تحولات وليد جنبلاط: ذرائعية ارتعاد الفرائص
صبحي حديدي
07/08/2009
في تعليق سابق حول نتائج الإنتخابات النيابية اللبنانية، نُشر في هذه الصفحة، أتيح لي أن أرجح إمكانية انتقال الزعيم الدرزي وليد جنبلاط إلى اصطفاف جديد يمنحه مقداراً نسبياً من الإستقلالية عن فريقَيْ 14 و8 آذار في آن معاً، إذ لاح لي أن سلوكه في الإجمال يعطي إشارات مبكرة حول موقع وسط ينوي أن يشغله في المستقبل، وربما بالتعاون مع نبيه بري زعيم حركة 'أمل' ورئيس البرلمان. ولعل مواقف جنبلاط الأخيرة تؤكد أن ذلك الترجيح ليس سوى المآل المنطقي الذي توجب عليه السير إليه، في ضوء النتائج السوسيولوجية التي أسفرت عنها الإنتخابات النيابية، في الشوف بصفة خاصة، وفي الصف الدرزي عموماً.
وإذا صحت المحاججة التي تقول إن شرائح اجتماعية درزية فقيرة أو متوسطة الحال انفضت عن القيادة الجنبلاطية التقليدية، دون أن تلتحق بصفوف أخرى كما يتعين الإيضاح، فإن التسويغات العقائدية التي يسوقها جنبلاط بصدد ما شهده 'الحزب التقدمي الإشتراكي' من تطورات فكرية وسياسية (الموقف من العروبة والقضية الفلسطينية، والإنفتاح على الولايات المتحدة الأمريكية وفكر المحافظين الجدد تحديداً...) ليست هي مكمن الداء، وليس الزعيم الدرزي نزيهاً حين يتكئ عليها في تبرير انقلاباته. وهذا، في كل حال، ليس تأثيماً من أي نوع لأحدث انقلابات الرجل، فهو يقول كلام حق (أياً كان الباطل المراد منه ضمناً) يفضي، في نهاية المطاف، إلى تصحيح أخطاء الماضي، من جهة أولى؛ كما أنه يستخدم تكتيكاً سياسياً مشروعاً تماماً، فرضته متغيرات محلية وإقليمية ودولية، من جهة أخرى. حكم القيمة، الأخلاقي أو السلوكي أو العاطفي، على هذا الإنقلاب أمر آخر مختلف تماماً، ليست السياسة الصرفة ميدانه الأول بالطبع.
ذلك، أيضاً، لا يعني اتخاذ حكم تجريدي، مجرد مطلق، من تحول يصح أن يُرى في صيغة تركيبية، ليست أحادية الجانب، بل لعلها ثلاثية في الأقل: 1) من نافل القول إن موقع الوسط، وبالتالي تأسيس تيار وسط سياسي بين 14 و8 آذار /مارس، حاجة مطلوبة في لبنان، مفيدة، حيوية، ومرشحة لإطلاق ساحة حوارية وتوازنية غائبة؛ و2) أن ميشيل سليمان، أو أي رئيس للجمهورية اللبنانية، ليس الطرف الأصلح لاحتضان ذلك الموقع، على نقيض ما أوحى به جنبلاط في تأويل ابتعاده عن 14 آذار /مارس وعدم اقترابه من 8 آذار /مارس؛ و3) أن معادلة الوسط تلك، مثل كل المعادلات الكبرى في لبنان، لا يمكن أن تنفصل عن سياسة الأطراف اللبنانية تجاه النظام السوري، سواء نهضت تلك السياسة على التحالف مع النظام والإستزلام له، حتى على حساب سورية البلد والشعب؛ أو على خصومته والعداء لسورية البلد والشعب، وليس النظام وحده.
وهكذا، في ما يخص الفرع الثالث من المعادلة المركبة، من غير الممكن أن يُقرأ تحول جنبلاط الأخير بمعزل عن استطالاته، العلنية منها أو الخافية، بصدد العلاقة مع النظام السوري، سيما وأن الرجل لم يبتلع لسانه البتة وهو يحاول استرضاء النظام، وهبط إلى مستوى متحذلق منافق، في التطرق إلى المسؤولية عن اغتيال والده كمال جنبلاط، واغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، والوقوع في 'خطيئة كثرة الشعارات اللاذعة المناهضة لسورية'. ولكي يتناغم هذا المستوى مع نظائره اللبنانية، أعلن وئام وهاب (الوزير الأسبق، الدرزي، زعيم 'تيار التوحيد' المصنف في خانة أزلام النظام السوري) ان 'الطريق الى دمشق مفتوحة بوجه النائب جنبلاط'.
بيد أن المرء الساذج، من الطراز الذي يمكن أن يصدق عشرات الأقوال التي اطلقها بشار الأسد حول سيادة القانون في سورية، وليس قطيع ذئاب الإستبداد والفساد، ينبغي أن يحذر الزعيم الدرزي من السير إلى دمشق؛ ليس خشية على اعتقاله، أو حتى اغتياله، هناك على يد الأجهزة الأمنية، بل ببساطة لأن 'دولة الحق والقانون' هي التي سوف تحتجزه دون إبطاء! لقد نسي وهاب، أو تناسى، حقيقة بسيطة تقول إن المواطن اللبناني وليد جنبلاط مطلوب أمام القضاء العسكري السوري، بتهمة 'التحريض على اغتيال رئيس الجمهورية العربية السورية'؛ فضلاً عن ثلاث قضايا أخرى رُفعت ضده، بتُهَم 'إثارة الحرب الأهلية' والإقتتال الطائفي' و'تعريض السوريين لأعمال ثأرية'، و'النيل من الوحدة الوطنية'، و'ذم القضاء السوري'.
في المقابل، لن يكون المرء السوي في حاجة إلى ما هو أكثر من استعادة الماضي القريب، لكي يفهم أن لا جديد تحت شمسَيْ قصر المختارة والقصر الرئاسي السوري؛ وأن لسان جنبلاط، الذرب المتقلب المعترف بالخطايا والآثام، سوف يلاقيه 'قلب سورية الكبير' حسب تعبير وزير الخارجية السوري وليد المعلم. وغياب 'الجديد' هنا لا يُراد منه القول إن تطورات موقف جنبلاط، أو موقف النظام منه، لا تطرح جديداً في معادلات المشهد السياسي الداخلي اللبناني، بل هي ببساطة من طينة ذلك الجديد الذي يعيد إنتاج القديم المكرور، أو حتى المستنفَد المستهلَك، الأقرب إلى رجع الصدى... القريب!
وفي أواخر العام 2000، في الجلسة الإفتتاحية لمجلس النواب اللبناني الجديد، كان جنبلاط صاحب الحجر الثقيل الذي حرك مياه المستنقع الراكد، حين طالب بإعادة انتشار القوات العسكرية السورية المتواجدة في لبنان. تلك كانت مطالبة ترقى إلى مستوى انتهاك المحرم في الأساس، وتقطع الحساسيات جميعها (السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية)، مثلما تعبر الرئاسات اللبنانية الثلاث، والطوائف والطبقات و'الشرائح'، لكي نستخدم تعبير بشار الأسد في الغمز من ذلك التصريح. لكن الحجر الثقيل كان يسقط من شوف وجبل الدروز والموارنة معاً، ومن آل جنبلاط (الذين تقول الحكمة الشائعة أنهم أمهر من يقسم لبنان، وأمهر من يوحده أيضاً)؛ يلقيه من سدة برلمان جديد (كرس عودة رفيق الحريري من النافذة، بعد تشييعه إلى الباب) رجل يُعتبر حليفاً للجميع تقريباً: من النظام السوري، ورئيس الوزراء الجديد الموالي للنظام السوري؛ إلى مسيحيي الجبل غير الموالين لدمشق، وأولئك الذين بَيْن بَيْن. وكيف إذا كان هذا الحليف ابن كمال جنبلاط، الزعيم التاريخي للحركة الوطنية اللبنانية، وخليفته في زعامة السواد الأعظم من أبناء الطائفة الدرزية، في لبنان وسورية و... إسرائيل؟
المنطق السليم كان يقول إن طرح مسألة التواجد العسكري السوري في لبنان، مقترناً بالتجاوزات الأمنية السورية وممارسة الضغوط الداخلية والتعدي على الحريات العامة، وهنا بعض براعة التكتيك، هو الورقة الأبرز التي توجب على جنبلاط أن يلعبها في تلك المرحلة من الحياة السياسية اللبنانية. ومعنى الوجوب هنا لا يبدأ من مجرد ممارسة رياضات التكتيك والتكتيك المضاد، أو التحالف هنا ونصف التحالف هناك، أو الإنحناء أمام العاصفة تارة وركوب الموجة طوراً. الوجوب ذاك ارتدى طابعاً وجودياً على الأرجح، أقرب إلى تجاوز صيغة 'حفظ البقاء البسيط' إلى صيغة 'انتزاع البقاء الأفضل'.
ذلك لأن جنبلاط الابن لا ينسى، أولاً، ان دم أبيه في ذمة النظام السوري، وأن عملية الإغتيال الوحشية تلك لم تبدأ من دور كمال جنبلاط كزعيم درزي فحسب، بل بدأت من ـ ولعلها انحصرت في ـ هدف تفكيك ما كان يُعرف آنذاك باسم 'الحركة الوطنية اللبنانية'. والذي أصدر أمر الإغتيال كان يعرف تماماً ان كمال جنبلاط أكثر من رجل إجماع وتوحيد وتنسيق، وان مثاله أكثر تعقيداً من مجرد خروج واحد من كبار بارونات الحياة السياسية اللبنانية على أخلاقيات الصف التقليدي، وحرصه على تشكيل تحالف سياسي ـ عسكري يضم التيارات القومية والناصرية والماركسية، إلى جانب فصائل المقاومة الفلسطينية.
وجنبلاط الابن كان يعرف، ثانياً، ان أفضل ما يتوفر بين يديه من خيارات لاختراق المحاصصات الطائفية ـ السياسية التقليدية، والتي ذهب والده ضحية الإنشقاق عنها وعليها، هو إقامة تحالف مع موارنة الجبل، على ثلاث قواعد: اجتماعية وديموغرافية (قضايا المهجرين، وإعتبار إعمار الجبل مسألة ليست أقل إلحاحاً من إعمار الجنوب)؛ وسياسية (التناغم مع النداءات المسيحية الداعية إلى انسحاب القوات السورية)؛ وقاعدة حقوقية (المطالبة بصيانة الحقوق العامة، وضمان حرية الصحافة والتعبير عن الرأي، ونقد الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية التي تأتلف في انتهاك هذه الحريات).
وهو، ثالثاً، كان يدرك أن هذا هو الوقت المناسب للدخول في 'مناوشة' محسوبة مع دمشق، وتحقيق مكاسب سياسية على هيئة 'ضربات' خاطفة لا تكلفه الكثير. ذلك لأن سلطة بشار الأسد كانت ما تزال فتية، مرتبكة، وغير مستقرة؛ والملف اللبناني مشتت بين ثلاثة أطراف سورية، تبدأ من نائب الرئيس عبد الحليم خدام، وتمر بمستشاري الرئيس السوري من حديثي العهد بالملف وبالسياسة إجمالاً، وتنتهي عند غازي كنعان قائد المخابرات العسكرية السورية في لبنان آنذاك. ولهذا لم يطالب جنبلاط بانسحاب القوات العسكرية السورية من لبنان، ولم يدعُ إلى تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 520، ولم يسأل ويتساءل مثل سواه: ما الذي تفعله القوات السورية اليوم، بعد انسحاب جيش الإحتلال الإسرائيلي من الجنوب؟ في المقابل، طالب بإعادة انتشار القوات السورية وفقاً لاتفاق الطائف الموقع في خريف 1989، وأن لا يكون وجودها العسكري (الذي قد تبرره اعتبارات استراتيجية وإقليمية، كما أوضح) مبرراً لأن تتدخل الأجهزة الأمنية السورية في كل كبيرة وصغيرة على الأرض اللبنانية.
ولقد تبارى أنصار الوجود السوري في لبنان (من إميل لحود رئيس الجمهورية، إلى رفيق الحريري رئيس الوزارة، إلى نبيه بري رئيس المجلس النيابي، إلى البعثي عاصم قانصو الذي هدد جنبلاط بالقتل على يد 'المقاومة اللبنانية'، كما صرح!)، في امتداح هذا الوجود، وانتهى البعض إلى تخوين كل من يفكر في طرح مسألة كهذه على بساط البحث. من جانبها لجأت دمشق إلى إجراء ردعي أول هو إبلاغ جنبلاط بأنه، عملياً، شخص غير مرغوب به في سورية؛ ثم خففت ذلك إلى إجراء ثان (ليس أقل ردعاً)، هو إبلاغه بأنه يستطيع زيارة سورية مثله مثل أي مواطن لبناني آخر: أي دون مرافقة عسكرية، ودون موكب أمني، ودون ترخيص باستخدام الطريق العسكرية. وهذا، في الواقع، عنى الشيء ذاته، إذْ كان من غير المعقول أن يدخل جنبلاط إلى سورية كما يدخلها أبو العبد البيروتي مثلاً!
.. أو أن يدخلها، اليوم، بدعوة من وئام وهاب... الرجل ذاته الذي طالب بالحجر على جنبلاط في قصر المختارة، أيام غزوة بيروت الشهيرة؛ وأطلق عليه تسمية 'النمر الكرتوني'؛ واتهمه بالإقطاعية، وإقامة دولة داخل الدولة، 'ممتدة من الدامور إلى المختارة'؛ وممارسة النهب مع شريكه 'عبد الحليم هدام'، ويقصد خدام؛ وتحويل التبرعات الإيرانية لأبناء الطائفة الدرزية، إلى حسابات جنبلاط السرية في سويسرا... وليس استقبال جنبلاط لوهاب في المختارة، قبل أيام، إلا الشطر الطبيعي المكمل لسيرورة انقلاباته، وتقلباته، ضمن الصيغة التركيبية إياها.
وثمة، في التركيب، ما يمكن أن يجمع بين السياسي الذرائعي الأريب، والنمر الكرتوني مرتعد الفرائص!
' كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
--------------------------------------------------
العلمانية ال
مؤمنة ضمانة للتقدم العربيعبدالله تركماني
2009 / 8 / 7
بات من الواضح اليوم أنّ البشرية هي في طور التغيّرات الكبرى في مجتمعاتها وفي قيمها ومفاهيمها، وفي سياق هذه التغيّرات تبدو العلمانية أحد محاور الاختلاف في جسد الاجتماع السياسي العربي الراهن، خاصة بعد الصخب المفتعل حول مسألة الحجاب، ليس في المجتمعات العربية – الإسلامية فحسب، بل بين صفوف العرب والمسلمين المقيمين والمواطنين في دول أوروبية.
ويبدو أنّ العلمانية ليست شعارا يرفع، بل هي اتجاه تاريخي، وجملة مواقف، وقوى اجتماعية، تلم بالتطور التاريخي للمجتمعات، وتتوافق مع الترقي، ومع التحولات الاجتماعية على الصعيدين العربي والعالمي. ومن ثم، فالعلمانية - بما يراد لها أن تكون تشخيصاً عربياً - ترى في التعاطي المجدي مع التناقضات والصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، التي تُؤَجَّج في العالم العربي، أمراً حاسماً في صالح الخطوة الأولى باتجاه فعل تاريخي عربي مفتوح نحو المستقبل. وبهذا، فإنّ العلمانية المعنية هنا لا علاقة لها بما تلصقه الأصولية الإسلاموية من مماهاة بينها وبين الإلحاد، ومن الاعتقاد بأنها مؤامرة غربية لتدمير الإسلام من داخله، ولعل الأنموذج العلماني المؤمن التركي خير ردٍّ على هذه الترهات.
إنّ حسم وتجاوز الجدل القائم منذ قرنين حول ضرورة العلمانية بات يشكل المدخل الرئيسي لإقامة الدولة العصرية، المدنية بطبيعتها، حيث يبدو من الصعب التقدم نحو الحرية والديموقراطية من دون الخروج من التناقضات الاجتماعية العميقة والقفز فوق مسألة التمييز الديني أو المذهبي أو القومي، على كافة مستويات الحياة العامة العربية بما فيها قضايا الأحوال الشخصية.
لقد آن أوان تبلور الخطاب النقدي العلماني داخل العالم العربي وفي المهاجر العربية، الذي يلخص عملية التغيير الحضاري الواجبة والمستشرفة لآفاق التقدم العربي. فالعلمانية نظام عام عقلاني ينظّم العلاقات بين الأفراد والجماعات والمؤسسات، فيما بينها وفيما بينها والدولة، على أساس مبادئ وقوانين عامة مستمدة من الواقع الاجتماعي والتجربة التاريخية، يتساوى أمامها جميع أعضاء المجتمع وفئاته بصرف النظر عن الانتماءات الدينية والقومية والخلفيات الفكرية. ولما كان الأمر كذلك، فإنّ العلمانية تجد مرتعها الخصب في إطار من الديمقراطية، التي تمارس عقلانياً وتنويرياً، وذلك على نحو تغدو فيه الديمقراطية والعقلانية والتنوير أحد أوجه العلمانية وصيغة من صيغ التحفيز عليها.
إنّ العلمانية ارتبطت بأكثر من معنى، فهي ليست فقط بمعنى فصل الدين عن الدولة كما هو شائع في العالم العربي، بل كان الارتباط الأوثق بين العلمانية والدولة القومية، حين انبثقت من ثقافة ديمقراطية وصراع في سبيل التقدم وكرامة الإنسان، وجاءت بمثابة تأكيد على قدرته على تنظيم شؤونه تنظيماً عقلانياً. لذا فالمبدأ الأساسي في العلمنة يؤكد أنّ الدين أمر شخصي، وينبغي، بالتالي، فصله عن الدولة والمدرسة والأحوال الشخصية.
إنّ الكثيرين لا يدركون تماماً ماهية العلمانية هذه ومدى أهميتها من أجل بناء مجتمعات عربية ديمقراطية على مستوى تحديات العصر. ولربما السبب في رفضهم العلمانية هو أنهم يخشون أن تكون مرادفاً لمعاداة الدين، على أنّ هذا الخلط لا أساس له، بل أنّ العلمانية من شأنها أن تحرر الدين من استغلال السلطة له. وبالتالي فإنّ العلمانية من شأنها أن تقوّي بُعد القناعة الفردية الحرة من العقيدة الدينية، وذلك من خلال فك الارتباط بين الدين والسلطة. بل أنّ العلمانية هي، في جوهرها، ليست سوى التأويل الحقيقي والفهم الصحيح للدين، على الأقل في جانب المعاملات والقيم العامة التي يحملها.
وعندما تطرح العلمانية، بمعنى عدم تدخل الدولة في الشؤون الدينية لمواطنيها وبحيث تكون المواطنة هي أساس العلاقة بين الدولة والمواطن، فإنها - في هذه الحالة - أقرب لأن تكون مفهوماً سياسياً، يشكل ضمانة أكيدة للمساواة ولتلاحم المجتمع، حيث تكون العلاقة بالوطن والدولة علاقة سياسية وليست علاقة دينية قد تحد من المساواة السياسية بين أصحاب الديانات والقوميات المختلفة.
إنّ العلمنة منظومة عقلية منطقية غير قابلة للتجزئة، تتأسس على دعامتين: أولاهما، اعتبار الدولة العلمانية ضمانة الوحدة والنظم الاجتماعيين، بحكم قدرتها على تجاوز الانقسامات الاجتماعية التي تنخر الجسم السياسي، ومن ثم قدرتها على التعبير عن المصلحة العامة ( في حال كونها دولة حق وقانون ). وثانيتهما، أنّ الدولة ليست مجرد أداة لإدارة الشأن العام بل هي " صوت الأمة "، وموضع حلول العدالة الكاملة والخير الأعظم، ما يعطيها مشروعية التدخل لإشاعة قيمها وتصوراتها المفترض فيها أن تكون القيم العامة والكلية للمجتمع.
ومن الملفت للانتباه أنّ مفكري النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر، بما فيهم تيار الإصلاح الإسلامي، طرحوا كيفيات تحديث الدولة العربية وفق رؤية علمانية. فقد أقامت الإصلاحية الإسلامية مساوقة بين " الإسلام الصحيح والعقل " وبين العقل الوضعي والحداثة، فأصبح من الممكن في هذا الوضع أن تقوم المماهاة بين الإسلام والحداثة بعامة، وأن يكون أساساً لمدنية سوية لا تتميز عن المدنية العلمانية الحديثة، وهي الأنموذج العملي، إلا تمييزاً قِيَمياً. وعلى هذا الأساس، أعادت الإصلاحية الإسلامية الاعتبار إلى المرجعية الإسلامية التي أعيد تأويلها، فكان الإسلام النفعي ( مقاصد الشريعة ) التابع للتأويل العلماني بالفعل أو بالقوة، دون اللفظ، مضموناً للإسلام المعياري الذي وضعته الإصلاحية الإسلامية مرجعاً لها.
وعليه، لقد بات مطلوباً التخلّي عن فكرة أنّ العلمانية هي أنموذج غربي غير صالح لتعميمه شرقاً، وعن أنّ العلمانيين هم مستوردو أفكار ونماذج. وللخروج من هذه المآزق لا بد من إقامة حوار هادئ يهدف إلى إنتاج صيغة جديدة تقوم على أساس تغيير بنيوي جوهري تدرجي عبر المعالجات العلمانية، على أن لا تنخرط تيارات هذا الحوار في منطق الحاكم العربي المؤجِّل للإصلاح والتغيير تحت أية حجة أو شعار.
---------------------------------------------------
تأجيل انتخابات
لـ"المركزية" و"الثوري" الى السبت بعد انتهاء "مشكلة غزة" وتوقعات بـ"معركة حيتان" بين "الحرس القديم" والشباباعضاء المؤتمر في جلسة اليوم
الجمعة أغسطس 7 2009
بيت لحم - - قررت رئاسة المؤتمر العام السادس لحركة "فتح" المنعقد في مدينة بيت لحم بالضفة الغربية إلغاء الجلسة الصباحية اليوم الجمعة، وذلك لرغبة أعضاء الحركة من الخارج في الصلاة بالمسجد الأقصى في القدس. كما تقرر تمديد باب الترشيح حتى الساعة السادسة من مساء اليوم بعدما تقرر مشاركة اعضاء غزة في الترشيح والتصويت عبر الهواتف النقالة.
وكان باب الترشيح والترشح للراغبين بخوض انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري افتتح الساعة السادسة من مساء امس الخميس. وعلى اثر قرار مشاركة اعضاء غزة، قرر القيادي في حركة "فتح" النائب محمد دحلان ترشيح نفسه لعضوية اللجنة المركزية للحركة قبل اغلاق باب الترشيح مساء اليوم الجمعة. وجاء ذلك بعد جدال طويل حول موضوع تصويت اعضاء المؤتمر من غزة.
ومن المقرر أن تبدأ عملية التصويت لعضوية قيادة الحركة على المستويين في اللجنة المركزية والمجلس الثوري. وذكرت المصادر أن عدد المرشحين في انتخابات المؤتمر السادس للحركة بلغ حتى صباح اليوم حوالي 500 للمجلس الثوري، و86 للجنة المركزية للحركة.
وقالت مصادر مطلعة إن اللجنة المركزية لحركة "فتح" اعتمدت صيغة في اجتماعين عقدتهما أمس ، وبموجبها يتم رفع عدد أعضاء اللجنة الـمركزية من 21 إلى 23 عضواً.
وذكرت المصادر أنه بموجب الاقتراح الذي تم إرساله إلى قطاع غزة لدراسته قبل اعتماده رسمياً من قبل المؤتمر، لن يخضع الرئيس محمود عباس للانتخابات باعتباره القائد العام للحركة وبذلك يتبقى 17 مقعداً ستخضع للانتخاب يتوجب أن يكون ثلاثة منها من نصيب قطاع غزة. وأضافت أنه بالنسبة للمقاعد الخمسة المتبقية، فسيقرر الرئيس عباس توزيعها بالتشاور مع اللجنة المركزية الجديدة.
وتستعد حركة "فتح" التي يترأسها الرئيس الفلسطيني محمود عباس الجمعة لانتخاب قيادة جديدة للمرة الاولى منذ عشرين عاما من اجل احياء نفسها بعدما اضعفتها مواجهاتها مع حركة "حماس" وانشقاقاتها الداخلية وسوء ادارتها.
وستشكل انتخابات لجنة مركزية جديدة من 23 عضوا ومجلس ثوري من 120 عضوا العنصر الاهم في مؤتمر "فتح" وهو الاول لها منذ 1989، الذي انطلقت اعماله الثلاثاء الماضي في بيت لحم على ان يختتم الاحد بدلا من الجمعة كما كان مقررا في الاصل.

وكان مقررا ان تجري الانتخابات بعد ظهر الجمعة لكن مشاركين قالوا انه لن يجري قبل السبت بسبب العدد الكبير للمرشحين.
وفي مداخلات اكثرها صاخب تخللت المؤتمر منذ انطلاق اعماله، حمل عدد كثير من المندوبين القيادة الحالية في فتح مسؤولية الاخفاقات واحتجوا بشدة على غياب التقارير الادارية والمالية طوال 20 عاما.
وفي هذا الاطار، تبدو اعادة انتخاب عباس "مرشح التوافق" امرا مضمونا بحسب المندوبين في حين يمكن ان يخسر سائر القادة الحاليين مناصبهم في الهيئات العليا لمصلحة جيل جديد.
وبلغ عدد المرشحين لعضوية اللجنة المركزية 131 وللمجلس الثوري 496 مع صباح الجمعة بحسب مندوبين.
وصرح مندوب رفض كشف اسمه لوكالة "فرانس برس": "تهب رياح تغيير قوية في المؤتمر. في رأيي ان ما لا يقل عن نصف الاعضاء الحاليين في اللجنة المركزية والمجلس الثوري سيتم استبدالهم". ويتوقع ان يترك بعض "الحرس القديم" مناصبهم لمصلحة شباب في اللجنة المركزية التي تدير الحركة.
ويبدو الامين العام لحركة "فتح" في الضفة الغربية والذي تعتقله اسرائيل مروان البرغوثي، والرئيس السابق لجهاز الامن الوقائي جبريل الرجوب وكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، المرشحين الاوفر حظا.
كذلك، يطمح محمد دحلان الذي كان رجل "فتح" القوي في قطاع غزة والقريب من الاميركيين الى الانضمام للجنة المركزية رغم زوال حظوته بعد هزيمة الحركة امام "حماس" في غزة والتي نسبت اليه في شكل كبير.
واما ابرز الاسماء التي ترشحت حتى الآن لعضوية اللجنة المركزية لحركة "فتح" فهي على النحو التالي:
انتصار الوزير "أم جهاد"، ناصر القدوة، توفيق الطيراوي، مروان البرغوثي، جبريل الرجوب، محمود العالول، الحاج إسماعيل جبر، محمد اشتية، حسين الشيخ، نبيل معروف، سلطان أبو العينين، مدني محمد الـمدني، صائب عريقات، صلاح شديد، سعدي الكرنز، طلال دويكات، صلاح التعمري، ربيحة ذياب، جمال محيسن، عزام الأحمد، عوني الـمشني، سحر القواسمي، أبو علي مسعود، مازن عز الدين، سامي مسلـم، أحمد عبد الرحمن، سري نسيبة، سمير صبيحات، يحيى يخلف، نصر يوسف، دياب اللوح، عدنان سمارة، عثمان أبو غربية، نبيل شعث، رمضان بطه، رفيق النتشة، مريم الأطرش، حمدان عاشور، منير عبوشي، جميلة صيدم، حكم بلعاوي، منير مقدح، أحمد هزاع، جمال حويل، قدورة فارس، غازي الحسيني، منذر الدجاني، سمير شحادة، حسام خضر، وليم نصار، عبد الله الإفرنجي، أحمد غنيم، أحمد قريع "أبو علاء"، ربحي عوض، عبد العزيز أبو فضة، فايز زيدان، فخري شقورة، صائب العاجز، أنيس الخطيب، عصام أبو بكر، جميل شحادة، نافذ الرفاعلي، عدنان أبو عياش، أبو علي يطا، عبد الحميد القدسي، حكمت زيد، عباس زكي، كفاح عودة، نجاة أبو بكر، علي نزال، جمال الديك، مطلق حمدان، فؤاد الشوبكي، تيسير أبو سنينة، مصعب العزة، خالد مسمار، أيمن الرقب، مروان عبد الحميد، ربحي موسى، نبيل عمرو، محمد لطفي، أحمد صدقة، رضوان الأخرس، أحمد العبويني، محمود الناطور "أبو الطيب".
--------------------------------------------------
دراسات ميدانية
"باشق الصحافة" في حوار خاص لمعهد الوارف
الأربعاء, 05 /آب 2009
حوار الشهر
مع المفكّر والصحافي حازم صاغيّة عن الحريّات، الإصلاح الديني، والمصالحة مع ثقافة الغربأجرى الحوار جهاد صالح من واشنطن
يقول حازم صاغيّة:" إن الأنظمة الديكتاتورية والتوتاليتارية تستطيع في آن واحد أن تفسد الماضي والحاضر والمستقبل: الماضي بأن تزوّر كتابته، والحاضر بإخضاعه للفقر والقهر، والمستقبل بجعله رهن التهديد بالحرب الأهلية والفوضى الشاملة التي تصير هي، لا الديمقراطية، بديلا لسلطة الاستبداد العسكري والفئوي".
وفي مأزق المواطن الفرد في الشرق الأوسط يقول صاغيّة": إن الفرد في منطقة الشرق الأوسط لم يحقق فردانيته بعد، ومازال خاضعا للجماعة بتشكيلاتها المختلفة ( العائلة ، العصبة ، القبيلة ، الحزب ،الدولة ، الوطن ..)، وأن هذه التشكيلات لا تزال لها الريادة في مقابل الفرد، فإذا تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة ، فإن الثقافة الشرق أوسطية وكذا سائر الثقافات الشرقية لاتحتاج إلى كثير وقت لتحسم النزاع لصالح الجماعة وتقمع الفرد".
هذا هو حازم صاغيّة الكاتب والمحلل السياسي والصحافي الباشق، شخصية فكرية وثقافية فاعلة داخل المحيط العربي والشرق أوسطي، ومن أبرز العقول الليبرالية التنويرية، حيث تمتاز كتاباته وأفكاره بالتأصّل في الوعي نحو ثقافة النقد والشفافية حول كل المشاكل والقضايا التي تتمحور في الفرد والدولة داخل المجتمعات الشرقية بمختلف انتماءاتها وهوياتها، وكذا الدفع باتجاه إنهاء كل أشكال العنف والقمع والثقافات المضللة والتدجينية المتنافية مع مبادئ حقوق الإنسان والحريات.
دعوته الجريئة إلى الإستفادة من الفكر الغربي الحضاري والديمقراطي، لأجل دمقرطة الأوطان انطلاقا من بيروت ودمشق وسائر عواصم الشرق، خلقت أمامه وضده عقول همجية حاولت تصنيفه وفق تظريات التآمر والتخوين الشائعة في ثقافة الشرق االتي ترفض حرية التعبير والنقد.
منذ طفولته تكوّرت لديه نوستالجيا حماسية وذاتية واندفاع إلى ممارسة السياسة، وانفعالات إيقاعية مبكرة دفعته في سن السابعة لكتابة رسالة إلى الزعيم جمال عبدالناصر، وتلقيه ردا بصيغة جماعية موحدة ، وعلق تلك الرسالة على جدار غرفته ومن ثم مزقها حين نشوب الخلاف (الناصري ـ البعثي ).
ذلك الطفل الحماسي لممارسة السياسة تحوّل إلى مفكر ليبرالي ثرّ العطاء في مسألة التأليف والنشر والكتابة الصحافية، ليصبح من أبرز رواد الفكر التنويري والتغييري والإرتقاء بالفرد والمجتمع نحو المساواة والتعددية والديمقراطية.
أردنا أن نتوقف معه في محطة حوارية مقتضبة ليضيء النقاش والصفحات ببعض من مبادئه وفكره الإنساني :
- أول الكلام كتب حازم صاغيّة عن واقع الشرق الأوسط كثيرا، وجرده من الشوائب ليكون لوحة شفافة أمام الحكومات والشعوب. هل يمكن للكلمة والحبر وقول الحقيقة بصراحة أن تكون نورا وأملا بالحرية والتغيير، أمام أصنام وآلهة تحكم بالحديد والنار،وشعوب تلوذ بنفسها إلى الصمت والدين كخيار حتمي؟
لم أفعل شيئاً سوى أني لاحظت وكتبت ما لاحظته. الكلمة، بالمناسبة، تفعل في اتّجاهين، إذ الدينيّون والفاشيّون وسواهم يعتمدونها مثلما يعتمدها التقدّميّون والليبراليّون. لهذا من الطبيعيّ أن تشهد منطقتنا، في هذه المرحلة، صراعاً في الأفكار، كلّ ما يأمله المرء هو أن يُرفَع عنه القمع الرسميّ والمجتمعيّ، وألاّ يسفّ ديماغوجيّاً أو شعبويّاً أو فضائحيّاً. وللأسف، فالأمران حاصلان راهناً بكثرة وإفراط. ويبقى، في النهاية، أن للأفكار دورها في عمليّات التغيير. وبسبب تعقيدات مجتمعاتنا في الشرق الأوسط، ينبغي أن تكون أفكارنا على شيء من التعقيد الذي ينأى بها عن تبسيطيّة رائجة جدّاً.
ـ لبنان نافذة الحريات في العالم العربي، ما زال الجرح ينزف أمام قهقهة العمامة وثقافة ولاية الفقيه المستوردة والمصدّرة، ودولة المؤسسات باتت ملعبا لسياسات العصا والجزرة. لماذا هذه الرهبة من لبنان الوطن الديمقراطي ؟
أعتقد أن تعدّديّة لبنان وانفتاحه على الغرب مكروهان في المنطقة. فالحكّام يخافون تأثيرات هذه التركيبة، فيما الثقافات الشعبيّة (المتشكّلة من خلائط دينيّة وعصبيّة وقوميّة عربيّة وإشتراكيّة ستالينيّة) لا يستهويها ذاك النموذج. فالسائد في وعينا حبّ الكيانات الضخمة التي تملك جيوشاً جرّارة وتطرح على نفسها مهمّات مصيريّة، فيما يتحكّم بها مستبدّ يصير معبود الجماهير. هذا ما لا يمكن أن يكونه لبنان بحكم طبيعته.
ـ إن حلّ أزمة الشرق هي ضمن اعادة انتاج ثقافة جديدة ومغايرة لثقافات التدجين والترويض البوليسية، والوعي بديناميكية المواطن الفاعل والمؤثر، وهذا هو بداية بناء الدولة الحقيقية؟ كيف ترى ذلك؟
لا شكّ أن أيّة مهمّة يتأدّى عنها نهوض وطنيّ ومجتمعيّ في أيّ من بلداننا، مدعوّة لحلّ مسألة إنطاق "المواطن" وديناميكيّته. وهذا معناه، أوّلاً، اعتبار الفرد وحدة مستقلّة بذاتها، لا ملحقاً بأيّ من التشكيلات الجمعيّة الدينيّة والقبَليّة والوطنيّة. ثمّ لا بدّ من جعل "الوطن"، على المستوى السياسيّ، يحلّ محلّ الروابط الأخرى، أكانت فعليّة كالدين والعشيرة والقبيلة، أو إيديولوجيّة كـ"الأمّة العربيّة" و"الأمّة الإسلاميّة" وغيرهما. فمن دون وطن لا يوجد مواطن فرد تماماً كما أن الحؤول دون ظهور المواطنين الأفراد يحول،
في ما أظنّ، دون ظهور الوطن.
ـ أصوات تنادي بتجديد الخطاب الديني، وتنظيف المجتمع الإسلامي عبر ما يسمى ب( الإسلام المعاصر)، وحوار الأديان، ما فتواك المدنية والثقافية والإنسانية لأجل عالم بلا تزمت وبلا تكفير، وترسيخا لمبدأ فصل الدين عن الدولة ؟
من أنا لكي تكون لي "فتوى" في هذه المسائل التي تزن بالأطنان. كلّ ما أعرفه أنه لا بدّ من إصلاح دينيّ في الإسلام مشابه للإصلاح الدينيّ الذي نزل بالمسيحيّة. لكنّ حصول ذلك، في رأيي، مشروط بزوال النظرة إلى الغرب كخصم جوهريّ يحاصرنا ويتآمر علينا، لأن المهجوس بالحصار ميّال إلى التمسّك بكل ما لديه وليس إلى تغييره.
- أمريكا بقيادة الرئيس\ أوباما\ الغارق في الأزمة الإقتصادية، وقضايا الشرق الأوسط المعقّدة ( العراق – فلسطين – لبنان – إيران – سوريا)، كيف يمكن له أن يصل بأمريكا والشرق إلى شاطئ الأمان وبأقل الخسائر؟
في ظنّي أن أوباما سيخطو خطوات صغرى تؤدّي، في آخر المطاف، إلى تحوّلات اجتماعيّة وسياسيّة ملحوظة. وهذا ما كانت خطوته الأولى ذات طبيعة رمزيّة إنّما بالغة الأهميّة، قصدت بذلك وصول أوباما إلى البيت الأبيض. ليست هناك معجزات بطبيعة الحال و"يد واحدة لا تصفّق"، ما يعني أن طريقة تجاوب شعوبنا ونُخبنا مع أوباما سيكون لها تأثيراتها في مجريات المنطقة. وللأسف، لا يزال ذاك التجاوب قاصراً.
- تعتبر القضية الكردية في الشرق الأوسط من القضايا الخطيرة، التي قد تشعل الحرائق من حولها، وتغيّر من الخارطة السياسية والجيوبولوتيكية للمنطقة، برأيك ما هو الحل المثالي لها ؟
أعتقد أنه لا بدّ، في التعاطي مع الموضوع الكرديّ (وكذلك الفلسطينيّ) من الجمع بين بُعدين: الأفق الوطنيّ الديموقراطيّ الذي يوفّر للأقليّات المقيمة في بلد ما أفقاً تعبيريّاً وتمثيليّاً مفتوحاً، والأفق العابر للقوميّات لأن المشكلة الكرديّة (وكذلك الفلسطينيّة) لا يمكن حلّها بكليّتها في نطاق بلد واحد.
ـ نظام الملالي في إيران بات بعبعا يثير قلق الجميع من المحيط إلى الخليج، وكذلك من الدول الكبرى، متى تسدل الستارة وتنتهي هذه المسرحية السياسية، ما تحليلك للدور الإيراني المشكوك فيه من قبل الكثير من المراقبين ، أيمكن أن تكون صفقة وراء الجدار الدبلوماسي؟
أظنّ أن ما أسميتَه "نظام الملالي" بدأ يعيش أزمته المديدة التي ستنتهي به إلى السقوط في آخر المطاف. فهو لا يحتمل انفجار مشكلة شرعيّته نفسها، معطوفة على المشاكل الاقتصاديّة والثقافيّة والعلاقة بالعالم الخارجيّ. أمّا الدور الإيرانيّ الحاليّ فبالتأكيد خطير على النسيج الاجتماعيّ للمنطقة كلّها، وخطير على إيران نفسها التي تملك ما هو أغنى وأثمن بكثير من السلاح والعقائد الهرمة تقدّمه للشعوب المجاورة. أما حديث الصفقة فهذا أترك أمره لـ"العارفين ببواطن الأمور" وانا لست منهم.
ـ المرأة التي هي روح المجتمع ما زالت تعيش في عبودية وانكسار وقهر في المجتمعات الذكورية المتسلّطة وثقافة العشيرة، كيف تراها أنت، وهل من علاج ودرهم وقاية ؟
قضيّة المرأة مثل قضيّة الإصلاح الدينيّ لا يمكن معالجتها من دون تغيير نظرتنا إلى الثقافة والقيم التي تفد من الغرب. فمصالحتنا مع الغرب وثقافته وتخلّصنا، بالتالي، من أوهام المؤامرات و"الغزو الثقافيّ" هما ما يصالحاننا مع نسائنا.
- حازم صاغيّة الكاتب والمحلل السياسي والإنسان، ماذا يمكنك أن تقدم للإنسان المواطن في الشرق الحزين،ونحن بأمسّ الحاجة إلى نخب انسانية وثقافية تنير الظلمات بنور العقل والقلب والقلم ؟
لا أدري ما إذا كان في وسعي أن أقدّم شيئاً غير ما أفعله اليوم وهو أن أكتب ما أراه وألاحظه.
© 2009 معهد الوارف للدراسات الإنسانية
-----------------------------------------------
تعليقات الصحف الألمانية 7 أغسطس/ آب 2009
افتقار منظمة فتح إلى قيادات شابة ومهمة قوات التحالف الغربية في أفغانستان، وانتقادات المسلمين لاحتواء فقرة من نشيد فريق "شالكه" لكرة القدم على ذكر النبي محمد من أبرز الموضوعات التي تناولتها الصحف الألمانية اليوم الجمعة.
حول الوضع الداخلي في منظمة فتح وانعكاساته على التقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط، كتبت صحيفة شتوتغارتر تسايتونغ Stuttgarter Zeitung تقول:
"عملت قيادة منظمة فتح خلال السنوات الماضية بقوة للحيلولة دون حدوث أي تغيير فيما يتعلق بالعضوية والبرنامج، والنتيجة هي عدم وجود أية شخصيات مؤثرة ومقنعة تحل مكان القيادات القديمة على قمة هرم المنظمة. كما أن بعض الشخصيات السياسية التي تتبنى طريقا ثالثا يصل إلى حد المواجهة البراغماتية كحنان عشراوي مثلا تم تهميشها. وفي خضم هذا كله تبقى المحسوبية هي المسيطرة على المنظمة، وإذا لم يتم تحقيق تقدم يذكر في عملية السلام خلال السنوات القادمة، فإن فتح ستتحمل قسما كبيرا من المسؤولية في هذه النتيجة."
وحول تزايد عدد القتلى من جنود قوات التحالف في أفغانستان، وآفاق نجاح المهمة العسكرية في ذلك البلد بعد قرار الرئيس الأمريكي بمضاعفة عدد القوات الأمريكية هناك، كتبت صحيفة نويه اوسنابروكر تسايتونغNeue Osnabrücker Zeitung تقول:
"فاق عدد الجنود الغربيين الذين قتلوا في أفغانستان خلال الشهر الحالي وحده عدد الذين قتلوا في المعارك في الفترة ما بين عام 2001 وحتى نهاية عام 2002 عند إسقاط نظام حركة طالبان الحاكمة آنذاك. والسؤال الذي يُطرح هو كيف يمكن طي صفحة هذه الهزيمة؟ إن إجابة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لا تختلف كثيرا عن إجابة سلفه جورج بوش عن هذا السؤال عندما تعلق الأمر آنذاك بالعراق. فأوباما زاد عدد القوات من خمسين ألفا إلى مائة ألف، ويشكل الجنود الأمريكيين والبريطانيين ثمانين في المائة من تعداد هذه القوات. (...) إن هذه المهمة لن تكلل بالنجاح بين ليلة وضحاها، لكن الإرادة الأمريكية متشبثة بمواصلة دعمها للأفغان حتى يصبحوا في وضع يمكنهم من حماية بلادهم بأنفسهم."
وعلى خلفية الانتقادات التي وجهها مسلمون لاحتواء فقرة من نشيد فريق "شالكه" الألماني لكرة القدم على ذكر النبي محمد والجدل الذي ثار في هذا الخصوص مؤخرا كتبت صحيفة برلينر تسايتونغ Berliner Zeitung تقول:
"في عالمنا الحافل بالثوابت أصبحنا نخشى حتى من مجرد مزحة. وكلما زادت عقلانيتنا كلما أصبح تصورنا عن التعايش المشترك مصطنعا وكلما زاد خوفنا من أن تتسبب هفوة في اندلاع العنف المكبوت. إن الأصل الذي يرجع إليه نشيد قديم للغاية. وعند الإطلاع على أرشيف الأغاني الشعبية الألمانية في مدينة فرايبورغ، فإن الأصل الذي استقي منه النشيد هي أغنية من أغاني الصيادين كتبها الشاعر والنبيل الألماني لودفيغ فون فيلدونغن عام 1797. (...) ألا يمكن للمرء أن يمزح أحيانا؟؟"
إعداد: نهلة طاهر
مراجعة: طارق أنكاي
----------------------------------------------