
الأزهار النارية للحرية
سهير اتاسي
لا يمكن لبراعم التغيير أن تتفتّح إلا في أرض خصبة، ضاربةً جذورها في الأعماق متأصّلة فيها، لا تحدّ من امتداد أغصانها تلك السقوف التي ترتفع وتنخفض تبعاً لسياسة رسمية أو تكتيك جهة حزبية أو مصالح فردية أقلوية...
من شأن أي حراك شبابي حقيقي مستقل أن يشكّل عماد تلك الأرض، وذلك بما يحمله من طموح بمستقبل حرّ كريم في مجتمع ديمقراطي تسوده قيم العدالة والإنسانية. ولن يكون هناك مفاصل تحوّل رئيسية في سعي المجتمعات نحو الحرية دون مشاركة الشريحة الأوسع فيها: الشباب.
تلك هي الحقيقة البيّنة التي أدركها النظام في سوريا ليجعل من أي نشاط شبابي حرّ خطّاً أحمر يحظر تجاوزه.. وهكذا نجده لا يتردّد في بطش أي حراك شبابي مستقل حتى ولو كان في مرحلته الجنينية. ففي عام 2004، اعتقل وفصل طلاب من الجامعة لمجرّد قيامهم باعتصام مطلبي سلمي احتجاجاً على المرسوم القاضي بإنهاء التزام الدولة بتوظيف المهندسين خمس سنوات بعد تخرّجهم، ثم تواصلهم مع بعض أطياف الحراك الديمقراطي سعياً منهم في توسيع دائرة اهتمام الرأي العام بقضيتهم. كما اعتقل طلاب أكراد اعتصموا احتجاجاً على العنف الأمني الذي تعاملت به السلطة تجاه أحداث القامشلي في نفس العام، والتي تجاوزت الحدث المباشر المتعلّق بمجرّد صدام بين مشجّعي فريقَين رياضيَين في ملعب. وعلى الرغم من ذلك، لم يغلب الحراك الشبابي الجنيني الشعور باليأس والإحباط، بل ظلّ يبحث عن طرائق للعمل المدني السلمي ليعبّر الشباب من خلاله عن التزامهم بأمانة روحية وأخلاقية تقتضي بذل كل المساعي لمحاولة ربط ما تفككه أجهزة القمع، وزرع ما تقتلعه ريح التسلّط. فلم يتردّد بعضهم في تشكيل لجنة شبابية، عام 2005، في إطار منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي عندما حرص المنتدى على توسيع دائرة نشاطه ليخرج من الدائرة الضيّقة المتمثّلة بأطياف المعارضة، وليتجاوز حدود السجالات العقيمة مع مبعوثي السلطة إلى ندواته المفتوحة. وكان تميّز الشباب بأدواتهم المبتكَرَة ونظرتهم الجديدة لمعالجة أزمة المجتمع السوري ورؤاهم المتجددة وتفكيرهم الإيجابي الذي يعمل على تجاوز الانطباع السلبي. كانت تلك تجربة ديمقراطية حقيقية ضمّت أكثر من سبعين شاباً من مختلف المحافظات تحاوروا على مدى جلسات وجلسات، وقدّموا برامج عمل تمّ التصويت عليها، ثم كان انتخاب لجنة إدارية لم تسنح لها الفرصة لإدارة ذلك النشاط الشبابي المدني الواعد.
فبدايةً كان التصدّي لهذا المشروع من طرف بعض العقليات الوصائية النخبويّة في المعارضة، والتي رأت أن هذا النشاط "سيسير بالمنتدى نحو الهاوية"، و"سيتسبّب بالهبوط بسويّة المنتدى".. تلك العقليات التي لا ترى في الشباب إلا "قلّة الخبرة وعدم تحمّل المسؤولية والطيش والمبالغة في الحماس والاندفاع".. فيتقاطعون بذلك، من حيث لا يدرون ربما، مع العقلية الاستبدادية للسلطة الحاكمة التي تتعامل مع الشعب بوصفه قاصراً منتقصةً من أهليته الوطنية وجدارته الإنسانية.
لم ينجح هذا التصدّي في تجميد المشروع، خصوصاً في وجود شخصيات معارضة منفتحة على الشباب، تجد في حراكهم الحاضنة الضرورية التي تغرس وتعزّز جوهر وروح الفكر الديمقراطي، وترى في اهتمامهم بالنضال المطلبي أساساً ممكناً لاستقطاب شريحة أوسع من المجتمع الذي اعتزل ممارسة الشأن العام.
ثم جاء القرار الأمني للنظام السوري بإغلاق منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي ومحاصرة مقرّه حصاراً محكماً معطِّلاً ندواته واجتماعاته، تارةً بذريعة عرضه وجهة نظر جماعة الأخوان المسلمين في ندوة مفتوحة حول "الإصلاح في سوريا" (إلى جانب وجهات نظر عديدة للتوضيح البسيط)، وطوراً بحجّة عدم الحصول على ترخيص من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل (والتي رفضت عام 2001 طلب إشهار المنتدى بحجّة عدم الاختصاص).
لم يثنه عن التوغّل في أخطائه باتخاذ مثل هذا القرار حقيقةَ أن المنتدى امتلك شرعية الأمر الواقع بممارسة نشاطه العلني الحواري طيلة خمس سنوات، ولا حتى قصور السلطات نفسها في إصدار قانون عصري ينظم نشاط المنتديات والجمعيات والأحزاب (وليس المقصود هنا حتماً قانون طوارئ جديد على غرار قانون المطبوعات الأخير). ولعلّ النظام في سوريا قد أوصل الرسالة "الرّدعية" المطلوبة باعتقال علي العبد الله المكلَّف من قِبَل مجلس الإدارة بقراءة ورقة الأخوان المسلمين عدّة أشهر، ومن ثم اعتقال كل المجلس لمدة أسبوع.. أوصلها لكل من تسوّل له نفسه بأن يتمثّل مبدأ الحوار الديمقراطي الحقيقي عبر الانفتاح على مختلف التيارات الوطنية الديمقراطية والمكوّنات الأساسية للمجتمع بغضّ النظر عن درجة الحظر التي تُطَبَّق من طرف سلطة تجرّد كلّ المجتمع من حقّه في ممارسة الشأن العام بما يتضمّنه من حقّ التفكير والتعبير. فلماذا إذاً إغلاق المنتدى وحظره هو الآخر؟؟
بات من الضروري التدقيق في هذه الحيثيات، وربط منع المنتدى من ممارسة نشاطه بعمله على تأسيس حراك شبابي فاعل كان هو صاحب المبادرة في الاعتصامَين الأوليَين دفاعاً عن مجلس إدارة المنتدى عند اعتقاله وعن حرية الرأي والتعبير في سوريا. بهذا المنع أراد النظام الإجهاز على تكوّن نواة نشطة تنذر بعودة الشباب إلى الاهتمام بالشأن العام، وتشارك في العمل على تجديد الحياة الفكرية والثقافية والسياسية في سوريا، وتنتقل بها إلى ميدان الفعل الحقيقي.
كذلك استمرّ النظام السوري في اعتماد نهج الدولة الأمنية باعتقال مجموعة من الشباب منذ العام الماضي على خلفية حوارات وكتابات ذات طابع سياسي، ثم إصدار الأحكام عليهم بالاعتقال في سجن صيدنايا العسكري لفترات تتراوح بين خمس إلى سبع سنوات، أحكاماً لا تقبل النقض أو المراجعة صادرةً عن المحكمة الاستثنائية لأمن الدولة، إضافةً إلى تجريدهم من حقوقهم المدنية بعد أن تعرّضوا لأشكال متعددة من التعذيب النفسي والجسدي. عمر علي العبد الله، طارق الغوراني، حسام ملحم، دياب سرية، ماهر إبراهيم إسبر، أيهم صقر، علاّم فاخور، قد لا يمثّلون - بإصرارهم على التعبير عن هموم وطموحات كلّ الشباب السوري بالوصول إلى سوريا حرّة ديمقراطية كريمة - إلا أقليّة في الشريحة الشبابية المصابة بالإحباط واليأس والخوف من القمع، والعازفة عن الاهتمام بالشأن العام في مجتمع تغلبه قيم الطاعة والامتثال والقسر والإرغام.. ذلك لا يعني أبداً أننا لا يمكن أن نتلمّس في بواطن هذا العزوف والانكفاء تعبيراً – ولو سلبياً – عن الاحتجاج على السياسات الرسمية العامة وفقدان الثقة في البناء السياسي والحزبي القائم.
تلك الشريحة أفقدها الشعور بالظلم والتمييز، الانتماءَ لهذا الوطن... حيث لا يمكن لهذا الانتماء أن يتعزّز إلا عندما يصبح الوطن ملاذاً يجد فيه الإنسان حريته وكرامته وإنسانيته، ويمارس فيه مواطنيته القائمة على الحقوق وليس فقط على الواجبات. بذلك فقط نستعيد إنسانيتنا ووطننا، كما نعيد الاعتبار لمفهوم "السيادة الوطنية" كي تعبّر عن سيادة مواطنين أحرار وليس سيادة حكّام على شعب محاصَر.
وتلك هي نفس الأقلية التي لا بدّ ستمتدّ لتشمل الشريحة الأكبر.. تستنهضها لتصوغا سوياً علاقة جديدة مع الوطن تسير بنا وبهم نحو التغيير والانعتاق من قيود الظلم والتعسّف والاستبداد... عندها فقط سنقول للحرية: "نحنا جينا".. وسنغنّي مع فيروز المتوهّجة أبداً حدّ الوجع:
طلعنا
تحرّرنا
طلعنا على الضو
طلعنا على الريح
طلعنا على الشمس
طلعنا على الحرية
يا حرية
يا زهرة نارية
يا طفلة وحشية
يا حرية...
سهير اتاسي
---------------------------------------------------------
عمالة الأطفال... طفولة ضائعة يكرسها الحرمان والعوز

عمالة الاطفال ظاهرة منتشرة في مصر و العديد من الدول العربية تزايدت في مصر ظاهرة تشغيل الأطفال القصر، الذين لا تتجاوز أعمارهم أحيانا سن السابعة، لأسباب اجتماعية واقتصادية متشابكة. المجلس القومي للطفولة في مصر يسعى لمقاومة هذه الظاهرة عبر بعض البرامج الإرشادية.
تُقدر بعض الإحصاءات أن عدد الأطفال الذي يعملون في مصر يزيد على 2.7 مليون طفل لا تتعدى أعمارهم في الغالب الرابعة عشر، يشتغل معظمهم ستة أيام في الأسبوع، بمعدل 12 ساعة يوميا أو أكثر. فهم يشكلون مصدر رزق إضافي لعائلاتهم التي تعتمد على دخلهم لتغطية ثلث نفقاتها اليومية. ورغم أن هذه الظاهرة كانت في السابق منتشرة في مختلف محافظات مصر، إلا أن الأزمة المالية العالمية ساهمت في تفاقمها، حيث زاد عدد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر بحوالي مليوني شخص، لتصل نسبة الفقراء في مصر إلى حوالي 18.5 في المائة من مجمل عدد السكان.
وبطبيعة الحال، تؤدي زيادة عدد الفقراء إلى زيادة انتشار ظاهرة تشغيل الأطفال، الأمر الذي جعل الحكومة المصرية تسعى إلى الحد من انتشار هذه الظاهرة من خلال عدد من البرامج الإرشادية، معولة في جهودها على زيادة وعي الأسر المعنية بأهمية التعليم. إذ إن الأطفال العاملين لا يذهبون في أغلب الأحيان إلى المدارس، وبالتالي، فهم لا يتعلمون أي شيء، كما أنهم على الأرجح لن يقوموا في المستقبل بتحفيز أبنائهم على التعلم والدراسة. وبذلك يصبح الفقر آفة تتوارثها الأجيال.
طفولة تحكمها قسوة الواقع
: تشغيل الأطفال في مصر- ظاهرة اجتماعية أسبابها متشعبة ومتداخلة
ومن أمثلة هؤلاء الأطفال العاملين، مصطفى، الذي لا يتجاوز سنه 13 عاماً. مصطفى يعمل في ورشة صغيرة في أحد الأحياء التي تشتهر بدباغة الجلود في العاصمة المصرية. ويقف الصبي مع زملائه من العاملين تحت الشمس الحارقة عند منتصف النهار فوق طرق الحي غير المعبد التي تجري عبرها مياه عكرة تنبعث منها روائح كريهة وهي مياه الصرف الصناعي التي استخدمت في الدباغة وتنقية الجلود، وهو منهك بشد الجلود الناشفة. الطفل العامل يحكي عن قصة عمله بهذا المكان قائلا: "أعمل هنا منذ فترة طويلة، منذ نحو خمس سنوات، منذ أن كنت في سن الثامنة أو السابعة". ويعمل مصطفى طوال هذه السنوات في معالجة الجلود لإعدادها للدباغة، فهو يقوم بنزع اللحم والشعر من الجلد. ويبدأ مصطفى عمله كل يوم عند تمام الساعة السابعة صباحا ويستمر إلى المساء، يسترح خلالها ساعة واحدة فقط عند منتصف اليوم. ويتقاضى عن عمله هذا 50 جنيهاً مصرياً في الأسبوع.
خياران أمام الأطفال: العمل أو التسكع في الشوارع
ترك مصطفى مقاعد الدراسة منذ سن مبكرة، عند الصف الرابع الابتدائي، وأرجع الصبي تركه للمدرسة لتعرضه للضرب من قبل مدرسيه. بعدها أخذه عمه للعمل معه في ورشة إصلاح السيارات، ولا يرى عم الطفل في عمل مصطفى ما يدل على استغلاله له، ويقول في هذا السياق: "لقد جئنا به للعمل معنا هنا ليكون تحت رعايتنا، كي لا يرتكب أخطاء أو ينساق وراء أطفال يعلمونه أموراً سيئة".
حالة مصطفى ما هي إلا حالة من بين عشرات الآلاف من الحالات الأخرى بين أطفال مصر القصر من صبيان وفتيان، الذي لا يملكون خيارات كثيرة، حيث تدفعهم الظروف إلى الانقطاع عن الدراسة في سن مبكرة ليجدوا أنفسهم مضطرين لشق طريق الحياة في ظل ظروف صعبة وبإمكانيات معرفية ومهنية شبه معدومة. وهو أيضا ما أكدته الدكتورة منال شاهين، منسقة برنامج عمالة الأطفال بالمجلس القومي للطفولة في مصر، التي ترى أن هؤلاء الأطفال يجدون أمامهم خيارين ليس إلا: إما العمل أو التسكع في الشوارع.
وقد أظهرت نتائج مسح أجراه المجلس القومي للطفولة في مصر في عام 2001 أنه يوجد في مصر نحو 2.7 مليون طفل عامل تتراوح أعمارهم ما بين السادسة والرابعة عشرة موزعين على عدة محافظات. كما أظهر هذا المسح، حسب الدكتورة منال شاهين، أن 30 في المائة من هؤلاء الأطفال يشتغلون في القطاع الحرفي كورش إصلاح السيارات والمحاجر، بالإضافة إلى قطاعات التجارة والخدمات والصناعة. لكن معظم الأطفال العمال يشتغلون في قطاع الزراعة.
معالجة أسباب ظاهرة تشغيل الأطفال
الفقر الدقع أهم العوامل التي تقف وراء تشغيل الأطفال
وليست معالجة ظاهرة عمالة الأطفال بالأمر الهين كون أسبابها متشابكة ومتشعبة، إذ يوجد في مصر قانون عمل يمنع تشغيل الأطفال دون سن الرابعة عشر. بيد أنه هذا القانون ينحصر تطبيقه في القطاعات المرخص لها، إذ تلتزم مصانع البلاد الكبيرة بهذه القوانين ولا تُشغل في وحداتها الإنتاجية أطفالا تقل أعمارهم عن السن المسموح به، لاسيما أن هذه المصانع والشركات تخضع لرقابة دورية. لكن ذلك يختلف تماما في القطاعات غير الرسمية أو غير المرخص لها مثل ورش إصلاح السيارات أو المقاهي أو الخدمة في المنازل وبالأخص في القطاع الزراعي الذي يشهد تشغيل عدد كبير من الأطفال بشكل غير قانوني. وهنا ترى المسؤولة المصرية أن منع هذه السلوكيات لا تجدي بقدر ما يجب أن تركيز الجهود على معالجة أسباب تفشي هذه الظاهرة، وتقول في هذا السياق: "الفكرة كلها مرتبطة بالفقر وبانعدام الآفاق. فأحياناً تجد نفسك في مواجهة الآباء الذين يوجهون لك اللوم، لماذا لم تسمح لطفلهم بالعمل؟ فهو إن لم يعمل يمضي طوال وقته جالسا في المقهى".
وهي في هذا السياق تشير إلى المخاوف المبررة التي تنتاب الأسر بشأن أبنائها، وإن كانت ترى أن أسلوب الأسر في التعامل مع تلك المخاوف أسلوب خاطئ، لكنها ترى أيضا أن هذه الأسر لا تملك بدائل، لافتة في هذا السياق إلى أن ذلك لا يعني أنه ليس هناك أسر تستغل أبنائها، فهناك على حد قولها أسر تتعمد إنجاب الكثير من الأطفال لتشغيلهم والاعتماد عليهم في إعالة الأسرة.
وتركز برامج المجلس القومي للطفولة في مصر، التي تهدف إلى الحد من ظاهرة تشغيل الأطفال، على عدة قضايا في آن واحد. فهي تحاول من ناحية، إقناع الأسر بأهمية تعليم أبنائهم، وتمنحهم من ناحية أخرى قروضا صغيرة لمساعدتهم على سد حاجاتهم المادية التي يغطيها في العادة عمل أطفالهم.
الكاتب: استر صعوب / طارق أنكاي
تحرير: سمر كرم
-----------------------------------------------
ثقافة ومجتمع 12.06.2009
ألمانيات يتحدث
ن عن حياتهن في إيران: بعض الألمانيات يجدن راحة في التواجد وسط مجتمع نسائيفي كتاب "تذكرة سفر إلى طهران دون عودة"، يستعرض عدد من النساء الألمانيات تجاربهن في المجتمع الإيراني، والتي تتنوع بين المصاعب اليومية والاغتراب وبين المفاجآت الإيجابية التي تجعلهن يتمسكن بالبقاء في مجتمعهن الجديد. تتوجه
تتوجه الكثيرات من الأوروبيات إلى منطقة الشرق الأوسط دون معرفة سابقة عن مسيرة الحياة فيها، فتكون الصور المرسومة عنها في أذهانهن مشبعة بالأحكام المسبقة، نتيجة تأثرهن بتلك الصور المألوفة في وسائل الإعلام المختلفة. لهذا تكون دهشة الكثيرات منهن كبيرة عندما يختبرن الحياة في تلك الدول ويتعرفن عن كثب على طبيعة الناس وعلى الأوضاع هناك. وبشكل عام تميل التصورات المأخوذة عن أوضاع النساء في دول تلك المنطقة إلى السلبية، لاسيما إذا كانت متعلقة بدول مثل إيران. فالذي تورده وسائل الإعلام عن إيران يدور بالدرجة الأولى حول الخلاف الذري القائم معها وحول سياسة رئيسها المعادي للغرب وخنق حرية الرأي والضغط على النساء. وفي ظل هذه الصورة السائدة عن الأوضاع الاجتماعية وعن أوضاع المرأة بالذات، لفت الأنظار كتاب "تذكرة سفر إلى طهران دون عودة"، الذي صدر حديثاً عن تجارب عدد من النساء الألمانيات في المجتمع الإيراني.
معترك حياة جديد وصعب
النساء يمارسن أنشطتهن الرياضية بحرية ولكن بمعزل عن الرجال ومن بين النساء اللواتي يتحدثن في طياته عن حياتهن في طهران، السيدة لاورا هورستمان، البالغة من العمر ثلاثين سنة. وكانت لاورا قد توجهت مع زوجها الذي يعمل في السلك الدبلوماسي قبل سنة ونصف السنة إلى طهران، وهي في الأصل صحفية، لكنها تخلت عن عملها لئلا تسبب أي متاعب لزوجها. وفي طهران، دخلت لاورا معترك حياة جديدة تماماً، اضطرت إلى التأقلم معها. ولم يكن ذلك بالأمر السهل عليها في البداية، فقد كانت الشابة الألمانية معتادة على التحرك بحرية وبسهولة، لكنها فوجئت بالازدحام الشديد في الطرق الإيرانية. ومن ناحية أخرى، لم تكن لاورا تجيد الفارسية، ما جعل من الصعب عليها التعامل مع الناس وأيضاً الاطلاع على نظم وسائل النقل. وكانت الزوجة الحامل متحفظة في بداية الأمر إزاء فكرة ولادة طفلها في طهران، لكنها فوجئت بمهارة الأطباء وبمستوى العناية في المستشفى الإيراني، الذي لا يقل على حد قولها عن مستوى العناية الطبية في برلين.
"مواقف يومية مزعجة"
ومن بين اللواتي دوّن تجاربهن أيضاً، السيدة الألمانية أنيا ياكوبي البالغة من العمر 45 عاماً، وهي متزوجة من قس بروتستانتي تعيش معه في طهران منذ خمس سنوات. أنيا امرأة هادئة متأملة، وعندما تتحدث عن حياتها في طهران تذكر بعض الحوادث المسلية، وتذكر أيضاً حالات كانت تثير غضبها الشديد، وتحكي مثلاً أنها كانت ذات مرة في أحد المسابح، فسألتها المشرفة على المسبح عن تذكرة الدخول بعد أن كانت قد ارتدت ثيابها. فقالت لها إن التذكرة مع زوجها الموجود في قسم آخر من المسبح. لكن المشرفة لم تقتنع بالجواب، فما كان من أنيا إلا أن توجهت إلى قسم الرجال في المسبح وأحضرت التذكرة من زوجها وسط صيحات المشرفة التي هالها ما رأت. وعندما تتحدث أنيا عن مثل هذه الحالات تحاول شرح الأسباب التي جعلتها تفقد صبرها، قائلة: " لقد صبرت وتمالكت أعصابي يومياً طيلة خمس سنوات. قبل أن أخرج إلى السوق لشراء الحاجيات، أرتدي سروالي الطويل مهما كانت درجة الحرارة مرتفعة وأرتدي فوقه معطفي وأضع غطاء الرأس، وعندما تقوم إحدى المارات بتصليح وضع غطاء الرأس لأنه انزلق كثيراً إلى الخلف، لا أظهر أي احتجاج بل أخفض نظراتي بخشوع لئلا أجرح مشاعر الآخرين. فأنا أعتقد أنني كأجنبية يتعين علي أن أتلاءم مع الوضع . لكن في بعض الأحيان يستولي علي الشعور بأنه لم يعد لي طاقة بتحمل هذا الوضع فأفقد صبري وأتشبث بموقفي".
الوحدة من أصعب ما يواجه المغتربات
إلى جانب أنيا ياكوبي ولاورا هورستمان، دوّن ما يزيد على ثلاثين امرأة ألمانية أخرى تجاربهن في كتاب "تذكرة سفر إلى طهران دون عودة". ومن بينهن نساء يقضين فترة معينة في طهران بصحبة أزواجهن الألمان، وبعضهن الآخر تزوجن من إيرانيين من أمثال إيزولدة سامي التي تعيش منذ فترة طويلة في إيران، إذ كانت قد توجهت إلى هناك في عام 1972، وعاشت فترة الحرب الإيرانية العراقية التي اشتعلت بين عام 1980 و1988 وكانت تلك السنين حافلة بالصعوبات والمشاق، وماتزال إيسولدة تتذكرها حتى اليوم:" كانت الأوضاع في تلك الأيام غاية في الصعوبة، خاصة أنه لم يكن لدي أي أصدقاء، ولا حتى أي صديقة ألمانية أستطيع زيارتها لتبادل الحديث معها والبوح لها بمشاعري. كنت وحيدة بكل معنى الكلمة". وبالتأكيد تلك فإن مشاعر العزلة والوحدة تعد تجربة قاسية تمر بها كثير من المهاجرات في كل مكان في العالم، وقد تمكن إيزولدة من تجاوز هذه المحنة الآن وأصبح لها العديد من الأصدقاء الإيرانيين.
بعض الألمانيات يف
ضلن التواجد في المجتمعات النسائيةالنساء الألمانيات اللاتي يروين قصصهن فضلن البقاء في إيران وعلى الرغم من الفصل بين الجنسين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تمكن بعض النساء الألمانيات وكذلك الإيرانيات من انتزاع مكان لهن في المجتمع الإيراني. لكن هناك بين الألمانيات اللواتي يعشن في إيران من يجدن متعة في التواجد أحياناً في مجتمع النساء، حيث يكون للحديث طبيعة أخرى أكثر تلقائية وذاتية مما لو كان يوجد في الجلسة رجال. ومن بين النساء اللواتي ينظرن هذه النظرة الفنانة هيلينا فون شيل، وهي متزوجة من إيراني وتعيش معه في طهران منذ 38 سنة وعندما تتحدث عن ذلك تقول: "أحب التواجد في مجتمع النساء لأنه يمثل نوعاً آخر من التعايش، لقد لمست بكل بساطة المزايا التي ينطوي عليها، وأنا لا أشعر أن حريتي مقيدة عندما لا تتوفر لدي الإمكانية لتناول فنجان من القهوة مع رجل".
كل النساء اللواتي يتحدثن في كتاب "بطاقة سفر إلى طهران دون عودة " توجهن إلى إيران طواعية ويعشن هناك عن رغبة. ويعود هذا إلى سبب بسيط جداً حسب رأي أنيته بيرن بيك المتزوجة من مدير أعمال غرفة التجارة والصناعة الألمانية الإيرانية، وهو الترحاب الشديد الذي يقابلهن به الإيرانيون. وتضيف أنيته في هذا الإطار: "يشعر القادم من ألمانيا في البداية ببعض الحرج عندما يقابل بلطف شديد من قبل الإيرانيين. لقد أثار دهشتي الكبيرة ذلك الترحاب الذي قوبلت به من جانب الإيرانيين على الرغم من أنهم لا يعرفوا من أنا ومن أين أتيت. بالنسبة إليهم ًلا تلعب هذه الناحية أي دور، لقد استقبلوني بترحاب شديد وهم يشعرون بالسعادة عندما يتمكنون من تقديم أي خدمة لي. وهذه الحالة مستمرة فأنا أعيش في إيران منذ سنة وكل يوم أدهش من جديد".
الكاتبة: كاترين إيردمان/ منى صالح
تحرير: سمر كرم
----------------------------------------------------
اقتصاد وأعمال 10.06.2009
استمرار الجدل حول اليسو التركي و دول أوروبية تجمد مساعداتها
: صورة لنهر دجلة وهو يمر في مدينة" حسن كيف" من أقدم المدن في العالممنذ سنوات والسد الذي تعتزم تركيا بناؤه على نهر دجلة يثير الجدل داخليا وإقليميا وأوروبيا، الأمر الذي حدا بالدول الأوروبية التي تساعد انقره في بناء السد إلى تجميد مساعداتها، نظرا لعدم التزام تركيا بتعهداتها.
يعتبر سد اليسو الذي قام رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بوضع حجر الأساس له في شهر آب / أغسطس من عام 2006، من أهم وأكبر السدود التي تسعى تركيا لإقامتها على نهر دجلة، الذي ينبع من مرتفعات جنوب شرق هضبة الأناضول وتحديداً من بحيرة وان الواقعة في قرية اليسو التركية، ويصب في الخليج العربي بعد لقائه بنهر الفرات. ويتمركز سد اليسو المتوقع إكماله عام 2013 في منطقة دراغيجيتين الواقعة على بعد 45 كليومتر من الحدود السورية. ومن المخطط أن يكون سدا ضخما، إذ سيصل ارتفاعه إلى 135 متراً وبعرض 2 كليومتر تقريبا.
الهدف توليد الطاقة وتنمية المنطقة
: تركيا تسعى إلى توليد نحو 1200 ميجاواط من الطاقة من خلال السد وتهدف الحكومة التركية من بناء هذا السد، كما تقول، بشكل أساسي إلى توليد الطاقة الكهربائية باستخدام الطاقة الكهرمائية، إذ من شأنه أن يساعد على توليد طاقة تصل إلى 1200 ميغاواط، سوف تغطي احتياجات حوالي مليوني أسرة تركية من الطاقة. لكن المعارضون لفكرة إنشاء السد يفندون هذه الحجة بالقول إن "تركيا لا تعاني من أي أزمة في الطاقة. صحيح أن استهلاك الطاقة يزداد سنوياً بنسبة 5 إلى 6 بالمائة، لكن هناك إهمال كبير في استغلال كافة الإمكانيات، وتركيا لا تحتاج إلى مزيد من مصادر الطاقة قبل عشرة سنوات "، كما يقول ايكران أيغوبا أحد المعارضين لبناء هذا السد من كتلة تحالف المعارضة المحلية في المنطقة.
لكن الهدف من بناء السد لا يقتصر على توليد الطاقة، إذ تسعى الحكومة التركية أيضاً إلى تحقيق تنمية اقتصادية في المناطق التركية الواقعة جنوب شرق الأناضول والمتميزة بارتفاع عالي في نسبة البطالة والفقر، فمن شأن هذا المشروع أن يساعد على إيجاد فرص عمل لسكان هذه المنطقة والمساهمة أيضاً في تحسين نوعية الحياة ومستوى التعليم، كما أشار أحد العاملين في قطاع البناء، حيث قال" هنا في جنوب شرق تركيا ارتفاع حاد في معدلات البطالة والفقر، وسكان المنطقة بحاجة ماسة للعمل، ولا يوجد قطاع أخر قادر على خلق فرص عمل أكثر من قطاع صناعة البناء".
تركيا لم تلتزم بتعهداتها
انتقادات لتركيا لعدم مراعاة الأثار الصحية وحماية البيئة والتراث في منطقة السد
وتساهم كلا من ألمانيا والنمسا وسويسرا في خطة تمويل إنشاء هذا السد مادياً من خلال تقديم ضمانات بمئات الملايين. وتشترط الدول الضامنة على تركيا ضرورة حماية السكان والبيئة والتراث الثقافي في المنطقة. لكن التزامات الجانب التركي ظل حبرا على ورق. إذ يرى علماء الآثار أن بحيرة السد تهدد مدينة "حسن كيف"، وهي واحدة من أهم المدن التاريخية التركية وإحدى أقدم المدن في العالم. كما سيتسبب هذا المشروع في تشريد أكثر من 55 ألف شخص عن منازلهم، وعلى الحكومة التركية إيجاد خطط خاصة لتوطين السكان المتضررين. هذا ناهيك عان السلطات التركية لم تضع خططا لمنع انتشار الأمراض والأوبئة التي قد تنشأ في منطقة السد. هذه الأمور حدت بالدول الأوروبية أنفة الذكر إلى تجميد مساعداتها لتركيا والخاصة ببناء السد لمدة ستة أشهر، اعتبارا من بداية هذا العام.
الكاتبة: سوزانة غوستن/ دالين صلاحية
تحرير: عبده المخلافي
-------------------------------------------------
الكاتبة: سوزانة غوستن/ دالين صلاحية
تحرير: عبده المخلافي
-------------------------------------------------