



صديق أسد يناشد اسد : رسالة مفتوحة من باتريك سيل إلى بشار الأسد
سيادة الرئيس : أصيب أصدقاء سورية - وأعتبر نفسي واحداً منهم - بالحيرة والأسى، بعد صدور احكام طويلة بالسجن بحق المعتقلين السياسيين، والناشطين من أجل حقوق الانسان، وسجناء الرأي في سورية. لقد أثارت هذه الأحكام القاسية اهتمام العالم بأسره، وألحقت الكثير من الأذى بسمعة بلادكم. انني أناشدكم بكل احترام أن تعيدوا النظر في هذه القضايا، وأن تصدروا عفواً سريعاً عن هؤلاء السجناء. ان أنور البني هو من أهم المدافعين عن المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي في سورية. لقد أنشأ في شهر آذار (مارس) 2006 مركز حقوق الانسان في سورية، بتمويل وتشجيع من الاتحاد الأوروبي، ولكن قوات الأمن لديكم أغلقته بعد افتتاحه. لقد ألقي القبض على أنور البني في 17 أيار (مايو) 2006 وأودع السجن مع مرتكبي الجرائم في سجن عدرا بالقرب من دمشق، حيث تعرض للضرب وللمعاملة السيئة، حسب رواية لجنة العفو الدولية، ولم يسمح له أن يجتمع على انفراد مع محاميه، وقد علمت انه كتب اليكم، ليلفت انتباهكم الى ان ما يقارب من ستة آلاف معتقل سياسي في سجن عدرا، يتعرضون للضرب، بشكل روتيني، وللإهانات، وللإرهاب، ويمنعون من الخروج من زنزاناتهم أو من مشاهدة التلفزيون، او الاستماع الى محطات الاذاعة. لقد التمس منكم أن تحققوا في أوضاع السجون، وأملي أن تستجيبوا لطلبه ايجابيا. وفي 31 كانون الاول (ديسمبر) تعرض أنور البني لهجوم من قبل أحد المجرمين في السجن، ودفعه على الدرج، ثم ضربه على رأسه بحضور حراس السجن الذين استنكفوا عن التدخل لانقاذه. وفي 25 كانون الثاني (يناير) 2007 اعتدى عليه حراس السجن بالضرب بقسوة، وحلقوا له شعر رأسه بالقوة. انا متأكد من أنكم على علم بأن البني هو من سجناء الرأي، وانه معتقل لسبب واحد هو المجاهرة بآرائه التي لا تدعو الى العنف. وفي 24 نيسان (نيسان) حكمت عليه محكمة الجنايات بدمشق بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة "نشر أخبار كاذبة تضر بالدولة" (المادة 286 من قانون العقوبات). وقد دهش الديبلوماسيون الذين حضروا المحاكمة من قسوة الحكم، واعتبروا المحاكمة غير عادلة، والحقيقة ان مثل هذه المحاكمات السياسية امام المحاكم الجنائية أو العسكرية أو محاكم أمن الدولة، تواجه بانتقادات دولية قاسية بسبب هيمنة أجهزة الأمن الفجة على كل اجراءاتها. انني مقتنع ان بقاء سجين مثل انور البني - وهو محام محترم - في السجن، أكثر أذى بسمعة سورية مما لو أطلق سراحه واستعاد حريته. فـ "الجريمة" التي ارتكبها البني - حسب لجنة العفو الدولية - هي اثارته لموضوع وفاة سجين، في الرابعة والعشرين من العمر، يدعى محمد شاهر عيسى، بسبب اخضاعه لمعاملة غير انسانية، قد ترقى الى التعذيب. وحينما سلمت جثة هذا الشاب الى ذويه، قيل إن آثار التعذيب كانت واضحة عليها. وتقول لجنة العفو الدولية ان التعذيب وسوء المعاملة ما زالا منتشرين، وعلى نطاق واسع، في السجون السورية، وانه لم يجر أي تحقيق مستقل في حوادث التعذيب والوفيات المشكوك في امرها، خلال سنوات طويلة. أنا واثق انكم تتفقون معي بأنه من الضروري جدا أن ينصاع حراس السجون السورية لمواثيق الأمم المتحدة التي وقعت عليها سورية والتي تمنع التعذيب، وسوء المعاملة غير الانسانية. وهناك حالات أخرى حديثة جداً، كما جرى للكاتب والصحافي المعروف ميشال كيلو، واستاذ اللغة الانكليزية محمود عيسى، اللذين حكم عليهما، بعد اعتقالهما لمدة طويلة في سجن عدرا، بالسجن لمدة ثلاث سنوات، في 4 أيار الجاري، من قبل محكمة الجنايات بدمشق، وقد اتهما بـ "اضعاف الشعور الوطني" (المادة 285 من قانون العقوبات) وبـ "التحريض على اثارة النعرات الطائفية" (المادة 307 من قانون العقوبات) وبـ "نشر المقالات والقاء الخطب، بهدف الدعاية لحزب سياسي، أو جمعية، أو تجمع سياسي محظور، غير مرخص" (المادة 150 من قانون المحاكمات العسكرية)، كما ان محمود عيسى اتهم بـ "تعريض سورية للأعمال العدوانية" (المادة 278 من قانون العقوبات). ولكن "الجريمة" الحقيقية التي "تورط" بها الاثنان هي التوقيع على ما يسمى "اعلان دمشق - بيروت" الذي وقع عليه 300 مثقف سوري ولبناني ونشر في 12 ايار 2006، ويطالب بتطبيع العلاقات بين سورية ولبنان، وتبادل السفراء، وترسيم الحدود المشتركة. وهناك شخصية معارضة أخرى، هي كمال اللبواني، مؤسس التجمع الديموقراطي الليبرالي، وقد تعرض لمصير أسوأ بكثير، اذ قبض عليه في مطار دمشق عام 2005، بعد عودته من الولايات المتحدة، حيث كان يشارك في مؤتمر، واجتمع ببعض المسؤولين في البيت الأبيض، وقد حكم عليه، هذا الشهر، بالسجن لمدة 12 سنة، بتهمة "الاتصال بدولة أجنبية، وبتحريضها على الاعتداء على سورية...". طبعاً، سورية ليست الدولة الوحيدة، أو الدولة الأسوأ، التي تنتهك حقوق الانسان في الشرق الأوسط، فاوضاع السجونفي كثير من الدول العربية ليست أقل سوءا. وقد قدمت الولايات المتحدة نموذجاً رهيباً بممارستها التعذيب في سجن أبو غريب، وبتبنيها سياسة ما يسمى "بالتسليم الاستثنائي"، أي تسليم السجناء الى بلدان معروفة بممارستها التعذيب لاستجوابهم. كما اتهمت اسرائيل بدورها، بتعذيب السجناء الفلسطينيين الذين يربو عددهم على 10 آلاف، بشكل منهجي منتظم. ومن الأساليب الاسرائيلية المعروفة في التعذيب هي الاستمرار في ضرب السجين حتى الموت احياناً. ويشير تقرير أعدته منظمتان اسرائيليتان للدفاع عن حقوق الانسان، ونشر حديثا في 6 أيار الجاري، ان معظم السجناء الفلسطينيين يحرمون من النوم، ويتعرضون للضرب المبرح، بعد أن توثق أياديهم بشدة الى ان تسيل الدماء منها، وتثبيتهم في أوضاع مؤلمة غير طبيعية، كي تنهار معنوياتهم قبل القيام باستجوابهم. ويجمع معظم الخبراء أن التعذيب يؤدي الى نتائج معكوسة، ولا يحقق الأغراض المنشودة، والمعلومات التي يتم الحصول عليها تحت التعذيب هي معلومات مغلوطة لا يمكن الركون اليها، على الأغلب. ان التعذيب يحرض على الكراهية، وعلى الرغبة الجامحة في الانتقام. وفي سورية لا يساهم التعذيب في دعم السلم الاجتماعي، وسوء معاملة السجناء يشجع على اثارة العداوة بين فئات المجتمع وطوائفه، وهو أبعد ما يكون عن حماية البلد ضد أعدائه الخارجيين، بل على العكس تماما فانه يزود هؤلاء الأعداء بذرائع للمضي في دعاياتهم العدوانية وتهجمهم. ان الأحكام الجائرة بحق سجناء الرأي، والانتهاكات الأخرى لحقوق الانسان تدمر أهداف السياسة الخارجية لبلد مثل سورية. وفي قناعتي، ان أحد أهم أهداف بلدكم هو اكتساب احترام وتقدير المجتمع الدولي، دعماً لموقف سورية في المفاوضات، وتشجيعا للاستثمارات الأجنبية المباشرة، وترحيبا بالسياح الذين سيتدفقون على بلدكم بأعداد كبيرة لزيارة المواقع الأثرية الفريدة، وإسهاما في تطوير المشاريع الاجتماعية والاقتصادية بشكل عام. هناك هدف آخر هو استعادة هضبة الجولان عن طريق تسوية سلمية عربية شاملة مع اسرائيل، بالاضافة الى هدف ثالث هو التصديق على اتفاقية الشراكة بين سورية و27 دولة من الاتحاد الأوروبي التي لم توضع موضع التنفيذ الفعلي حتى الآن. اما الهدف الرابع فهو ارساء علاقات سورية مع لبنان على أسس صحية سليمة، بعد سنوات طويلة من التوترات والمشاحنات. ان البلدين مقتطعان من جسم واحد، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، ولا مجال لحدوث طلاق دائم بينهما. لسورية مصالح حيوية في لبنان، ولا يمكن أن تتسامح أو أن تقبل بقيام حكومة معادية لها في بيروت، ولا أن يكون النفوذ المهيمن على لبنان لدولة أو قوة معادية، فهذا يشكل تهديدا لسلامتها وأمنها القومي. ولبنان بدوره، حريص على اعتراف سورية باستقلاله وسيادته. ومن المؤكد ان صيغة للتفاهم بين البلدين يمكن تحقيقها على أسس ترضي الطرفين. لقد أخضعت سورية لضغوط مرهقة من قبل الولايات المتحدة بعد غزو العراق سنة 2003، وتعرضت لمخاطر جسيمة في الصيف المنصرم، حينما كانت اسرائيل على وشك أن توسع عدوانها ليشمل سورية بعد عدوانها على لبنان، ولم تكن عداوة فرنسا لها أقل خطراً أيضاً. أليست هذه هي اللحظة المناسبة، يا سيادة الرئيس، لاظهار الوجه الانساني الكريم لسورية، وكسب التأييد الدولي لها، والالتفات الى محنة سجناء الرأي الذين عوقبوا بشكل غير عادل في محاكمكم؟
الحياة
-------------------------------------------------
منظمة لحقوق الإنسان من أنحاء العالم تطالب الأسد بتحرير كيلو ولبواني والبني
طالبت 25 منظمة مدافعة عن حقوق الانسان الرئيس السوري بشار الاسد امس، بإطلاق سراح الصحافي ميشال كيلو والناشط كمال لبواني والمحامي المعروف انور البني، من السجون في سوريا.ودعت المنظمات في بيان الاسد الى تحرير كيلو ولبواني والبني "الذين سجنوا فقط لانهم مارسوا حقهم في التعبير الحر".ويتضمن البيان الذي تلقت وكالة "اسوشييتدبرس" نسخة منه، تواقيع منظمات من كل انحاء العالم، بما في ذلك مصر وروسيا ودول في آسيا وافريقيا.وفي منتصف ايار (مايو)، صدر حكم بحق كيلو من قبل محكمة في دمشق، قضى بسجنه 3 سنوات بتهم "اشاعة انباء كاذبة" و"اضعاف الشعور القومي" و"اثارة النعرات الطائفية". وكان كيلو ينتقد علنا الحكومة السورية التي تسيطر على الحياة السياسية وتعتقل في معظم الاحيان منتقديها. وكان دعا الى الاصلاح في سوريا، وعارض تورط الحكومة في الشؤون السياسية في لبنان.ومنذ ايار (مايو) تم اعتقال 6 من المعارضين والنشطين في مجال حقوق الانسان، وصدر بحقهم احكام بالسجن تصل الى 12 عاماً. وكان حكم البني السجن 5 سنوات، وحكم اللبواني بالسجن 12 عاماً.
اب
منظمة لحقوق الإنسان من أنحاء العالم تطالب الأسد بتحرير كيلو ولبواني والبني
طالبت 25 منظمة مدافعة عن حقوق الانسان الرئيس السوري بشار الاسد امس، بإطلاق سراح الصحافي ميشال كيلو والناشط كمال لبواني والمحامي المعروف انور البني، من السجون في سوريا.ودعت المنظمات في بيان الاسد الى تحرير كيلو ولبواني والبني "الذين سجنوا فقط لانهم مارسوا حقهم في التعبير الحر".ويتضمن البيان الذي تلقت وكالة "اسوشييتدبرس" نسخة منه، تواقيع منظمات من كل انحاء العالم، بما في ذلك مصر وروسيا ودول في آسيا وافريقيا.وفي منتصف ايار (مايو)، صدر حكم بحق كيلو من قبل محكمة في دمشق، قضى بسجنه 3 سنوات بتهم "اشاعة انباء كاذبة" و"اضعاف الشعور القومي" و"اثارة النعرات الطائفية". وكان كيلو ينتقد علنا الحكومة السورية التي تسيطر على الحياة السياسية وتعتقل في معظم الاحيان منتقديها. وكان دعا الى الاصلاح في سوريا، وعارض تورط الحكومة في الشؤون السياسية في لبنان.ومنذ ايار (مايو) تم اعتقال 6 من المعارضين والنشطين في مجال حقوق الانسان، وصدر بحقهم احكام بالسجن تصل الى 12 عاماً. وكان حكم البني السجن 5 سنوات، وحكم اللبواني بالسجن 12 عاماً.
اب
---------------------------------------------------
من يجرؤ علي اعتقال احمد دحبور؟
الياس خوري
اخبار غزة سيئة، واسوأ ما فيها ان تعتقل القوة التنفيذية التابعة لحماس شاعرا، وان ترتفع الهراوات في وجوه الصحافيين والمصورين، كي لا يري العالم كيف تقمع حماس المصلين في الشوارع العامة.
لا اعتقد ان النقاش السياسي مفيد او يوصل الي اي مكان، في ظل الشعور العام بأن الشكل الذي يتخذه الصراع السياسي في فلسطين صار اشبه بالبهدلة العامة، التي يرافقها اصرار انتحاري علي وأد القضية في زواريب الصراع علي سلطة لا سلطة لها.
لكن ان تصل الأمور الي حد اعتقال الشاعر احمد دحبور، والي لحظة تمتهن فيها كرامات الصحافيين والمراسلين، فان هذا يعطينا شعورا بأن ما يجري وصل الي مفترق محزن، وان اصلاح ما افسده الدهر بات اقرب الي المستحيل.
نستطيع ان نعيد جذر هذا الواقع الي الشكل المخجل الذي اتخذه الصراع السياسي بين فتح وحماس، وصولا الي ذروته الدموية في انقلاب غزة. لكننا كنا نعتقد ان القوة التنفيذية التي تهيمن علي غزة سوف تكتشف ان العنف العاري لا يوصل الي مكان، وان التراجع عن الخطأ هو كبري الفضائل. لكن بدلا من ذلك، رأينا كيف قمع الناس في الساحات العامة، وكيف وصل الأمر الي اعتقال قياديين في منظمة التحرير، كي تختتم القوة المسيطرة مآثرها باعتقال شاعر فلسطيني كبير، له في قلوب القراء الفلسطينيين والعرب مكان بناه من عذابات المخيم، ومن صوته المتميز الذي طلع من قلب المعاناة، ومن تلك العلاقة السحرية بين فلسطين ولغة العرب.
لا اعرف اذا كان ضباط القوة التنفيذية وقياداتهم السياسية يعرفون من هو احمد دحبور، او انهم يهتمون بالشعر والنثر او بالثقافة في شكل عام، او انهم سمعوا بأن مواجهة النكبة وآثارها المدمرة تمت اولا في الثقافة، قبل ان تتحول الكلمة سلاحا، وان فلسطين قدمت نموذجا فريدا لعلاقة الثقافة بالنضال الوطني. دم عبدالرحيم محمود عانق دم غسان كنفاني وكمال ناصر، كي تتحول العلاقة بين الثقافة والهوية النضالية الفلسطينية سمة رئيسية صنعت لفلسطين صورتها البهية في الوجدان.
قلت لا اعرف، كي اتلافي الموضوع، لأنني اعرف، والقراء يعرفون ان احد اسباب هذه المحنة هو ان القوي القمعية لا تبالي بالثقافة، بل تحتقر الأدب والفكر، ولا مرجع لها سوي فقهاء الظلام بحسب عنوان احدي روايات سليم بركات.
كانت منظمة التحرير منذ نشأتها، وفي مساراتها المختلفة تعي اهمية الثقافة، لذا كان اول عمل تأسيسي قامت به هو انشاء مركز الابحاث الفلسطيني في بيروت، ولم يجرؤ احد من قياداتها علي تحدي المثقفين في شكل سافر. تغير رئيس اللجنة التنفيذية، ذهب الشقيري وجاء عرفات، لكن مكانة الثقافة التي صنعها مناضلون ومثقفون فلسطينيون لم تتزحزح. صحيح ان العلاقة لم تكن سهلة، لأن السياسي يعتقد دائما انه يستطيع استتباع الثقافي، لكن الثقافة الفلسطينية صمدت امام التحديات، بل كانت الملاذ الاساسي للفكرة الفلسطينية في اوقات التحولات والأزمات.
حتي الصراع بين ادوارد سعيد وياسر عرفات، لم يتخذ شكلا قمعيا، رغم ضراوته، وما التراجع عن منع كتب سعيد في مناطق الحكم الذاتي، وهو منع لم يكن معلنا لأن لا احد امتلك جرأة اعلانه، سوي برهان ساطع علي ان احدا، حتي وان كان يملك رمزية ياسر عرفات وسلطته، لم يكن يستطيع تدجين الثقافة او قمعها.
لكنهم اليوم يعتقلون شاعرا، مثلما قاموا بالأمس بسحب كتاب قول يا طير من المدارس، واحراق نسخه، وقد يقدمون غدا علي تقليد اساتذتهم المصريين، فيمنعون طه حسين او بندلي الجوزي اومحمود درويش او اميل حبيبي، او من يشاؤون، لأنهم آتون من مكان لا علاقة له بالثقافة الحديثة في فلسطين والمشرق العربي.
لكن المسألة ليست هنا، فأنا لا احاول اقناع احد ببديهية اهمية الادب والثقافة، اذ لن نقبل ان يسقط النقاش الي محاولة البرهان علي بديهية البديهي. المسألة انه لا يحق لأحد اعتقال شاعر او كاتب بسبب موقفه او رأيه. انظمة القمع العربية تزج المثقفين في السجون و/او تقتلهم، من ميشال كيلو الي حسين مروة وسمير قصير، لكن في فلسطين لا. فهذا النضال الطويل الذي صنعه الفلسطينيون والفلسطينيات في مختلف الميادين، وخصوصا في الميدان الثقافي، يجب ان يمنع اي يد من ان تمتد الي الثقافة. علي حماس ان تعي انها لا تستطيع الاقتراب من هيكل الثقافة، وان الشعب الفلسطيني لن يسمح لأحد بالاعتداء علي لغته. لغته كانت وستبقي وطنه المؤقت الي ان يولد الوطن من ركام النكبة. اما الادباء والشعراء الذين صنعوا هذه اللغة ويصنعونها عبر تعميدها بالمعاناة والقهر والدم، فان لا احد يحق له ان يقمعهم.
اعتقال احمد دحبور، حتي وان كان لفترة قصيرة، يجب ان لا يمر. كاتب قصائد الولد الفلسطيني ومغني طائر الوحدات ، شاعر واحد وعشرون بحرا ، والباحث عن اختلاط الليل بالنهار . ابن المخيم وشاعره، يجد نفسه محاصرا بالاعتقال، ويكتشف ان من يسأله ويحقق معه لا يعرف ان فلسطين كتبت بقلم ابراهيم طوقان قبل ان يكتبها الفدائيون بدمهم، وان ارض البرتقال الحزين ، كانت الاسم الذي اطلقه الروائي علي ارضه حين ارادوا تجريد الأرض من اسمها، وان شعراء المقاومة هم روحها وافقها وعلامتها.
انه العار.
عار ان تمتد يد الي ابناء الكلمة.
وعلي الذين اعتقلوا احمد دحبور ان يخجلوا من عيون ابنائهم التي يلتقي نورها بنور الكلمات الطالعة من القلب.
الياس خوري
اخبار غزة سيئة، واسوأ ما فيها ان تعتقل القوة التنفيذية التابعة لحماس شاعرا، وان ترتفع الهراوات في وجوه الصحافيين والمصورين، كي لا يري العالم كيف تقمع حماس المصلين في الشوارع العامة.
لا اعتقد ان النقاش السياسي مفيد او يوصل الي اي مكان، في ظل الشعور العام بأن الشكل الذي يتخذه الصراع السياسي في فلسطين صار اشبه بالبهدلة العامة، التي يرافقها اصرار انتحاري علي وأد القضية في زواريب الصراع علي سلطة لا سلطة لها.
لكن ان تصل الأمور الي حد اعتقال الشاعر احمد دحبور، والي لحظة تمتهن فيها كرامات الصحافيين والمراسلين، فان هذا يعطينا شعورا بأن ما يجري وصل الي مفترق محزن، وان اصلاح ما افسده الدهر بات اقرب الي المستحيل.
نستطيع ان نعيد جذر هذا الواقع الي الشكل المخجل الذي اتخذه الصراع السياسي بين فتح وحماس، وصولا الي ذروته الدموية في انقلاب غزة. لكننا كنا نعتقد ان القوة التنفيذية التي تهيمن علي غزة سوف تكتشف ان العنف العاري لا يوصل الي مكان، وان التراجع عن الخطأ هو كبري الفضائل. لكن بدلا من ذلك، رأينا كيف قمع الناس في الساحات العامة، وكيف وصل الأمر الي اعتقال قياديين في منظمة التحرير، كي تختتم القوة المسيطرة مآثرها باعتقال شاعر فلسطيني كبير، له في قلوب القراء الفلسطينيين والعرب مكان بناه من عذابات المخيم، ومن صوته المتميز الذي طلع من قلب المعاناة، ومن تلك العلاقة السحرية بين فلسطين ولغة العرب.
لا اعرف اذا كان ضباط القوة التنفيذية وقياداتهم السياسية يعرفون من هو احمد دحبور، او انهم يهتمون بالشعر والنثر او بالثقافة في شكل عام، او انهم سمعوا بأن مواجهة النكبة وآثارها المدمرة تمت اولا في الثقافة، قبل ان تتحول الكلمة سلاحا، وان فلسطين قدمت نموذجا فريدا لعلاقة الثقافة بالنضال الوطني. دم عبدالرحيم محمود عانق دم غسان كنفاني وكمال ناصر، كي تتحول العلاقة بين الثقافة والهوية النضالية الفلسطينية سمة رئيسية صنعت لفلسطين صورتها البهية في الوجدان.
قلت لا اعرف، كي اتلافي الموضوع، لأنني اعرف، والقراء يعرفون ان احد اسباب هذه المحنة هو ان القوي القمعية لا تبالي بالثقافة، بل تحتقر الأدب والفكر، ولا مرجع لها سوي فقهاء الظلام بحسب عنوان احدي روايات سليم بركات.
كانت منظمة التحرير منذ نشأتها، وفي مساراتها المختلفة تعي اهمية الثقافة، لذا كان اول عمل تأسيسي قامت به هو انشاء مركز الابحاث الفلسطيني في بيروت، ولم يجرؤ احد من قياداتها علي تحدي المثقفين في شكل سافر. تغير رئيس اللجنة التنفيذية، ذهب الشقيري وجاء عرفات، لكن مكانة الثقافة التي صنعها مناضلون ومثقفون فلسطينيون لم تتزحزح. صحيح ان العلاقة لم تكن سهلة، لأن السياسي يعتقد دائما انه يستطيع استتباع الثقافي، لكن الثقافة الفلسطينية صمدت امام التحديات، بل كانت الملاذ الاساسي للفكرة الفلسطينية في اوقات التحولات والأزمات.
حتي الصراع بين ادوارد سعيد وياسر عرفات، لم يتخذ شكلا قمعيا، رغم ضراوته، وما التراجع عن منع كتب سعيد في مناطق الحكم الذاتي، وهو منع لم يكن معلنا لأن لا احد امتلك جرأة اعلانه، سوي برهان ساطع علي ان احدا، حتي وان كان يملك رمزية ياسر عرفات وسلطته، لم يكن يستطيع تدجين الثقافة او قمعها.
لكنهم اليوم يعتقلون شاعرا، مثلما قاموا بالأمس بسحب كتاب قول يا طير من المدارس، واحراق نسخه، وقد يقدمون غدا علي تقليد اساتذتهم المصريين، فيمنعون طه حسين او بندلي الجوزي اومحمود درويش او اميل حبيبي، او من يشاؤون، لأنهم آتون من مكان لا علاقة له بالثقافة الحديثة في فلسطين والمشرق العربي.
لكن المسألة ليست هنا، فأنا لا احاول اقناع احد ببديهية اهمية الادب والثقافة، اذ لن نقبل ان يسقط النقاش الي محاولة البرهان علي بديهية البديهي. المسألة انه لا يحق لأحد اعتقال شاعر او كاتب بسبب موقفه او رأيه. انظمة القمع العربية تزج المثقفين في السجون و/او تقتلهم، من ميشال كيلو الي حسين مروة وسمير قصير، لكن في فلسطين لا. فهذا النضال الطويل الذي صنعه الفلسطينيون والفلسطينيات في مختلف الميادين، وخصوصا في الميدان الثقافي، يجب ان يمنع اي يد من ان تمتد الي الثقافة. علي حماس ان تعي انها لا تستطيع الاقتراب من هيكل الثقافة، وان الشعب الفلسطيني لن يسمح لأحد بالاعتداء علي لغته. لغته كانت وستبقي وطنه المؤقت الي ان يولد الوطن من ركام النكبة. اما الادباء والشعراء الذين صنعوا هذه اللغة ويصنعونها عبر تعميدها بالمعاناة والقهر والدم، فان لا احد يحق له ان يقمعهم.
اعتقال احمد دحبور، حتي وان كان لفترة قصيرة، يجب ان لا يمر. كاتب قصائد الولد الفلسطيني ومغني طائر الوحدات ، شاعر واحد وعشرون بحرا ، والباحث عن اختلاط الليل بالنهار . ابن المخيم وشاعره، يجد نفسه محاصرا بالاعتقال، ويكتشف ان من يسأله ويحقق معه لا يعرف ان فلسطين كتبت بقلم ابراهيم طوقان قبل ان يكتبها الفدائيون بدمهم، وان ارض البرتقال الحزين ، كانت الاسم الذي اطلقه الروائي علي ارضه حين ارادوا تجريد الأرض من اسمها، وان شعراء المقاومة هم روحها وافقها وعلامتها.
انه العار.
عار ان تمتد يد الي ابناء الكلمة.
وعلي الذين اعتقلوا احمد دحبور ان يخجلوا من عيون ابنائهم التي يلتقي نورها بنور الكلمات الطالعة من القلب.
--------------------------------------------------
التخلص من الدكتاتوريات العسكرية المدخل للنظام الديمقراطي العربي
سالم جبران
احتفل حزب "الوفد" في مصر، قبل أسبوع، بمرور ثمانين عاماً على وفاة زعيم "الوفد" والقائد الوطني المصري البارز سعد زغلول.
الاحتفال الذي أقامه الحزب، بهذه المناسبة، (بثته الجزيرة كاملاً) بالإضافة إلى الانتقادات الحادة، سياسياً واقتصادياً للنظام الحالي بقيادة الرئيس مبارك، قدَّم صورة للفكر السياسي الذي حمله حزب "الوفد" ومن هذه المباديء: الوحدة المصرية الوطنية التي تجمع المسلمين والأقباط في ظل المواطنة المتساوية، الواقعية السياسية والاعتماد على الشعب في النضال الجماهيري، والحرص على تطور الاقتصاد الوطني والصناعة الوطنية والبنوك الوطنية ونشر التعليم الوطني، أيضاً في ريف مصر، والموقف العصري الديمقراطي من مكانة المرأة في المجتمع الناهض.
إذا أخذنا كل هذه المباديء والعناصر، مجتمعة، يمكن أن نقول إن البرنامج الذي وضعه الوفد كان برنامجاًَ رأسمالياً وديمقراطياً معاً، مع تنشيط دور الشعب المصري في المعارك المصيرية مثل الاستقلال والجلاء.
إن الثورة المصرية، ثورة 23 يوليو، أخفت تماماً تاريخ النضال الوطني المصري الذي سبق الثورة، وكأن كل ما كان قبل الثورة مرفوض وفاسد. وتعمق هذا الرفض لمرحلة ما قبل الثورة، خصوصاً، عند رفع شعار "الاشتراكية" و"الاشتراكية العربية" والتأميمات الواسعة التي جعلت القطاع العام قطاعاً حاسماً تديره البيروقراطية العسكرية السابقة، التي هي من بطانة النخب العسكرية التي قامت بالثورة.
يجب الإشارة إلى أن كل الدول العربية التي قامت فيها انقلابات عسكرية وأقامت "نظام الحزب الواحد" الذي يقوده العسكر، قامت بتغييب أو دمغ أو تزييف تاريخ ما قبل المرحلة "الثورية"-الانقلابية.
هل يعرف الشعب السوري، وطلاب المدارس والجامعات في سورية، عن الأحزاب الوطنية الشجاعة، البرجوازية والليبرالية، واليسارية، والوطنية المعتدلة التي خاضت النضال الجماهيري ضد الاحتلال الفرنسي؟ هل كان الشعب العراقي في ظل حكم البعث يعرف شيئاً عن النضال الباسل للحزب الوطني الديمقراطي بقيادة القائد الفذ كامل الجادرجي، والحزب الشيوعي العراقي وللحركات القومية العراقية بما فيها التيارات الوطنية الناصرية؟ هل يتعلم الشعب في ليبيا الآن شيئاً عن النضالات الوطنية الاستقلالية في ليبيا قبل أن يمن التاريخ على ليبيا بمعمر القذافي؟
منذ الستينات إلى الآن تحكم أغلبية الدول العربية أنظمة ديكتاتورية عسكرية، أو صيغ جديدة معدَّلة للدكتاتوريات العسكرية، والنخب الحاكمة. حتّى لو خلعت البزة العسكرية ولبست البدلة الإفرنجية، فهي في الحقيقة أنظمة عسكرية المنشأ والتفكير وهي تمسك بكل الخيوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وطبعاً طبعاً المخابراتية!
أن كل النهضة القومية ذات الاتجاهات الديمقراطية، وكل النضال القومي الاستقلالي وكل الحياة الحزبية في مختلف الدول العربية من مرحلة ما قبل الانقلابات العسكرية-وضعت في غرف مغلقة مظلمة لا يجوز الدخول إليها، ولا يجوز الكلام عنها!!
إقامة "نظام الحزب الواحد" الذي يمسك بكل الخيوط، جعلت النخبة القيادية للنظام قشرة عسكرية فقيرة ثقافياً متغطرسة سياسياً احتكارية اقتصادياً. وليس غريباً أنه في أكثر من دولة عربية أساسية أقيم النظام الجمهوري الوراثي، وهذه، لعمري، مهزلة العصر، وهي "إنجاز" فريد من نوعه للتاريخ العربي في المباراة العالمية!! هل صدفة أن أنظمة الحزب الواحد العسكرية سابقاً، العسكرية إلى الآن فعلياً، قادت إلى الجمود الاقتصادي وإلى التقهقر القبلي وإلى الفساد واستيلاء النخبة- العصابة الحاكمة على كل خيرات البلاد ومقدرات البلاد؟ هل صدفة أنه بينما كل الدنيا تتقدم علمياً واقتصادياً وتطويرياً وتتفاعل مع العالم، فإن عالمنا العربي مثل البقرة المكسرة الرجلين، هابطة، عاجزة، حتى عن السير، وعاجزة عن الحلم؟!
في اعتقادي أننا في المعركة الحضارية المصيرية للانفتاح والعصرنة والاعتدال والتعددية، يجب أن نستعيد قراءة ودراسة التجارب السياسية والحزبية السابقة في كل العالم العربي، بل قراءة ودراسة فكر النهضة القومية والحضارية، في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين. هناك مئات المفكرين والمصلحين العرب، في مصر وبلاد الشام ممن كانوا طلائعيين يمتازون بالشجاعة النادرة والعطش إلى المعرفة وقبول الحضارة الجديدة والعمل للتحالف مع العلم والمنطق العلمي. تكفي عودة إلى فكر النهضويين في مصر وبلاد الشام، مثل رفاعة رافع الطهطاوي وقاسم أمين وأحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني وصولاً إلى طه حسين وعباس محمود العقاد وأحمد لطفي السيد وخليل السكاكيني واسحق موسى الحسيني ومئات غيرهم، حتّى ندرك أن هناك جذوراً حضارية سابقة لنهضتنا المرجوة.
كما أن هناك فكراً نيِّراً مدهشاً يطالب بحرية المرأة وحقها في العلم والعمل والتمثيل السياسي. مما ينسف الشعوذة الأصولية التي تلطخ تاريخنا وتلطخ حاضرنا ومستقبلنا.
ما أريد أن أقوله، بصوتٍ عالٍ، وهو ثمرة مراجعة نقدية ذاتية هو التالي: مع كل الاحترام لليسار السياسي والاجتماعي، فهو وحده ليس قادراً أن يُغَيِّر. هناك حاجة إلى استنهاض طاقات البرجوازية الوطنية، الرأسمالية، (نعم الرأسمالية)، واستنهاض الفلاحين، أكثرية جماهير أمتنا واستنهاض طلاب الجامعات والثانويات لخلق جبهة وطنية عريضة، متفقة على الديمقراطية والتعددية والنظام الديمقراطي والقضاء النزيه وفصل الجيوش عن السياسة وتداول السلطة وتشريع دساتير ديمقراطية تكون فوق الرئيس وفوق الحكومة، مع إفساح المجال للأحزاب السياسية والنقابات كي تعمل بحرية، في إطار القانون، والعمل لتحرير الجامعات من العبودية للعسكر ونظام العسكر والمخابرات.
على بساط البحث في العالم العربي، الآن، ليس بناء الاشتراكية، بل بناء نظام دستوري ديمقراطي، نظام يحرر الشعب من الخوف، نظام سيادة الشعب فوق أرضه الوطنية.
إن إسقاط نظام الدكتاتورية العسكرية المقيتة والفاسدة، والتي لم تجلب إلاّ الهزائم المهينة ولم "تحقق" غير سرقة خيرات الوطن- هو المدخل لدخول أمتنا العربية إلى آفاق القرن الحادي والعشرين بحضارة لا يخجل بها، في قبورهم ابن خلدون والفارابي وابن رشد!
salim_jubran@yahoo.com الناصرة
سالم جبران
احتفل حزب "الوفد" في مصر، قبل أسبوع، بمرور ثمانين عاماً على وفاة زعيم "الوفد" والقائد الوطني المصري البارز سعد زغلول.
الاحتفال الذي أقامه الحزب، بهذه المناسبة، (بثته الجزيرة كاملاً) بالإضافة إلى الانتقادات الحادة، سياسياً واقتصادياً للنظام الحالي بقيادة الرئيس مبارك، قدَّم صورة للفكر السياسي الذي حمله حزب "الوفد" ومن هذه المباديء: الوحدة المصرية الوطنية التي تجمع المسلمين والأقباط في ظل المواطنة المتساوية، الواقعية السياسية والاعتماد على الشعب في النضال الجماهيري، والحرص على تطور الاقتصاد الوطني والصناعة الوطنية والبنوك الوطنية ونشر التعليم الوطني، أيضاً في ريف مصر، والموقف العصري الديمقراطي من مكانة المرأة في المجتمع الناهض.
إذا أخذنا كل هذه المباديء والعناصر، مجتمعة، يمكن أن نقول إن البرنامج الذي وضعه الوفد كان برنامجاًَ رأسمالياً وديمقراطياً معاً، مع تنشيط دور الشعب المصري في المعارك المصيرية مثل الاستقلال والجلاء.
إن الثورة المصرية، ثورة 23 يوليو، أخفت تماماً تاريخ النضال الوطني المصري الذي سبق الثورة، وكأن كل ما كان قبل الثورة مرفوض وفاسد. وتعمق هذا الرفض لمرحلة ما قبل الثورة، خصوصاً، عند رفع شعار "الاشتراكية" و"الاشتراكية العربية" والتأميمات الواسعة التي جعلت القطاع العام قطاعاً حاسماً تديره البيروقراطية العسكرية السابقة، التي هي من بطانة النخب العسكرية التي قامت بالثورة.
يجب الإشارة إلى أن كل الدول العربية التي قامت فيها انقلابات عسكرية وأقامت "نظام الحزب الواحد" الذي يقوده العسكر، قامت بتغييب أو دمغ أو تزييف تاريخ ما قبل المرحلة "الثورية"-الانقلابية.
هل يعرف الشعب السوري، وطلاب المدارس والجامعات في سورية، عن الأحزاب الوطنية الشجاعة، البرجوازية والليبرالية، واليسارية، والوطنية المعتدلة التي خاضت النضال الجماهيري ضد الاحتلال الفرنسي؟ هل كان الشعب العراقي في ظل حكم البعث يعرف شيئاً عن النضال الباسل للحزب الوطني الديمقراطي بقيادة القائد الفذ كامل الجادرجي، والحزب الشيوعي العراقي وللحركات القومية العراقية بما فيها التيارات الوطنية الناصرية؟ هل يتعلم الشعب في ليبيا الآن شيئاً عن النضالات الوطنية الاستقلالية في ليبيا قبل أن يمن التاريخ على ليبيا بمعمر القذافي؟
منذ الستينات إلى الآن تحكم أغلبية الدول العربية أنظمة ديكتاتورية عسكرية، أو صيغ جديدة معدَّلة للدكتاتوريات العسكرية، والنخب الحاكمة. حتّى لو خلعت البزة العسكرية ولبست البدلة الإفرنجية، فهي في الحقيقة أنظمة عسكرية المنشأ والتفكير وهي تمسك بكل الخيوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وطبعاً طبعاً المخابراتية!
أن كل النهضة القومية ذات الاتجاهات الديمقراطية، وكل النضال القومي الاستقلالي وكل الحياة الحزبية في مختلف الدول العربية من مرحلة ما قبل الانقلابات العسكرية-وضعت في غرف مغلقة مظلمة لا يجوز الدخول إليها، ولا يجوز الكلام عنها!!
إقامة "نظام الحزب الواحد" الذي يمسك بكل الخيوط، جعلت النخبة القيادية للنظام قشرة عسكرية فقيرة ثقافياً متغطرسة سياسياً احتكارية اقتصادياً. وليس غريباً أنه في أكثر من دولة عربية أساسية أقيم النظام الجمهوري الوراثي، وهذه، لعمري، مهزلة العصر، وهي "إنجاز" فريد من نوعه للتاريخ العربي في المباراة العالمية!! هل صدفة أن أنظمة الحزب الواحد العسكرية سابقاً، العسكرية إلى الآن فعلياً، قادت إلى الجمود الاقتصادي وإلى التقهقر القبلي وإلى الفساد واستيلاء النخبة- العصابة الحاكمة على كل خيرات البلاد ومقدرات البلاد؟ هل صدفة أنه بينما كل الدنيا تتقدم علمياً واقتصادياً وتطويرياً وتتفاعل مع العالم، فإن عالمنا العربي مثل البقرة المكسرة الرجلين، هابطة، عاجزة، حتى عن السير، وعاجزة عن الحلم؟!
في اعتقادي أننا في المعركة الحضارية المصيرية للانفتاح والعصرنة والاعتدال والتعددية، يجب أن نستعيد قراءة ودراسة التجارب السياسية والحزبية السابقة في كل العالم العربي، بل قراءة ودراسة فكر النهضة القومية والحضارية، في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين. هناك مئات المفكرين والمصلحين العرب، في مصر وبلاد الشام ممن كانوا طلائعيين يمتازون بالشجاعة النادرة والعطش إلى المعرفة وقبول الحضارة الجديدة والعمل للتحالف مع العلم والمنطق العلمي. تكفي عودة إلى فكر النهضويين في مصر وبلاد الشام، مثل رفاعة رافع الطهطاوي وقاسم أمين وأحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني وصولاً إلى طه حسين وعباس محمود العقاد وأحمد لطفي السيد وخليل السكاكيني واسحق موسى الحسيني ومئات غيرهم، حتّى ندرك أن هناك جذوراً حضارية سابقة لنهضتنا المرجوة.
كما أن هناك فكراً نيِّراً مدهشاً يطالب بحرية المرأة وحقها في العلم والعمل والتمثيل السياسي. مما ينسف الشعوذة الأصولية التي تلطخ تاريخنا وتلطخ حاضرنا ومستقبلنا.
ما أريد أن أقوله، بصوتٍ عالٍ، وهو ثمرة مراجعة نقدية ذاتية هو التالي: مع كل الاحترام لليسار السياسي والاجتماعي، فهو وحده ليس قادراً أن يُغَيِّر. هناك حاجة إلى استنهاض طاقات البرجوازية الوطنية، الرأسمالية، (نعم الرأسمالية)، واستنهاض الفلاحين، أكثرية جماهير أمتنا واستنهاض طلاب الجامعات والثانويات لخلق جبهة وطنية عريضة، متفقة على الديمقراطية والتعددية والنظام الديمقراطي والقضاء النزيه وفصل الجيوش عن السياسة وتداول السلطة وتشريع دساتير ديمقراطية تكون فوق الرئيس وفوق الحكومة، مع إفساح المجال للأحزاب السياسية والنقابات كي تعمل بحرية، في إطار القانون، والعمل لتحرير الجامعات من العبودية للعسكر ونظام العسكر والمخابرات.
على بساط البحث في العالم العربي، الآن، ليس بناء الاشتراكية، بل بناء نظام دستوري ديمقراطي، نظام يحرر الشعب من الخوف، نظام سيادة الشعب فوق أرضه الوطنية.
إن إسقاط نظام الدكتاتورية العسكرية المقيتة والفاسدة، والتي لم تجلب إلاّ الهزائم المهينة ولم "تحقق" غير سرقة خيرات الوطن- هو المدخل لدخول أمتنا العربية إلى آفاق القرن الحادي والعشرين بحضارة لا يخجل بها، في قبورهم ابن خلدون والفارابي وابن رشد!
salim_jubran@yahoo.com الناصرة
---------------------------------------------------

تعليقات الصحف الالمانية 11 سبتمبر/ايلول 2007
موضوعان رئيسيان سيطرا على تعليقات الصحف الألمانية هذا اليوم الثلاثاء، الأول تقييم الجنرال ديفيد بيتريوس قائد القوات الأمريكية في العراق للوضع في البلاد، أما الثاني فهو حلول الذكرى السادسة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبتلك المناسبة حاولت صحيفة لايبزيغر فولكس تسايتونغ Leipziger Volkszeitung الخروج بمحصلة حول السياسة التي تتبعها أمريكا في حربها على الارهاب، إذ تقول:
"المحصلة النهائية للحرب ضد الارهاب توضح حقيقة واحدة، وهي أن تلك الحرب فشلت. إن السياسة المحافظة التي تقف وراء الرئيس بوش، تتصرف من منطلقات خاطئة تقول بامكانية فرض الديموقراطية عن طريق الحرب. إن المصدر الأساسي للارهاب ليس القرآن ولا الاسلام، بل هو صراع الشرق الأوسط، والسياسة الجيو استراتيجية لحكومة الرئيس بوش، المرتبطة بهذا الصراع."
صحيفة هاندلسبلاتHandelsblatt كتبت عن الوضع القائم في العراق تقول :
"التوصل الى أي نوع من التهدئة للوضع القائم في العراق، يشكل بالتأكيد نوعا من التقدم، ولكن بالمقارنة مع الأهداف التي وضعت في البداية، أي جعل العراق مثالا للديموقراطية يحتذى به في المنطقة، فإن النتائج هي دون المستوى بكثير. والآن يدور الحديث في واشنطن عن "التقسيم الهادئ"، عن دولة سنية و شيعية، وثالثة كردية، وكأن ذلك يعني الخاتمة السعيدة للعراق. لو كانت هناك أدنى فرصة لانقاذ العراق من الانهيار، فيجب انتهاز هذه الفرصة."
صحيفة كولنر شتادت أنتسايغر Kölner- Stadt- Anzeiger كتبت في تعليق لها عن الوضع في العراق وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، تقول:
"عدد الجنود الأمريكيين الذين لقوا حتفهم في العراق، يفوق عدد الضحايا الذين سقطوا في أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد، فهل هذا أمر يمكن تبريره، وهل كان من الصواب أن يأتي رد الفعل على الهجمات باعلان حرب عالمية؟ أمريكا ترهف السمع لما يقوله بيتريوس، بانتظار نصيحة، الحاجة اليها أشد مايكون في هذا الوضع الذي يصعب حله. إن الثقة في الحكومة ضعيفة، وهو ما يجعل التطلع الى منقذ يزداد، وليس هناك من وقت يتبقي للحزن في الذكرى السادسة للهجمات، فأحداث الحادي عشر من سبتمبر أضحت ماضيا، أما الحرب في العراق فهي تمثل الواقع المرير."
وفي اشارة على ترابط الأحداث في العالم، كتبت صحيفة تاغس شبيغل Tagesspiegelحول ترحيل رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف الى السعودية بعد ساعات من وصوله الى مطار إسلام أباد، تقول الصحيفة:
"دخل نواز شريف التاريخ كصاحب أقصر أقامة لرئيس حكومة سابق في بلاده، لكن هذا الحدث السياسي لا يمس فقط مائة وستين مليونا من الباكستانيين في طريقهم الشاق نحو الديمقراطية، بل يتجاوزهم الى أبعد من حدود بلادهم، فالذكرى السادسة لأحداث سبتمبر، تأتي بعد أيام قليلة من القبض على ثلاثة شبان في ألمانيا، وهم تلقوا التدريب والتعليمات في باكستان، للقيام بهجمات ارهابية هنا في ألمانيا. وبهذا يصبح جليا، أن مايحدث في اسلام أباد، لا يمكن أن يكون سيان بالنسبة لنا في ألمانيا."
نهلة طاهر
----------------------
موضوعان رئيسيان سيطرا على تعليقات الصحف الألمانية هذا اليوم الثلاثاء، الأول تقييم الجنرال ديفيد بيتريوس قائد القوات الأمريكية في العراق للوضع في البلاد، أما الثاني فهو حلول الذكرى السادسة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبتلك المناسبة حاولت صحيفة لايبزيغر فولكس تسايتونغ Leipziger Volkszeitung الخروج بمحصلة حول السياسة التي تتبعها أمريكا في حربها على الارهاب، إذ تقول:
"المحصلة النهائية للحرب ضد الارهاب توضح حقيقة واحدة، وهي أن تلك الحرب فشلت. إن السياسة المحافظة التي تقف وراء الرئيس بوش، تتصرف من منطلقات خاطئة تقول بامكانية فرض الديموقراطية عن طريق الحرب. إن المصدر الأساسي للارهاب ليس القرآن ولا الاسلام، بل هو صراع الشرق الأوسط، والسياسة الجيو استراتيجية لحكومة الرئيس بوش، المرتبطة بهذا الصراع."
صحيفة هاندلسبلاتHandelsblatt كتبت عن الوضع القائم في العراق تقول :
"التوصل الى أي نوع من التهدئة للوضع القائم في العراق، يشكل بالتأكيد نوعا من التقدم، ولكن بالمقارنة مع الأهداف التي وضعت في البداية، أي جعل العراق مثالا للديموقراطية يحتذى به في المنطقة، فإن النتائج هي دون المستوى بكثير. والآن يدور الحديث في واشنطن عن "التقسيم الهادئ"، عن دولة سنية و شيعية، وثالثة كردية، وكأن ذلك يعني الخاتمة السعيدة للعراق. لو كانت هناك أدنى فرصة لانقاذ العراق من الانهيار، فيجب انتهاز هذه الفرصة."
صحيفة كولنر شتادت أنتسايغر Kölner- Stadt- Anzeiger كتبت في تعليق لها عن الوضع في العراق وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، تقول:
"عدد الجنود الأمريكيين الذين لقوا حتفهم في العراق، يفوق عدد الضحايا الذين سقطوا في أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد، فهل هذا أمر يمكن تبريره، وهل كان من الصواب أن يأتي رد الفعل على الهجمات باعلان حرب عالمية؟ أمريكا ترهف السمع لما يقوله بيتريوس، بانتظار نصيحة، الحاجة اليها أشد مايكون في هذا الوضع الذي يصعب حله. إن الثقة في الحكومة ضعيفة، وهو ما يجعل التطلع الى منقذ يزداد، وليس هناك من وقت يتبقي للحزن في الذكرى السادسة للهجمات، فأحداث الحادي عشر من سبتمبر أضحت ماضيا، أما الحرب في العراق فهي تمثل الواقع المرير."
وفي اشارة على ترابط الأحداث في العالم، كتبت صحيفة تاغس شبيغل Tagesspiegelحول ترحيل رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف الى السعودية بعد ساعات من وصوله الى مطار إسلام أباد، تقول الصحيفة:
"دخل نواز شريف التاريخ كصاحب أقصر أقامة لرئيس حكومة سابق في بلاده، لكن هذا الحدث السياسي لا يمس فقط مائة وستين مليونا من الباكستانيين في طريقهم الشاق نحو الديمقراطية، بل يتجاوزهم الى أبعد من حدود بلادهم، فالذكرى السادسة لأحداث سبتمبر، تأتي بعد أيام قليلة من القبض على ثلاثة شبان في ألمانيا، وهم تلقوا التدريب والتعليمات في باكستان، للقيام بهجمات ارهابية هنا في ألمانيا. وبهذا يصبح جليا، أن مايحدث في اسلام أباد، لا يمكن أن يكون سيان بالنسبة لنا في ألمانيا."
نهلة طاهر
----------------------