Donnerstag, 28. Februar 2008



الرحيل إلى المجهول ـ النهاية ـ


آرام كربيت
كانت الحافلة التي تقلنا مملوءة بالركاب. وجوه الناس كئيبة, قاسية, مثقلة بالهموم, غائصة في المجهول والحزن. نظراتهم تائهة. كل واحد منهم مغروس في ذاته, في داخله, يجول في ثنايا ثناياه. كنت مستغرباً من هذا الانطواء الغريب لهؤلاء الناس على ليلها المنهك, تأملها الملتوي, المنحازإلى السراب الراحل إلى نهاية لا تنتهي.
لم أربسمة عجولة على وجه امرأة جميلة أوضحكة عابرة على محيا شاب في مقتبل العمر. كما لم اسمع صرخة بكاء من طفل صغيريحرك الركود الساكن في المكان.
وحدها شاشة التلفزيون المربوطة بالفيديو تشيئ لفعل حركي مصطنع.
لأول مرة أسمع الموسيقا والرقص, أرى النساء الجميلات يرقصن ويغنين ويدبكن على صدرهذه الشاشة المعلقة في أعلى الحافلة من الأمام.
كما لم أرمن قبل هذا النوع من الحافلات الجميلة.
كل شيئ كان غريباً, مختلفاً أمام ناظري.
ظل القمرطوال الطريق مبتسماً, حنوناً, رؤوفاً بنا متمدداً في قبة السماء, مغموراً بالضوء والأغاني. يبعث نوره الوردي كأجنحة فرح, كنخلة مسترخية, متوجة في عرش الكون. يغرد بإسراف مرمري اللون على تويجات الدهرالمنغرسة في جذرالحياة على طول المسافات المفتوحة أمامه.
كان الليل حلو المذاق, أليفاً, معروش الخواطر, مسترسلاً بالهمسات الحلو.
عبرنا دير الزوروجسورها, الفرات والأشجارالمحيطة به. كانت عيني تدرس كل التفاصيل التي نمرعليها, الطريق الأسود الطويل, عرضه, البادية الممتدة خلف النار الصاعدة من أعمدة الغازالصاعدة من باطن, التغييرات التي طرأت على وطني بعد هذه السنوات الطويلة التي غبت فيها عنه.
الحافلة تشق طريقها في عباب الليل المطمئن, قاطعة المسافات المتوجعة. كلما كنا نقترب من مدينة الحسكة أكثر كلما كان قلبي يدق في صدري أكثر. أخاف المفاجأة, أن أرى ما لا تحمد عقباه. لم يكن لدي أية فكرة عن أهلي. خائفاً من لحظات اللقاء الأول والآثارالتي ستتركها عليهم
سألني السائق الكريم:
ـ هل تعرف بيتكم. ألم تنساه. المدينة توسعت كثيراً. أريد أن أضعك أمام باب البيت. قلت:
ـ نعم أعرف البيت. لكني لن أذهب إليه الأن, لأنني لا أعرف أي شيئ عن أهلي. من مات, من عاش, من بقي. أخاف أن أرى شيئاً لا أريد ان أراه الأن. قال:
ـ كما تريد وترغب. أين تريد أن أضعك يا أخي. أي مكان تريده سأضعك بجانبه, الركاب لن يزعلوا. قلت:
ـ ضعني على الطريق العام, بجانب الملعب, وأكمل طريقك.
نزلت من الحافلة وسرت إلى بيت أختي القريب. كانت الساعة تشيرإلى الحادية عشرة ليلاً. لم يكن في الشارع أحد من الناس الذين أعرفهم. دخلت باب الحديقة وقرعت الباب. خرجت أختي فاتحة الباب. نظرت إلي ملياً. رجل عجوز, وزنه لا يتجاوزالأربعين كيلوغرام, يلبس الأسمال البالية وينتعل الشحاطة والبنطال المقطوع. سألتني أختي زوفينار:
ـ ماذا تريد يا عم, ما هي حاجتك؟. وقفت مبتسماً. نظرت إليها ملياً وهي تنظرإلي مستغربة. أقتربت أخت زوجها ووقفت بجانب أختي موجهة سؤالها لأختي:
ـ ماذا يريد هذا العم العجوز. ردت أختي:
لا أدري. أسأله ولا يجيب. تدخلت الأخرى وقالت:
ماذا تريد يا عم. هل تريد خبزاً, حاجة ما يمكننا أن نقدمها لك. وجهت جوابي بأتجاه أختي وقلت لها:
ـ أنا أخيك. هل نسيت؟ نسيتي شكلي! وقفت مذهولة, وضعت يدها على فمها مستغربة. قالت:
ـ أخي, غير معقول. ثم راحت تولول وتقول:
ـ لست الذي أعرفه, لقد تغيرت كثيراً, ماذا فعلت بك الأيام يا أخي. ثم سقطت على الأرض مغشية عليها. التم الجيران والناس. لا أعرف من أين جاءت الناس كلها في تلك الساعة. رشوا الماء على وجه أختي التي كانت ترجف من الخوف والقلق والذهول وصدمة المفأجاة. قلت لها:
ـ هل أبي وأمي على قيد الحياة, أخوتي البنات, أخي. قالت:
ـ نعم.. أنهم على قيد الحياة, لا تقلق. إنهم مسافرون. ثم أردفت:
ـ لقد تغيرت كثيراً. قلت:
ـ هذا قدر, علينا التأقلم معه.
طوال الوقت كانت فاغرة فاها, تنظر إلي مستغربة, تغطي فمها بيديها من هول التتغيرالذي طرأ على شكلي ولوني وملامحي.
امتلأت الناس في البيت وفي الشارع. حدث هرج ومرج. صراخ من هنا وزعيق من هناك. بكاء الأطفال الصغار, المحادثات بين الناس بصوت عالي, دعاء من امرأة, وزغردة من أخرى. كنت أقول بين الفينة والأخرى:
ـ خففوا الصوت أيها الأخوة. صوتكم عالي. لا أستطيع أن اسمع الأصوت العالية. سنوات طويلة عشناها في صمت مطلق. إنني متعب. خففوا الصوت العالي قليلاً. الأصوات العالية تتعب أعصابي. رد أحدهم:
ـ إننا فرحون بك, بخروجك من السجن بالسلامة. قلت:
ـ شكراً لكم من كل قلبي. الفرح أيضاً يتعبني. كنت أخرج الكلمات من حنجرتي بصعوبة بالغة, لإرتخاء عضلات الحبال الصوتية. لأن الكلام كان ممنوعاً في ذلك الجب العميق, لذلك لم أستطع التكلم إلا بصعوبة. كانت الكلمات تخرج كحشرجة مبحوحة الصوت.
كنت أنظرإليهم باستغراب لقدرتهم على لملمة العتمة المسدلة بين عينيهم وجفونهم.
عندما أقتربت الساعة من الرابعة صباحاً استئذنت أختي ودخلت لأنام. لكني لم استطع. حاولت مرات كثيرة. تمددت على الفراش لكن سلطان النوم بقي بعيداً, غائباً. قلت لنفسي:
ـ إنها المرة الأولى التي تستلقي فيها على فراش نظيف منذ عدة سنوات دون طماشة, دون رقيب يحسب عليك خطواتك ويعد عليك أنفاسك. حاول أن تنام وتسترحي بعد هذا العناء الطويل. ها.. إنك خارج السجن وسط أهلك. لماذا لا تنام, ما الذي يشغل ذهنك وروحك. كل شيئ على ما يرام. لكن صوتاً أخركان يطرق أذني ويمنعني من النوم, لم أكن أعرف هذا الآخرالذي يرشق جفوني باليقظة والأرق. بقيت سهراناً, أمسك حبال الفجرورداً ليتدلى ويقترب من هضابي وسفوحي.
كنت متوتراً, مستفزالأعصاب. قلقاً دون سبب محدد. تقلبت مرات كثيرة على الميمنى والميسرى, على الظهروالبطن, لكن سلطان النوم لم يأت. قلت لأختي سأذهب إلى بيتنا. أريد مفتاح البيت. عندما لفظت اسم البيت أحسست بالرهبة والخوف, راح قلبي يخفق بين ضلوعي بسرعة.
مشيت في الشارع المفتوح على نفسه, غارفاً الصمت. الشارع خال من المارة, منتظراً انقشاع الليل المتدحرج إلى الزوال والأنهاك.
الحرارة لافحة تكاد تقطع أنفاسي.
سرت في الشارع الذي لفني تحت عباءة جناحيه الواسعتين, وحضنني تحت قبة سراجه المضيء فيما مضى من الزمن. راح قلبي يأخذني إلى بيت حبيبتي. وقفت أنظرملياً إلى الحيطان النائمة على الحيطان, إلى شحوب الصمت. كان قلبي يدق في صدري كإيقاع الأجراس القديمة. قلت:
ـ أنا غريب.. غريب, لا أحد يعرفني.. وأنا لا أعرف نفسي
.
تابعت المشي على الأرض الاسفلتية الصلبة مطأطأ الرأس, مستغرباً من قدرة الناس على دفن أصواتها في حنجرتها وصدرها وروحها. رحت أمشي شارداً, أراقب الطريق الأسود, مستعذباً قافلة الزمن التي أخذتني من جذوري ورحلتني إلى الغياب الطويل. لم أرالحبيبة! قنديل بيتهم كان غارقاً في العتمة. طأطأت رأسي مرة أخرى, مستسلماً, مشيت بأتجاه بيتنا الكائن على الصفحة اليمنى من خد الخابور.
تنهدت طويلاً, سرت في لجج الشوارع, أتنفس زغب الشمس النائمة وراء نبيذها الخمري المشرئب, اتدلى كناقوس مضجرفي خمرة السكون. مسكون بالأسئلة النائحة النائمة وراء شح الصمت وأرقْ الكلمات. قامتي منكسرة ومنكسة مخنوقة الصوت.
لاح بيتنا من بعيد, متألقاً بصمته وسط الأشجار. أحسست بالارتباك وضراوة اللهفة التي تأخذني إلى مزالق متعددة.
لم يكن بمقدوري أن أبدد السكون المنتشر في كل مكان. اقتربت من المدخل, صعدت الدرج المضني. وقفت على المصطبة متهامساً مع نفسي عن قدرة المكان على تهييج الخواطرورفع نبرة الآهات الخارجة من الصدر.
طوال القوت كنت حاملاً روحي بيدي
.
فتحت الباب بهدوء ودخلت ببطء شديد. كنت خائفاً من نفسي, مستغرباً, متمهل المشية, مغموراً بشهق الأنفاس, مندفعاً بسيل من الاحاسيس المركبة تتداخل في نفسي كنارتلج في خنق خفقان قلبي. عيوني تتأمل الفراغ, تتأمل أغصان الماضي ووشوشاتها. أنظرإلى البيت, الحيطان والصمت في مهابة. ناثراً شحوبي وحزني على الألوان الغائبة. مشيت خطوة إلى الأمام ووقفت منكمشاً, متدفق الخلجات العارمة. أسراب من الأفكارالغريبة تدخل وتخرج من وإلى عقلي وفكري. غمامة من الوميض الغامض ينهض من بين الأوتارالنائمة فوق فلوات الريح داخل داخلي ينتشرعلى شكل شريط من الذكريات والحيرة, يغرقني لينتشلني ثم يحطني في القاع ليدفعني إلى مجريات مختلفة.
غرقت في كومة من الضباب الكثيف, محمولاً على ثوب منثورفي الهواء.
كل شيئ كان يخلد إلى الصمت, مرتدياً بحة موجعة ملتصقة في أنفاس الجدران وأنفاسي المتقطعة. رحت اشهق وازفر بصعوبة, عائداً إلى الصور. هنا كان يجلس أبي, أمي. هناك أخي, أختي. هنا المدفأة وهناك الكرسي, الطاولة, ركوة القهوة, إبريق الشاي. رائحة الجدران تنطق بإيقاعات الفصول المتبدلة. تبددت تلك الحركة التي كانت تضج بالحياة والحيوية.
أرى وجوه الجميع غائبة, غائمة في غابات الذكرى. دخلت غرفة النوم رأيت كل شيئ مرتب ونظيف. رائحة الأهل جاءت كغيمة محملة بالأمطارالغزيرة فوق ترانيم المرايا العاكسة لوشوشات الألفة والمودة.
تمددت على السريرالذي رتبته لي والدتي قبل سفرها. صوري, عندما كنت شاباً معلقة على الجدران. كانت في كل ركن وزاوية, على السرير والحيطان. حاولت النوم مرة أخرى لكني لم أستطع. جلست على طرف السرير. فتحت النافذة المطلة على الجنينة الموردة. هبت رائحة الطين الطري المعجون بالماء والهواء الطلق. شممت طراوته الممزوجة برائحة الأعشاب الملتصقة بقطرات الندى. الأشجاركبرت وعمرت, ظلالها معرشة على أطراف بيتنا وبيوت الجيران. كان التراب الحنون يصرخ بعذوبته ورقته, راسماً على صدره لون الماء المنهمرفي قلب التراب والأرض. قلبي أخدود عميق متلهف لغرف منحوتات الزمن, أبحث عن معبريدلني على إيقاف التبعثرفي حواسي.
حاولت أن أنام لكن لم استطع. تمددت على الفراش مرة بعد مرة, لكن عيوني بقيت سهرانة. دخلت غرفة الاستقبال والحمام. لقد غيرت والدتي كل حاجيات البيت, غرفة النوم, الفرش, الكراسي, النوافذ وورق الجدران.
لم تقبل روحي ذلك الخلاء وذلك الصمت. تهزني ملامح أهلي وغيابهم.
نزلت إلى الشارع مرة أخرى وحيداً. ذهبت إلى بيت صديقي ضياء الدين نجم السلمان القريب من بيتنا. قرعت باب بيته لكن لامن مجيب.
عدت إلى الرصيف المضني, اتدلى كعنقود حطب جاف. مشيت بأتجاه الخابورالذي لا يبعد عن بيتنا سوى مئتي متر. سرت في الشوارع الصامتة. أنظر إلى نفسي, إلى الأماكن التي احتضنت بوحي في غابات الوقت المعرشة. سارالسكون والهدوء معي موزعاً فضائه على الجنبات. اقتربت من الجسرالمنحني, أحسست بالحرارة العالية تلفح وجهي. مددت بصري لأرى الماء, الخابور, الزمن والطفولة والذكريات والفرح.
رأيت ما لم يكن في الحسبان:
رأيت أرضاً جافة لا حياة فيها. أرض منكسة الجدايل, حسناء ممزقة الوجه والأنفاس, متكورة, منتهكة الجسد, دمها يسيل على فخديها وساقيها, مرمية تحت نار الشمس الحارقة كجثة متحللة, ميتة تحت قلاع الموت والصمت المخنوق. أرض مضطجعة على نفسها ملفوظة الاحشاء والقلب. أخاديد الأرض منبهقة كالجراح المفتوحة. جسد الخابورينام فوق الرمال والغبار, على ثغورالجهات الأربعة, قابعاً تحت رماد السنين الثقيلة. قلت بصوت متقطع حزين:
ـ رباه أين الخابور, أين الماء, أين الشجروالسمك. أين الجمال والبهاء, أين سحر الخابوروألقه وتألقه في المساءات المفرحة, عند المشاوير أو تدويرة الصباحات الرائعة. أين ذهب هذا كله. كيف غرق الخابورومات. وقفت مذهولاً أنظر إلى الخراب الساكن على طول حدود رؤيتي. قلت:
الخابور كان طفلاً, شاباً يافعاً في عمرالصبا والورد. فتنة الوجود, ذرية من خلايا الكون مكنون في هذا السمت المكنون. أين راح, من قتله, من ذبحه, من فرغ حقده في قلبه. أين دفن. إلى أية بقعة من العالم سافرت جثته. أي يد غادرة هتكت عرضه وقلبه وروحه.
أخذته يد المنون والغدرمن العيش بين أحضان بلادي وأرضي.
لماذا سكتت الناس؟
لماذا لم ينحب عليه أحد, لماذا لم يبكوه, يمشوا في جنازته.
من هو القاتل. هل طعنه في خاصرته أم ظهره أم قلبه. أين بقايا جسده وروحه لاصلي عليه واصرخ.
تلفت حولي كثيراً لعلى هناك خطأ ما أوضيعت السبيل.
لم يكن هناك ماء على الإطلاق على طول المجرى. أرض جافة تماماً. كأنما لم يكن هذا النهر موجوداً في ضيافة الجزيرة في يوم الأيام.
نزلت الدرجات التي تؤدي إلى أرضه. وقفت على ضفة الخابورالتي كانت تضمنا. توقف بصري على الصمت والفراغ. أنظر إلى تباريح الأرض والماء, إلى الخريف الطاغي الذي يزرع أنفاسه في جذورالأرض. أقف مشدوداً مدهوشاً للقوافل الراحلة قلت:
أين أنت يا عيد الحياة, يا رمزالصورالحلوة, يا باقة البقاء. كنت نجماً من السماء, نيزك مضيء من وهاد الكون. عشت كقامة عالية فوق أرض الجزيرة مئات الآلاف من السنين واليوم رحلت كأنك لم تكن.
يا خابور, يا حبيبة, يا عرش السماء على الأرض, يا كوكباً فوق الكوكب. كنت عرافة الغيوم, سحابة من جمال, عرين الآلهة فوق قطرات الشفق. أين أنت, أين ساخبأ وجدي وحزني بعد اليوم, لمن احكي وأشكي خيالات بحثي عن ملاذ احتمي به.
رحت أمشي داخل المجرى الجاف, أبكي بحرقة ومرارة. أقول:
هنا كنا نسبح, هنا نلعب, هنا نركض ونغني ونرقص مع الصبايا قصائد الشوق للحنين, نبث لبعضنا سكرات أيامنا وليالينا.
أين قلبك يا مهاجر. هل رحلت إلى كون آخروربوع بلاد لم تلد
.
مسكت حفنة من ترابه وقلبه ورحت أحضنه وأشمه وأضعه تحت كبدي وقلبي. بكيت طويلاً, بكيت ونحت, حلقت كالبوم فوق شقوقه. وضعت يدي وزندي وساعدي في شقوق الخابورالغائرة في العمق لعلى تبقى منه رائحة ماء, رطوبة أو سحابة عابرة أوملامح حياة. لعل في قلبه بقايا نبض أوحركة.
كان الخابورتأريخاً ونبضاً ووجداناً.
أين ذهب هذا الكائن الجميل, أين رحل, لماذا لم يودعني. لماذا لم يقل إنه مسافرأو مغادر أوراحل أو مريض أومقبل على الموت.
آه على آه.
لو تدري يا نهرالخابورحزني عليك وعلى نفسي. كان ماءك شرايين ينبض في خاصرتي وفؤادي. عندما كنت أحزن أو أتوجع أو تهجرني الحبيبة أعود إليك وأحضن ماءك وترابك واتطهربك لأنسى النسيان والهم الذي يلاحقني. كنت حبيباً وملاذا آمناً وقلباً يحمل الأسرار.
كانت أرض الخابور قلقة وكنت قلقاً. أنفاسي مضطربة, ضربات قلبي مثل الصاعقة في قلبي. لاح المجرى وادياً فارغاً, متعباً, منهكاً, عابساً غاصاً في الحزن. بقع الجفاف موزعة على شكل أشكال هندسية غير متناسقة, تفسح لضربات الجفاف بالتمدد على طول المكان. تحول حضنه إلى خربة خرابة يحمل في طيأته لون الكآبة والضنا.
صار مثل الذبيحة, أشجاره ميتة, زله وصفصافه رماد, أرضه تستنبئ الطوزوالعجاج, رياحه رمال مدورة وجسده امرأة مغتصبة.
لم أرطيرأليف أو جارح في السماء أوعلى طول المدى. كأنها هاجرت أوماتت هي الأخرى.
كنت واقفاً, أو ساجداً أو راكعاً أعيد رحى الذاكرة والذكرى إلى بصري في ذلك الامتداد الغامض للأرض الجافة. هبت سحابة من الحرارة اللاسعة على شكل موجات دافقة, محملة بالغبارالأحمرالداكن. رأيت نيرون يخرج من بين شقوق الأرض المتيبسة يزغرد ساخراً. قال:
فتكت بالخابور. شربت دمه ودموعه, عينيه وقلبه, شرايينه وأوردته. خلعت عنه الماء والرطوبة والمطر. رملت زوجته, سبيت بناته وقتلت أولاده. لم يبق لي إلا تصحيرالأرض والسماء والتراب والروح ليحل الخراب في كل مكان. ثم أردف:
لدي الكثيرلأعمله. سأزرع الملح في كل بقعة خضراء. وقال:
أما زلت تحلم بالنجوم والخيروالحرية. ألم تشبع من الخيبات والهزائم. ها هو حلمك يخبو بين يديك, ويموت تحت أفق نظرك. ماذا ستفعل بعد اليوم. قلت:
لا أعرف, لكني سأبدأ من جديد.
آرام كربيت




------------------------------------------------------



كوسوفو: من الوصاية الدولية إلى الاستقلال (*)
الدكتور عبدالله تركماني
مساء يوم الأحد الموافق 17 فبراير/شباط الجاري، أعلن برلمان كوسوفو استقلال الإقليم عن صربيا، بعد 62 عاما من السيادة الصربية و9 سنوات من الوصاية الدولية.
وفي عمودنا اليوم نحاول أن نسلط الضوء على هذا الإعلان، وموقعه من خارطة العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة. فمن المؤكد أنّ استقلال كوسوفو هو جزء من لعبة الأمم، في سياق تاريخي جديد أبرز ما فيه نزوع الاتحاد الأوروبي نحو التمدد شرقا‏ وجنوبا،‏ يصاحبه نزوع مماثل لحلف " الناتو "، ومن ورائهما تشجيع أمريكي مستمر بأن يصل هذا التمدد إلى أقرب ما يكون من حدود روسيا، الساعية إلى استرداد مكانتها كقوة كبرى في النظام الدولي‏.‏
إنّ قراءة ووعي ظروف تشكل النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط هذا النظام في مطلع تسعينيات القرن الماضي، هي التي تتيح لنا فهم خارطة الاصطفاف الدولي حول استقلال كوسوفو. إذ ثمة عدة عوامل تتدخل في تحديد المواقف الدولية: الموروث التاريخي، والعلاقات الجيو- سياسية، والمحاولة الأمريكية المستمرة لفرض نظام عالمي جديد يتسق مع موازين القوى الدولية.
فمنذ 31 يناير/كانون الثاني 1992 جاءت توصيات قمة مجلس الأمن الدولي لتشكل مظلة قانونية دولية، حيث أرست القمة الخطوط العريضة لمبادئ عامة تساعد على تصنيف أعضاء المجتمع الدولي ومحاسبتهم: رفض البناء الإيديولوجي كأساس للعلاقات الدولية، وإذا كان من الضروري وضع أساس إيديولوجي لهذه العلاقات فليكن قوامه الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحرية الانتخابات ونزاهتها. والبدء في تطبيق مبدأ " الديبلوماسية الوقائية " التي تتنبأ بالأزمات وتتصدى لها قبل وقوعها.
وكشف التدخل العسكري لحلف " الناتو " ضد صربيا‏ في مارس/آذار 1999،‏ بدون الحصول على موافقة مجلس الأمن،‏ عن جوهر الثورة الجديدة في الشؤون الدولية، ‏فلم تعد السيادة ‏تمنح مناعة غير مشروطة،‏ ولم يعد التهديد هو ما يخرج من الدولة فقط، ‏بل شمل أيضا ما يحدث داخلها.‏ ولم يعد الدفاع عن النفس هو التصدي لهجوم موجّه للدولة‏، بل النهوض إلى إجهاض تهديد تتوقعه أو تتصوره أو تدّعيه وهو في المهد‏، تحت مسمى " الحروب الوقائية ".‏
فمع وصول الرئيس اليوغوسلافي الراحل سلوبودان ميلوسيفيتش إلى الحكم في العام 1989، ضيّقت يوغوسلافيا من مساحة الحكم الذاتي لإقليم كوسوفو. وفي العام 1999 تصاعدت أعمال العنف، مما أدى إلى نزوح موجات كبيرة من لاجئي ألبان الإقليم إلى التلال المحيطة به. وفي 24 مارس/آذار من العام ذاته شن حلف " الناتو " حملة قصف جوي ضد يوغوسلافيا انتهت بخضوع صربيا، التي أخلت قواتها من كوسوفو، فيما تسلمت إدارته بعثة تابعة للأمم المتحدة.
وهكذا، حقق الألبان في إقليم كوسوفو حلمهم التاريخي بانتزاع استقلالهم عن صربيا في العام 2008، نتيجة للتدخل الدولي الإيجابي لحماية السكان المدنيين، علاوة على تنظيم إعادة المهجرين، الذين أُجبروا على مغادرة بلادهم، بفعل سياسة التطهير العرقي التي قامت بها القوات الصربية النظامية والميلشيات التابعة لها.
ولكن، ثمة عقبات موضوعية أمام هذا الاستقلال، بعضها داخلي يتعلق بإقليم كوسوفو، وبعضها خارجي يرتبط بموقف روسيا وصربيا وعدد من الدول الأوروبية الرافضة لاستقلال أقاليم ذات طبيعة خاصة في التكوين العرقي أو الديني أو القومي، خشية انتشار هذا النوع من التصدع الوطني للدول القائمة، وتمادي الفوضى الإقليمية والدولية.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الإقليم محدود المساحة ( حوالي عشرة آلاف كيلومتر مربع )، ولا يزيد عدد سكانه على 2،4 مليون نسمة، أما موارده الاقتصادية فهي محدودة، ويعاني من وصول نسبة البطالة إلى 40 % من مجموع القوى العاملة. وقبل ذلك وبعده، يعاني الإقليم من إشكالية علاقته مع جمهورية صربيا، فهو مقفل لا نوافذ بحرية له، وسيبقى مضطرا لتمرير مصالحه التجارية مع ألبانيا ومقدونيا، ناهيك عن وجود الأقلية الصربية في داخله.
وبالرغم من ذلك، تشكل تجربة كوسوفو واستقلالها تجربة مفيدة ومهمة، خاصة إذا ما احتُضنت في الإطار الإقليمي لجنوب شرق أوروبا، وبالتالي هيأ نفسه للانضمام إلى أوروبا الموسعة. إذ ستشكل كوسوفو المستقلة ميدان اختبار لقدرة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية على بلورة دولة أنموذج للحق والقانون والاستقرار والأمن، في منطقة طالما عرفت بصراعها العرقي المغلف بعناصر دينية ورواسب تاريخية‏.‏ كما سيشكل تحديا كبيرا للألبان المسلمين الذين يمثلون الغالبية العظمي من السكان على إقامة دولة تجسد التسامح والاعتدال والمواطنة المتساوية الحقوق لكل أبناء كوسوفو، بغض النظر عن دينهم أو أصلهم العرقي‏.‏
ويبقى السؤال: هل سترسي هذه الجمهورية الجديدة قواعد جديدة للسلام في منطقة البلقان، أم أنّ الصراع التاريخي سيقود إلى حروب متتالية لا نهاية لها ؟

تونس في 24/2/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " – البحرينية – 28/2/2008.

------------------------------------------------

فائق الاحترام

محمد علي العبد الله

النداء:
www.damdec.org
الثلاثاء/26/شباط/2008

قرر الرئيس الأميركي جورج بوش توسيع نطاق العقوبات المفروضة على سوريا منذ عام 2004 والتي تشمل كل الصادرات الاميركية إلى سورية ما عدا الأغذية والمواد الطبية.
وقد أقرت هذه العقوبات وقتها بسبب اتهام واشنطن دمشق "بدعم الارهاب الدولي وتقويض الجهود الاميركية في العراق".
وقد شملت العقوبات على سورية منع الرحلات الجوية من وإلى الولايات المتحدة كما سمحت للخزانة الأميركية بتجميد أصول سوريين ومنظمات سورية تشتبه واشنطن بدعمها الإرهاب وبرامج أسلحة الدمار الشامل وتقويض الأمن في لبنان والعراق"، وهي اتهامات تنفيها دمشق؛ كما فرضت الولايات المتحدة قيوداً على التعاملات بين المصارف الأميركية والمصارف السورية.
وفي أول رد فعل على قرار البيت الابيض بتشديد العقوبات المفروضة على سورية، والذي يشمل مسؤولين حكوميين ومتعاملين معهم، قال وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، ان دمشق سترد على تلك العقوبات "بعقوبات".
الرسالة أدناه من مواطن سوري إلى الرئيس الأميركي جورج بوش.
السيد جورج بوش:
مع فائق الاحترام....
نحن شعب معاقب منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
نعم نحن معاقبون من دون سيارات، ومن دون بيوتٍ للسكن، ومن دون حريةٍ للرأي، ومن دون قضاءٍ نزيه، ومن دون إعلامٍ حرّ، ومن دون تكافؤٍ في الفرص، ومن دون وسائط نقل حضارية، ومن دون أجور تحفظ كرامتنا.
نحن شعب معاقب بوجود مخلوقات جاءت من المريخ (أو أنتم جئتم بها) بهدف تدمير كوكب الأرض، أقاموا عندنا، وأطلقوا على أنفسهم اسم (مسؤولين..). ثم جاؤوا بأولادهم وأحفادهم وبدأوا بتدريبهم في بلدنا.
وياسيدي.. أيضاً.. تهديداتكم العسكرية...
هنالك من سبقكم، وقصفنا بقنابل جرثومية فأصابتنا بفيروسات يصعب الشفاء منها:
فيروس بلاهة البلاغة.. الذي يجعلنا نصدق كل الخطابات والتصريحات والوعود.
وفيروس الخوف النفاقي..الذي يجعلنا نتدافع لتقبيل الأيادي، وسراً ندعو عليها بالكسر.
وفيروس الوطنية الموقتة...الذي يجعلنا نهبّ لنجدة من لا يستحقون نجدتنا.
وفيروس طائفية الطائفية.. الذي يجعل الكلام عن الطائفية جرماً، وممارستها عرفاً.
تهديداتكم العسكرية لا تؤرقنا، واحتمالات إنشاء سجن أبوغريب ثانٍ عندنا لا يقلقنا.
فنصف شعبنا تخرَّج من سجون المزَّة وتدمر وصيدنايا وعدرا.
ونصف شعبنا ترك "بيجامته" و "شحَاطته" هنالك، جاهزٌ لأي تهمة تنتهك حقوقه.
فأبو غريبكم هذا مهزلة وبمثابة "ويك اند" لشعبنا.
السيد الرئيس:
نحن شعب كل واحد فينا أعطوه لقباً: الحاقد، الانبطاحي، العميل، المتصهين، أذناب الخارج...
واضافة لقب إرهابي لألقابنا لن يقدم أو يؤخر.
اللهم إلاّ قلة قليلة سيزعجها هذا الأمر، فهم وحدهم الوطنيون، الشرفاء، المناضلون، الممانعون.
فأغدق الله عليهم عطاءَه بكنوز سليمان.
يا سيدي أيضاً....بشأن عقوباتكم المصرفية...
نحن ندعوكم شخصياً لتجميد كافة أرصدة المسؤولين في الخارج،
فدولتنا ترتعد أوصالها لمجرد ذكر أسمائهم، ناهيك عن محاسبتهم.
لكن... في أي عقوبات اقتصادية تفكرون....
نحن أمة يتغير جلدها الإقتصادي بحسب أهواء الأثرياء الجدد.
فمن كانوا يؤممون أرزاق الناس في الماضي، أصبحوا اليوم أكبر إقطاعيي بلدنا ومن كان يتبنى مبدأ الاشتراكية، اصبح ينادي بتشجيع الاستثمار.
أيضاً.... بشأن الفوضى البناءة التي تهددون بها.
فمن كثرة التخبط بقراراتنا، نحن لن نشعر حين تبدأون بتطبيق هذه الفوضى.
ومهما خفضتم مستوى دبلوماسييكم فلن تصلوا إلى المستوى المنخفض لدبلوماسيينا في الخارج!
وأيضاً....بشأن التهم التي تحاولون إلصاقها بنا...
من تجارة المخدرات، إلى تبييض الأموال، ومن انتهاك حقوق الإنسان، إلى تمثيليات الإرهاب الداخلي.
من سرقة أموال نفط العراق، إلى سرقة أموال بنك المدينة، إلى اغتيال رفيق الحريري ورفاقه...
فهل تعتقدون أن بلداً يضحّي بكل شعبه، وسمعته، ودوره الإقليمي، وكل ما يملك، مقابل حماية حفنة من الأشخاص، سيتأثر باتهاماتكم؟
السيّد جورج بوش..
لو كنتم أذكياء لعرفتم أنه لا داعي للتصعيد، لأننا خبراء في عقد الصفقات.
فالصفقة الكبرى قد تمَت منذ سنوات عدة، وكل شيء بعدها لا يعدو كونه حساء.
ولو كنتم أذكياء لعرفتم أن عقوباتكم ستكون هدية لنا لنبرر فشلنا في الإصلاح. وعذراً بديلاً عن عذر (عدم التسرّع والخطوات المتأنية والإصلاح التدريجي) الذي سئم منه الجميع.
عقوباتكم ستكون تبريراً جيداً للحزب الواحد، وقانون الطوارئ، والمزيد من الخطابات المقززة، واجتماعات اللجان، وفروع اللجان، و(روبوتات مكشّرة) تأتي، وتصفق، ثم تغادر.
مع فائق الاحترام....، ولكنْ
فنحن شعب معاقب أصلاً، مصاب بانفصام الشخصية....
لا نعرف الفرق بين "التسييس" و "التتييس"...
صباحاً معكم ضد حكومتنا....ومساءً مع حكومتنا ضدكم.
صباحا نحب المحكمة الدولية ونصفق لها، ومساءً نكرهها ونبصق في وجه قضاتها.
نحن شعب معاقـ (ب)، يستغلون إعاقتنا لإقناعنا بأن الإصلاح قادم...

(*) الفكرة نقلاً عن مدونة "الدومري السوري" التي تم إتلافها بعد اعتقال مجموعة الطلاب السبعة الذين كانوا يشرفون عليها وإيداعهم السجن
---------------------------------------



الإعلام العربي :
كيف تعامل الحكومات الأخبار مجلة الايكونومست
ـ بريطانيا 7/2/2008
القدرة على التنبؤ هي ميزة قليل من الناس يصفون بها الشرق الأوسط, و رغم ذلك فان وزراء الداخلية العرب يجتمعون بشكل هادئ كل شتاء منذ 22 سنة للحديث عن أنجع السبل لضمان أمن الأنظمة التي يحمونها. و في قمة هذا العام في تونس وافق رؤساء الأجهزة الأمنية على تشديد القوانين على المواد التي قد تروج و تسجل للإرهاب. إنه هدف جدير بالعمل بكل تأكيد عدا أن سلطات المنطقة لديها عادة في أن تعرف بعض الأمور كجرائم ولكن معارضي هذه الحكومات يعتبرون هذه الأمور معارضة شرعية. وعلى الرغم من ازدهار الإعلام البديل, مثل القنوات الفضائية و مدونات الانترنت وهو الأمر الذي يشكل تحدياً لسيطرة الدولة على تدفق الأخبار إلا أن الحكومات تجد دائماً طرقاً جديدة لقمع وجهات النظر المعادية. و بينما قامت الحكومات الدكتاتورية القديمة بنفي المعارضين الى الخارج أو زجهم في السجون بشكل صارخ فان الحكومات الجدية تقوم بأداء نفس الدور و لكن بطرق أكثر دهاء. فالتنظيم المفرط من خلال الإمساك بجميع القوانين إضافة الى أسلوب العصا و الجزرة المالي كلها تميل و تهدف الى استبدال أسلوب الرقابة المباشر الفج. في سوريا ذات الحكم المتسلط, فان الجريمة المبهمة وهي " نشر معلومات خاطئة" تحمل في طياتها حكماً أكيداً بالسجن. و لكن وكما اكتشف العديد من الصحفيين الليبراليين في المغرب بأن انتقاد المسئولين الحكوميين أمر قد يؤدي الى تهمة التشهير مما يعني غرامات باهظة. .و الحكومة المحلية في كردستان العراق وهي الجيب الموالي للغرب في العراق تعمل على سن قوانين تحد من حربة الصحافة أيضاً. و في اليمن العام الماضي و جد عبد الكريم خواني و الذي يحرر موقعاً إخباريا على الانترنت نفسه في مواجهة حكم محتمل بالإعدام بسبب مزاعم بدعمه الإرهاب بعد أن قام بالكتابة عن قضايا مثل الثورات القبلية الدموية و المحسوبية في حكومة علي عبد الله صالح. وفي كثير من القضايا المشابهة فان الحكومات لا تريد أن تلطخ أيديها. فالمحامون الموالون للحكومة في مصر رفعوا سيلاً من الدعاوى ضد المحررين الصحفيين الذين قاموا بالتجرؤ على الحزب الحاكم و شككوا في صحة الرئيس المصري حسني مبارك؛ وقد تم إيداع أربعة منهم في السجن. المدعون في الكويت يتصرفون و بشكل مفترض كمواطنين من طراز خاص وقد نجحوا في الإضرار بقناة الجزيرة بحجة أنها قامت بالتطاول على بلدهم. وفي تونس ذات الحكم المتشدد فان الصحفي الذين تجرأ على التلميح و الهمس و الإشارة الى إشاعات تلمح الى وجود فساد فيما بين أقرباء الرئيس زين العابدين بن علي وجهت إليه تهمة التحقير و التطاول على مسئولين حكوميين بعد ما حصلت مشكلة مفبركة مع الشرطة. وقد حكم عليه في شهر يناير بقضاء سنة كاملة خلف القضبان. ولكن الطرق القديمة لا زالت عاملة أيضاُ. فحسب منظمة مراسلون بلا حدود و التي تعمل من باريس فان هناك ما يزيد عن 200 عامل في المجال الصحفي فقدوا حياتهم في العراق منذ العام 2003. و في نفس هذه الفترة فان هناك صحفيين بارزين فقدوا حياتهم أو اختفوا في ظروف مشبوهة في كل من الجزائر و مصر و إيران ولبنان و ليبيا و السودان. وفي الشهرين الماضيين فقط قامت السلطات في غزة و السعودية والسودان باعتقال صحفيين أو مدونيين على الانترنت. و إيران الدولة غير العربية تواصل قيادة المنطقة في حظر الصحف. فتحت حكومة أحمدي نجاد الأصولية تم إبطال رخص العديد من المنشورات الإصلاحية. و الضحية الأخيرة لهذه الحملة كانت صحيفة نسويه مشهورة حيث تم اتهامها " بتهديد الأمن النفسي للمجتمع" و العمل على "إضعاف مؤسسات الجيش والمؤسسات الثورية". في يناير وبعد المشاركات العديدة عن طريق المكالمات الهاتفية في برنامج تلفزيوني انتقدت زيادات الرواتب الحكومية الأخيرة ووصفتها بأنها قليلة جدا قامت السلطات السعودية بمنع و إيقاف أي برنامج يعتمد على البث الحي و المباشر. ومن بعد ذلك منع وزير الإعلام السعودي الصحفيين من رؤيته وهو يخضع للمساءلة في مجلس الشورى السعودي. و السعودية و كحال إيران وسوريا و تونس تخضع الانترنت لرقابة مشددة تحظر العشرات من مواقع الانترنت زعماً منها بأنها تعمل على حماية المبادئ الأخلاقية العامة. وحتى في اليمن و التي لا تمتلك تلك الوسائل التكنولوجية المتطورة فقد انضمت الى القائمة أيضاً. ففي الأسابيع الأخيرة أصبح الوصول الى الكثير من المواقع الإخبارية المعارضة ممنوعاً للمستخدمين المحليين. ومع انتشار الأطباق اللاقطة حتى في القرى و المناطق النائية على امتداد الشرق الأوسط فقد أثبت التلفاز صعوبة في السيطرة عليه بمثل هذه الطرق. و على هذا فقد قامت الحكومات بالضغط على الدول التي تستضيف تلك المحطات الفضائية. فالتقارب الأخير بين قطر و السعودية على سبيل المثال قدم له بتخفيف النبرة المضادة للسعودية على محطة الجزيرة التي تبث من قطر. و القوانين الجديدة فيما يخص الحض على العنف تهدف و لربما بشكل جزئي الى إيقاف المحطة عن العمل, و التي لا تزال لحد الآن القناة الأكثر شعبية في المنطقة بسبب قيامها ببث البيانات الصادرة عن الإسلاميين المتشددين. ولكن في المرة الأخيرة التي بثت فيها قناة الجزيرة شريط فيديو لزعيم القادة المختفي أسامة بن لادن استشاط الإسلاميون المتشددون غضباً بسبب أن الرسالة خضعت لتحرير واضح مما أدى الى تحريفها.ترجمة : قسم الترجمة في مركز الشرق العربي

-------------------------------------------------

بيلين: الأسد مستعد للتفاوض شخصيا مع أولمرت
إذا وافق على التزامات رابين
تل أبيب: نظير مجلي
أكد د. يوسي بيلين، الوزير السابق في الحكومة الاسرائيلية وأحد أبرز مهندسي اتفاقات أوسلو، ان رسالة قدمت من دمشق تقول ان الرئيس السوري بشار الأسد مستعد لالتقاء رئيس الوزراء الاسرائيلي، ايهود أولمرت في موسكو والتباحث معه حول امكانيات التوصل الى اتفاق سلام بين البلدين، في حالة احترام أولمرت تعهدات رئيس الوزراء الأسبق اسحق رابين.
وقال بيلين في حديث خاص بـ«الشرق الأوسط»، مساء أمس، ان الأسد تكلم بذلك الأمر مع يفغيني بريماكوف، رئيس الحكومة الروسي الأسبق، الذي التقاه الأسبوع المنصرم في الدوحة، وانه، أي بيلين، نقل هذه الرسالة الى الجهات المعنية في اسرائيل، معربا عن أمله في أن لا تضيع اسرائيل هذه الفرصة الجادة.
وكان بيلين قد زار قطر للمشاركة في المؤتمر السنوي لمنتدى موناكو، الذي يلتئم منذ سبع سنوات، ويضم رؤساء حكومات ووزراء كبار سابقين من مختلف دول العالم، للتباحث في أمور التعاون الدولي والسلام. وقد التقى هناك عدة شخصيات هامة، بينها بريماكوف، الذي يعتبر من أقرب المقربين الى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. وقال بيلين لـ«الشرق الأوسط»، ان بريماكوف، الذي أصبح رئيسا لاتحاد الصناعة والتجارة الروسي، التقى الأسد خلال جولة قام بها في المنطقة قبل شهرين، كمبعوث للرئيس بوتين، وشملت كلا من سورية واسرائيل. وقد التقى بريماكوف الأسد في دمشق، وحسب بيلين، أخبره الأسد بهذا الموقف بمنتهى الجدية. وقال بيلين، ردا على سؤال «الشرق الأوسط»، ان الجديد في موقف الأسد انه لأول مرة يقول جهارة انه مستعد شخصيا للقاء أولمرت والتباحث معه حول اتفاق سلام كامل ودائم وشامل. وسألناه: لكن الأسد عرض مبادرة قبل أكثر من سنة للتفاوض مع اسرائيل من دون شروط مسبقة، وقد شككت اسرائيل في هذا العرض ورفضته عمليا، بينما الآن يتحدث عن شرط مسبق هو القبول بتعهد رابين للانسحاب الكامل الى حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، مقابل اتفاقيات أمنية. فأجاب: العرض السوري لمفاوضات بين وفود من الدولتين ما زال قائما بالنسبة لسورية، كما فهمت من بريماكوف. ووفقا لتحليلي الشخصي، فإن الشرط المسبق جاء بخصوص لقاء الأسد أولمرت. فالحديث عن مشاركة الأسد شخصيا هو تطور نوعي ينبغي ألا يستهان به. وأكد بيلين انه خرج بانطباع بأن الأسد جاد للغاية في عرضه الجديد، كما كان جادا في عرضه السابق. وقال انه يتمنى ان تأخذه اسرائيل بجدية، ولو انه يعتقد، بأسف شديد، أنه طالما يجلس الرئيس جورج بوش في البيت الأبيض، لن يتجاوب أولمرت مع هذا العرض. ورفض بيلين أن يقول كيف كان الرد الاسرائيلي عندما نقل هذه الرسالة الى القيادة الاسرائيلية، حفاظا على آداب نقل الرسائل السياسية الهامة.
الشرق الاوسط، لندن 26/2/2008
--------------------------------------------------------------
التشدّد السعودي المتصاعد مع سوريا
ينقل الصراع من بيروت إلى دمشق

هيام القصيفي
صحيح ان باب المبادرة العربية لم يقفل بعد امام اللبنانيين، الذي يتابعون بلا حماسة مسلسل عقد الاجتماعات الرباعية وتبادل الاتهامات حول هوية المسؤول عن افشالها، الا ان ثمة مفارقات مستجدة على فصول الازمة، لم تعد ساحة بيروت تتسع لها، وتنذر بتطورات اقليمية، ليس من السهل على لبنان تجاوز تداعياتها السياسية. وترصد اوساط لبنانية بدقة احتمالات نقل الصراع من بيروت الى دمشق، بعد اغتيال القائد العسكري في "حزب الله" عماد مغنية على الاراضي السورية، وبعد تطور الخلاف السعودي السوري الى درجاته القصوى.
وترتسم في الاوساط اللبنانية المعنية بقراءة الوضع السياسي وتحليل معطياته، علامات استفهام جدية تتعدى المسار الذي يمكن ان تؤول اليه التطورات بعد مرور اربعة اشهر على الفراغ الرئاسي، وامكان استمراره اشهرا من دون ان يكون ثمة بوادر حل تلوح في الافق. وجديد ما يطرح هو الخريطة التي بدأت تتبلور ليس في لبنان فحسب، انما في المنطقة كلها، حيث بدأت تتكون مجموعة من المجتمعات القائمة ككيانات في ذاتها، من دون ان ترعاها دول ذات هيكلية شرعية وثابتة. هكذا هي الحال في لبنان وفلسطين والعراق، وهكذا هي الحال ايضا في السودان والصومال، حيث تقوم ادارات ذاتية وحكومات تنحصر سلطتها المركزية بمناطق محدودة الجغرافيا والقرارات السياسية، الامر الذي يجعل من هذه الاماكن ساحات صراع مجمدة ومكشوفة في انتظار بلورة المشروع الكبير للحل.
من هنا جاء الوضع اللبناني القائم اساسا على توازنات داخلية، ليصبح نموذجا لهذه الكيانات المتفلتة من الاسس التي تقوم عليها الدول عادة، الامر الذي استوجب قراءات دقيقة لمجتمع يسير وفق ضوابط يضعها بنفسه ويعيش بمقتضاها. ولكن في موازاة التوازن المحلي، ثمة توازنات اقليمية، يرتبط لبنان بها حكما، وهو الذي وقع اسيرا لها منذ عقود. وهنا تبرز اهمية ارتباط لبنان كمجتمع قائم من دون سلطة، بالمجتمعات المماثلة الممتدة من فلسطين الى العراق، وهو وضع كياني، يريح الى حد ما المنظرين الدوليين والاميركيين تحديدا في رسمهم لمستقبل المنطقة. وهكذا تصبح الخريطة التي افرزتها اتفاقات سايكس بيكو عرضة لمتغيرات لا علاقة لها بالجغرافيا والحدود، بقدر ما لها صلة بهوية هذه المجتمعات ورسم اسس جديدة لنظمها.
ووفق هذا المنظور، تبدو سوريا وحدها وسط هذا المربع الجغرافي، خارجة عن السياق العام الذي يراد اعادة تنظيمه. وهنا اهمية ما تعيشه من ضغوط منذ ثلاثة اعوام. لكن خطورة ما بدأت تعيشه حالياً هو ان منسوب الضغط عليها بدأ يرتفع تدريجاً منذ عام، وازداد حدة في الاسابيع الاخيرة، بعد اغتيال مغنية، وبعد الانعطافة القوية التي قامت بها السعودية في شكل واضح وحاد في الايام الاخيرة.
ومن يراجع بدقة الموقف السعودي في قمة الرياض في آذار الماضي، مقارنة بما تقوم به السعودية اليوم من حركة دولية وعربية، يدرك الى اي مدى يمكن ان تشكل السياسة السعودية الحالية قلقاً لدى السوريين. ففي القمة العربية السابقة، وقف العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز، منتقدا الدور الاميركي في العراق ومشبّهاً اياه بانه "احتلال اجنبي غير مشروع" يقيد العراق، الامر الذي استدعى اتصالا من وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس، بالسفير السعودي في واشنطن عادل الجبير لاستيضاحه الموقف السعودي، علماً ان رايس غابت عن حضور القمة، بسبب الاختلاف في وجهات النظر بين الرياض وواشنطن حول عدد من شؤون المنطقة.
بعد عام على الموقف السعودي، تبدو العلاقة السعودية - الاميركية متغيرة بعدما شهدت المنطقة كثيرا من التبدلات، فلا اللقاء بين العاهل السعودي والرئيس بشار الاسد، على هامش قمة الرياض وصل الى ما يمكن ان ينتج تبدلا جوهريا على مستوى العلاقة بين البلدين، ولا العلاقة السعودية الايرانية اتت ثمارها التي كان يراد منها تطبيع الوضع الخليجي ليصبح اكثر استقرارا. واذا كان احد لم يراهن في يوم من الايام على تغيير في قاعدة العلاقة بين واشنطن والرياض، فان السعودية نشطت العام الماضي نحو دول متعددة الاتجاه السياسي، كالهند والصين وروسيا، في اطار توسيع دائرة انفتاحها على عالم بعيد من توجهات واشنطن الدولية. وانعكس التوجه السعودي بطبيعة الحال على الوضع اللبناني الذي بقي تحت السيطرة، بعد انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود وعدم انتخاب خلف له. ورغم ان الملك عبد الله انتقد المعارضة اللبنانية في القمة الاخيرة لوجودها في وسط بيروت، استمرت السعودية على تواصلها الدائم مع اركانها، ولم ينقطع خيط التواصل بين الفريقين.
وتدريجا، بدأت الامور تتخذ منحى تصعيديا، ان مع سوريا او على الساحة اللبنانية. وفي اعتقاد الاوساط اللبنانية، ان الرياض التي تشددت ضد واشنطن قبل عام، بدأت تتقاطع معها، حتى على قضية حساسة كحق العودة، وان تجربتها مع طهران جعلتها على ثقة بان الامور لا يمكن ان تنجز على قاعدة التراضي، التي حاولت منذ عام القيام بها لتفادي الاسوأ. من هنا يتجه التشدد السعودي نحو سوريا الى حده الاقصى، وسيترجم هذا التشدد عبر التضييق عليها عربيا، قبل القمة وبعدها، ودوليا عبر المحكمة الدولية التي صارت امرا واقعا لا رجوع عنه. ويتلاقى التشدد السعودي مع رغبة دولية واميركية تحديدا في عزل مستمر للنظام السوري، لكن الخطورة تكمن في احتمالات ان يذهب هذا العزل الى حده الاقصى، عبر المس بجوهر النظام السوري، واغتيال مغنية العلامة الاولى لمثل هذا العزل.
الرغبة تبدو جامحة في قص اجنحة النظام السوري، او على الاقل، طيّها الى الداخل السوري ومنع امتدادها الى خارج حدودها. ومعلوم ان النظام السوري لم يعتد الانكماش على نفسه، بل كان له في كل عرس قرص، في لبنان وفي فلسطين وفي الاردن، تماما كما كان النظام العراقي السابق، الذي كان "يمدّ يده" على ايران. وهذا ما تحاول طهران فعله في العراق وفي لبنان. واقصى ما يمكن ان تسمح لها التوجهات الجديدة في المنطقة، هو حصر انفتاحها على المدى الجغرافي المجاور لها، اي العراق، ومنع وجود منفذ لها على البحر المتوسط. لكن سوريا التي تدرك خطورة انغلاقها على نفسها، وهو الامر الذي وقع فيه لبنان بعد حكم الرئيس فؤاد شهاب، ستحاول تجنبه قدر المستطاع. وساحة ردها ستكون لبنان بطبيعة الحال، لان الاكثرية ومن وراءها لم يتركوا لانفسهم ولها خيار المواجهة الا عبر المحكمة الدولية. وهذا تماما ما يقض مضاجعها، الا اذا قررت ان تكون المحكمة خط دفاعها الاخير، وفتح كل ملفات الحرب اللبنانية على غرار ما جرى في بعض جلسات محكمة يوغوسلافيا السابقة، لجهة مصادر التمويل ودور الدول الكبرى في تغطية فرار بعض المتهمين وعقدهم صفقات كبرى من اجل احلال السلام بدل العدالة.
النهار، بيروت 27/2/2008

------------------------------------------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا