العراق على طريق الاستقلال (*)
الدكتور عبدالله تركماني
يمر العراق بمرحلة مفصلية مهمة بعد الانسحاب الأمريكي من المدن العراقية في 30 يونيو/حزيران الماضي، كخطوة على طريق انسحاب آخر جندي أمريكي من الأراضي العراقية في فترة أقصاها نهاية العام 2011.
وباعتبار أنّ العراق دولة لها تاريخ وحضور على الصعيدين الإقليمي والدولي، وتمتلك كل عناصر القوة: البشرية، الاقتصادية، الاجتماعية،الثقافية، الموقع الجيو - استراتيجي المهم والمؤثر في المنطقة. فإنّ ثمة أسئلة كثيرة تطرح نفسها: هل سينعم العراقيون بسلم اجتماعي يمكّنهم من إعادة بناء بلدهم الذي هدمته الحروب المتواصلة، وآخرها الاحتلال الأمريكي ؟ أم سيكون الانسحاب الأمريكي من العراق مأزقا لا يقل عن مأزق الاحتلال ؟ هل العراق مقبل على حرب طائفية وسياسية جديدة بأجندة انتخابية ؟ غير أن السؤال الحيوي، هو ذلك المتعلق بمواقف العرب وإيران إزاء العراق في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي ؟
ما لاشك فيه أنّ ثمة عوامل عديدة تتحكم في المشهد العراقي المستقبلي، ومنها قدرة قوات شرطته وجيشه على ضبط الأمن وقناعة قواه السياسية بالتعاون في المرحلة القادمة وفقاً للآليات الوطنية والديمقراطية، فضلاً عن التدخلات الخارجية وحسابات دول الجوار فيما يجري بالعراق.
ومن سوء طالع العراقيين عامة أنهم ما إن بدؤوا يشعرون بأنّ سنوات الحروب والحصار والدمار قد ولّت، وذاقوا بعضاً من أمنهم المفقود، وأنّ بلدهم بدأ يرفع عن كاهله أثقال الاحتلال ومذلته تدريجياً حتى تصاعدت فجأة حدة العنف، وعادت التفجيرات التي أسقطت في أسبوع واحد أكثر من 250 قتيلاً.
وفي كل الأحوال العراق يحتاج إلى تضامن أبنائه، بمختلف مكوناتهم الطائفية والقومية، من أجل التعامل الفاعل والإيجابي مع استحقاقات هذه المرحلة، والتحديات التي تنطوي عليها. لذلك فإنّ أكبر رد عراقي على قوى التطرف والعنف هو الاتجاه إلى مزيد من التضامن والوحدة لتأكيد أنّ لا عودة إلى التوتر الطائفي من جديد، وأنّ الحرب الأهلية خط أحمر لن يسمح أي عراقي بتجاوزه. ومن أجل تحقيق ذلك، لابد من خطوات جادة وكبيرة على طريق المصالحة الوطنية الشاملة، وتحقيق التوافق الوطني حول القضايا الكبرى التي تتصل بمستقبل العراق، وطبيعة النظام السياسي فيه، وشكل العلاقة بين طوائفه ومذاهبه، حتى يتم تحصين الجبهة الداخلية العراقية ضد أية محاولات لاختراقها.
إنّ انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية الرئيسية يشكل اختباراً مصيرياً لحكومة السيد نوري المالكي والائتلاف الداعم لها، من حيث قدرتها على ملء الفراغ الأمني الناجم عن هذا الانسحاب، وتوفير الطمأنينة للعراقيين، وانطلاق ورشة بناء شامل ومتكامل، تبدأ بالدولة وأجهزتها وما يتطلبه ذلك من إصلاحات سياسية وإدارية، وينتهي بإعادة إعمار بنية البلد المدمرة، مروراً بالقضاء على الفساد المستشري، الذي يشكو منه الجميع في العراق.
والأمر المهم في هذا السياق هو أنّ الانسحاب من المدن هو مقدمة للانسحاب الأمريكي الكامل من العراق بحلول نهاية عام 2011، ولهذا فإنه اختبار مهم لقدرة العراقيين على إدارة شؤونهم بأنفسهم كمقدمة لحصول العراق على سيادته الكاملة غير المنقوصة.
إنّ دول جوار العراق معنية بأمنه واستقراره، فعليها أن تمنح نوعاً من الاهتمام لهذا الجانب، خلال المرحلة المقبلة، بالعمل على تماسك العراق بدلاً من تفكيكه، وخصوصاً خلال التحضير للانتخابات التشريعية العراقية القادمة، لدعم وتوسيع قاعدة شرعية الحكومة العراقية، لتصبح هذه الشرعية منبراً لمعالجة قضايا أخرى لها آثارها على استقرار منطقة الشرق الأوسط مثل: جذور وأسباب التطرف والإرهاب والبطالة والفقر.
وفي الواقع، ستواصل إيران اهتمامها بالعراق، لكنّ المرجح أن تلجأ إلى إحداث تغيير جوهري في طريقة تدخلاتها في الشأن العراقي، قد يتمثل في انتقال التدخلات من حالة الدعم المسلح للمجموعات الإرهابية وتشجيع عمليات الزعزعة المسلحة، إلى حالة تقوية النفوذ الأمني والسياسي الإيراني داخل الحكومة العراقية وعمليتها السياسية.
وعلى العرب كلهم أن لا يبقوا متفرجين، فالنيران التي يمكن أن تشتعل في هذا البلد العربي الأصيل، الذي قدره أن يكون في هذا الموقع الجغرا – سياسي المهم وبهذه التركيبة المذهبية والإثنية وبهذا الثراء وبهذا العمق الحضاري، سينتقل شررها إلى بلدانهم.
لقد دخل العراق مرحلة جديدة ومهمة في تاريخه الحديث هي مرحلة السيادة، يحتاج فيها إلى الدعم العربي القوي من أجل التغلب على مشكلات هذه المرحلة وتحدياتها. وتبقى دول مجلس التعاون الخليجي الساحة الخلفية المهمة للعراق، مما يستدعي منها أن تعيد النظر في سياستها الخارجية تجاه العراق، ومد يد العون له في كل المجالات.
وإذا كانت السنوات الست من الاحتلال الأمريكي للعراق قد أثبتت شيئا، فإنها أثبتت أنّ الهويات الفرعية، الطائفية والعرقية والدينية، ليس بإمكانها بناء مجتمع عصري ودولة قوية وحياة مزدهرة، بعيدا عن الوطنية العراقية الجامعة. وعليه، لن يكون هناك مجال للشك في أنّ بناء العراق الجديد مهمة استثنائية تتطلب زعماء على مستوى رجال دولة، وليس زعماء طوائف وعشائر يتقاتلون حول الثروات والنفوذ.
لقد آن الأوان لأن يدرك العراقيون أنّ لا خيار أمامهم سوى التوافق وتحديد الأهداف والقواسم المشتركة، عن طريق بناء العراق الجديد والتوزيع العادل لمكتسبات التنمية. ولا بأس أن يحلم العراقيون بانتخابات تشريعية مقبلة تقوم على أسس عصرية جديدة، كأن تقدم قوائم تتضمن تنويعات التعدد الوطني العراقي وتحكمها البرامج، فهل هذا ممكن تمهيداً للانسحاب الأمريكي الشامل واستكمال التحرر الوطني ؟
تونس في 5/7/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 9/7/2009
----------------------------------------------------------------------
وزير الخارجية الألماني شتاينماير: "لا مكان لمعاداة الأجانب في ألمانيا"

المستشارة أنجيلا ميركل أعربت للرئيس المصري حسني مبارك عن تعازيها في حادث مقتل المواطنة المصرية مروة الشربيني، ووزير الخارجية الألماني يؤكد لنظيره المصري حرص بلاده على عدم تكرار مثل هذه الجرائم.
أبلغ وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير نظيره المصري أحمد علي أبو الغيط تعازيه للشعب المصري وخاصّة لعائلة الضحية مروة الشربيني، التي كانت قتلت على يد شاب ألماني من أصل روسي مطلع هذا الشهر في محكمة دريسدن. وأعرب شتاينماير في بيان صدر اليوم الجمعة (10 يوليو/ تموز 2009) عن وزارة الخارجية في برلين عن بالغ أسفه لمقتل المواطنة المصرية. وأكّد الوزير بالقول: "سنبذل كلّ ما في وسعنا للحيلولة دون حدوث مثل هذه الجرائم"، مضيفا: "نحرص على أن يشعر كلّ فرد في ألمانيا بالأمان، بغضّ النظّر عن جنسيته أو انتمائه العرقي أو الدّيني." وشدّد شتاينماير على رفضه لشتى أنواع العنصرية بالقول: "لا مكان في ألمانيا لمعاداة الأجانب أو معاداة الإسلام."

توجيه تهمة القتل وعقوبتها السجن المؤبّد
المستشارة الألمانية أبلغت الرئيس المصري تعازيها وبالغ أسفها لمقتل المواطنة المصرية في مدينة دريسدن الألمانية وفي تطوّر سابق طالب الرئيس المصري حسني مبارك خلال لقائه بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مدينة لاكويلا بايطاليا، "بمحاكمة الجاني على وجه السّرعة". ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن دبلوماسي مصري في إيطاليا أن المستشارة "قدّمت تعازيها للرئيس المصري" خلال لقائمها على هامش قمّة مجموعة الثماني. على صعيد آخر قال رئيس نيابة مدينة دريسدن الألمانية كريستيان أفيناريوس إنّه من المُقرّر توجيه تهمة القتل العمد للشاب الألماني، الذي قتل المصرية مروة الشربيني "وعقوبتها السّجن المؤبد"، بحسب وكالة الأنباء الألمانية.
وأكّد أفيناريوس أن القانون الألماني يُطبّق على الألمان والأجانب على حدّ السواسية طبقا للدستور الألماني. وذكر أفيناريوس في حوار خاص أجرته معه صحيفة "المصري اليوم" ونشرته اليوم الجمعة أنّه يجرى الآن التحقيق مع المُتّهم لمعرفة ما إذا كان هذا العداء بداخله تجاه الأجانب بصفة عامة أم المسلمين بصفة خاصة. وأضاف المسؤول الألماني أنّ التحقيق قد يستغرق عدّة شهور قبل إصدار الحكم النهائي.
ولدى سؤاله حول إمكانية صرف تعويضات مادية لأسرة الضّحية، أجاب أفيناريوس قائلاً: "ينصّ القانون الألماني على صرف تعويض لأسرة الضّحية، لكن لا يمكن الحصول عليه قبل غلق ملف القضيّة". وأوضح أن المُتّّهم "يقيم في ألمانيا منذ نهاية عام 2003، وكان يتلقّى معظم الوقت معونة اجتماعية من الحكومة، وأحياناً كان يعمل في وظائف مؤقتة"، لافتا إلى أنه "لا يوجد لدينا معلومات عن انتمائه لجماعات ذات نشاط سياسي أو ديني أو أي جماعات أخرى."
استنكار بعض الأوساط الإعلامية
خبير ألماني يحذّر من تستغل بعض الجهات غضب الشعب المصري لتعكير صفو العلاقات مع الشعب الألماني كما أثارت الحادثة استنكار بعض الأوساط الإعلامية، فقد تساءلت صحيفة دير تاغشبيغل (Der Tagesspiegel) البرلينية في عددها الصّادر يوم أمس الخميس (09 يوليو/تموز 2009) بالقول: "لماذا بقي مقتل امرأة مُحجّبة لم تسقط ضحية "جريمة شرف" مُجرّد خبر هامشي صغير لمدّة أسبوع؟". وأضافت الصّحيفة "هل يمكن أن يكون التعامل مع هذه الجريمة انعكاساً لطريقتناً في التفكير؟". وفي سياق متّصل دعا أستاذ جامعي مُتخصّص في العلوم الإسلامية في ألمانيا إلى التعامل بشكل جدّي مع حالة الغضب، التي انتابت مصر عقب حادث مقتل مروة الشربيني.

وقال البروفيسور بيتر هاينه، أستاذ في العلوم الإسلامية بجامعة هومبولت في العاصمة برلين، في تصريحات نشرتها صحيفة "بيلد" الألمانية على موقعها الالكتروني اليوم الجمعة (10 يوليو/ تمّوز): "يجب أن نأخذ غضب الشّعب المصري بشكل جدّي للغاية"، مشدّداً على أنّ هذا الغضب "حقيقي لا تنظمه أنظمة مُعيّنة". ويعزو هاينه حالة الغضب التي ظهرت في عدد من المظاهرات في مصر، والتي تمّ خلالها ترديد هتافات ضد ألمانيا، إلى ثلاثة أسباب: أوّلها الاعتقاد بأن مروة قتلت لأنها مُحجّبة، وثانيها ما تردّد من أن رجل الشرطة الألماني أطلق الرصاص على زوج مروة في قاعة المحكمة بعدما اعتقد أنّه الجاني لمجرّد أن بشرته داكنة. أمّا ثالثها هو أن الشعب المصري رأى أن ردّ فعل الحكومة الألمانية على الحادث لم يكن متعاطفا بالقدر الكافي.
وقال هاينه إن تصريحات نائب المتحدث باسم الحكومة الألمانية، التي وصف فيها الجريمة بـ"الشنيعة" وإنّها تسبّبت في حالة من الصّدمة والأسى في ألمانيا، لم تكن كافية. وأشار البروفسور إلى ضرورة تدخّل المستشارة أنجيلا ميركل شخصيا في الأمر. ويخشى هاينه أن يستغل بعض من وصفهم "بدعاة الكراهية" الموقف لنشر رسالة مفادها: "انظروا إلى الألمان إنهم أعداء لنا".
تأبين الضحية المصرية في دريسدن
من جهته دعا المجلس الإسلامي للتنسيق، الذي يُعنى بالتنسيق بين كبار المُنظّمات الإسلامية في ألمانيا، جميع المسلمين في ألمانيا اليوم الجمعة إلى الصّلاة على روح المواطنة المصرية. ومن المنتظر تنظيم مراسيم تأبين لمروة الشربيني أمام بلدية مدينة دريسدن تشارك فيها شخصيات سياسية ألمانية كبيرة مثل رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي فرانتس مونتيفيرينغ ووزيرة العلوم والفنون بولاية سكسونيا إيفا-ماريا شتانغر.
(ش.ع / د.ب.أ / أ.ف.ب / إ.ب.د)
مراجعة: عماد م. غانم
-------------------------------------------------------------
بدائل ثقافية لإخراج "الاتحاد من أجل المتوسط" من مأزقه السياسي
جامعة بون احتضنت ندوة عنوانها"الاتحاد من أجل المتوسط: ثقافة وتنمية من الرباط الى هلسينكي "دعا مثقفون وخبراء أوروبيون وعرب في ختام ندوة عقدت نهاية الأسبوع الماضي في جامعة بون الى اعتماد استراتيجية ثقافية موحدة للبلدان الأعضاء في "الاتحاد من أجل المتوسط" للنهوض بهذا المشروع الذي يواجه مأزقا بسبب أزمات سياسية.
بعد عام واحد على تأسيسه في باريس، تعرضت المؤسسات السياسية لـ"الاتحاد من اجل المتوسط" إلى شلل شبه تام بسبب تداعيات حرب غزة، بينما تمكنت مؤسساته الثقافية من مواصلة رسالتها. وكسبيل للنهوض بمشروع الاتحاد المتوسطي بشكل عام، دعا المشاركون في ندوة بون إلى اعتماد إستراتيجية ثقافية موحدة للبلدان الأعضاء في "الإتحاد" تعتمد على مبدأ الحوار بين الثقافات.
وبرأي رونالد غراتس أمين عام معهد العلاقات الخارجية الألماني، فإن الإتحاد من أجل المتوسط يشكل منتدى ملائماً للحوار بين الثقافات. وأوضح الخبير الألماني بالقول إن الاتحاد وضع منذ انطلاقته التبادل العلمي والثقافي كركيزة أساسية لإستراتيجيته القائمة على ستة مجالات تشمل السياسات الأمنية والاجتماعية والبنيات التحتية وحماية البيئة.
حوار الثقافات - "مهمة صعبة"
رونالد غراتس أمين عام معهد العلاقات الخارجية الألماني بيد أن طرح البعد الثقافي كسبيل للنهوض بالمشروع المتوسطي ينطوي بدوره على عدة عوائق، إذ يثير النقاش حول الإسلام جدلا حاداً في أوساط المثقفين والسياسيين في بلدان ضفتي المتوسط وداخل كيان الإتحاد الأوروبي نفسه. ويعترف الايطالي غيان لوكا سوليرو رئيس فرع الإسكندرية لمؤسسة "آنا ليند" الأوروبية المتوسطية لحوار الثقافات، بـ"صعوبة مهمة الحوار بين الثقافات" في ظل مناخ الأزمات السياسية الحادة بدءاً بأحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ووصولا إلى حرب غزة، إضافة إلى أوضاع كبت الحريات في بعض دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
ولتجاوز هذه الصعوبات تعمل مؤسسة "آنا ليند" على بناء شبكة تضم أكثر من 2500 من هيئات المجتمع المدني والهيئات الثقافية من البلدان الأعضاء في الاتحاد، وتسعى لبلورة إستراتيجية مشتركة لتفعيل الحوار في ميادين التربية والتعليم والإعلام والمؤسسات المدنية.
أما الدكتور منير الفندري، رئيس قسم الدراسات الجرمانية بجامعة منوبة في تونس، فقد شدد على ضرورة تعميق فكرة التقارب بين شعوب بلدان المتوسط، وعدم اقتصارها على الإطار النخبوي. من جهته لاحظ الباحث الألماني بجامعة كارلسروه الدكتور بيرند توم رئيس "المبادرة العلمية للثقافة والسياسة الخارجية" أنه يتعين البحث عن العوامل الثقافية المشتركة والبناءة التي تساعد على تقارب أوروبا مع جيرانها في جنوب وشرق المتوسط، وعدم التركيز على عناصر الخلاف بين الثقافات والهويات الدينية.
تجارب ألمانية للحوار مع العالم الإسلامي
: الدكتور منير فندري جامعة منوبة بتونس والحائز على جائزة "الأخوين غريم " الأدبية الألمانية المرموقة وخلال ندوة جامعة بون، طرحت مؤسسات ألمانية ثقافية وعلمية تجاربها للحوار مع العالم الإسلامي، ومن ضمنها معهد العلاقات الخارجية الذي أوضح أمينه العام أن الحوار مع العالم الإسلامي يشكل محوراً رئيسياً في إستراتيجية المعهد. ويعمل المعهد في هذا الاتجاه بالتعاون مع شريكه "معهد غوته"، الذي يمتلك شبكة من المراكز والفروع في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.
ومن خلال تجربة المعهد الألماني في مجالات التعاون الثقافي والفني مع بلدان إفريقية وعربية، فإن أنجع سبيل لتحقيق التفاعل الثقافي الايجابي، برأي رونالد غراتس، يمر عبر التركيز "أولا على جودة العمل الفني والثقافي، وثانيا على مبدأ التفاهم في إطار احترام الهويات والخلفيات الدينية المختلفة للمتحاورين".
اختلاف النظرة للإسلام ودوره في أوروبا
وناقش المشاركون في الندوة الإشكالات التي يثيرها موضوع دور الإسلام في أوروبا، فبالنسبة للدكتور غراتس يدعو إلى عدم الخلط بين الإسلام وهويات الأفراد والمجموعات المنتمية للبلدان الإسلامية، موضحاً أن الهوية الحديثة تتشكل من خلال عمليات تحول وتأقلم مستمرة وهي تتشكل من عناصر مركبة يتداخل فيها الدين واللغة ومكونات ثقافية محلية. ومن جهته لاحظ المسشترق الفرنسي الدكتور كريستيان لوشان رئيس "جامعة بلا حدود" في باريس، أن النظرة إلى الإسلام في أوروبا تختلف ليس فقط بين الأوروبيين، بل بين المسلمين أنفسهم. وأوضح المستشرق الفرنسي أن الاختلاف في النظر للإسلام داخل أوروبا مرده إلى وجود خلفيات تاريخية واجتماعية متباينة، ففي فرنسا يرتبط الإسلام فيها بوجود جاليات مغاربية ومن غرب إفريقية، بينما يغلب الوجود التركي على الجاليات المسلمة في ألمانيا وبلجيكا الفلمنكية ودول شمال أوروبا. أما في بريطانيا فيغلب العنصر الباكستاني والهندي.
وأضاف لوشان أن وجود الإسلام في دول البلقان له خصوصية كونه تاريخيا أكثر تجذراً. كما يوجد اختلاف بين "الإسلام التركي" الذي يعتمد على كونه إسلام دولة تشرف عليه رسميا الحكومة التركية، و"الإسلام المغربي " و"الإفريقي" الذي تحظى داخله الطرق الصوفية بنفوذ كبير. كما يخضع المسلمون داخل أوروبا لتأثيرات مختلفة سواء من سياسات بلدانهم الأصلية أو نزعات صوفية، أو جماعات سلفية أو جهادية أو شيعية ، الأمر الذي يثير صعوبات وانقسامات.
ولمعالجة الإشكالات التي تنتج عن سوء التفاهم حول الإسلام داخل الدول الأوروبية ، يقترح الدكتور لوشان التركيز على برامج التربية والتكوين وخصوصا للأجيال الشابة في المجتمعات الأوروبية لتعميق المعرفة والفهم للأديان والثقافات المختلفة. وأشار إلى أن الإشكالات التي تواجهها فرنسا أملت على الدولة المساهمة في تمويل بناء المساجد ومراكز تعليم اللغة والدين، وأن هذه الوظيفة الجديدة للدولة ستفرض تعديلا للقانون الذي يمنعها من التدخل في الشؤون الدينية باعتبارها دولة علمانية.
دعوة لإقامة "فضاء متوسطي للمعرفة "
الدكتور بيرند توم (يمين الصورة)في مناقشة مع غيان لوكا سوليرو(يسار)وأظهرت مداولات ندوة جامعة بون اهتماماً خاصاً بالتعليم والتبادل العلمي والتكنولوجي، ودعا الدكتور بيرند توم من جانبه إلى تطوير مشروع الجامعة المتوسطية التي تسعى مؤسسة "آنا ليند" لإقامتها، عبر نسج منظومة متوسطية تضم جامعات الدول الأعضاء في "الاتحاد" وإقامة "فضاء متوسطي للمعرفة". ورأى الباحث التونسي الدكتور منير الفندري أن تكوين الشباب وتنشئة الأجيال الجديدة على فكرة التقارب بين شعوب وبلدان البحر الأبيض المتوسط ، يتعين أن يكون في صلب أولويات الاتحاد المتوسطي، من خلال اعتماد برامج للتعاون في ميادين التعليم والتربية. وحذر الدكتور فندري من فشل مشروع الاتحاد المتوسطي وقال إن عواقبه ستكون وخيمة على الجيل الحاضر والأجيال المقبلة، وسيتولد عنه انعدام الأمل في إقامة تعاون وتقارب بين بلدان ضفتي المتوسط.
الكاتب: منصف السليمي
مراجعة: عماد م. غانم
----------------------------------------------------
