Freitag, 13. März 2009


الترابي ومفهوم 'العدالة الدولية': مفارقات اكتشاف جديد
صبحي حديدي
13/03/2009

بسبب تصريحات اعتبر فيها أنّ الرئيس السوداني عمر البشير 'مدان سياسياً بجرائم ارتكبت في دارفور، وعليه المثول طوعاً أمام المحكمة الجنائية الدولية'، لجأت السلطات السودانية إلى اعتقال الشيخ حسن الترابي، زعيم حزب 'المؤتمر الشعبي'.واليوم، بعد احتجاز دام شهرين، تمّ الإفراج عنه ضمن سياقات المسألة ذاتها، أي قرار إصدار مذكرة توقيف البشير، ليس دون مفارقة صارخة: كان الإعتقال يستهدف التنكيل بالترابي، وكان الإفراج يسعى إلى استرضائه والإيحاء بتوفّر إجماع شعبي سوداني حول رفض المذكّرة. غير أنّ الترابي أعاد التشديد على مواقفه المعارضة للنظام، وإيمانه بالعدالة الدولية، وبكلّ ما يمكن أن يقود إلى تحقيقها في بلاده أوّلاً، لأنه 'لا حصانة لأحد في هذا العالم'، و'السجون لا تجعل أصحاب المبادىء يعدّلون مواقفهم'.ولعلّ من الخير أن أسارع إلى تكرار موقفي الشخصي من قرار المدّعي العامّ لمحكمة الجنايات الدولية، القاضي لويس مورينو أوكامبو، الذي سبق لي أن سجّلته في هذه الصفحات، واختصاره أنني لا أحمل أيّ مقدار من التعاطف مع حاكم فرد أوحد عسكري إنقلابي مثل الفريق البشير، بل يثلج صدري أن تُسجّل سابقة كهذه ضدّ حاكم على رأس عمله، من طينة حكّام بلادنا، غاصبي السلطة المستبدّين. ما كان سيثلج الصدر أكثر، في المقابل، ويُسقط عن الممارسة بأسرها صفات النفاق والإنتقائية والكيل بعشرات المكاييل المتباينة، هو أن تُسجّل السابقة الأولى ضدّ كبار مجرمي الحرب قبل صغارهم، في الأنظمة الديمقراطية والمتقدّمة قبل تلك الشمولية أو النامية أو الفقيرة. ثمة، في طليعة عتاة مجرمي الحرب الكبار، الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في غزو العراق وأفغانستان (1.2مليون ضحية، فضلاً عن حقيقة أنّ النزاع في دارفور داخلي، وليس غزواً عسكرياً على غرار ما فعل بوش)؛ ورئيس الوزراء السابق توني بلير في الملفات ذاتها، خاصة جنوب العراق، والبصرة؛ ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون (في فلسطين، كما في لبنان)، واللاحق إيهود أولمرت، والأسبق منهما إيهود باراك وبنيامين نتنياهو وإسحق شامير ومناحيم بيغن... وبالطبع، ما يضيف إلى النفاق غطرسة وعنجهية واستهتاراً أنّ الولايات المتحدة رفضت الإنضمام إلى المحكمة عند تأسيسها، في روما سنة 2002، وما تزال ترفض خضوع أيّ مواطن أمريكي لقوانينها.ذلك يضع إيمان الترابي بـ 'العدالة الدولية' موضع مساءلة فورية، بالنظر إلى لائحة مواقفه السابقة من قرارات ما يُسمّى 'المجتمع الدولي' حول السودان، لكي لا يتحدّث المرء عن كامل فلسفة الترابي في صدد المعادلات ما بعد الكولونيالية بين المستعمِر والمستعمَر، والشرق والغرب إجمالاً. وهذا يستوجب استذكار حقيقتين أساسيتين، تقفزان سريعاً إلى صدارة أيّ نقاش حول التاريخ المشترك الذي جمع البشير بالترابي. الحقيقة الأولى تقول إنّ الشيخ كان حليف، ومهندس الكثير من سياسات، نظام البشير، منذ أن نفّذ الأخير انقلابه سنة 1989؛ وأمّا الحقيقة الثانية فهي تلك التي تؤكد موقع الترابي المتميّز، ليس في المشهد السياسي السوداني وحده، بل في قلب الحركات السياسية الإسلامية المعاصرة، في مشرق العالم العربي ومغربه، فضلاً عن جغرافيات واسعة متشعبة، في آسيا وأفريقيا وأوروبا. وذات يوم قيل إنّ الدول العربية تنزلق، مرغمة كما تجب الإشارة، في 'حمأة الأصولية'، والتعبير لم يكن استشراقياً فحسب، بل بدأ نحته محلياً؛ أمّا السودان فهو الدولة الوحيدة التي اختارت، طواعية، أن يكون الإسلام هو نظام الحكم فيها. تتمة هذه الحقيقة أنّ رجال الحكم في السودان، وبعد أن أوضحوا خيارهم ذاك، أعلنوا أنهم لا ينوون التراجع عنه، وكانوا لا يتركون هامشاً للشكّ في أنهم سيحاولون ترسيخ نظام إسلامي مهما كانت العراقيل والعواقب... بما في ذلك الحرب الأهلية. الأمور، بسبب من هذا على الأرجح، لم تتخذ مجراها المختلف علي الصعيد العقائدي فحسب، بل اتخذت أيضاً صفة المأساة المفتوحة على الصعيد الوطني والإنساني. ذلك لأنّ السودان دولة ـ أمّة، وسكّانه (قرابة 39 مليون نسمة) يتكلمون أكثر من مائة لغة ويتوزعون في عشرات المجموعات الإثنية، وينشطرون وفقاً لخطوط ولاء قبلية وجغرافية ليس أقلّها انقسام الشمال بثقافته العربية، والجنوب بثقافته الأفريقية أو الوثنية. وثمة مفتاح حاسم لفهم التاريخ السوداني، هو أنّ الفتح الإسلامي عرّب مصر بعد أقل من عقد على وفاة الرسول العربي، ولكنه توقّف عند حدود السودان ويمّمت الجيوش شطر الغرب لنشر الإسلام في شمال أفريقيا وإسبانيا.وسينتظر السودان (المسيحي إجمالاً) ألف عام أخرى على تخوم الإسلام قبل أن يصل العرب، لا على هيئة مجاهدين في سبيل إعلاء كلمة الله، بل كرجال دين وتجّار ذهب وعاج ورقيق، قدموا من مصر وبغداد وجزيرة العرب وشمال افريقيا، واستخدموا القرآن واللغة العربية والطرق الصوفية لتقويض النظام القبلي الناجز وتفكيك العقائد المسيحية والوثنية. وفي عام 1885 وضعت انتفاضة المهدي خاتمة دامية للوجود المصري على أرض السودان، لا لشيء إلاّ لتمهّد الأرض للوجود الإستعماري البريطاني.هؤلاء هم 'عرب الحدود'، التعبير الذي اعتاد استخدامه الترابي لوصف عواقب الفاصل الزمني الطويل الذي جعل ولادة الهوية العربية في السودان قيصرية، بالمعاني السيكولوجية والسياسية والجغرافية، وسهّل لجوء الإدارة الإستعمارية البريطانية إلى سياسة الباب المغلق، المعاكسة تماماً للسياسة التي اعتمدها الروّاد العرب. وفي معجم مفردات التاج الإمبراطوري كان إغلاق الباب على عرب الشمال المسلمين يعني فتحه على مصراعيه أمام قبائل الجنوب عبر تقسيمه إلى ثلاثة أقاليم، وتأسيس وضع خاص بها، وإسناد الخدمات التربوية والاجتماعية إلى البعثات التبشيرية، وتكليف زعماء القبائل بالشؤون الإدارية المحلية، وإحياء اللغات الإثنية والثقافة القبلية على حساب الإسلام واللغة العربية. ولكنّ سياسة الباب المغلق كانت، أيضاً، نافذة تفتحها الضرورات الموضوعية على أيّ ريح، كأنْ تتفاوض بريطانيا مع الشمال وحده عند تحلّل الإمبراطورية وانسحاب بريطانيا من المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وحين أحرز السودان استقلاله عام 1956، كان الجنوب يسترجع، لتوّه، ذاكرة الرقّ وإرث الطريقتين الصوفيتين ـ السياسيتين (الأنصار والختمية)، ويستعد للأسوأ، عن حقّ أو عن باطل.ومن المفارقات ذات الدلالة أنّ 'الإستبداد العلماني'، كما يصف الكاتب الأمريكي ملتون فيورست أسلوب حكم جعفر النميري بعد إنقلاب 1969، حظي بدعم مبدئي من الشيوعيين، وبمعارضة من الشيخ الترابي الذي بقي رهن الإعتقال طيلة سبع سنوات. ثم انقلبت الأقدار سريعاً، فأعدم النميري عشرات القادة الشيوعيين قبل أن يهتدي إلى فضائل الشريعة وتطبيق الحدود في قوانين أيلول (سبتمبر) 1983، ولا يكتفي بالإفراج عن الترابي بل ويعيّنه وزيراً للعدل! المفارقة الأخرى أنّ اكتشاف النفط كان الكاشف الحاسم لاختبار سلسلة القوانين الإستبدادية (غير العلمانية هذه المرة!)، وطرح ورقة الإنفصال بعنف حصد أكثر من مليون ضحية، في أقلّ التقديرات تشاؤماً. وفيورست يوافق الشماليين على أنّ صراع الشمال والجنوب ليس حرباً بين الإسلام والمسيحية، بل هو 'ارتطام ثقافتين لا تتصالحان بسهولة، شاءت الأقدار أن تضعهما تحت علم واحد'.والحقّ أنّ المهندس الحقيقي وراء هذا الطور من نقل عرب الحدود إلى عرب الإسلام، أو الحكم الإسلامي، أو الشريعة في تطبيقها الدنيوي المعتدل، أو ما يشاء المرء من تسميات تدخل في النطاق الدلالي ذاته، كان الشيخ حسن الترابي نفسه، ولن يكون الأمر مفاجئاً إلاّ عند السذّج أو هواة الغرق في السذاجة. وكاتب هذه السطور يختلف مع تسعة أعشار آراء الترابي في الدين والدنيا، سواء كان الشيخ في واحدة من الإشراقات المعدّة للإستهلاك الداخلي، أو تلك الخاصة بالتصدير إلى الخارج كما تقول النكتة الشعبية السودانية. ولكنّ الترابي، شاء المرء أم أبى، يظلّ المنظّر الأبرز لحركة الإحياء الاسلامي، والقدوة الحسنة لجيل (أوّل وثانٍ ربما) انخرط في تسييس معقّد تنظيمي وفكري للصحوة ولعقائدها. صحيح أنه ليس حسن البنّا ولا آية الله الخميني، ويصعب أن يعيد إنتاج شخصية أبو الأعلى المودودي، ولكنه مولع تماماً بما يشابه الهوس البلشفي بالتنظيم والتعبئة. ذلك، والكثير سواه، يحتّم استبعاد النظرة الأحادية إلى شخصية الترابي على الضفتين: التقيّ النقيّ (كما يردّد الحالمون من أتباعه)، أو المنافق ومنظّر الإرهاب (كما يردد العصابيون من خصومه).'ما الذي يمكن أن يعنيه الحكم الإسلامي'؟ يسأل الترابي. 'النموذج بالغ الوضوح، أما أفق الحكم فهو محدود، والقانون ليس توكيلاً للرقابة الإجتماعية لأنّ المعايير الأخلاقية والضمير الفردي شديدة الأهمية، وهي مستقلة بذاتها. لن نلجأ إلى ضبط المواقف الفكرية من الإسلام، أو قنونتها، ونحن نثمّن ونضمن حرية البشر والحرية الدينية ليس لغير المسلمين فحسب، بل للمسلمين أنفسهم حين يحملون قناعات مختلفة. إنني شخصياً أعتنق آراء تسير على النقيض تماماً من المدارس السلفية في التشريع حول مسائل مثل وضع المرأة، وشهادة غير المسلم في المحاكم، وحكم الكافر. البعض يردد أنني متأثر بالغرب إلى حدّ اقتراف الكفر. ولكني لا أقبل الحكم على سلمان رشدي بالموت، ولو استفاق مسلم ذات صباح وقال إنه كفّ عن الإيمان، فهذا شأنه وحده'.ويمضي الشيخ في شرح تفسيره لعلاقة الدين بالدنيا فيقول: 'الحكم الإسلامي ليس شاملاً لأن الإسلام وحده هو الرؤية الشاملة للحياة، وإذا اختُزل في الحكم وحده فإن الحكومة ستكون عاجزة مشلولة، وهذا ليس من الإسلام في شيء. الحكم لا مصلحة له في التدخل في عبادة الفرد أو صلاته أو صيامه إلا في ما يتصّل بالتحدّي العلني للصيام. نحن لا نخلط بين ما هو أخلاقي وما هو شرعي. الرسول نفسه أغلظ في القول ضدّ الممتنعين عن الصلاة، ولكنه لم يتخذ أي إجراء بحقهم. وتوجد فروض اجتماعية حول كيفية اختيار الرجال والنساء للباسهم، ولكن المسألة ليست جزءاً من القانون'. ولا يكتمل المعمار التنظيري للشيخ الترابي دون التوقف عند الإسلام الراهن، في العالم الراهن: 'قد تكون النزعة القومية هي البديل عن الإسلام في بلدان أخرى. لكن الإسلام هو النزعة القومية الوحيدة المتوفرة أمامنا إذا شئنا تأكيد قيمنا الوطنية الأصلية، وأصالتنا، واستقلالنا عن الغرب. الإسلام هو حداثتنا الوحيدة. إنه العقيدة الوحيدة التي يمكن أن تقوم مقام العقيدة الوطنية في أيامنا هذه'.بذلك فإنّ إعلانه الإستمرار في معارضة البشير أمر محمود، بالنظر إلى أنه يسير على النهج ذاته الذي اعتمده بعد الإفراج عنه في خريف 2003، ولعلّه صار خياراً أكثر ضرورة، وأعلى قيمة، بالنظر إلى تعقيدات الموقف الإنساني في إقليم دارفور، وانقلاب الكثير من معطياته إلى بورصة مساومة واتّجار في الأروقة الدولية. هذا، في الإستطراد، لا يصنع مسوّغاً كافياً لكي تنأى معارضة الترابي عن أجنداتها السودانية الداخلية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لكي تتكئ على هذا الإكتشاف الجديد، بالنسبة إليه على الأقلّ: 'العدالة الدولية'.'
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
--------------------------------------------------


محلل اسرائيلي بارز: دفعنا ثمن غزة غاليا فـ"حماس" اقوى والحقد الفلسطيني علينا اكثر واسرائيل منبوذة
اجماع اسرائيلي بفشل عدوان غزة
الخميس مارس 12 2009
تل ابيب - - قال احد كبار المعلقين السياسيين الاسرائيليين ان هناك اجماعا وطنيا جديدا خلص الى ان الحرب على غزة قد فشلت. واشار الكاتب جدعون ليفني في مقال نشره في صحيفة "هآرتس" اليوم الخميس الى ان هذه الحرب تمخضت عن "ثمن باهظ" تمثل في زيادة قوة حركة المقاومة الاسلامية " حماس"، واظهرت ان الشعب الفلسطيني جريح واشد كراهية، وان اسرائيل ظهرت في صورة المارق المجذوم في نظر الرأي العام الدولي. وكتب ليفني يقول: "فجأة هناك اجماع بيننا: الحرب الأخيرة في غزة كانت فشلا. والتوجه المفضل السائد الآن هو تعداد أخطائها. يقول الذين غيروا آراءهم ان "انجازاتها" كانت مبالغا فيها، واليساريون يقولون ان الحرب "كان يجب ان لا تبدأ"، واليمينيون يقولون ان "الحرب كان يجب ان تكون اطول". ولكن ما اتفق عليه الجميع هو ان هذه الحرب فشلت. ولأننا نعتبر الحرب مجانية حيث لم يقتل سوى 13 اسرائيليا فستكون الاولى منذ 36 عاما التي لم تشكل لجنة تحقيق في اعقابها.
بالطبع فان الفشل في هذه الحرب مماثل في خطورته لسابقاتها، ولكن لأننا قتلنا من الفلسطينيين اكثر مما قتلوه منا، ولأننا سببنا دمارا لديهم اكثرمن الذي لحق بنا، فليس هناك شيء جدير بالتحقيق. كل الحرب كانت عبثا ، فلم يتم احراز اي تقدم ، ولم يتحقق اي هدف، لا شيء على الاطلاق. الردع لم يتكون مجددا ، ولم يتوقف تهريب الاسلحة الى غزة ، و"حماس" لم تضعف والجندي الاسرائيلي الاسير غلعاد شاليت لم يتم تحريره. وحول هذه الحقائق هناك بيننا نحن الاسرائيليين اجماع.
واضافة الى ذلك، فقد دفعنا ثمنا باهظا: "حماس" الآن اقوى، والشعب الفلسطيني الذي تضرر اصبح اكثر حقدا علينا، واسرائيل ينظر اليها كمنبوذة في نظر الرأي العام العالمي، حيث حدث شغب في ملعب كرة السلة بانقرة الذي تواجد فيه الفريق الاسرائيلي ومنع المشاهدون من حضور مباراة في دوري كأس ديفيز بين اسرائيل والسويد في مالمو، واعتبرت اسرائيل في الخانة الاخيرة على قائمة الدول المارقة.
ولا احد يملك الرد على ذلك، لا السياسيين الذين شنوا هذه الحرب المجنونة ولا قادة الجيش الذين كانوا المقاولين فيها. ولن يتم عزل احد وانسوا امر محاكمتهم. آلة الحرب الاسرائيلية العنيفة لن تفقد حتى برغيا صغيرا .
وماذا عن المشجعين الذي جلسوا على جوانب هذا الكابوس الجهنمي ؟ ربما يجب على الاقل ان نحملهم المسؤولية؟ جلسوا في ستوديوهات تلفزيوناتهم وعلى مكاتبهم في الصحف. آه ، كم كان المعلقون متحمسين واثاروا الحماسة. لقد حرضوا وضغطوا ودفعوا بقوة وناشدوا للمزيد والمزيد من الحرب. لعدة شهور روجوا لـ"عملية عسكرية واسعة النطاق" من اعماق قلوبهم. وعندما تحققت امنيتهم هتفوا مؤيدين وصفروا متحمسين.
لا تستهينوا بأفعالهم. فقد كان بامكانهم ان يؤثروا بشكل كبير على السياسيين الضعفاء والضباط من ذوي الشعر الأشيب. "اضربوهم"، هكذا كانت صرخاتهم يتردد صداها من ركن في البلاد الى آخر. أكدوا انها حرب عادلة وناجحة وليس لها نظير. غطوا المناورات العسكرية اللامعة بالغبار، وبنية شريرة اخفوا الأهوال وعرضوا الهجوم غير المحدود على عدو وهمي على انه حرب يخوضها طرفان، ووصفوا هجوم القوات الذي لم تتم مواجهته بانه قتال حقيقي ،وصوروا مناورة عسكرية تنفذ على حساب سكان لا حول لهم ولا قوة بانها عملية ناجحة.
ظهروا في ستوديوهات تلفزيوناتهم وافواههم مغطاة بالزبد المتخلف من عرض الرعب الناجح السابق، حرب لبنان الثانية، الجنرالات المتقاعدون والمعلقون امثال طرزان، الذين كانت تغطيتهم لحرب لبنان فشلا ذريعا، اعادوا تدوير نفس القوالب اللفظية والاملاءات الدعائية. لم يفكر احد في استبدالهم بعد فشلهم السابق. لم يتعلموا شيئا ، ولم ينسوا شيئا، والغالبية العظمى منا وافقوا من دون تفكير على كلماتهم ، وكأنها قادمة من الأعلى.
نتيجة المشاهدة كانت صدمة: مرة اخرى تماما كحرب لبنان الثانية ، فجأة اصبحوا اكبر المنتقدين للحرب، ولكن بعد ان انتهت بالفعل. كانت مسألة توقيت وحسب.
ومن دون اظهار اي ندم بل بقدر كبير من الغرور، يعترفون الآن بلا خجل ان الحرب التي تغنوا بمدحها قد فشلت. لماذا فشلت؟ لأننا لم نقتل عددا كافيا من الناس ، هذا هو السبب في رأيهم. و لو مددنا الحرب قليلا وقتلنا 200 طفل آخر وذبحنا 500 امرأة اخرى، فحينئذ نكون حققنا النصر. لم يسأل احد منهم نفسه ماذا يمكن ان يحدث لو ان الحرب استمرت؟ هل سترفع "حماس" العلم الأبيض؟ هل سينضم الشعب الفلسطيني للحركة الصهيونية؟
الآن استعدوا للخطوة التالية. لقد بدأوا بالفعل الترويج لحرب جديدة في غزة او لبنان، ايهما يأتي اولا. وعندما يحصلون على ما يطلبونه فسيعودون الى ستوديوهاتهم. وفي البداية سيقدمون دعمهم للحرب، ثم ينقلبون ليعارضوها. ولن يحاسبهم احد على افعالهم الشريرة، ولن يكون هناك اي جديد تحت الشمس.

-----------------------------------------------------


قمة الرياض الرباعية تدعو إلى سياسة موحدة إزاء القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية

الأربعاء مارس 11 2009 -
الرياض، - وكالات - أكد البيان الختامي الصادر عن القمة الرباعية التي انعقدت الأربعاء في الرياض بين قادة السعودية ومصر وسوريا والكويت أن القمة انعقدت "تنفيذاً لإرادة جماعية من قادة الدول لتنقية الأجواء العربية وتحقيق المصالحة استكمالاً لما بدأ في قمة الكويت في 20 كانون الثاني (يناير) 2009 من دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز لطي صفحة الماضي وتجاوز الخلافات لمصلحة الأمة العربية"، نقلا عن وكالة الأنباء السعودية. وقال البيان إن القادة يعتبرون أن "اجتماعهم يمثل بداية لمرحلة جديدة في العلاقات العربية تسعى فيها الدول الأربع لخدمة القضايا العربية بالتعاون فيما بينهم والعمل الجاد والمتواصل لما فيه خير الدول العربية، والاتفاق على منهج موحد للسياسات العربية في مواجهة القضايا الأساسية التي تواجه الأمة العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية". وانعقدت القمة في الرياض لعدة ساعات بدعوة من العاهل السعودي وشارك فيها الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس المصري حسني مبارك والشيخ صباح الاحمد الصباح أمير الكويت.
وقد وصل الرئيس السوري أولا للرياض واعقبه مبارك وأمير الكويت، وكان في استقبالهم العاهل السعودي.
وبدأت القمة بمباحثات مغلقة بين القادة، ثم انضم إلى الاجتماع من الجانب السعودي وزير الخارجية سعود الفيصل، ورئيس الاستخبارات العامة مقرن بن عبدالعزيز، ومن الجانب المصري وزير الخارجية أحمد أبو الغيط، ورئيس المخابرات العامة عمر سليمان، ومن الجانب السوري وزير الخارجية وليد المعلم، والمستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية الدكتورة بثينة شعبان، ومن الجانب الكويتي نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الدكتور محمد صباح السالم الصباح، ومدير مكتب أمير الكويت أحمد فهد الفهد.
واقام خادم الحرمين الشريفين في قصره بالرياض اليوم مأدبة غداء تكريماً للقادة المشاركين، حضرها الوزراء وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين بالمملكة.
ويقول محللون إن هذه المحادثات تهدف الى اعادة الدفء لعلاقات دمشق مع بعض الدول العربية ويمكن ان تساعد جهود القاهرة في الوساطة لتحقيق مصالحة بين الفصائل الفلسطينية.
ويضيفون ان السعودية تريد استعادة تفاهم عربي قبل اجتماع القمة العربية الذي سينعقد نهاية هذا الشهر في قطر ودفع دمشق لكي تنأى بنفسها عن ايران التي تسبب نفوذها المتنامي في قلق السعودية وبعض الدول العربية السنية الأخرى.
ووجه وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل في الاسبوع الماضي دعوة للاسد لزيارة السعودية بعد الاجتماع مع نظيره السوري وليد المعلم في اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عقد في مصر.
وحث الامير سعود الوزراء العرب في الاسبوع الماضي على ايجاد اجماع بشأن كيفية التعامل مع ما وصفه بأنه تحد ايراني وتدخل ايراني في الشؤون العربية.
وتدهورت العلاقات بين السعودية وسوريا بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري في عام 2005 والذي كان يحمل الجنسية السعودية وكان مقربا من الاسرة الحاكمة السعودية.
وأشار تحقيق للامم المتحدة الى تورط مسؤولي أمن سوريين ولبنانيين في اغتيال الحريري. وتنفي دمشق هذا الاتهام.
وزادت التوترات بين دمشق والرياض هذا العام بعد ان أيدت سوريا حركة المقاومة الاسلامية (حماس) اثناء الهجوم الاسرائيلي الذي استمر ثلاثة اسابيع على غزة.
وكانت الحرب التي شنتها اسرائيل في عام 2006 ضد جماعة حزب الله الشيعية اللبنانية المدعومة من سوريا وايران مثيرة للانقسام ايضا.
وقاطع الملك عبد الله القمة العربية في دمشق في العام الماضي، لكنه التقى مع الاسد هذا العام في اجتماع القمة الاقتصادية عقد في الكويت.
وزار وزير الخارجية السوري الرياض في شباط (فبراير) في مهمة مصالحة قال انها بحثت كل القضايا بما فيها "حماس" ولبنان.


---------------------------------------------------
أفاق التحول الديمقراطي في العالم العربي (+)
الدكتور عبدالله تركماني
يشهد العالم اتجاها متزايدا نحو الديمقراطية منذ نهاية الحرب الباردة في العام 1989، ولعل من المفارقة أنّ رياح التحولات الديمقراطية التي هبّت على العالم انكسرت عند حدود العالم العربي.
مما يثير تساؤلات عديدة: هل تتوافر شروط حقيقية لصياغة مشاريع تحول ديمقراطي في العالم العربي تحول دون احتمال قيام مشاريع ظلامية أو حروب أهلية تغرق بلداننا في المزيد من التأخر والمزيد من الأزمات ؟ مَن هي القوى المؤهلة لصياغة تلك المشاريع، وما هي أدواتها وما هي قدراتها على جعل تلك المشاريع قادرة على جذب الجماهير إليها، بعد كل الخيبات التي أُصيبت بها مشاريع الإصلاح في الحقبة الماضية ؟ وهل تستطيع الدول العربية التي لم تتعاطَ - بعد – مع متطلبات التغيير والإصلاح والديموقراطية بأن تبقى على حالها دون إصلاحات وتغييرات وتجديد ؟ وهل تقبل المجتمعات العربية بأن تحكم بشعارات بينما تحرم من الخبز والحقوق وأسس الحرية والكرامة الإنسانية ؟ هل تجاوزت رياح الإصلاح والدمقرطة المنطقة العربية وتركتها تتخبط في استبداداتها، وفشلت في إحداث التغيير المنشود ؟ وهل عادت السياسة الأمريكية تحديدا والغربية عموما إلى سابق عهدها حيث يتأسس تعاملها مع المنطقة وشعوبها وأنظمتها على قاعدة " الوضع القائم " ؟ وهل ما زالت القوى والبنية الداخلية في أغلب المجتمعات العربية عاجزة فعلا عن إجبار " الوضع القائم " على التغير والانفتاح نحو دمقرطة حقيقية ؟
وعلى مستوى آخر: ما هي الأسباب الحقيقية لمقاومة التحول الديمقراطي في العالم العربي ؟ هل هي الثقافة السياسية السائدة التي ترفض من ناحية المبدأ القيم الديمقراطية ؟ هل هي التيارات الإسلامية التي ترى أنّ الديمقراطية نظام غربي مستورد لا يتفق مع مبدأ الشورى الإسلامي ؟ أم لأنه ليس هناك طلب حقيقي من قبل الجماهير للديمقراطية ؟ هل لأن المجتمع المدني العربي، بما فيه من أحزاب سياسية ومنظمات متنوعة، من الهشاشة أو الضعف بحيث لا يستطيع فرض الخيار الديمقراطي على النظم السياسية الحاكمة ؟
الإجابات على هذه الأسئلة وغيرها هي في غالبها محبطة، وربما أكثر الخلاصات إحباطا هي مسألة الحاجة إلى دور حاسم من الخارج للضغط باتجاه الدمقرطة والإصلاح السياسي، وأنه من دون هذا الدور فإنّ القوى الداخلية أضعف من أن تحقق التغيير المنشود. لكنّ المعضلة الكبيرة هنا تكمن في أنّ الدور الخارجي فاقد للمصداقية السياسية، واهتمامه بهذه الأجندة أثار شبهات عميقة ليس فقط حول الغايات النهائية، بل تسبب أيضا في إثارة سمعة سيئة حول المشروعات الديموقراطية نفسها.
ومما يزيد من صعوبة استشراف مستقبل الديموقراطية في العالم العربي تغييب الرأي العام العربي بشكل عام، إذ لا استقصاءات لرأي الناس في مسائل جوهرية. وبالرغم من ذلك، يمكن القول أنّ الديموقراطية في العالم العربي مستقبلا ستكون أنواعا من الديموقراطيات، ولن تكون ديموقراطية عربية واحدة مشابهة تماما للأخرى.
قضايا مهمة لمرجعيات التحول الديمقراطي
جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 81 الصادر في 8 ديسمبر/كانون الأول عام 2000 حول " تعزيز الديمقراطية وتوطيدها " واضحا حين أكد على ثلاث قضايا مهمة وذات طبيعة استراتيجية: أولاها، لا وجود لأنموذج عالمي واحد للديمقراطية. وثانيتها، أنّ الديمقراطية لها طبيعة غنية ومتنوعة تنجم عن معتقدات وتقاليد اجتماعية وثقافية ودينية للأمم والشعوب. وثالثتها، أنّ جميع الديمقراطيات تتقاسمها خاصيات مشتركة، أي أنها تقوم على أساس المشترك الإنساني للتجربة البشرية الكونية.
تقييم المشهد الديمقراطي في العالم العربي
يختلف المحللون في تقييمهم لطبيعة التطورات التي تشهدها بعض البلدان العربية على صعيد التحول الديمقراطي. فبين مشكك في جدية ومستقبل " المشهد الديمقراطي "، ومتفائل بما يمكن أن يفرزه هذا المشهد من آثار مجتمعية إيجابية، حتى وإن كانت بطيئة، على المدى البعيد. ولكن تظل هناك بعض الظواهر الهامة التي يمكن الاتفاق عليها والتي تؤثر بشكل كبير على إمكانات مسار التحول الديمقراطي.
(1)
- هيمنة نخبة سلطوية على عملية التحول، إذ ما تزال النظم تحتكر الهيمنة على السلطة السياسية وتحول دون اكتساب فاعلين سياسيين الخبرة السياسية المؤثرة والقدرة على تفعيل مجتمعاتهم وأخذ زمام المبادرة، كما يبدو أنّ عملية التحول تتقدم ببطء شديد أو تراوح مكانها أو تتراجع في بعض الحالات.
(2)
- وضوح المطالب وغموض الوسائل، الظاهرة الأخرى اللافتة للانتباه هي اتفاق الفاعلين السياسيين على التحول والانتقال الديمقراطي كهدف استراتيجي، مع عدم وضوح الرؤية حول وسائل تحقيق هذا الهدف وطرق تعزيز هذه الأهداف.
(3)
- الدور الخارجي، إنّ اهتمام الأطراف الخارجية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، بالدفع بأجندة الإصلاح ودعم التحول الديمقراطي قد أثار جدلا كبيرا وشكوكا كثيرة. إذ يبدو أنّ الغرب ما يزال غير قادر على تبنّي الخيار الديمقراطي في المنطقة، لما قد يفرزه من وضعية جديدة غير موالية للمصالح الغربية. أي أنه لم يستطع حتى الآن أن يتعامل بشكل متناسق ودون تناقض واضح بالنسبة لمعادلة الاستقرار في مقابل التغيير، أو الأمن والمصالح الاستراتيجية مقابل الالتزام بالقيم الديمقراطية.
وبشكل عام فإنّ الملاحظ لحالة الديمقراطية في بلادنا العربية‏,‏ لابد أن يتوصل إلى استنتاجين أساسيين‏:‏ أولهما‏،‏ أنّ المنطقة العربية مازالت من أقل مناطق العالم تأثرا بالتطور الديمقراطي الذي يشهده العالم‏,‏ والذي يتضمن انتقال نظم الحكم نحو أشكال أكثر تعددية وتنافسية واحتراما لمنظومة حقوق الإنسان.‏ وثانيهما‏،‏ أنه في أغلب البلاد العربية توجد تجاذبات عديدة حول منهج وأسلوب تعزيز التطور الديمقراطي وغايته‏.‏
ضرورة تطوير نسق عربي ديمقراطي
ليس من قبيل الترف الفكري الدعوة إلى ضرورة تطوير نسق عربي ديمقراطي مؤسس على مشروعية التعددية وحق الاختلاف، مما يتطلب:
(1)
- وفاقا بين السلطات القائمة في أقطارنا العربية وبنى المجتمع المدني لصياغة حل انتقالي تدريجي نحو الديمقراطية، ويبدو واضحا أنّ نجاح هذا المسار مرهون بمدى استعداد السلطات العربية لترشيد بنائها على أسس عقلانية وديمقراطية.
(2)
- استحضار الخريطة الاجتماعية العربية للتعرف على مدى قدرة المجتمعات العربية على استيعاب القيم الديمقراطية وفسح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني.
(3)
- إنّ الديمقراطية عملية مستمرة، تتضمن معاني التعلم والتدريب والتراكم، ولذلك فإنّ أفضل طريق لتدعيم الديمقراطية هو ممارسة المزيد من الديمقراطية. كما أنها ليست عملية قائمة بذاتها، بل لها متطلباتها وشروطها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والمؤسسية. ولذلك فإنّ العبرة ليست بتحقيق التحوّل الديمقراطي فحسب، ولكن توفير ضمانات استمراره وعدم التراجع عنه. وبغض النظر عن المعاني المتعددة لمفهوم الديمقراطية، فإنّ المفهوم يدور بصفة أساسية حول ثلاثة أبعاد رئيسية: توفير ضمانات احترام حقوق الإنسان، واحترام مبدأ تداول السلطة طبقا للإرادة الشعبية، والقبول بالتعدد السياسي والفكري.
ومن أجل صياغة مثل هذا الإطار لابد من إدراك مخاطر الصيغ الواحدية القسرية التي عرفتها العديد من أقطارنا العربية، حيث أنها كانت أداة قمع وتهميش للتعددية الفكرية والسياسية، مما جعل إدراكنا الجمعي مقتصرا على الإدانة الخطابية للمؤامرات الخارجية، بدل البحث عن مصادر الخلل في بنياتنا الداخلية.
إنّ خصوصية أمتنا لا تنفي حاجتها إلى الديمقراطية أو استعدادها لقبولها، وإنما تعني أنّ ظروف تطويرها عندنا تختلف عن ظروف تطورها عند غيرنا. إذ أنّ تطبيق الديمقراطية في عالمنا العربي، الذي يغص بالمشكلات الداخلية وترهقه التحديات الخارجية، ولا يتفق ساسته، في الحكم والمعارضة، على أولويات المشكلات التي يعانيها، ولا تلتقي أهدافهم أو تتكاتف جهودهم لمواجهة كل هذه المصاعب ودفع عجلة التطور في الاتجاه الصحيح. إنّ تطبيق الديمقراطية، في مثل هذه الحالة، يتطلب تطوير نسق ديمقراطي أكثر اتساقا وتوافقا مع تفكير شعوبنا وعبقريتها، أي ما يمكن أن نطلق عليه: الطريق العربي إلى الديمقراطية، المؤسس على مشروعية التعددية ومبدأ الحق في الاختلاف.
مما يتطلب تنمية فكر سياسي ديموقراطي وتفاهم بين كل الأطراف الفاعلة على تحديد مفهوم للديموقراطية، يمكن أن يجمع حوله قوى شعبية قادرة على النهوض في وجه الاستبداد، ويتلاءم في خطوطه العريضة مع واقع الإنسان العربي وظروفه وتراثه. ولابد في ذلك من الاتفاق على صياغة رؤية مستقبلية للأنموذج الديموقراطي المرتجى وما يمكن أن نستلهمه من النماذج الجاهزة، وما يمكن أن نضيفه من ثقافتنا ومعتقداتنا. وهذا كله يستحيل تحقيقه من دون حوار جدي ورصين تشارك فيه كل التيارات بتفهم وانفتاح ونضج حضاري.
نحو وفاق تاريخي بين تيارات الأمة
لقد آن الأوان، لأن يفهم كل تيار فكري - سياسي أنّ الآخر واجب الوجود وأنّ إلغاءه كإلغاء جزء مكون من الجسم. ولأنّ التجارب أنضجتنا والحوار الصعب قد بدأ يأتي أكله، بعد بروز ظاهرة التلاقح بين مختلف التيارات، فإنه أصبح اليوم من الممكن التفكير في بناء وفاق تاريخي يقوم على: اعتبار الديمقراطية هي المدخل إلى النجاعة الفعلية، وهي المدخل إلى الاتحاد العربي. ومن ثمة نحن مطالبون، في طريقنا العربي إلى الديمقراطية، باحتضان مطلب العدالة الاجتماعية، إذ لا معنى للديمقراطية ولا لحقوق الإنسان دون التمتع بالحرية الأولى وهي التحرر من الفاقة والجوع والمرض والجهل.
ولعل أحد مداخل هذا الوفاق التاريخي يكمن فيما يعرف بـ " الديمقراطية التوافقية " التي تتيح للنخب السياسية التعاون فيما بينها، وأن تتضافر جهودها من خلال هذا الأسلوب الديمقراطي والتوافقي.
وتتمثل الديمقراطية التوافقية بالخصائص الأربع التالية:
(1)
- الحكم من خلال ائتلاف واسع من الزعماء السياسيين من كافة التيارات الفاعلة في المجتمع التعددي.
(2)
- الفيتو المتبادل أو حكم " الأغلبية المتراضية "، التي تستعمل كحماية إضافية لمصالح الأقلية الحيوية.
(3)
- النسبية كمعيار أساسي للتمثيل السياسي، والتعيينات في مجالات الخدمة المدنية، وتخصيص الأموال العامة.
(4)
- درجة عالية من الاستقلال لكل قطاع في إدارة شؤونه الداخلية الخاصة، من خلال تعميم النظام اللامركزي.
وهكذا نلاحظ أنّ الديمقراطية " التوافقية " يمكنها أن تكون الخلاص الذي ينقذ مجتمعاتنا العربية التعددية من الاستقطابات الإيديولوجية أو الطائفية أو الإثنية أو اللغوية.
وانطلاقا من هذه القراءة والملاحظات حول أسباب عدم انتقال الدول العربية إلى نظم حكم ديمقراطية, رأى مشروع دراسات الديمقراطية أن يستكمل بحثه المتصل حول معوّقات ومداخل الانتقال إلى نظم حكم ديمقراطية في الدول العربية وأن يتناول في اللقاء التاسع عشر القادم " متطلبات بناء كتلة تاريخية على قاعدة الديمقراطية " في الدول العربية عامة والدول الواعدة منها بشكل خاص.
للديمقراطية مستقبل في العالم العربي
ثمة مجموعة مؤشرات تدل على أنّ للديمقراطية مستقبلا في العالم العربي:
(1)
- حصل تقدم ملحوظ باتجاه الديموقراطية في العقدين الأخيرين، إذ اقتربت بعض الأقطار العربية من نظام التعددية السياسية، وأصبحت منظمات حقوق الإنسان العربي تمارس نشاطها بحرية في بعض الأقطار.
(2)
- ثمة تحلل يطال فكر الاستبداد نتيجة انهيار النظم الشمولية، التي كانت تؤخذ مبررا لاستمرار أنظمة الحزب الواحد في العالم العربي.
(3)
- أصبحت الديموقراطية الآن أكثر الشعارات شعبية في العالم العربي، فصارت المطلب الذي يحظى بالإجماع في كل الأقطار العربية. الكل يطرحها كشعار، هذه الديموقراطية الشعاراتية لا بد أن تتسرب تدريجيا إلى وعي الجماهير وتحدث فيها النقلة النوعية نحو الديمقراطية الفعلية.
(4)
- باتت الديموقراطية ضرورة لا مفر منها للحفاظ على التوازن الاجتماعي، فليس من الممكن نزع عوامل التفجير في المجتمعات العربية من دون إشراك الشعب بكل فئاته في عملية البناء والتنمية، لحفزه على التضحية ودفع المعارضة إلى العمل تحت مظلة الشرعية، مما يؤمن الاستقرار الضروري للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
لكن هذه العوامل الموضوعية الإيجابية لا تعفي النخب الوطنية من مسؤولياتها في تعزيز الثقافة الديمقراطية لتغدو نواة التغيير الفعلية، ولكي تتحول الديموقراطية من شعارات للاستهلاك إلى قيمة إنسانية تلهم السلوك الفردي والجماعي.
إنّ مستقبل الديموقراطية في العالم العربي سوف يظل مستقبلا غامضا وملتبسا ما دامت هي ديموقراطية زعماء وديموقراطية قادة، إذا حضروا حضرت، وإذا غابوا غابت. وما لم تصبح الديموقراطية ديموقراطية مؤسسات سياسية راسخة، فسيظل مستقبل الديموقراطية العربية مستقبلا ملتبسا وغامضا.
لقد حان الوقت للإصلاح والتحول الديمقراطي لبدء الطريق نحو التخلص من التبعية والتهميش وإعادة إنتاج الفقر والتأخر والتفاوت والجهل والتسلط، وذلك من خلال الاعتراف بانهيار عصر عربي بأنظمته وأحزابه ومؤتمراته وعقائده، وإجراء مراجعة شاملة للشعارات الكبيرة المعتمدة على أفكار تجاوزها الزمن، ونقد للذات، والبدء بقبول وفهم الوقائع العالمية الجديدة وانعكاساتها المحلية، ووضع حلول للحاضر والمستقبل لا تُستحضر من مفاهيم الماضي إلا بمقدار ما تنطوي على جدوى للحاضر والمستقبل.
تونس في4/3/2009 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(+) – ورقة قُدمت في إطار لقاء مع أعضاء " نادي مدريد " نظّمه " المعهد العربي لحقوق الإنسان " بتونس يوم الخميس 5 مارس/آذار 2009.
--------------------------------------------------------------


قضايا وأحداث 12.03.2009
ألمانيا تبحث عن السبب بعد صدمة القتل العشوائي في إحدى المدارس

شموع وزهور وسؤال حائر: لماذا؟غداة حمام الدم الذي تسبب فيه المراهق تيم ك انشغل الجميع بسؤال واحد: لماذا؟ سهولة الحصول على سلاح؟ ألعاب الكمبيوتر العنيفة؟ مشاكل نفسية؟ مقاربات كثيرة وإجابات متعددة – ولكن لا أحد يعلم بالضبط ماذا دار في رأس القاتل.

لم يفق أهالي بلدة فينيندن بعد من حالة الصدمة والهلع التي أصابتهم صباح أمس (11 مارس)، بعد أن دخل مراهق في السابعة عشرة من عمره مدرسته السابقة وأطلق النار عشوائياً على من حوله. حصدت رصاصات تيم ك. حياة خمسة عشر شخصاً، معظمهم فتيات ومعلمات، قبل أن يقتل في النهاية نفسه. أما السؤال الذي يشغل الجميع غداة ارتكاب الجريمة هو: لماذا؟ ماذا يدفع مراهق إلى ارتكاب جريمة كهذه؟

اللافت للنظر هي السهولة التي حصل المراهق من خلالها على سلاح الجريمة: فوالده يمتلك عدة أسلحة مرخصة، وهذه الأسلحة من المفروض أن تكون في خزانة محكمة الإقفال. غير أن سلاح الجريمة كان موضوعاً في غرفة نوم الوالدين، وكان من السهل على الفتى تيم أن يأخذه. ولذلك تقوم الشرطة بالتحقيق مع الأب بتهمة انتهاك قانون حيازة السلاح في ألمانيا والإهمال في حفظ سلاحه.

البحث عن أجوبة

منزل الجاني بعد أن أحاطت به الشرطة



ويرى الباحث الاجتماعي الألماني رولاند إكرت أنه ليس من الضروري أن يكون هناك دافع معين وراء ارتكاب مثل هذه الجرائم. ويقول إكرت في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية إن هناك من يشعر "بالانجذاب نحو فكرة أن يكون هو سيد الحياة والموت"، مضيفاً أن من يحمل في نفسه "هذه الهوة العميقة يغدو كالقنبلة المتحركة".

أما مدير معهد أبحاث المخ في جامعة بريمن غيرهارد روت فيوجه أصابع الاتهام إلى المتخصصين النفسيين في المدارس الذين لا ينتبهون في الوقت المناسب إلى المراهقين الذين يمرون بمشكلات نفسية، لا سيما أولئك الذين ينزوون أو يتقوقعون على أنفسهم، منبهاً في الوقت ذاته إلى أن عدداً كبيراً من وظائف المتخصصين النفسيين في المدارس قد أُلغي في السنوات السابقة.

ويرى روت أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أيضاً عامل التقليد، فالجاني في هذه الحالات يستعد شهوراً طويلة للقيام بفعلته، غير أنه يحتاج إلى شيء ما يدفعه إلى تجاوز الحاجز النفسي الذي يمنع كل إنسان من القيام بأعمال عنف. ويشير روت في هذا الصدد إلى أن الجاني ربما يكون قد اتخذ الحادث الذي وقع قبلها بيوم في الولايات المتحدة نموذجاً له.

من ناحية أخرى أرجع عدد من المتخصصين النفسيين في ألمانيا الحادث إلى ما أسموه التمييز الذي يتعرض إليه الصبيان في المدارس، ورأوا أن النظام التعليمي في ألمانيا يحابي الفتيات على حساب الفتيان، مما يوقع الفتيان في أزمة نفسية عميقة.

ألعاب الكمبيوتر: تنفيس أم تحريض؟

البعض يرى في ألعاب الكمبيوتر سبباً في ارتكاب المذبحةوتشير الشرطة أيضاً إلى ألعاب الكمبيوتر العنيفة التي عثرت عليها في جهاز تيم ك. ويعتقد بعض علماء النفس أن تلك الألعاب تساعد في التغلب على الحاجز النفسي الطبيعي الموجود لدى الإنسان فيما يتعلق بالعنف والقتل. غير أن الدكتور أحمد عبد الله، أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق، يعتبر تلك النقطة جدالية للغاية. فهناك من يرى أن تلك الألعاب تعمل على تفريغ شحنة العنف لدى الشخص، وهناك من يرى أنها تشجع على القيام بأعمال عنف. ويشير الباحث المصري إلى عدم وجود أبحاث موثقة في هذا المجال، وحسب رأيه فقد تكون تلك الألعاب محفزة على القيام بالجريمة، ولكنها ليست سبباً لتنفيذها.

سمات مشتركة

بهذا السلاح ارتكب تيم ك جريمتهولكن، وبعيداً عن جريمة فينيندن، يبدو أن هناك سمات مشتركة بين معظم من يقوم بتلك الجرائم. ويرى الدكتور أحمد عبد الله أن المراهق في تلك الحالات هو غالباً شخص يعاني من ضغوط نفسية قبل الحادث ومن مشكلات في التواصل مع محيطه. وعادةً ما تكون الشبكة الاجتماعية المحيطة به ضعيفة. ويرى الباحث النفسي أن هناك حالة اغتراب عالية لدى المراهقين، خصوصاً في دول العالم المتقدم، وأن هذه الحالة تُشعر صاحبها أن حياته تخلو من المعنى، معتبراً أن التقدم التكنولوجي أدى في بعض الحالات إلى تقطع الصلات بين البشر.
الكاتب: سمير جريس
المحرر: هيثم عبد العظيم
--------------------------------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا