التحوّلات في الخطاب الإسلامي تكتيكيّة وتملّقيّة
صادق جلال العظم: أتعامل بمنتهى الحذر مع النزعات الانتصارويّة العربية
أُبيّ حسن*يتناول هذا الحوار مع المفكّر السوري الكبير صادق جلال العظم بعض قضايا الراهن، من خلال الوقوف عند رأيه في حرب تموز 2006 ونتائجها، وكذلك في الخطاب الإسلامي (الإخواني تحديداً). كما يتطرّق إلى مآل العلاقات بين سوريا ولبنان في ظل الوضع الحالي بين الحكومتين، إضافة إلى وقوفنا ملياً عند احتمال حدوث تغيّرات جذرية في المنطقة* * لنبدأ من رأيك الذي أثار جدلاً والتباساً في آن، في حرب تموز 2006 التي شنتها إسرائيل على لبنان. كيف تنظر إلى تلك الحرب بعد مرور أكثر من عام على وقوعها؟- لا شك أن حرب إسرائيل في تموز 2006 كانت على لبنان كله. لكن المعركة الحامية كانت بين حزب الله من جهة، والجيش الإسرائيلي من جهة أخرى.
وما زلت أتمسك برأيي القائل في نتيجة هذه الحرب بأن حزب الله حقق انتصاراً، لكن بلا فوز وبلا ظفر. يجب ألاّ ننسى هنا أن من طبيعة هذا النوع من الحروب أنه إذا لم تربح إسرائيل تكون انهزمت، وإذا لم يخسر حزب الله يكون انتصر. وعلى العموم، لا يؤثر هذا الصنف من الانتصارات في العادة على موازين القوى العامة بين الطرفين بالمعنى الاستراتيجي الأعمق للعبارة، وعلى المدى الأبعد من الزمن.هذا ما حدث، مثلاً، في الانتصار الذي حققته المقاومة الفلسطينية عموماً، وفتح تحديداً، في معركة الكرامة في الأردن في شهر آذار سنة 1968، وما حققته بيروت اللبنانية ـ الفلسطينية المقاتلة في صيف 1982 ـ أثناء حصار بيروت الشهيرـ حيث لم تتمكن القوات الإسرائيلية على مدى 90 يوماً من القتال الضاري من دخول بيروت حرباً.
كان هذا حدث كذلك في انتصار الرئيس جمال عبد الناصر على العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، أي في الحرب الناجمة عن تأميم قناة السويس في ذلك العام. شيء شبيه حدث أيضاً بالنسبة إلى حرب الولايات المتحدة في فيتنام في سبعينيات القرن الماضي، فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة انهزمت في الحرب الفيتنامية لأنها لم تربحها، وعلى الرغم من أن الفيتكونغ انتصروا في تلك الحرب لأنهم لم يخسروها، إلا أن ذلك كله لم يؤثر في موازين القوة العامة بين الطرفين وبين المعسكرين، بدليل أن الولايات المتحدة الأميركية تقدمت لتربح الحرب الباردة بأكملها بعد أقل من ربع قرن من هزيمتها المدوّية في فيتنام.
ألحق حزب الله ضربة موجعة بهيبة إسرائيل الهجومية والردعية، ومسألة الهيبة هذه مهمة جداً بالنسبة إلى دولة مثل إسرائيل، من هنا إحساسها بأن الهزيمة قد لحقت بها. في المقابل أدت الحرب إلى سد الأفق في وجه حزب الله بالنسبة إلى متابعة كفاحه ضد إسرائيل في مناطق وجوده الأهلي والعسكري في جنوب لبنان.لست من أنصار حزب الله إيديولوجياً، ولا يمكنني أن أكون كذلك بحكم تركيبته الطائفية الصافية، وخاصة في زمن عربي أصبح فيه الدين للّه والطائفية للجميع، أما الوطن فحدّث ولا حرج. لم يكن الانتماء ـ بصورة أو أخرى ـ إلى الحركة الوطنية اللبنانية، مثلاً، ومناصرتها بتنوّعها الإيديولوجي والفكري والسياسي والديني ليشكل مشكلة بالنسبة إلي، أما اليوم فلا يمكنني أن أقول الشيء ذاته بالنسبة إلى تنظيم مثل حزب الله.
ولا أعتقد أن رفع الانتصار غير المظفّر الذي حقّقه حزب الله في صيف 2006 إلى السماء السابعة ونسبته إلى آلهة السماء والأرض معاً يخدم، على المدى الأبعد، قضية الوطن الجامع وقضية المواطنة الشاملة للكلّ وقضية الدولة.كما تجعلني عقلانيّتي أتعامل بمنتهى الحذر مع النزعات الانتصارويّة العربية، ولا سيما الرسمية وشبه الرسمية منها، لأنّ أصابعنا وأعصابنا ومعنوياتنا احترقت كلها المرّة تلو الأخرى بسببها.وأكتفي هنا بالإشارة إلى صرخة المقاومة الفلسطينيّة عموماً و«فتح» تحديداً: «إنها لثورة حتى النصر». لذا لا أسمح لعاطفتي أبداً بأن تنساق مع هذه النزعات وديماغوجيّتها، وخاصّة أنّ التلهّف العربي كبير جداً لتلقّي أي إنجاز مهما كان نوعه أو حجمه ورفعه إلى السماء السابعة والمبالغة في تعظيمه، إرواءً لعطش مزمن أدمنّاه لانتصار حقيقي ما. ولأن الانتصاروية العربية استراتيجية وتاريخية وإلهية دوماً، وتتنبّأ بزوال إسرائيل القريب بعد كل انتصار من انتصاراتها، أقوم بحماية نفسي منها بالشك والحذر والنقد والعقلانية الزائدة، وبالعودة دائماً إلى ما أعرفه عن واقع الحال الإنتاجي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي في بلداننا.* هل تعتقد أنّ ما بقي من هذا العام سينطوي على متغيّرات جديّة من شأنها تغيير الوضع في المنطقة؟- الإجابة عن سؤالك تحتاج إلى بعض الخبرة بالتنجيم وقراءة الطالع، لأن الوضع السياسي العربي والدولي، وفي المشرق العربي خاصة، على درجة عالية من التوتر والغليان والسيولة، ما يجعل مسار أحداثه مفتوحاً على احتمالات كثيرة ومتنوعة ومتضاربة تمنع أياً كان من توقع وجهة تطوره. مع ذلك، أقول إني لا أتوقّع أن تطرأ تغيّرات من النوع الكبير والحاسم على الوضع في المشرق العربي خلال الأشهر الباقية من سنة 2007. إنّ أهمّ تطوّر يمكن أن يؤدي إلى تغيّرات جدية في المنطقة يتمثل في قيام الولايات المتحدة بضرب إيران عسكرياً بعد المزيد من إضعافها بتشديد إجراءات الحصار والمقاطعة وما شابه ذلك، وهذا كله يتطلب الكثير من الوقت. كما أن الإقدام على مثل هذه الخطوة يحتاج إلى إعداد وتحضير سياسي ودبلوماسي وإعلامي وقانوني ودولي على درجة عالية من الكثافة، وهذا لم يتوافر للولايات المتحدة بعد.أما بالنسبة إلى التوتر الحالي بين سوريا وإسرائيل، فلا أتوقع أن يتجاوز مستوى تصعيده، في الأشهر الباقية من السنة الحالية، الذروة التي بلغها بعد اختراق الطائرات الإسرائيلية لحرمة الأجواء السورية يوم الخميس 6 أيلول 2007، وإن ردّت سوريا، بصورة من الصور، على الاختراق المذكور.
معروف أنه يتعذر على سوريا الدخول في حرب مفتوحة مع إسرائيل وحدها، حتى لو كانت في موقع الدفاع عن النفس.كما أعتقد بأنّ القيادة السورية ما زالت ملتزمة ما أعلنته عن أن تحقيق السلام مع إسرائيل هو خيارها الاستراتيجي من أجل استعادة هضبة الجولان المحتلة بالكامل.أضف إلى ذلك أنّ المبادرة السعودية ـ العربية للسلام مع إسرائيل ستكون محور الاتصالات والاهتمامات العربية والدولية في الأشهر القليلة المقبلة. من ناحية ثانية، لا أرى بوادر جدية أو إشارات هامة توحي أن إسرائيل تعدّ نفسها لشن حرب شاملة على سوريا في المستقبل القريب.* كيف تتصور خاتمة العلاقات السورية ـ اللبنانية في ظل الأجواء السائدة بين الحكومتين الآن؟ - إن حالة التخبّط والخلط والارتباك والقلق والخوف التي تعصف بلبنان في الوقت الحاضر تستدعي أيضاً بعض المهارات في التنجيم وقراءة الطالع. على المدى الأبعد، أتصوّر عودة المياه إلى مجاريها بين الحكمين، وبغض النظر عن الرموز البشرية الممثلة لكل منهما في تلك اللحظة، نتيجة صفقة ما شبيهة بتلك التي تمت بين جمال عبد الناصر وفؤاد شهاب في أعقاب الميني ـ حرب أهلية التي ضربت لبنان في أواخر خمسينيات القرن الماضي. وكانت سوريا انحازت وقتها إلى الجانب الوطني ضد الجانب الآخر في الحرب الأهلية تلك، قبل تحوّلها إلى إقليم في الجمهورية العربية المتحدة.
بحكم التاريخ والجغرافيا سيبقى لسوريا دوماً مقدار كبير من النفوذ والتأثير في لبنان مهما حدث في البلدين ومهما تبدلت الأحوال حولهما. ويعرف اللبنانيون والسوريون ذلك بالسليقة تقريباً.كما أن القوى الفاعلة في منطقتنا، أكانت عربية أم غير عربية أم دولية، تدرك هذه الحقيقة وتسلّم بها ضمناً، وإن لم تعترف بها صراحة لأسباب لها علاقة بالتكتيك والمصالح المرحلية. ولا بد لأية صفقة من هذا النوع من أن تنطوي على ضمانات للمحافظة على الكيان اللبناني من جهة، ولصيانة الأمن الاستراتيجي لسوريا، من جهة ثانية. كان مثل هذا الترتيب في صلب التفاهم بين عبد الناصر وفؤاد شهاب في ظل ظروف تلك الحقبة وشروطها.أعترف بأني لا أستطيع أن أحتمل فكرة قيام علاقات دبلوماسية وتبادل سفارات بين بيروت ودمشق بأي شكل من الأشكال وأرفضها من كل قلبي. كما أتمنى بكل جوارحي أن تعود تلك الأيام الجميلة، ولكن البعيدة، التي كان فيها السفر من دمشق إلى بيروت أكثر قرباً وسهولة من السفر من دمشق إلى حمص.*
قرأنا لك رأياً إيجابياً في الخطاب الإسلامي، بشكله العام. هل تعتقد بإمكان استمرار الإيجابيات في هذا الخطاب في ظل غياب تجديد المنظومة المعرفية المنتجة له؟
هذه فرصة لتصحيح ما أعتقد أنه سوء فهم لبعض الآراء التي عبرت عنها في مقابلات صحفية مؤخرًا حول الموضوع المذكور.قبل التعبير عن رأي إيجابي أو سلبي في بعض الخطابات الإسلامية الراهنة عملت على رصد ظاهرة التحول التي أخذت تطرأ على هذه الخطابات، ولا سيّما خطاب جماعة الإخوان المسلمين (وما شابهها من جماعات وتجمعات) باعتبارها وزن الثقل في الإسلام السياسي في مجتمعاتنا وتياره العريض. فعلى سبيل المثال، رصدت في هذا الخطاب المستجد تراجع دعوات إعادة الخلافة الإسلامية والتطبيق الفوري للشريعة الإسلامية (أي قانون العقوبات الإسلامي المعروف، وكأن عقوبات الأحكام العرفية وأحوال الطوارئ لا تكفينا!) وإعلانات من نوع القرآن هو دستورنا- على الطريقة الملكية السعودية الرسمية- تم السكوت عن هذا كله وأهمل في الخطاب المذكور لمصلحة الإكثار من الكلام في مقولات المواطنة والحكم المدني وحقوق الإنسان والحريات العامة واستقلال القضاء وفصل السلطات والمساواة بين الرجل والمرأة (لكن مع الكثير من التحفظات وحفظ الفوارق) والدمقراطية وتداول السلطة سلميا أو انتخابياً إلى آخره. لربما فهم البعض من رصدي لهذا التحول وإقراري بواقعة حصوله على أنه رأي إيجابي في الخطاب الإسلامي إياه بسبب الإيجابية التي تحملها وتتمتع بها المقولات المذكورة في حياتنا العامة اليوم، ولربما أيضاً بسبب ملاحظتي أن قوى سياسية أخرى علمانية وليبيرالية ويسارية وقومية وغيرها من خارج إطار تيارات الإسلام السياسي ترحب بوجهة هذا التحول في الخطاب الإسلامي وتتابعه بدقة وتراقبه بإمعان كما ترغب في امتحان مدى جديته في الممارسة العملية وعلى المدى الأبعد.
في ما يتعلّق بي شخصياً، لا أعتقد أن التحول المذكور جدي حقاً أو عميق كثيراً أو حاسم كلياً بالنسبة إلى بنية التيارات الإسلامية في مجتمعاتنا أو بالنسبة إلى عقليتها التقليدية المسيطرة أو بالنسبة إلى حقيقة برامجها السياسية أو بالنسبة إلى طبيعتها النكوصية وإيديولوجيتها القروسطية. كما أعتقد أن هذا التحول في الخطاب المذكور يظل سطحياً- سريعاً، تكتيكياً- مؤقتاً، سياسوياً- مرحلياً، خطابياً- تطمينياً وتملقياً إلى أن يثبت العكس بشكل أو بآخر.مع ذلك هذا لا يعفيني، كمراقب ومتابع ومفكّر، من البحث عن جواب للسؤال: لماذا اضطر الإسلاميون عموماً والإخوان تحديداً إلى إدخال هذا التغيير والتعديل على خطابهم الراهن؟ اعتبارات كثيرة تطرح نفسها، في نظري، عند محاولة الإجابة عن السؤال. هناك أولاً، إخفاق حركات الإسلام السياسي العنيف في تحقيق أي من أهدافها الرئيسية في عدد لا بأس به من البلدان العربية المركزية، ولا سيّما هدف الاستيلاء على السلطة بالديناميت والتفجير والاغتيالات والقتل العشوائي، بما في ذلك الإخفاق الكامل لتجربة حسن الترابي الإسلامية الانقلابية في السودان. هناك ثانياً، الإدراك أن صرخة «الإسلام هو الحل» وأخواتها لم تجد نفعاً في مصر ولا في سوريا ولا في الجزائر ولا في الأردن ولا حتى في العراق حيث كان مفعولها عكسياً من حيث تأجيج الاقتتال الأهلي السني- الشيعي الدموي والاعتداء بالقتل والتدمير على الأديان والطوائف والمذاهب الأخرى هناك.كما ثبت بالتجربة أن رفع لواء الإسلام على النحو المذكور لم يؤد بالتأكيد إلى أي التفاف شعبي كبير أو حقيقي حول رافعي اللواء وحول مطلقي الصرخة بما يحميهم من خصومهم وأعدائهم.هناك ثالثاً، الحقيقة السياسية والاجتماعية الآخذة في فرض نفسها على الجميع، وخلاصتها أن المجتمعات المتنوعة الديانات والطوائف والمذاهب والأعراق والعصبيات والإثنيات، كما هي الحال في بلدان المشرق العربي بصورة عامة، لا يمكن أن تحكم إلاّ مدنياً، ولا يمكن الدولة فيها إلاّ أن تكون علمانية ولو بالحدود الدنيا، لأن أي بديل ديني أو مذهبي أو طائفي أو عصبوي أو إثني يعني المزيد من القهر والقمع والتمرد والاقتتال الداخلي والعنف المسلح والحرب الأهلية.هناك رابعاً، محاولة الإسلام السياسي العربي التقرب من الغرب مجدداً وكسب ثقته على أمل إحياء ما للحلف الوثيق الذي كان قائماً بينه وبين الغرب خلال فترة الحرب الباردة من القرن الماضي بأكملها.هناك خامساً، الأثر السلبي البالغ الذي تركه النموذج الطالباني لمعنى الإسلام ولمعنى حكمه في بلد ما، ولمعنى تطبيقه في حياة الناس العادية واليومية في العالم المعاصر.
هناك سادساً، النموذج التركي الإيجابي الذي آل إليه الإسلام السياسي في تركيا، مع العلم أن النجاح يقلّد دائماً، مع الملاحظة أنه لولا علمانية الدولة التركية وتجربتها الحديثة والتحديثية القوية لما كان النموذج الإسلامي التركي الدستوري والانتخابي والدمقراطي الحالي ممكناً. إنه الابن الشرعي للعلمانية التركية، وللكمالية المؤسِّسة ولنجاحهما ونضجهما معاً والنجاح يقلّد دوماً، كما ذكرت.أما بالنسبة إلى استفسارك عن المنظومة المعرفية الكامنة وراء هذا النوع من الخطاب الإسلامي فلا أعتقد أنها مرشحة لأي تجديد جدي على يد التيار الإخواني، لأن التجديد هنا يتطلب إصلاحاً جذرياً حقيقياً، وأنا ما زلت أرى أن حركة الإخوان المسلمين منذ بدايتها هي إصلاح مضاد بامتياز مع التشديد على «المضاد» في هذا الوصف، أي مضاد للانتشار الواسع الذي حققه الإصلاح الديني الإسلامي التنويري في مرحلة عصر النهضة ومضاد لإلغاء الخلافة الإسلامية سنة 1923 ومضاد للتوجهات العلمانية التي أظهرتها ثورة 1919 الوطنية في مصر. إنهم مصلحون يمشون برؤوس مندارة كلياً إلى الوراء وعيون متعلقة بالماضي السحيق.* في ما يخصّ خطاب إخوان سوريا في الخارج، وعلى الرغم مما يبدونه من مرونة في أدبياتهم، إلا أنهم يحجمون عن الاعتذار للشعب السوري أو شريحة منه. باعتقادك ما السبب في ذلك؟ - سؤالك غير واقعي وفي غير محله، إذ ليس من شيم العمل السياسي العربي الاعتذار أمام الجمهور أو الاعتذار للشعب أو الاعتذار للقاعدة الشعبية أو ما شابه ذلك.
في الواقع العكس هو الصحيح، بمعنى أن من شيم العمل السياسي العربي التستر والإنكار والتبرير والمكابرة وحتى المكابرة بالمحسوس. هل سمعت يوماً بقائد عربي أو بزعيم أو بأمين عام أو بسياسي مرموق أو برئيس أو بحاكم أو بشيخ اعتذر علناً أمام رعيته أو جماعته أو قاعدته الحزبية عن شيء ما ماضياً أو حاضراً في عالمنا العربي؟ بعد حصار بيروت صيف 1982 وخروج منظمة التحرير الفلسطينية منها ومن لبنان، أذكر أني التقيت مجدداً بالقيادي الفلسطيني اليساري ياسر عبد ربه في منزل ممدوح عدوان في دمشق، وأثناء الكلام على ما جرى وما يجري من أحداث، سألت ياسر سؤالاً سياسياً- قيادياً دقيقاً ومحرجاً، فأجابني على الفور بحدة ظاهرة: «نحن دائماً على حق»، واستحال النقاش بعد ذلك.
إجابة ياسر لم تكن مسألة شخصية فقط، بل كانت تعبيراً وتجسيداً في تلك اللحظة لمبدأ عام وصارم يلتزمه الجميع في العمل السياسي والقيادي العربي.بعد الهزيمة الكبرى في حزيران 1967 استقال جمال عبد الناصر من رئاسة الجمهورية والزعامة العربية لأيام معدودات وأقرّ بمسؤوليته عن الانهيار الذي حصل، لكنه لم يعتذر قط. قائد الجيوش المصرية يومها عبد الحكيم عامر فضّل بدوره الانتحار على الاعتذار. لماذا تتوقع، إذاً، من قادة إخوان سوريا أن يسلكوا سلوكاً مختلفاً عما هو مألوف ومعروف بخاصة أنهم حزب ديني إلهي يعتقد أعضاؤه أنهم إن وفقوا في عملهم السياسي فإن التوفيق من الله، وإن أخفقوا فيه فإن الإخفاق من الله أيضاً، أما هم فما عليهم إلاّ المحاولة. عن ماذا يعتذرون إذاً؟ في المقابل عندما طلبنا نحن العرب من رأس الكنيسة الكاثوليكية الاعتذار عن الحروب الصليبية استجاب البابا السابق ولبّى الطلب أثناء زيارته الشهيرة للجامع الأموي في دمشق، واللافت أنه لم يخطر للبابا أن يطلب من المسلمين الاعتذار عن الحروب الجهادية التي شنوها على أوروبا المسيحية وأدت إلى احتلال إسبانيا أولاً وبعدها اليونان ومعظم أوروبا الشرقية من جانب الإمبراطورية العثمانية.إن السلوك الاعتذاري الراقي الذي تطلبه يحتاج إلى مستوى رفيع من الإحساس بالمسؤولية، كما يحتاج إلى شخصية سياسية قيادية من عيار نلسون مانديلاّ، وهذا غير متوافر عندنا في الوقت الحاضر، على أقل تقدير.* (عن صحيفة "الأخبار" اللبنانية)
----------------------------------------------------------------
صعوبة الخيار التركي في شمال العراق (*)
الدكتور عبدالله تركماني
لم يكن الأتراك قد أفاقوا من صدمة أواخر سبتمبر/أيلول الماضي، عندما قتل حزب العمال الكردستاني التركي اثني عشر مدنيا كانوا يستقلون إحدى الحافلات في منطقة جنوب شرق تركيا، حتى صُدموا مرة أخرى بحادثة " شيرناق " يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عندما هاجم مسلحو الحزب قافلة عسكرية أدت إلى مقتل13 جنديا وضابطا تركيا على مقربة من الحدود التركية - العراقية. وكرد فعل على الصدمتين جاءت التهديدات التركية باجتياح شمال العراق لمطاردة أنصار حزب العمال لتضيف أزمة جديدة للعراق، الذي مزقته الحروب والفوضي والاحتلال، في وقت هو في أمس الحاجة للهدوء والتقاط الأنفاس.
وتثير هذه التهديدات مجموعة تساؤلات: هل يكون الخيار العسكري هو الحل الأنسب ؟ وهل ستتحول المواجهة في شمال العراق إلى مواجهة تركية – أمريكية ؟ وهل تركيا جاهزة للدخول في مثل هذه المغامرة التي ستعني مراجعة ملف الشراكة الاستراتيجية الأمريكية - التركية ؟
لقد كرر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عزم بلاده واستعدادها لشن هجوم عسكري على معاقل حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، ومن جانب آخر كشفت مصادر عسكرية تركية أنّ هيئة الأركان قد أعدت خططا عسكرية، لهجوم جوي على معسكرات حزب العمال الكردستاني، وقصف مدفعي، يتبعهما إنزال عسكري محدود في تلك المناطق، بهدف إقامة شريط عازل في شمال العراق بعمق 20 كيلومترا، بهدف التصدي لتسلل عناصر الحزب من شمال العراق إلى تركيا.
ولا شك أنّ أي تدخل عسكري تركي في شمال العراق لن يكون نزهة، بل سيغرق تركيا والأكراد في مستنقع لا يدري أحد نتائجه. فإذا أخذنا الأمور من الزاوية الاقتصادية البحتة، فإنّ كردستان العراق تعتمد اقتصاديا على تركيا، إذ أنّ الصادرات التركية لشمال العراق، وبالذات المواد الغذائية ومواد البناء، ستصل مع نهاية هذا العام، حسب معطيات غرفة تجارة ديار بكر، إلى حوالي 5 مليارات دولار. ومنذ عام 2003 وقّعت شركات البناء التركية عقودا بقيمة ملياري دولار، ومن المتوقع أن تنال الشركات التركية حصة معتبرة من المشاريع التي ستقام في كردستان العراق، خلال السنوات الثلاث المقبلة، والتي تبلغ قيمتها 15 مليار دولار.
ومن جهة أخرى، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية، الحاضنة للتطلعات الكردية، لا تريد تخريب هذا النموذج الكردستاني في الاستقرار من خلال اجتياحات عسكرية تركية، لأنّ هذا العمل من شأنه أن يضعف القيادات الكردية العراقية، وفوق هذا وذاك فتح الأبواب على مصراعيها لانتقال الفوضى إلى الشمال العراقي، الذي ظل مضرب المثل في الأمن والاستقرار والرخاء الاقتصادي.
ومن المرجح أنّ الحكومة التركية ستستمع إلى التحذيرات الأمريكية: أي هجوم تركي على شمال العراق سيوجه ضربة قاصمة للعلاقات التركية - الأمريكية المتوترة أصلا.
إنّ جوهر المشكلة تكمن في وجود شعب محروم من حقوقه الأساسية، ولذلك فإنّ تواجد حزب العمال الكردستاني التركي لا يمكن أن يُحل بالقوة، فالقوة التي استعملتها القوات التركية، طوال ثلاثة عقود، لم تستطع القضاء على الحزب، ولم تجلب الأمن ولا الاستقرار للمنطقة.
ولعل أقوم خيار هو أن تقوم الحكومة التركية بإصدار عفو عام عن جميع مقاتلي حزب العمال الكردستاني، بهدف ضم الحزب المذكور إلى العملية السياسية في تركيا، مع ضرورة الاعتراف بحقوق الشعب الكردي ونبذ سياسة التمييز ضدهم. خاصة أنّ أوساطا ثقافية وسياسية كردية واسعة مقتنعة بأنّ تحالفا مع تركيا قد يشكل الحجر الأساس لأي حل جذري للقضية الكردية في الشرق الأوسط. وفي المنحى ذاته، دأب الأكراد، بمن فيهم أكراد حزب العمال الكردستاني، على إطلاق دعوات متكررة للسلام والتفاوض والحوارات السياسية مع الحكومة التركية.
إنّ تركيا في حاجة إلى تجاوز إرثها العثماني والكمالي في التعامل مع الشعب الكردي، وفي حاجة إلى إدراك حقيقة مفادها أنّ سياستها إزاءه، بل إزاء الديموقراطية في الشرق الأوسط برمته، ستظل متعثرة وناقصة وغير مؤثرة إذا ما واصلت سياسة الشكوك والاحتقان النفسي والتهديدات الفجة حيال الأكراد.
تونس في 14/10/2007 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 18/10/2007.
--------------------------------------------------------------------
قضايا وأحداث 22.10.2007
ارتياح أ
وروبي بعد فوز المعارضة الليبرالية في الانتخابات البولندية
الليبراليون يحتفلون بالفوز، وفي الصور دونالد توسك
عبر رئيس البرلمان الأوروبي بوترينج عن تفاؤله بزوال التوتر في العلاقة بين ألمانيا وبولندا عقب فوز حزب المنبر المدني الليبرالي، المؤيد للاتحاد الأوروبي، في الانتخابات البرلمانية البولندية.
بعدما أظهرت النتائج الأولية للانتخابات التشريعية المبكرة التي أجريت يوم أمس الأحد فوز حزب "المنبر المدني" الليبرالي بأغلبية ساحقة، يستعد الليبراليون البولنديون (يمين الوسط) لتسلم السلطة من التوأمين المحافظين كاتشينسكي، بعد أن حل حزبهما (الحق والعدالة) في المرتبة الثانية.
وفي خطاب إعلان الفوز وجه زعيم المنبر المدني دونالد تاوشك، الشكر للمقترعين الذين "اظهروا لأوروبا بأسرها أن البولنديين بإمكانهم تحمل المسؤولية تجاه بلادهم في أوقات الشدة بطريقة رائعة". ومن جانبه اعترف رئيس الوزراء الحالي ياروسلاف كاتشينسكى بهزيمة حزبه، آملا أن ينجح خصمه في مهمته. وأكد كاتشينسكى أن حزبه سوف ينتقل وسوف يشكل "معارضة قوية" تحاسب على كل الوعود الانتخابية، حسب تعبيره.
ووصف المراقبون هذه الانتخابات بأنها الأهم منذ التحول الديمقراطي، الذي شهدته الدولة الاشتراكية السابقة، حيث شهدت نسبة إقبال غير مسبوقة منذ سقوط النظام الشيوعي عام 1989، إذ بلغت نسبة المشاركة 55.2 بالمائة، وهي الأعلى منذ أول انتخابات برلمانية ديمقراطية كاملة أجريت في بولندا عام 1991.
ويأتي هذا الإقبال في مواجهة الإقبال الضعيف في الانتخابات البرلمانية التي جرت في أيلول/سبتمبر 2005 والتي سجلت أدنى معدل تصويت بنسبة لم تتجاوز 40 بالمائة، الأمر مكن حزب كاتشينسكي من الفوز بفارق ضئيل بلغ 2.9 بالمائة فقط على الليبراليين.
"إشارة جي
دة لأوروبا"
حتى مع القبل لم تكن العلاقات البولندية الألمانية على مايرام في عهد كاتشينسكي
ارتياح أ
وروبي بعد فوز المعارضة الليبرالية في الانتخابات البولنديةالليبراليون يحتفلون بالفوز، وفي الصور دونالد توسك
عبر رئيس البرلمان الأوروبي بوترينج عن تفاؤله بزوال التوتر في العلاقة بين ألمانيا وبولندا عقب فوز حزب المنبر المدني الليبرالي، المؤيد للاتحاد الأوروبي، في الانتخابات البرلمانية البولندية.
بعدما أظهرت النتائج الأولية للانتخابات التشريعية المبكرة التي أجريت يوم أمس الأحد فوز حزب "المنبر المدني" الليبرالي بأغلبية ساحقة، يستعد الليبراليون البولنديون (يمين الوسط) لتسلم السلطة من التوأمين المحافظين كاتشينسكي، بعد أن حل حزبهما (الحق والعدالة) في المرتبة الثانية.
وفي خطاب إعلان الفوز وجه زعيم المنبر المدني دونالد تاوشك، الشكر للمقترعين الذين "اظهروا لأوروبا بأسرها أن البولنديين بإمكانهم تحمل المسؤولية تجاه بلادهم في أوقات الشدة بطريقة رائعة". ومن جانبه اعترف رئيس الوزراء الحالي ياروسلاف كاتشينسكى بهزيمة حزبه، آملا أن ينجح خصمه في مهمته. وأكد كاتشينسكى أن حزبه سوف ينتقل وسوف يشكل "معارضة قوية" تحاسب على كل الوعود الانتخابية، حسب تعبيره.
ووصف المراقبون هذه الانتخابات بأنها الأهم منذ التحول الديمقراطي، الذي شهدته الدولة الاشتراكية السابقة، حيث شهدت نسبة إقبال غير مسبوقة منذ سقوط النظام الشيوعي عام 1989، إذ بلغت نسبة المشاركة 55.2 بالمائة، وهي الأعلى منذ أول انتخابات برلمانية ديمقراطية كاملة أجريت في بولندا عام 1991.
ويأتي هذا الإقبال في مواجهة الإقبال الضعيف في الانتخابات البرلمانية التي جرت في أيلول/سبتمبر 2005 والتي سجلت أدنى معدل تصويت بنسبة لم تتجاوز 40 بالمائة، الأمر مكن حزب كاتشينسكي من الفوز بفارق ضئيل بلغ 2.9 بالمائة فقط على الليبراليين.
"إشارة جي
دة لأوروبا"حتى مع القبل لم تكن العلاقات البولندية الألمانية على مايرام في عهد كاتشينسكي
وفي هذه الأثناء توقع رئيس البرلمان الأوروبي هانز جيرت بوترينج أن تزول التوترات في العلاقة بين ألمانيا وبولندا عقب فوز حزب المنبر المدني الليبرالي، المؤيد للاتحاد الأوروبي، بزعامة دونالد توسك في الانتخابات البرلمانية. وقال السياسي المنتمي للحزب المسيحي الديمقراطي الألماني اليوم الاثنين في برلين قبل جلسة لرئاسة الحزب إن الأمور بين ألمانيا وبولندا ستصبح بالتأكيد أكثر سهولة. وتابع بالقول: "أعتقد أن هذه إشارة جيدة لأوروبا"، مشيرا إلى أنه من المفرح أن يأتي على رأس حكومة جديدة شخص مهتم بالقضايا الأوروبية".
وفي رسالة أولى إلى الاتحاد الأوروبي أعلن احد نواب رئيس تحالف يسار الوسط ياتسيك ساريوش-فولسكي لوكالة فرانس برس أن الحكومة الليبرالية المقبلة ستقر ميثاق الحقوق الأساسية بإعتبارها حزء من المعاهدة الاوروبية، التي ستحل محل الدستور، والذي كان الشقيقان كاتشينسكي يرفضان التوقيع عليه.
تجدر الإشارة هنا إلى أن العلاقات الألمانية ـ البولندية كانت قد شهدت في الفترة الأخيرة بعض الفتور، لاسيما على خلفية المعارضة البولندية لخطط الرئاسة الألمانية للاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من هذا العام.
الانسحاب من العراق

القوات البولندية في العراق قوامها 900 جندي
وفي هذه الأثناء قال بوجدان جيرويفسكي، رئيس الكتلة البرلمانية في حزب المنبر المدني، إن حزبه سيسعى إلى سحب القوات البولندية من العراق في 2008، كما أنه قد ينهي مفاوضات الحكومة المنتهية ولايتها مع الولايات المتحدة بشأن استضافة نظام دفاعي صاروخي على الأراضي البولندية إذا لم تعرض واشنطن ضمانات أمنية كافية مقابل ذلك. ونقلت وكالة رويترز عن جيرويفسكي قوله إنه لابد من سحب قوات بلاده الذي يبلغ قوامها 900 فرد من العراق، "لان مهمتنا أنجزت بالفعل"، أملا أن يتم ذلك مع بداية عام 2008.
دويتشه فيله (ع.ج.م)
-------------------------------------------------------------
