمنطقة: ذلك أن رئيس الجمهورية لا يرمز فقط الى المشاركة المسيحية في السلطة في لبنان، بل هو يرمز أيضاً الى حقيقة التنوع والتعدد التي يتميز بها العالم العربي، والى مشاركة المسيحيين العرب مع إخوانهم المسلمين العرب في تحديد مصيرهم المشترك.
ولا تقتصر أهمية هذا الاستحقاق فقط على لبنان. فهو يشكل في هذا الظرف بالذات محطة مهمة في التحول الجاري في العالم العربي حيث بدأت ترتسم معالم نظام إقليمي عربي جديد بعيداً من الديماغوجيا، يميز نفسه عن مشروعين كثر الحديث عنهما في الآونة الأخيرة: «الشرق الأوسط الديموقراطي» بقيادة الولايات المتحدة و»الشرق الأوسط الاسلامي الجديد» بقيادة ايران، مذكّراً بأن هذا الشرق الذي يتصارعان على هويته انما هو عربي في عنوانه الأول.
لقد كان للبنان دور مهم في هذا التحول التاريخي. فهو أعطى في الرابع عشر من آذار مثالاً حضارياً في التغيير الديموقراطي والسلمي. وكان سباقاً في التحولات التي بدأت تظهر في العالم العربي باتجاه نهضة جديدة تقوم على رفض اختزال العروبة وتحويلها الى مجرد أداة بيد العسكر تستخدمها دول عربية للتدخل في شؤون دول عربية أخرى والهيمنة عليها، واعتبار العروبة، وفق ما جاء في اعلان الرياض الذي صدر في ختام القمة العربية الأخيرة، «رابطة ثقافية» و»إطارا حضاريا مشتركا قائما على القيم الروحية والأخلاقية والانسانية، يثريه التنوع والتعدد والانفتاح على الثقافات الانسانية الأخرى ومواكبة التطورات العلمية والتقنية المتسارعة...»، مع التــــأكيد على ضرورة «نشر ثقافة الاعتدال والتسامح والحوار والانفتاح، ورفض كل أشكال الإرهاب والغلو والتطرف»، واعتماد «خيار السلام العادل والشامل باعتباره خياراً استراتيجياً للأمة العربية».
إن عدم اجراء الانتخابات الرئاسية يهدد هذا الدور اللبناني ويشكل تالياً انتكاسة خطيرة للمسعى الهادف الى استرجاع قدرة العرب على مواكبة العصر والتــــأثير في النظام العالمي الجديد الذي لا يزال قيد التأسيس.
يشكل أيضاً هذا الاستحقاق محطة مهمة بالنسبة للعالم أجمع، لأن تجـــــربة لــــبنان في العيش المشــــترك تقوم عــــــلى نقـــــيض ما تطرحه ثـــقافات الــــتطرف والإلغاء من جعل الحق والحقيقة حكراً على رؤية معينة، واعتبار الذات خيراً مطلـــــقاً والآخر المختلف شراً مطلقاً. وهي تطرح في المـــــقابل الاعتراف بالآخر في تمايزه وفرادته دون الســــعي الى الغائه او استتباعه، أو أن يُفــــرض عـــــليه انصهار يلغي خصوصيته أو توحّد يخـــــتزل شخصيته ببعد واحد من أبعادها. فثقافة العيش المشترك تنطلق من احترام الحياة في تنوعها وغناها، دون اخضاعها الى تراتبية تفقدها غناها، أكانت هذه التراتبية ثقافية، أو اجتماعية أو عددية، فتفرز الناس أقليات وأكثريات، وترسم في ما بينهم خطوط تماس سرعان ما تؤدي الى التصارع والتصادم.
ودور لبنان في هذا المجال دور مميز في مواجهة نظرية «صدام الحضارات» وتطوير الحوار الاسلامي-المسيحي، وتعميق التفكير حول رسالة الاسلام والمسيحية في العالم المعاصر، ومساهمتهما في حوار الحضارات وتفاعل الثقافات.
إن عدم اجراء الانتخابات الرئاسية يهدد هذا الدور اللبناني ويشكل تالياً انتكاسة خطيرة لكل الساعين الى كبح جماح العنف المستشري في العالم.
وفي مواجهة خطر التعطيل وما ينتج عنه من فراغ يهدد السلم الأهلي، ينبغي على نواب الأمة تحمل مسؤولياتهم الوطنية وانتخاب رئيس جديد لتأمين استمرارية الدولة. كذلك ينبغي عليهم عدم التوقف عند السجال الدائر حول مسألة النصاب. فهو سجال عقيم لأنه لا يوجد دستور في العالم يجيز لفريق سياسي أن يعطل قيام المؤسسات وأن يضرب مبدأ استمرارية الدولة.
ولو كان شرط النصاب قائماً دستورياً، لكان جرى استخدامه في الانتخابات الرئاسية السابقة التي شهد بعضها تنافساً حاداً بين المرشحين. غير أن الاصرار على اجراء الانتخابات لا يعني رفضاً لفكرة التوافق بين الأطراف المتصارعة، بل على عكس ذلك، فإن الحسم في هذا الموضوع هو الذي يفتح الباب أمام البحث عن تسوية بالمعنى النبيل للكلمة.
لقد دعت قوى الرابع عشر من آذار، بعد إقرار المحكمة الدولية، شركاءها في الوطن الى تسوية تاريخية شبيهة بتلك التي أنجزت لحظة الاستقلال الأول في 1943، تسوية تقوم على اقرار مشترك بأمور ثلاثة:
- إقرار بضرورة توحيد انجازين أساسيين في تاريخ لبنان الحديث، انجاز التحرير وانجاز الاستقلال، بدلاً من وضعهما، كما هي الحال اليوم، في مواجهة بعضهما البعض، مما يؤدي الى إضعافهما وتفريغهما من مضمونهما. ففي حين أن التحرير أثبت للعالم العربي أن في الإمكان استعادة الحق الوطني وتحرير الأرض من دون مساومات وتنازلات، أكد الاستقلال للعالم أجمع أن في الامكان إحداث تغيير سلمي وديموقراطي بعيداً من كل أشكال العنف.
- وإقرار باستحالة بناء لبنان عبر تهميش أو استبعاد بعض مكوناته الطائفية، واستحالة بنائه على صورة احدى طوائفه وبشروطها، وعلى حساب ميزاته الحضارية القائمة على الوحدة في التنوع.
- وإقرار باستحالة بناء الدولة على قاعدة تغليب الروابط والمصالح الاقليمية والخارجية على الشراكة الداخلية والعقد الوطني اللذين يجسدهما الدستور.
وشرط هــذه التسوية «العـــــودة الى لبــــنان». وهـــــذا يعني تحديداً العودة الى مــــعنى لبنان القائم على «العـــــيش معـــاً» متساوين في حــــقوقنا والواجـــــبات، ومختلفين في انتماءاتنا الطائفية. هذا «العيش مـــعاً» الذي يربط الطوائف بأواصر المودة والاحترام هو الذي يجعل من المــــجتمع الــــلبناني بيئة نموذجية للتـــــفاعل الانساني. وهذا في زمن بات موضوع «العيش معاً» – لا سيما في ظل المتغيرات الكبرى التي أحـــــدثتها وتحـــدثها العولمة - يــــمثل تحدياً كبيراً على صعيد الانسانية جمعاء.
غير أن هذا الشرط لم يتوفر بعد بسبب اصرار سورية على منع تحقيقه من خلال الضغط الذي تمارسه على الفريق السياسي الشيعي المعارض واقتناع البعض في هذا الفريق بأن استمرار النفوذ السوري في لبنان يشكل ضمانة لطائفته، في حين أن العلاقة مع سورية على هذا النحو، وما نجم عنها من مواقف وتحركات، هي التي عرضت الطائفة الشيعية الى خطر العزل والانعزال في الداخل، وهي التي ساهمت في استحضار «مسألة شيعية» باتت اليوم مطروحة بقوة في الواقع العربي والاسلامي.
لقد حان الوقت لاستخلاص العبر والدروس من تجربة السنتين الماضيتين والتوصل الى تســـــوية مشرفة تقوم على إعطاء الفريق الشيعي المعارض الضمانات لعدم جعل استقلال لبنان محطة لإعادة فرز اللبنانيين بين «غالــــــب» و»مغلوب»، كما حصل في مراحل تاريخية سابقة، وذلك في إطار دولة تضمن حماية الجميع دون تمييز، مقابل فك ارتباطه الإقليمي، الأمني والعسكري.
إن حل الأزمة اللبنانية، في عمق أعماقها، يحتاج الى «تواطؤ أهل البيت اللبناني» مع مصلحتهم الأكيدة.
نائب وكاتب لبناني.
-----------------------------------------------------------------------------------------


ارتدادات زيارة الأسد لتركيا


بدر الدين شنن
1 القفز فوق الأراضي المسلوبةلعبت تكنولوجيا النقل المعاصرة دوراً هاماً في زيارة الرئيس الأسد منذ أيام إلى تركيا ، إذ أنها وفرت عليه حراجة المرور في الأراضي والمدن السورية ، التي احتلتها تركيا حرباً في الحرب العالمية الأولى ، أو بالتواطؤ لاحقاً مع الاستعمار الفرنسي ، وتجنب بذلك المرور في شوارع أي من ا سكندرون وانطاكية وكلز وعنتاب والريحانية وأورفة وفوزي باشا .. تجنب نظرات عيون العرب السوريين الغاضبة .. لأن سلطات " الحزب القائد " حزب " البعث العربي " قد تنازلت عن سورية وعروبة تلك المدن وأهلها ، مقابل صفقة توازنات بقاء إقليمية بائسة . بل ووفرت على الرئيس تجنب حتى الإحساس بالحرج وتداعياته الوجدانية . ولهذا قال قولة الجازم ، أمام رجال الأعمال الأتراك ، أنه شعر في زيارته الأولى إلى تركيا قبل أربع سنوات أنه بين أهله ، أما في زيارته الراهنة فهو يشعر أنه في منزله . ولو أن قوله هذا قد صدر عنه في القاهرة أو الرباط أو الرياض أو صنعاء مثلاً ، لكان ذلك مقبولاً منه ، فكلنا أشقاء ننتمي إلى أمة واحدة سواء كنا من نسل عدنان أو قحطان . أما أن يقوله في تركيا .. مع احترامنا ومحبتنا للشعب التركي كما نحب ونحترم شعوب الأرض قاطبة ، فإنها تحمل دلالتين هامتين ، كل منهما أكثر غرابة من الأخرى . الدلالة الأولى : أن الرجل نسي في لحظة انفعال مصلحي أن تركيا لاتزال تحتل جزءاً عزيزاً من أرضنا الوطنية ، وقفز سياسياً فوق مسؤولية تحريرها وعودتها إلى الوطن الأم . والدلالة الثانية أنه تجاوز أن الذين يتحدث إليهم " رجال الأعمال الأتراك " لايستخدمون ، كما رجال أعمال البلدان الأخرى ، العملة العاطفية في تعاملات " البزنس " الخالية من العواف والوجدانيات ، بل يستدلون على أن من يستخدمها هو قليل المال والخبرة . وفي العودة إلى الوطن ، قفز الأسد أيضاً من أنقرة إلى دمشق فوق الأراضي والمدن السورية السليبة ، حاملاً مشاعر النجاح في " إنجازه التاريخي " مع نظيره التركي عبد الله غول ، في تزامن شبه مطابق لزيارة عشرات آلاف السوريين " الأتراك " إلى ذويهم في سوريا بمناسبة العيد لمدة يوم ونصف اليوم ، دون جوازات سفر ، ثم ولوا عائدين من لدن بعض الأهل في الوطن الأم إلى البعض الآخر من الأهل .. حيث الديار السليبة .. والهوية البديلة .. والآفاق المسدودة . .. المفارقة العصية على الفهم ، كيف مرر الرئيس الأسد موقفه الداعم للحكومة التركية في حربها ضد حزب العمال الكردستاني " الانفصالي " حفاظاً على وحدة التراب التركي .. بينما هو لايحارب .. ولايطالب .. بوحدة التراب السوري .. بعودة الأراضي والمدن السورية المسلوبة ـ التي تتجاوز مساحتها من اسكندرون إلى ماردين المائة ألف كيلو متر مربع ، خلف الحدود التركية . 2بلاغة تغلفها الخيبات" نحن الدول نخطط وأنتم رجال الأعمال تضعون التفاصيل " .. هكذا خاطب الرئيس السوري رجال الأعمال الأتراك ، مقدماً بذلك جدلية السياسة والاقتصاد حسب النهج المقلوب في سوريا . أي أن السياسة أولاً .. والاقتصاد يسير على الخطوط التي ترسمها وتحددها السياسة " القيادة " . متناسياً ، أن ألف باء قوانين تطور المجتمع تقول بتبعية السياسة للاقتصاد .. تبعية الفكرة .. الحركة .. للحاجة وليس العكس . فحاجة العالم المتزايدة للطاقة ولدت ، لدى الساسة الأميركيين الطامعين في بسط سيطرتهم الإمبراطورية ، سياسة السيطرة على أكبر مايمكن من احتياطي النفط في العالم ، وحفزتهم على احتلال العراق ، ووضع اليد على ما يحتويه من كم هائل من الثروة البترولية . وحاجة أميركا لتصريف انتاجها من صناعة التسلح جعلت منها ، مع أسباب إمبريالية توسعية أخرى ، الدولة الأكثر إثارة للتوترات والنزاعات المسلحة في العالم . ورغم أن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة اكتسبت مع تطور المجتمعات والدول أ شكالاً معاصرة مموهة إلى حد ما ، إلاّ أنها بقيت قائمة في جوهها على تقاسم الأدوار فيما بينها دون تعديل ذي شأن . قد يبدو أحياناً أن الاقتصاد يشكل خلفية السياسة خاصة في الأحداث الكبرى ، إلاّ أن من يقرر .. ومن يستفيد من تنفيذ تلك السياسة ، لاسيما في الأحداث الكبرى ، هي الشركات العملاقة العابرة للحدود قبل الحكومات التي لايعدو دورها أداة تنفيذ قرارات ( سياسات ) مجالس إدارات تلك الشركات . وحركة تداول السلطة ( الديمقراطية ) بين الأحزاب السياسية الأساسية في البلدان الرأسمالية ، تدور حول أي منها الأكفأ في خدمة الدوائر الاقتصادية العملاقة أولاً ، ثم تأتي ثانيأ خدمة الهوامش الاقتصادية لبقية المجتمع . تصفيق رجال الأعمال الأتراك لقول الرئيس السوري : أنتم تضعون التفاصيل لقراراتنا السياسية ، كان عملاً خبيثاً ، كان يعني أمراً واحداً : إذن افتح لنا باب الاستثمارات في سوريا ولنا فيما بعد حديث آخر . وقد مرروا له ما ضمره قوله من أن العلاقة الاقتصادية بين سوريا وتركيا ليست بين اقتصادين يحملان فوائد النمو المشترك والتكامل ، وإنما هي علاقة مرتبطة من الجانب السوري بمالك القرار السياسي ، الذي هو النظام ، والاتفاق حول قسمة المصالح هو معه أولاً . ما معناه ، أن الاتفاق الاقتصادي إن لم يخدمنا كنظام نسقطه بقرار سياسي .وإذا كان بالنسبة للنظام السياسة أولاً ، وبالنسبة لرجال الأعمال الأتراك الاقتصاد أولاً ، فإن بلاغة الخطاب المتبادل يعتريها التناقض وتغلفها الخيبات . سيما وأن الضمان لانتقال الرأ سمال من بلد إلى آخر مرهون بضمان الاستقرار ونمو الاقتصاد وحرية الحركة والرأي والخيارات . لكن الرئيس خلص من خطابه لرجال الأعمال الأتراك مطمئناً إلى أنهم قد فهموه جيداً .. !! .. وآملاً أن تصب مزاريب العلاقة السورية التركية الجديدة في خزائن الطبقة الرأ سمالية السورية الحاكمة .. والنائب الاقتصادي الدردري كفيل أن يرتب معهم لاحقاً تفاصيل التفاصيل التي تحقق الآمال المنشودة .. !! ؟ . 3حلم إقليمي مستحيلمن أبرز أهداف زيارة الرئيس الأسد لتركيا ، كان كما أشار في إحدى خطبه " التركية " هو العمل على إقامة تفاهم أو تحالف إقليمي يضم إيران وتركيا وسوريا والعراق . ولعله بنى هذا الهدف على قراءة معطيات ووقائع ملموسة متعلقة بالقيم الجغرافية والسياسية والاقتصادية لهذه البلدان مجتمعة ، فهي تمتد من بحر قزوين إلى البحر الأبيض المتوسط على مساحة تبلغ ما يقارب ثلاثة ملايين ونصف المليون كيلو متر مربع ، ويبلغ عدد سكانها نحو 200 مليون نسمة ، وتمتلك ثروات بترولية كبيرة .. أعظم احتياطي نفط في العالم .. وناتجها الاجمالي السنوي يقدر ب ( ترليون دولار ) ، فضلاً عما تتمع به من قدرات عسكرية لافتة إن على المستوى النوعي أو الكمي . مامعناه أكثر وضوحاً ، أن الرئيس يجري وراء بناء قطب دولي شرق أوسطي ، أ سوة بما يجري في هذا الصدد في شرق آسيا وأوربا وأميركا اللاتينية .بيد أنه ، إذا كان من المسلم به أن التحالف الإيراني السوري منجز منذ عهد الأسد الأب ، فإن ما يعنيه خطاب الحلم الرئاسي السوري هو موجه إلى كل من تركيا والعراق . وعندما يتعين علينا ا سقاط امكانية دخول العراق الآن ولزمن غير معلوم في هذا التحالف لخضوعه للاحتلالات الأجنبية وللتمزقات الاثنية والطائفية ، فإن تركيا تبقى هي الدولة الوحيدة المتاح معها الحوار حول هذا المشروع . وحسب مقومات الوضع التركي المأزوم ، بين الجيش وحزب العدالة والتنمية ، بين العلمانية القومية والنزعات الإسلامية الزاحفة إلى تغيير الهوية التركية الكمالية ، وارتباط تركيا بحلف الأطلسي وعلاقاتها الدبلوماسية القديمة مع إ سرائيل ، وسعيها الدؤوب للإنضمام إلى الاتحاد الأوربي ، وعلاقاتها الاقتصادية التكاملية مع أوربا وأميركا ، فإن الحكومة التركية ، وإن توفرت لديها النوايا الإيجابية ، هي غير قادرة على خوض مثل هذا السجال الدولي الصعب ، أو تفضل العلاقة مع النظام السوري على علاقاتها الاستراتيجية المتينة المزمنة مع الغرب كله . أقصى ما يمكن أن تقيمه تركيا من علاقات مع سوريا الآن ، هو رفع سوية التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي ، ولعب دور مهدئ في اضطرابات المنطقة ، مقابل تنسيق سوري تركي فعال ضد الحراك الكردي " الانفصالي " ، لتقوية ا ستقرارها الداخلي وتعزيز مركزها الإقليمي ، الأمر الذي يرفع من مؤهلاتها للإنضمام إلى الاتحاد الأوربي .. ما معناه هنا .. أن الأتراك يفضلون أن يضعوا رؤوسهم بين الرؤوس الأوربية الأكثر أماناً وحضارة ونفعاً ، من أن يضعوها بين الرؤوس العربية الإيرانية المتناطحة .. المتخلفة .. المتذابحة .وعندما تكون عناصر الحلم الإقليمي بهذا الشكل من التفكك والخصوصية المزرية ، فإن الحلم الإقليمي القطبي الدولي يصبح مستحيلاً ، ويصطف هذا المستحيل إلى جانب ا ستحالة ممارسة دور إقليمي تسلطي في الوسط العربي .. وا ستحالة متابعة سياسة الاستبداد وإقصاء الآخر د ستورياً .. وأمنياً .. وسياسياً .. في الداخل .


------------------------------------------------------------------


ثقافة ومجتمع
شيللر أو إختراع المثالية الألمانية
المثالية فسحة ومنبع إبداع شيلر

يفتح كتاب زافرانسكى مدخلاً الى حياة شيللر وأعماله ، يشجع على قراءة النص الأصلى لكتاباته بعيداً عن الكليشيهات المعروفة والأفكار المسبقة التى تحوم حول هذا الكاتب الألمانى المرموق.
كان مرور 200 عام على وفاة فريدريش شيللر عام 2005 مدعاة لعمليات عديدة ومتنوعة لتقييم ولإعادة تقييم أعماله وأثرها فى المانيا والعالم أجمع. ورويديجر زافرانسكى، وهو الذى أثبت فى كتاباته الأولى أن السيرة يجب وأن تُقرأ فى سياقاتها الحضارية وفى سياقات تاريخ الفلسفة، يعود فيقدم لنا فى سيرة شيللر كتاباً أبعد من أن يكون مجرد وصف حياة كاتب عبقرى. فبينما هويربط بين أعمال شيللر وبين الظروف التاريخية والإجتماعية المصاحبة لنشأتها، يفتح أمام أعيننا بانوراما شاملة لنهاية القرن الثامن عشر فى لغة مشوقة عالية المستوى. ويرجع الفضل فى ذلك بالدرجة الأولى الى ابتعاده عن أسلوب الكتابة الأكاديمية لتاريخ الأدب. وتتيح تحليلاته لأعمال شيللر، والتى يسبقها دائماً عرض شامل، تتيح حتى للفراء الذين يجهلون أعمال شيللر متابعة مدى أهمية مسرحيات شيللر وتأثيرها الى جانب كتاباته النظرية على الرأى العام المعاصر له.









نصب شيلر التذكاري في وسط برلين



ويرى زافرانسكى فى شيللر "مخترع المثالية الألمانية" وليس الشاعر القومى الأسطورى، يرى فيه كاتباًً لا يتوقف رغم مشاكل صحية جسيمة عن تحويل طاقته الإبداعية الى مسرحيات ضخمة وقابلة أيضاً للتنفيذً المسرحى والى كتابات نظرية جمالية والى أعمال تاريخية. وينبهر كاتب السيرة بالدرجة الأولى من حماس شيللر واقتناعه أن الإنسان لابد وأن يكون لديه الإمكانية فى تنمية نفسه وقدراته الخاصة وعلى وجه الخصوص تنمية استعداده للحرية. ولهذا السبب يضع زافرانسكى "المثالية الألمانية"، التى كثيرا ما كانت موضعا للسخرية، فى بؤرة تقييمه الناقد لشيللر ويدفع عنه تهمة السذاجة واتخاذ المثالية ذريعة سهلة. المثالية فى مفهوم شيللر تفتح الطريق الى حرية الإنسان والى تحديده لمصيره.
وبينما يصور زافرانسكى طريق حياة شيللر يتيح فى ذات الوقت مجالاً للكتاب الذين أثروا فى شيللر وأثروا عليه بقدر كبير. فمن وصفه للمراحل الجوهرية فى حياة شيللر والتى يربطها المؤلف بمحيط شيللر الفكرى من ناحية وبإنتاجه الأدبى من ناحية أخرى، تكتمل لدينا صورة شاملة متشابكة الأجزاء ومفهومة فى ذات الوقت. يتناول زافرانسكى المألوف مما نعرفه عن شيللر بصورة جديدة. الى جانب ذلك يعرض المؤلف أوجهاً أخرى تجعل المألوف يبدونسبياً، ليثبت أن أسطورة شيللر هى الأخرى حافلة بالمتناقضات. نأخذ مثلاً على ذلك الفترة التى قضاها شيللر فى "مزرعة" الدوق كارل أويجن والتى وصفت وصفاً وافيًاًً بأنها مرحلة عذاب الصبى شيللر. أن تقع فى هذه المرحلة ذاتها أول لقاءات فكرية مع مفكرين وأدباء هامين، وأول خبرات عاطفية خارج حدود الأسرة، وأول تفاعل مع فن المسرح الأوروبى من خلال حياة البلاط الدوقى: كل هذه أوجه هامة فى عرض زافرانسكى للمراحل المختلفة لعمل شيللر الإبداعى ولتكَوُّن نظريته الجمالية.










إحتفاء كبير بمخترع المثالية الألمانية
ولكن زافرانسكى لا يرصد فقط الكتاب المؤثرين آنذاك، ولكنه أيضاً يتتبع فى خطوط واضحة الأفكار الرئيسية للفلسفة الأوروبية والتى تعد

بمثابة الأساس للتطور الفكرى لشيللر وجيله. ويوثق زافرانسكى تفاعل شيللر بهذه الأفكار وظهور أول مسرحياته وما تلاها بالمراسلات المكثفة التى دارت بين شيللر وأصدقائه وأقربائه. ويُدخل زافرانسكى فى كتابه الى جانب الرسائل العديد من الوثائق المعاصرة الأخرى ذات الدلالة وخصوصاً ذكريات ذوى الأهمية ممن زامنوه.
يعرض زافرانسكى بدقة متناهية ودون أن يحيد بصره عما هو جوهرى مراحل حياة شيللر: تمضى المسيرة من شتوتجارت الى مانهايم ثم عن طريق لايبتسيج ودريزدن الى يينا وﭬايمار. يصف النجاح الساحق لأول عرض لمسرحية "اللصوص" فى مانهايم والآمال العريضة التى بناها شيللر على هذا النجاح. ويجيد زافرانسكى تصوير الجانب الإنسانى لشيللر. لذلك فهو لا يبين التطور الذى مر به شيللر كإنسان وكاتب فحسب، ولكنه يشير أيضا الى حزم شيللر الأخلاقى والجمالى كفنان والذى جعله دائما وأبداً ينتصر على شكوكه تجاه نفسه. فإلى جانب انشغال شيللر بكتاباته المسرحية والجمالية الضخمة كان يدير تحرير مجلات أدبية عديدة ليتيح لشباب الكتاب فرصة النشر بينما لم يتوفر له النجاح المادى. وكان لأصدقاءه ومشجعى فنه الفضل فى أنه استطاع رغم ذلك أن يتفرغ تفرغاً شبه كامل للكتابة الأدبية.
يلعب مفهوم الصداقة دوراً هاماً فى حياة شيللر وفكره. ففى مدرسة الدوق كارل ربطته صداقة وثيقة بزميله شارفنشتاين، فضها شيللر لأنه رأى أن زميله لم يحقق المقاييس الرفيعة التى وضعها شيللر لذلك المفهوم. وربطت شيللر بعد ذلك أيضاً صداقات وثيقة ومؤثرة فكرياً برجال وسيدات. كان أهمها وأشهرها بالطبع صداقته بجوته. ازدادت تلك الصداقة وثوقاً فى تسعينات القرن الثامن عشر واستمرت حتى وفاة شيللر فى 1805. ويحتل التبادل الفكرى والعمل المتلازم لهاذين المفكرين الألمانيين المرموقين والذى بنى على التقدير المتبادل والنقد البناء مكانة رئيسية فى عرض زافرانسكى بطبيعة الحال. "كانت سنوات معجزات، تعين المرء على التمسك بالأشياء الهامة حقاً فى الحياة، التمسك بالجوانب الفكرية للحياة."
غلاف كتاب: شيللر أو إختراع المثالية الألمانية يرتكز عمل زافرانسكى على العرض الشامل لشخص وشخصية شيللر، مولياً اهتمامه أفكار شيللر الفلسفية والجمالية. لم يكن فى وسع شيللر قبول رأى كانط فى فصل الرغبة عن الواجب لدى الإنسان، أو بعبارة أخرى فصل الحاجة الحسية عن الأمر المطلق. كان يفتقد عند كانط فكرة حرية الإرادة والتى بوسعها أن توحد وجهتى "الروح الجميلة" فتوفق بذلك بين احتياجات الذات وبين المثل الأخلاقية والجمالية. "كانت الإرادة عند شيللر هى أداة الحرية."
يفتح كتاب زافرانسكى مدخلاً الى حياة شيللر وأعماله ، يشجع على قراءة النص الأصلى لكتاباته بعيداً عن الكليشيهات المعروفة والأفكار المسبقة التى تحوم حول هذا الكاتب الألمانى المرموق. وتتيح هذه السيرة تَذوُّق النصوص الأصلية عن طريق مقتبسات عديدة من الأعمال والرسائل نُسجت بتجانس جعل الكتاب يستغنى تماماً عن الحواشى ويكتفى ببعض التعليقات. وتشجع على مواصلة القراءة أيضا قائمة المراجع المرتبة موضوعياً والتى جاءت الى جانب جدول زمنى مفصل ومراجع المقتبسات وكشاف الأعلام والمؤلفات فى ملحق هذا الكتاب المبهر.
المصدر: www.litrix.de
هايكه فريزل[ترجمة: هدى عيسى]

--------------------------------------------------------------------------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا