
لبنان يستعد لانتخاب سليمان رئيسا وكوشنير "ينتقص" من اتفاق الدوحة
- 24/05/08
الشوارع استعدت للرئيس الجديد
بيروت، لبنان
وتنهي عملية الانتخاب نصف عام كامل من التأجيلات المتكررة كما أنّها تعدّ تتويجا لاتفاق الدوحة الذي وقّعته الأكثرية والمعارضة الأربعاء.
ونصّ ذلك الاتفاق أيضا على تشكيل حكومة وحدة وطنية تتمتع فيها المعارضة بما يطلق عليه اللبنانيون "الثلث المعطل" وتبني قانون انتخاب جديد.
ومن المفترض أن ينتخب 127 عضوا في البرلمان اللبناني الأحد العماد ميشال سليمان، 59 عاما، على أمل أن يعيد ذلك الحياة إلى عمل المؤسسات، بعد أن كان المجلس نفسه في حكم المغلق، بعد أن اعتبرت المعارضة الحكومة غير شرعية فور استقالة ستة وزراء.
وأكّد الرئيس المرتقب، في تصريحات تناقلتها القنوات المحلية، عشية انتخابه، أن عهده سيكون "عهد تكريس المصالحة والتفاهم" داعيا إلى "تحييد مصالح الناس عن الخلافات السياسية."
واستعدّت "عمشيت" التي ينحدر منها سليمان، والواقعة نحو 40 كلم شمال بيروت، بدورها للحدث بتزيين الشوارع بأعلام البلاد وصور قائد الجيش.
ولم يكن الوضع مختلفا في العاصمة التي ارتدت الألوان الحمراء والبيضاء والخضراء، وعلّقت الرايات على عديد المفترقات والمنازل وكذلك صور ترحّب بالرئيس الجديد.
وكان موقع الرئاسة شاغرا لستة أشهر مع انتهاء ولاية الرئيس السابق إميل لحود في نوفمبر/تشرين الثاني.
وكانت الأكثرية النيابية طرحت في ديسمبر/كانون الأول الفائت اسم سليمان كمرشح توافقي, لكن المعارضة القريبة من دمشق وطهران اشترطت لانتخابه التوافق على سلة متكاملة ابرز بنودها حكومة الوحدة الوطنية وقانون الانتخاب.
كما تجري الاستعدادات على قدم وساق في مطار بيروت الدولي حيث من المتوقع أن يتقاطر نحو 200 ضيف لحضور مراسم الانتخاب.
ومن ضمن الضيوف وزيرا خارجية كلّ من سوريا وإيران ووفد من الكونغرس الأمريكي.
كما يحضر الجلسة أمير قطر، الذي رعى محادثات المعارضة والحكومة في الدوحة ووزراء خارجية إيطاليا وإسبانيا ومنسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي وأمين عام جامعة الدول العربية وكذلك وزير خارجية فرنسا.
واعتبر برنار كوشنير، عشية تحوّله إلى بيروت، أنّ اتفاق الدوحة فشل في معالجة "جذور الأزمة" لكنّه يعدّ مع ذلك خطوة أولى.
وأضاف، في مؤتمر صحفي في القدس، أنّ الاتفاق هو خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن لا يبدو أيا من جذور الأزمة لم يلق حلا. ومع ذلك وحتى الآن من الأفضل أن يكون هناك رئيس وحكومة."
وأوضح أنّه "كان من الأفضل لو وصلنا إلى هذه المرحلة من دون أن يكون حزب الله قد سيطر على نصف بيروت من أجل فرض الاستماع إليهم."
وأشار اتفاق الدوحة إلى ضرورة "عدم العودة إلى استخدام السلاح بهدف تحقيق مكاسب سياسية."
القدس تحت الاحتلال التزوير والتحريف
فايز سارة - كاتب سوري
مقدمة
في حزيران عام 2001، يكون قد مر على احتلال القدس خمس وثلاثون عاماً، حافلة بالمتغيرات العاصفة، التي أصابت المدينة من جانب المحتلين الاسرائيليين، وهي متغيرات لم تصب سكان المدينة فقط، بل انسحبت على معالمها التاريخية والحضارية، وبالتالي على الطابع العام للمدينة وحياتها الراهنة تحت الاحتلال.
ويكشف الكاتب والمعماري العراقي محمد مكية في شهادته عن واقع مدينة القدس اثر زيارة قام بها مؤخراً للمدينة بعض ما أصاب المدينة من متغيرات تحت الاحتلال، فيقول ان "التراث العمراني والبيئي للقدس القديمة في حال تدهور وخراب، وليس هناك اهتمام بما تبقى من البنية العامة للمدينة"، ويعزو سبب ذلك الى "ان الادارة الاسرائيلية للقدس لا تكترث لما يصيب المدينة، فكثرة الخرائب وتحويلها أماكن لرمي القمامة والتخلف في التخطيط، أصبحت واقعاً يومياً، مع غياب ادارة فلسطينية، وأي دور للأوقاف الاسلامية".
هذه الشهادة في اختصارها الشديد، تكشف بعضاً مما صارت اليه المدينة في ظل الاحتلال الاسرائيلي الذي اثقل صدرها منذ صيف العام 1967، ورتب تغييرات كثيرة على واقع القدس الديموغرافي والجغرافي والسياسي، كان من نتيجته الاتجاه بالمدينة نحو التهويد والأسرلة، وهو ما تسعى اليه، وتتابعه سلطات الاحتلال الاسرائيلي مع جماعات صهيونية عديدة خلافاً لمحتويات القانون الدولي، وإرادة المجتمع الدولي، وكلتاهما ما زالت تؤكد منذ احتلال "اسرائيل" للقدس في العام 1967 عدم شرعية اجراءات الاحتلال التي تستهدف تغيير الطابع العربي ـ الاسلامي للمدينة من خلال تغييرات ديموغرافية وجغرافية، تؤدي الى تبدل البنية السكانية من جهة، وتغيير المعالم الجغرافية للمدينة.
والقول، ان ما تقوم به سلطات الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنون اليهود في القدس، يندرج في إطار مخالفة القانون الدولي، يفرض المطالبة بمعاقبة القائمين بهذه الجرائم، ما يرتب على المجتمع الدولي التوجه للقيام بالخطوات المطلوبة في هذا الاتجاه.
ويقدم الباحث في الشؤون الاسرائيلية نواف الزرو في كتابه "جرائم الاحتلال ضد مدينة القدس" كشفاً عاماً لما قام به الاسرائيليون من جرائم في القدس منذ احتلالها، مستندة الى "منطلقات فكرية وإيدلوجية" تمثل الاساس الذي تقوم عليه الممارسة الاسرائيلية حيال القدس، وخلاصته في مقتطف يورده الكاتب من أقوال بن غوريون الأب المؤسس لإسرائيل، وفيه يقول "لا قيمة لاسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل" وهو قول عبرت عنه نزعة التدمير اليهودية عندما طلب غورن كبير حاخامات "اسرائيل" من الجنرال نركيس قائد المنطقة الوسطى عند احتلال القدس عام 1967 تدمير المسجد الأقصى.
وقدم الباحث الزرو عرضاً لأهم الانتهاكات والاعتداءات والجرائم التي ارتكبت ضد القدس وسكانها وبينها ما تم القيام به ضد الأماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية ومنها محاولات تدمير الأقصى والاعتداء عليه، التي زادت عن مئة وعشر محاولات بين عامي 67 و98 منها ثلاث مذابح في الأقصى 1981 و1991 و2000.
وترافقت هذه الجرائم الاسرائيلية مع اخرى ارتكبت ضد الأماكن المقدسة المسيحية، بينها هدم كنائس واحتلال اخرى، وحرق مراكز مسيحية، والاستيلاء على املاك كنائس، وفرض ضرائب على كنائس القدس، وهو ما ترافق مع تدخلات في أنشطة رجال الدين المسيحي، وأقرانهم من المسلمين الى حد منعهم من القيام بمهامهم الدينية.
ولا تقل الاعمال التي يقوم بها المستوطنون اليهود في القدس خطورة واجراماً عما ما تقوم به سلطات الاحتلال، ويورد الكاتب معلومات أساسية عن عدد من التنظيمات، التي تتخذ العنف والارهاب طريقاً لها من أجل تهويد القدس، مشيراً الى ان هناك أكثر من 125 جماعة يهودية موزعة في العالم تجعل هدفها تدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل اليهودي مكانه.
ورغم أهمية وخطورة الجرائم التي يقوم بها الاسرائيليون ضد المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس، فإن ذلك لا يمثل سوى بعض من جرائمهم هناك، والتي أساسها اعلان ضم القدس الى "اسرائيل" بما يعنيه ذلك من تطبيق للأنظمة والقوانين الاسرائيلية على المدينة وسكانها، التي كثفت التدخل الاسرائيلي المتعدد الابعاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وعمرانياً لخلق صعوبات مستمرة في حياة الفلسطينيين من أجل نزع هويتهم المقدسية، أو لدفعهم لمغادرة القدس سواء الى بقية الأرض الفلسطينية، أو الى خارج فلسطين.
ويورد تقرير صدر مؤخراً عن الوضع السكاني في القدس، وتم تعميمه على دول وهيئات دولية، ان الفلسطينيين المسيحيين ـ كما اقرانهم من المسلمين ـ من سكان المدينة التي تضم المقدسات المسيحية، يجبرون على مغادرتها الى انحاء متفرقة من الضفة الغربية والخارج، ما ادى الى تناقص عددهم نتيجة الاجراءات التي تقوم بها السلطات الاسرائيلية ضد سكان القدس من مسلمين ومسيحيين وخاصة في اعقاب اندلاع انتفاضة الاقصى الحالية.
وتبين المعلومات الاحصائية، ان عدد المسيحيين من سكان القدس الذين كان عددهم 25 ألفاً عام 1967 صار نحو أربعة آلاف شخص حالياً رغم الزيادات السكانية التي حدثت في نحو أربعين عاماً من سنوات الاحتلال.
لقد أغرق الاحتلال القدس بالاحياء اليهودية من خلال آلاف الوحدات السكنية، وجهد من أجل زيادة اعداد اليهود فيها، وعملت سلطاته ومستوطنوه من أجل احداث تبدل جوهري في واقع المدينة وتحويلها الى مدينة يهودية، غير ان سكان القدس وعموم الفلسطينيين جهدوا وما زالوا من أجل الابقاء على القدس مدينة عربية إسلامية، منتظرين صحوة الضمير الانساني وتقدمه للوقوف ضد الجرائم والانتهاكات التي يقوم بها الاحتلال ضد القدس وسكانها، بل ضد كل الفلسطينيين وأراضيهم المحتلة.
-------------------------------------------
ما الذي ستقدمه صفقة إعادة الجولان لسورية
الجمل: نشر الموقع الإلكتروني الخاص بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي حواراً مطولاً مع البروفيسور جوشوا لانديز الخبير الأمريكي البارز في الشؤون السورية. وقد ركز الحوار على المحادثات السورية – الإسرائيلية غير المباشرة التي بدأت وقائعها يوم الاثنين الماضي برعاية تركية في مدينة اسطنبول التركية. وفيما يلي الخطوط والمحاور الأساسية لأسئلة الحوار والنقاط الأساسية لردود الخبير الأمريكي عليها:• ما مدى جدوى وساطة تركيا لإنجاز اتفاقية سلام سورية – إسرائيلية شاملة:- توجد جدوى كبيرة لجهة تحقيق سلام شامل بين سوريا وإسرائيل ولكن لا يمكن القول بأن ذلك سيتحقق على المدى القريب وكل طرف يريد أن يتحقق إذا أراد الطرفان إنهاء الصراع وتحقيق الاستقرار في شمال إسرائيل والحدود الجنوبية لسوريا ولبنان فإنه لا بدمن التوصل لصفقة معينة حول ذلك.• في عام 2000م توسطت الولايات المتحدة بين الطرفين وكانا على وشك التوصل لاتفاق فلماذا انهارت المحادثات:- هناك عدة تفسيرات منها أن الرئيس كلينتون ورئيس الوزراء الإسرائيلي باراك أعلنا أن سوريا قد تخلت عن المفاوضات، كما أن السوريين قد أعلنوا بأن المفاوضات غير جادة لأن الوسيط الأمريكي دينيس روس قام نيابةً عن باراك بتقديم أقل من حدود 67 لسوريا بما يمنح إسرائيل السيطرة على شريط من الأرض يبلغ 100م على الجانب السوري. • يقول بأن السوريين قالوا بأن الإسرائيليين وافقوا على العودة من حيث المبدأ إلى حدود 67، ولكن لم يؤكد الإسرائيليون ذلك فإلى أي مدى سيؤثر على بدء المفاوضات؟- رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي إيهود أولمرت ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إرييل شارون قالا بأنهما يعرفان ثمن المفاوضات مع سوريا وقالا بأنهما لن يدخلا في هذه المفاوضات لأنهما يعرفان ما يطلبه السوريون ومن ثم فإذا أراد الإسرائيليون الدخول في هذه المفاوضات فإن عليهم الاستعداد لدفع الثمن المطلوب سورياً.• هل سيطلب الإسرائيليون من السوريين اتخاذ بعض القرارات السياسية الرئيسية مقابل إعادة الجولان كقطع الروابط مع حزب الله وإيران والمقاومة الفلسطينية؟- تتمثل المصالح السورية في لبنان في جانبين: استمرار المقاومة المسلحة ضد الإسرائيليين من أجل إضعاف إسرائيل ووجود لبنان ضمن دائرة المجال الحيوي السوري، وبالتالي إذا تمت إعادة الجولان لسوريا فإنه لن يكون لسوريا مصلحة في استهداف إسرائيل عسكرياً وبالنسبة لوجود لبنان ضمن دائرة المجال الحيوي السوري فإن من الممكن استمرار ذلك دون الاستعانة بالسلاح بسبب الروابط والعلاقات البينية السورية – اللبنانية الوثيقة.• سيكون لحزب الله سلطة ممارسة الفيتو في قرارات الحكومة اللبنانية الجديدة وقد اتفقت الأطراف اللبنانية على ترك النقاش حول سلاحه جانباً فهل سيتأثر ذلك بالمحادثات السورية – الإسرائيلية؟- بالتأكيد ستؤثر نتيجة المحادثات على اهتمام السوريين بتسليح المقاومة اللبنانية وبوجود لبنان ضمن المجال الحيوي السوري حتى لا يتم استغلاله حالياً أو مستقبلاً لزعزعة استقرار سوريا مثلما سبق أن تم استغلاله واستخدامه خلال السنوات الخمس الماضية بواسطة الولايات المتحدة وإلا فإن وجود سلطة الفيتو في يد المعارضة اللبنانية سيترتب عليه عدم إمكانية تمرير القرارات التي تهدف لزعزعة استقرار سوريا.• يواجه أولمرت المتاعب حالياً بسبب تحقيقات الشرطة الإسرائيلية معه وقد يؤدي ذلك إلى إقالته فهل سيؤثر ذلك على استمرار إسرائيل في المحادثات مع سوريا خاصةً وأن هناك عدداً من الإسرائيليين يعارضون المحادثات معها؟- هذا موضوع صعب، إذا كان أولمرت يريد اللجوء للتفاوض مع سوريا من أجل أن تحميه المفاوضات من إجراءات الشرطة الإسرائيلية.• هل ستطلب سوريا من قيادة حماس ترك دمشق والذهاب لغزة؟- لن يسمح السوريون بما يهدد حياة خالد مشعل ولن يقوموا بتسليمه للإسرائيليين، ومن الممكن له أن يختار مكاناً آخر كقطر أو ما شابهها. ومن الممكن أن يقول بأنه قرر مغادرة سوريا اختياراً وطواعيةً لأن بإمكانه أن يدير شؤونه وأنشطته في العديد من الأماكن الأخرى لكني أعتقد بأن من الصعب على سوريا أن تفعل بالفلسطينيين مثلما سبق أن فعل السادات معهم بعد توقيعه اتفاقية كامب ديفيد.• ما الذي ستقدمه صفقة إعادة الجولان لسوريا؟- ستقدم الكثير وستعزز قدرة ومكانة سوريا في الشرق الأوسط والعالم.• ماذا عن علاقات سوريا مع الولايات المتحدة الأمريكية؟- في ظل وجود إدارة بوش فإن القليل يمكن أن يحدث من أجل تقوية هذه العلاقات، وحالياً فإن إدارة بوش تبدو هادئة إزاء المحادثات وقبل أسبوعين أو ثلاثة كان الأمريكيون يرفضون قيام هذه المحادثات ولكنهم قبلوا بذلك الآن، ونفس الشيء بالنسبة للبنان فقد كانوا يحرضون حلفائهم اللبنانيين على عدم تقديم الثلث الضامن لحزب الله ولكنهم الآن قبلوا باتفاق الدوحة الذي أعطى حزب الله مطلبه.
الجمل: قسم الدراسات والترجمة
------------------------------------------------
سلاح السياسة وسياسة السلاح
بقلم: موفق نيربية *
قلنا في الخامس والعشرين من مايو 2000 إنه يحق لنا أن نبتهج بتحرير جنوب لبنان. فقد كانت لدينا مقاومة شعبية منتصرة بكفاءة، مع أننا نتحفّظ على تركيبتها الطائفية والدينية، فطائفيّتها تحرّض خوفاً على لبنان الهشّ طائفيّاً، إذا اندارت المقاومة بسلاحها للنظر في أوضاع الداخل، كما أنّ دينيّتها- في بلد يغلب على نخبته الوعي الوطني الديمقراطي وحتى العلماني- تعيد الطموح الاجتماعي التقدمي إلى وراء. رغم ذلك، ولأهميّة تحقيق شيء مهم ينقصنا في مسألة إسرائيل، وثقتنا بأنفسنا، كان لابدّ من الابتهاج بتحرير الجنوب، وتهنئة المقاومة الإسلامية على انتصارها.
آنذاك، اهتمّ جوزيف سماحة بما قيل، ووزّع المقالة على بعض أصدقائه، ثم عبّر مرة أخرى عن ذلك في حمص، بعد ذلك بشهر ونصف، في 10/7. بعد مهرجان نصر أقامه "حزب الله"، وظهر فيه مهيباً ومخيفاً، رائعاً ومريعاً في الوقت نفسه. كنت أيضاً مع جوزيف سماحة. عبّرت له عن خشيتي وقلقي، وقلت له: ألا توافق على ذلك؟ انتفض وقال: لا. ولم يكمل، إلاّ بترديد: لا، بنزق.
رحم الله جوزيف (المعلّم المحبوب)، الذي كانت الوطنية والقومية وإسرائيل والولايات المتحدة همّاً طاغياً عليه، وربما كان على حق أحياناً، وصاحب رأي ضروري في كل الأحيان.
ثم حدث مع حرب يوليو 2006، أن كان القلق أكبر، لكننا قلنا أيضاً إنه انتصار جميل ويحمل سمات لابدّ من الاستفادة منها، بين الكفاءة العالية تنظيماً وإعلاماً وتقنية سياسية واستراتيجية، مع الشجاعة والإخلاص واستيعاب متطلّبات العلم الحديث. لكن أوان الخوف كان على الأبواب، وصار مهرجان النصر القديم إلى مهرجان "النصر الإلهي"، وابتدأت مظاهر الانشقاق والتفسّخ في العلاقة مع المجتمع السياسي الاجتماعي اللبناني.
ويقول قائل، ألم نقل لكم؟! ولا نعترف حتى الآن بالخطأ والانجراف، ولا نظهر الندم، أو لعلّنا لا نشعر به... الطائفية نقيض مباشر للوطنية، وأحد أشكال البنى الاجتماعية ثم السياسية التي تكبح البناء الوطني للدولة الحديثة. والصراع الطائفي نقيض للعملية السياسية، أداة هذا البناء. وهذا يتناول في السياق "حزب الله" أولاً، لأن إسهاماته في الأمر مسلّحة تكاد سمات الفدائيين فيها تصل إلى مستوى "العسكرة"... لكنه لا يستثني أحداً، من الأطراف جميعها. فللسياسة أن تكون سلاحاً إلى الحدّ الأقصى، وليس للسلاح أن يكون سياسةً حتى بالحدّ الأدنى.
الوضع صعب بالأساس، وهو أشدّ صعوبة الآن، فـ"حزب الله" يتمتّع بأكثر من أفضليّة، من شعبيّته المتصلّة بتاريخه المقاوم؛ إلى السلاح الذي أثبت فعالية كبيرة في يوليو 2006، الزائد عن سلاح المقاومة المعروف كلاسيكياً، والممكن أن يفيض إلى استعماله سلاحاً معنوياً أو مادياً في السياسة الداخلية؛ إلى الدعم الإقليمي من قبل إيران وسورية... وغزة.
وتتمتّع الحكومة اللبنانية - بحالتها الراهنة - بأفضليات مقابلة، من شعبيّتها المتصّلة بمسائل السلم والمواطنة والاستقلال والازدهار، إلى كونها تعبيراً عن تكريس مفهوم "الدولة" الذي تطمح إليه أغلبية اللبنانيين، مع تمتّعها بتأييد عربيّ غالب، رغم أن سورية تفتح فيه ثغرة قريبة واسعة الظلّ، وتأييدا دوليا يكاد يكون كليّاً، لكننا طالما اعتدنا على معاداته واستعدائه.
لكن الأزمة الأعقد هي أزمة "حزب الله" مع نفسه، ولن يكون مخرج من دون حلّها. إذ جاء أوان مواجهة حالة ازدواج صفة الحزب، من حيث هو مقاومة للمحتل وقوة سياسية داخلية في الوقت نفسه، وانتهى زمن السعادة بهذا الازدواج واستعماله لإسباغ النقاء وتحريم التناقض معه. هذه إشكالية في منتهى الصعوبة الآن، ولا بدّ لقوى "الموالاة" أن تراعيها. في حين لم يعد "حزب الله" قادراً على تجاهلها أو الاستمرار باستقوائه بها، رغم حقه باستثمار تاريخه المقاوم.
يمكن لـ"حزب الله" أن ينظر في تجربة الشعوب كافة، ليرى كيف تنحدر المقاومات الشعبية إلى سلطات مستبدة، أو إلى ميليشيات تتورط داخلياً، والأمثلة تتزاحم في الأرشيف والجغرافيا. أو باختصار، لماذا لا ينقسم "حزب الله" إلى "مقاومة" وحزب سياسي، فتختص الأولى بمسائل الاحتلال، والثاني بالعملية السياسية السلمية الداخلية، فلا يموت الذئب ولا يفنى الغنم؟
أو ما يراه. لأنه - خلاف ذلك - يؤكّد ما يُقال عن الارتباط العضوي بإيران وولاية الفقيه ومشروع الدولة الإسلامية الخاصة، وعن كونه وحدة قتالية متقدمة في ساحة الفتنة الشيعية السنية المرذولة. وذلك "أشدّ مضاضة".
التسويات على قارعة الطريق، وهي غذاء يومي ضروري، لكن الأزمة أعمق وأخطر... فالأطراف التي تهتم بما هو أمامها هذا اليوم؛ من دون أن يفارقها الهمّ الأبعد والأعرض للبشر؛ ضائعة وضعيفة. وقد اعتدنا العيش على النصر القنوع ساعة بعد صبر ألف ساعة... ونحن بذلك فرحون.
* كاتب سوري
----------------------------------------------------------
إدوارد سعي
د: المتفرج المغترب! تزفتان تودوروف ترجمة: محمد غرافي
24/05/2008
النص أدناه ترجمة لمقال الفيلسوف والناقد الفرنسي (من أصل بلغاري) تزفتان تودوروف بمناسبة صدور كتاب إدوارد سعيد تأملات عن المنفي إلي الفرنسية (عن دار آكت سيد). ويعتبر تـودوروف أحد أصدقاء الراحل إ.سعيد منذ السبعينيات حيث كانا يحاضران معا بجامعة كولومبيا بنيويورك. وتجدر الإشارة إلي أن تودوروف هو الذي اقترح علي دار النشر لوسوي ترجمة كتاب الاستشراق الشهير لإدوار سعيد إلي الفرنسية. وقد صدر الكتاب بالفرنسية سنة 1980 مع مقدمة لتزفتان تودوروف.(المترجم).كان إدوارد سعيد أحد المثقفين الأكثر شهرة وتأثيرا في العالم. لقد ألف حوالي عشرين كتابا، وكان يبدو وكأنه يعيش أكثر من حياة في الآن نفسه. فهو الذي بدأ ناقدا أدبيا علي طريقة جوج لوكاش وإيريخ أورباخ، يدين بشهرته لأعمال عن الهويات الثقافية والتقاء الثقافات، وكذا القوميات والإمبرياليات. وكان أيضا أحد الأصوات المسموعة أكثر لصالح القضية الفلسطينية، ولكنه كان حريصا علي أن يكون الدفاع عنها يأخذ بالاعتبار كليا الشعب اليهودي وآلامه منذ الاضطهادات حتي الإبادة .كان شغوفا أيضا بالموسيقي ومعترفا بانتمائه بنفس القدر لاتجاه الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو وعازف البيانو الكندي جلين جولد. كما كان يشتغل بلا هوادة وذا تطلع لا ينضب إلي المعرفة، ولم يعرف طيلة حياته لحظة راحة واحدة.ولد إدوارد سعيد سنة 1935 بالقدس ونشأ في القاهرة حيث درس في إعدادية بريطانية. سافر إلي الولايات المتحدة في سن السادسة عشرة وولج بعد ذلك جامعات النخبة في بريستون وهارفارد قبل أن يصبح مدرسا منذ 1963 بجامعة كولومبيا بنيويورك، حيث مكث بها إلي آخر حياته. في أولي سنواته هناك، كان يبدو ذائبا في القالب الأمريكي، إلي أن جاءت الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1967 التي تكلفت بتذكيره بانتمائه الأصلي ودفعه إلي البحث عن توازن بين جانبي ذاته: الشرق ـ أوسطي والغربي، وهو ما حققه في كتابه الاستشراق سنة 1978فكان أولَ نجاح كبير له (ترجم إلي ست وثلاثين لغة وأعيد نشره في طبعة مزيدة عن دار لوسوي سنة 2005). وهو كتاب كرسه لخطابات مألوفة عن الشرق لكُتاب وعلماء وساسة غربيين.في سنة 1991، اكتشف إدوارد سعيد فجأة أنه مصاب بمرض ابيضاض الدم المزمن مما أرغمه علي التخلي عن نشاطاته السياسية المباشرة ودفعه إلي الاهتمام بكينونته الخاصة: فقام برحلات عدة إلي فلسطين وإسرائيل وكتب بالخصوص سيرة ذاتية متميزة عنوانها بمحاذاة خط السكة (كتاب الجيب 2003) تعطي شكلا ومعني للثماني عشرة سنة الأولي من حياته. وإلي حين وفاته سنة 2003 ظل إدوارد سعيد علي نفس القدر من الحيوية والنشاط، بل وأكثر. فقد أسس بتعاون مع دانيال بارنبوام الفرقة الموسيقية العربية ـ الإسرائيلية، الديوان الغربي ـ الشرقي، واستمر في الكتابة عن النزعة الإنسانية والموسيقي ، الأسلوب المتأخر لرجال الفن.كان كتابه تأملات عن المنفي آخر مجموعة مقالات نشرها إدوارد سعيد نفسه (الكتاب الأصلي يعود إلي سنة 2000) وهو يعد مع كتابي الاستشراق و بمحاذاة خط السكة أحد كتبه الأكثر نجاحا. فقد جمع فيه خمسين دراسة كتبها بين 1967 و 1999. وتعد الدراسة القصيرة شكل التعبير الذي يفضله سعيد أكثر. كما أن هذه المجموعة تتيح الإحاطة بنظرة واحدة بمختلف مراكز اهتماماته، بدءا من النقد الأدبي حتي السيرة الذاتية مرورا بالاستشراق والنظرية النقدية والثقافة المصرية وفلسطين والموسيقي. المقالات الأربعة أو الخمسة الأخيرة في المجموعة والمتميزة بالكثافة تواصل مسألة التفكير حول المنفي التي كان قد بدأها من قبل. ووجودها رفقة آخر مقدمة لكتاب الاستشراق يمثل نوعا من الوصية الروحية.العودة المستحيلة لقد وعي إدوارد سعيد في فترة مبكرة من حياته بأنه يحمل هوية من أكثر الهويات غموضا: فهو فلسطيني درس بمصر ويحمل اسما انكليزيا وجواز سفر أمريكيا مما جعله عند نهاية دراسته العليا لا يحس بأية رغبة في العودة إلي بيته (هذا لا وجود له) ويفهم سريعا أن العودة أو العودة الشاملة أمر مستحيل . وهكذا تعلم أن يقرن النصفين اللذين لا يتجزآن من ذاته وانتهي إلي معرفة نفسه في صورة مثقف الشتات الذي يقطن بمدينة عالمية كنيويورك، ولم يكن يجهل بالطبع أنه بذلك يسلك نفس طريق العديد من المثقفين ورجال الفن اليهود. كما اكتشف أيضا أن هذه التجربة التي ليست استثنائية، تمثل إحدي السمات المتميزة للعالم الحديث: تسارع وتيرة التواصل بين الثقافات، الخاصية المتغيرة لهذه الأخيرة والتعدد الداخلي لكل هوية. إن الاستشراق تكوين مصطنع، ولكن الأمر نفسه ينطبق علي الاستغراب السائد عند خصوم الغرب. لذلك يعتبر سعيد خصما عنيدا لنظرية صدام الحضارات .وإذا كان الاغتراب يُنتََج في ظل شروط مساعدة عليه، فإنه يولّد عدة إيجابيات، لأن المغترب يري كل ثقافة من ثقافاته من الداخل والخارج معا، مما يسمح له بتفحصها بنظرة نقدية. فهو لا يغتر بالكلمات ولا بالعادات. إن المغترب يعيش دائما خارج المكان وبمحاذاة خط السكة، إنه مهمش ولكنه متشبث بشرطه كتشبثه بامتياز. لقد قام سعيد بعقد تقارب بين هذا الشرط وشرط المثقف بشكل عام. إن علي هذا الأخير أن يبتعد مثاليا عن السلطات وأيضا عن كل انتماءات مفروضة ـ عرقية وقومية ودينية ـ لأنها قد تمنع أن يكون فعله تحت توجيه أفكار العدالة والحقيقة وحدها. لقد كان سعيد مدافعا شرسا عن اللائكية ومناهضا لكل قومية وهذا ما سمح له بأن ينتقد بنفس الحدة الحكومة الأمريكية والإدارة الفلسطينية.وإذا كان لا بد من الواجب أن نبحث له عن أسرة إيديولوجية، فإنها لن تكون، رغم بعض التشابهات، لا الماركسية ولا ما بعد ـ البنيوية كموضة في الجامعات الأمريكية (النظرية الفرنسية)، وإنما النزعة الإنسانية، شريطة أن تكون هذه الأخيرة كونية حقا وأن تكف عن الاختلاط بنزعة المركزية الأوروبية: إنه من الممكن، بل من الضروري، أن يتم ـ باسم المثال الأنَسي ـ نقد الممارسات التي نسبت نفسها في الماضي إلي النزعة الإنسانية.النزعة الإنسانية لن نستغرب إذا رأينا أن هذه النزعة لا تريد البقاء عند تحليل شكلي محض للنصوص الأدبية يفصلها عن علاقتها بالتجربة الإنسانية.هنا أيضا يجب فتح الآفاق وعدم خلط الإنسانية ببعض النقاد الأوروبيين الذين أصابهم الوهن. يقول إدوارد سعيد: وحدها الأذهان التي لم تتعرض للتجربة الفورية لدوي الحرب والتطهير العرقي والهجرة القسرية والتمزقات المأساوية، قادرة علي صياغة مثل هذه النظريات .كان سعيد، كمثقف متشبع بالنزعة الإنسانية، مستعدا لتحدي السلطات القائمة والتوافقات الثابتة وذلك باسم انخراط متصلب في القيم الكونية، وكان في الوقت نفسه يعرف كيف يكون مفتونا متحمسا. لقد أدي ثمن التزامه غاليا: تم إحراق مكتبه في الجامعة، وتلقت عائلته تهديدات كثيرة بالموت، وكانت كتاباته وما تزال مثار شبهة في بلدان عدة.ومع ذلك ظل متشبثا بقناعته بأن السؤال الأساسي الذي يجب طرحه علي المثقف اليوم هو سؤال العذاب الإنساني وكانت ممارسته مطابقة لأفكاره. لقد كان إلي جانب كونه مفكرا فذا، رجلا كريما وودودا لا يُنسي عند كل الذين عرفوه.
عن صحيفة لوموند 16 ايار (مايو) 2008
توجه سوري محفوف بالمخاطر عبد الباري عطوان
24/05/2008
المفاوضات السرية غير المباشرة التي رعتها تركيا بين مندوبين سوريين واسرائيليين في انقرة بدأت قبل ستة اشهر، اي انها ليست وليدة الساعة، ولكن موضع التساؤل هو اختيار هذا الاسبوع للاعلان عنها في كل من دمشق وانقرة والقدس المحتلة بتنسيق مسبق، والدوافع الكامنة خلف هذا التوجه السوري نحو السلام مع اسرائيل في وقت يعتقد كثيرون ان المنطقة تتجه نحو الحرب، وان الحكومة الاسرائيلية هي الاضعف منذ قيام الدولة العبرية قبل ستين عاما.المسؤولون السوريون متكتمون بطبعهم، وان ارادوا ان يخرجوا عن هذا التقليد، فانهم يتركون المهمة لبعض المعلقين من المحسوبين علي مؤسسة الحكم، وهؤلاء ينقسمون الي قسمين، الاول يغرق في التعبيرات الانشائية دون ان يقول شيئا محددا، ويتعمد عدم الاجابة عن السؤال المطروح. اما الثاني فيتحدث كما لو اننا نعيش زمن الحرب الباردة، ويردد خطابات مرحلة السبعينات، وكأن المفاوضات لم تحدث علي الاطلاق، او ان سورية ما زالت تقود جبهة الصمود والتصدي.الأمر المرجح ان هناك دوافع سورية ملحة، وقوية، بعضها اقتصادي خانق وبعضها الآخر سياسي ذو بعد اقليمي ودولي، دفعت في الاتجاه التفاوضي الحالي، في توقيت يعتقد كثيرون انه غير ملائم، علاوة علي المخاطر التي يمكن ان تترتب عليه، في حال نجاحه او تعثره. ولا بد ان القيادة السورية قد اجرت عملية حسابية دقيقة لكل الاحتمالات هذه، ولا يملك المراقب الا اللجوء الي التكهن ومحاولة القراءة بين سطور التصريحات الرسمية، والتقارير الاخبارية القادمة من دمشق.ولا شك ان المحكمة الدولية المتعلقة بجريمة اغتيال السيد رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، والمتهم فيها بعض المسؤولين السوريين واللبنانيين، تشكل محور ارتكاز اساسيا في معظم الخطط السياسية والاستراتيجية للنظام في دمشق، لانها يمكن ان تستخدم كورقة لتقويضه، مثلما جري استخدام ذريعة اسلحة الدمار الشامل العراقية لاحتلال العراق وإطاحة نظامه.في سورية مدرستان رئيسيتان، لكل واحدة وجهة نظرها، وأساتذتها وبالتالي تلاميذها، الاولي يقودها السيد وليد المعلم وزير الخارجية ومهندس الدبلوماسية السورية الحديثة، وهي مدرسة تميل الي الاعتدال، وفتح قنوات مباشرة مع الولايات المتحدة، واخري غير مباشرة ربما تتحول الي مباشرة لاحقا، مع اسرائيل، بهدف التوصل الي صفقة ما تخفف من اخطار المحكمة الدولية وتداعياتها، وبما يؤدي في نهاية المطاف الي انقاذ النظام والبلاد. اما المدرسة الثانية ويقودها السيد فاروق الشرع فتميل الي التشدد، وعدم التفريط في ثوابت السياسة السورية، والاستمرار في خط الممانعة الحالي، والحفاظ علي تحالفات سورية مع الاتحاد الروسي والصين وايران بالطبع، وعدم التخلي عن اوراق القوة التي تملكها، خاصة حركات المقاومة في لبنان (حزب الله) وفي فلسطين (حماس) و(الجهاد الاسلامي).المدرسة الاولي، اي مدرسة المرونة والانفتاح بكل الطرق والوسائل علي الولايات المتحدة، وفتح قنوات معها، تعتمد النموذج الليبي كمصدر إلهام، وكمخرج من مأزق المحاكمة الدولية واحتمالات تسييسها، فالتنازلات الليبية التي تمثلت بالتجاوب مع كل الطلبات الامريكية من حيث تفكيك وتسليم المعامل البيولوجية والكيماوية، والبرنامج النووي الوليد، والتعاون بالكامل في الحرب علي الارهاب، وتسليم كل المعلومات المطلوبة بشأن المتعاونين مع منظمات الارهاب في ايرلندا وامريكا اللاتينية، علاوة علي الأفراد والشركات التي زودت ليبيا بالمعدات والخبرات النووية مثل المهندس عبد القدير خان أبي القنبلة النووية الباكستانية، هذه التنازلات، ساهمت في انقاذ النظام الليبي، وتجنيبه استحقاق التغيير الامريكي. فعندما سئل السيد عبد الرحمن شلقم وزير خارجية ليبيا عن تبريره لدفع مبلغ ثلاثة مليارات دولار لضحايا لوكربي، قال ان بلاده اشترت امنها واستقرارها ورفع الحصار عنها.اصحاب هذه المدرسة يعتقدون ان البوابة الاسرائيلية يمكن ان تقود بطريقة مباشرة او غير مباشرة الي صفقة مع واشنطن علي غرار الصفقة الليبية، اي حصر الاتهامات في ضابطين كبيرين او اكثر، وابعادها عن رؤوس النظام، حتي لو كانت سورية بريئة من جميع التهم الموجهة اليها، وربما تكون كذلك فعلا، تماما مثلما هو حال ليبيا في ما يتعلق بجريمة لوكربي التي الصقت بها.واللافت ان السيد احمد قذاف الدم رجل المهام الصعبة ومبعوث الزعيم الليبي معمر القذافي لم يكف طوال العامين الماضيين عن التردد علي دمشق في زيارات شبه مكوكية، وكأنه يقدم لنظرائه السوريين حصيلة التجربة الليبية التفاوضية الصعبة مع الامريكان والانكليز، وكيفية ادارة الأزمة بما يؤدي الي تجنب الاخطاء والوصول الي افضل النتائج.المدرسة الثانية، تري ان النموذج الليبي قد لا يصلح كمقياس بسبب الفارق الكبير بين محكمة لوكربي، ومحكمة الحريري، وكذلك بين مكانة ليبيا ومكانة سورية في المنطقة، مضافا الي ذلك ان ليبيا وجدت نيلسون مانديلا ومن خلفه القارة الافريقية بأسرها تدعم موقفها وتكسر الحصار المفروض عليها، علاوة علي حاضنة عربية مساندة، تمثلت في وساطة سعودية واخري مصرية وثالثة قطرية مع الولايات المتحدة، وفوق هذا وذاك 60 مليار دولار من الدخل النفطي السنوي، بينما تجد سورية نفسها حاليا محسوبة علي محور الشر وفي عزلة عربية.ويجادل انصار هذه المدرسة بأن النموذج الأقرب لسورية هو العراق، فقد حاول النظام العراقي السابق ابداء كل المرونة مع واشنطن ورضخ لكل طلباتها في ما يتعلق بتنفيذ قرارات الامم المتحدة، وتفكيك اسلحة الدمار الشامل التي في حوزته، ومع ذلك تعثرت مساعيه كليا. ويعتقد هؤلاء اي انصار هذه المدرسة، ان سورية يجب ان تصمد في وجه الضغوط الحالية، وان تظل في محورها الحالي، لأن المشروع الامريكي في المنطقة يواجه الفشل تلو الآخر، والحكومة الاسرائيلية الحالية اضعف من ان توقع اتفاقات سلام تقوم علي تنازلات مؤلمة .من الواضح ان مدرسة الواقعية السورية انتصرت، ونجحت في اقناع القيادة بتبني وجهة نظرها، والانخراط في مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل عبر البوابة التركية، وبما يعطي اشارة للبيت الابيض، بأن سورية مستعدة للانتقال الي المعسكر التركي، الذي يقف في مواجهة المعسكر الايراني، ويقيم علاقات طيبة مع الغرب بسبب عضويته في حلف الناتو، بالاضافة الي العلاقة الأطيب مع اسرائيل. ولكن ما هو غير واضح ما اذا كان هذا التحول استراتيجيا، ام انه تحول تكتيكي الهدف منه كسب الوقت.المآخذ علي اصحاب هذه المدرسة كثيرة، ابرزها انها بالاعلان عن المفاوضات مع اسرائيل، اخرجت سورية بالكامل من معسكر الممانعة، وافقدتها الكثير من اوراق القوة التي في يدها حتي قبل ان تبدأ المفاوضات. فاستعدادها الضمني للتجاوب مع الطلبات الاسرائيلية في التخلي عن منظمات المقاومة والخروج من المعسكر الايراني مقابل استعادة الجولان، نقلها الي معسكر المعتدلين عمليا، وهو المعسكر الذي ظلت الأدبيات السورية تعارضه وتنتقده حتي قبل اسبوع، فحتي لو تعثرت المفاوضات، وارادت سورية التراجع عن خطها التفاوضي الحالي، فانه من الصعب عليها اقناع الكثيرين بجديتها هذه المرة، لان مصداقيتها قد تكون تضررت بشكل كبير، واستردادها يحتاج الي جهود كبيرة وإن كانت غير مضمونة النتائج.القيادة السورية تبدي اعجابا ملحوظا بالتجربة الصينية التي تقوم علي الاصلاح الاقتصادي دون اجراء اصلاحات سياسية تحاكي النموذج الديمقراطي الغربي. واوفدت العديد من خبرائها لدراسة هذه التجربة علي امل تطبيقها لاحقا، وهو اجتهاد منطقي، وان كنا نختلف مع بعض جوانبه، لاختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والاقليمية في البلدين، ولكن ما يجب ان تدرسه القيادة السورية وخبراؤها في الصين ايضا، هو كيفية ادارة القيادة الصينية لمسألتي هونغ كونغ وتايوان، فقد صبرت تسعين عاما علي الاحتلال البريطاني للأولي حتي استعادتها دون اطلاق رصاصة واحدة، وباتت علي وشك استعادة الثانية وبالطريقة نفسها، ودون ان تقدم تنازلا واحدا في الحالين.مرة اخري نقول ان سورية تستطيع ان تعيش، وتزدهر، دون دفع ثمن باهظ لاستعادة الجولان، يمكن ان يؤدي الي تقويض اسس النظام وليس انقاذه، والجولان حتما ستعود اليها، والخط البياني لاسرائيل ككيان في انحدار بعد هزيمتها في لبنان، وتفاقم اعمال المقاومة ضدها في فلسطين، وتململ العالم الغربي من الاعباء الضخمة التي باتت تشكلها بالنسبة الي استقراره وأمنه، واهمها تصاعد وتيرة الارهاب العالمي.لا يعارض احد استعادة سورية لاراضيها كاملة، والعيش بسلام، ولكن شريطة ان يكون الثمن ملائما، وان لا يعود هذا السلام بنتائج عكسية علي امنها الداخلي واستقرارها ونسيجها الاجتماعي، وإرثها الوطني العظيم. فاسرائيل تحاول استخدام الورقة السورية لاسباب داخلية، واللعب علي المسارات، والهروب من المسار الفلسطيني بفتح مسار سوري دون اي ضمانات بالنجاح.ننصح القيادة السورية التي تدرس التجربة الليبية بعناية وتحاول الاستفادة منها، ان توجه الدعوة ايضا الي الرئيس الفلسطيني محمود عباس للاستفادة من تجربته التفاوضية العبثية مع الحكومة الاسرائيلية، لعلها تستفيد منها ايضا.
------------------------------------------------------
