
رفيق شامي
روايتي الأولى بالألمانية عالجت الحياة تحت الديكتاتورية بواقعية وحازت على ثمان جوائز أدبية
العمل في رواية "الوجه المظلـم للحب" استمر حوالي 30 سنة.. وصدرت في العام 2004
الروايـة كما هي اليوم إختراع أوروبـي ولا داعي للقول أن الأوروبي يحمل المـصري القديم والعربي
أدونيـس كالحكام العرب لا يعترف بأخطائه ويسبح كل يوم على موجة.ونـزار قباني ركع أمام صدام
مثقف السلطة جبان محترف. ومن لم يصدق هذا ليدرس بعناية سيرة أصدقاء صـدام وغيره من الحكام..
المثقفون العرب يشنون حربا على أدبـاء المنـفى لأن هؤلاء يبدون لهم كالمرآة التي تعكس لهم حقيقتهم
لابد من التنويه أن الحوار بدأ مع رفيق شامي قبل أكثر من ست أشهر والحديث عن حزب الله لا يتعلق بالحرب الاخيرة وخطف الجنديين الاسرائيليين التي جلبت الدمار لـ لبنان على يد الاسرائيلين كما نوه الكاتب قبل نشر الجزء الثالث من الحوار- جدار
التفرغ للكتابة: الرواية الشفهية .. الحضور.. النجاح
*بعد تفرغك النهائي للأدب أصبح هذا ( مهنتك ). ماذا عن تحويل الكتابة لمهنة؟ هل هو امتهان وتحقير لها كما قد يرى البعض ؟
**انتقد البعض أنني لا أعيش للفن بل أعيش من (الفن) فقلت: ياسادتي الكتابة مهنة شريفة ومشكلتكم أنتم وليس مشكلتي انكم لا تحترمون هذه المهنة سواء كانت فن أو حرفة فنية. وللحقيقة مثل هذا النقد يبدو لأول وهلة فائق الثورية، أما عند النظرة الثانية فهو فارغ رجعي يدعو الكتاب والفنانين فيه الى العيش في ظل خليفة أو بنك أو أرملة صناعي أو أميرة بترولية تسبح في المال وهؤلاء يغدقون المال على كاتب ليكتب ليس بحريته بل بحريتهم. نحن في عصر إنتاج رأسمالي والكاتب هو المنتج الإبداعي للكتب التي لا توزع بلا ثمن في دير من الأديرة بل في المتجر كسلعة مربحة، وحتى في المانيا تبلغ حصة الكاتب أقل الحصص من ثمن الكتاب فيما يعود الفضل الأول له في إنتاجه. هذا هو الواقع وما دام مجتمعنا مجتمعا رأسماليا فالكاتب منتج لسلعة تباع. نوعيتها ومحتواها ليسا هنا موضع البحث. ما هو مهم أن المنادين والمتأوهين من مادية الكتُاب اللذين يطالبون بحقوق نشر وبيع كتبهم يفعلون ذلك إما عن عدم دراية أو عن عمد غبي رجعي يريد إعادة الكُتاب إلى موضع الشحاذين الذين يعيشون من فضلة الحكام وهذه العقلية هي إحدى دواعي تأخر وعي منتجين الأدب العربي واعتزازهم بما ينتجوه. وقلة من دور النشر العربية تحترم كتابها. وقبل الدخول في المزايدات أو شتم أصحاب دور النشر، أطرح السؤال الأهم من المهاترة: هل يلعب دور الوعي الوظيفي المنخفض للكتاب العرب دورا رئيسيا في تسبيب هذا الظلم أم لا؟ وما دام أحدنا لم يرث بنكاً مثل الكاتب الألماني الشهير توماس مان فمن أين يعيش ؟ هل أحكي لصاحب البيت حكاية بدل الإجرة أم أشتري خضاري بقصة؟ ومن يمول الفترة التي أحتاجها لكتابة روايتي القادمة والتي ستبلغ حسب تقديري أربع سنوات؟ لا أنكر حق بعض القديسين أن يحتقروا حتى لمس النقود وأن يحيلوا معالجة هذه الأمور التافهة التي نسميها العيش الى أيدي زوجة مخلصة راضية أن تتحمل كل هذه الأعباء لتتيح الفرصة لزوجها أن يصنع الجنة على الأرض. أقول ذلك بشيء من الحزن ودون سخرية. لكني أسأل من الذي يعطي محرري البشر هؤلاء الحق في استعباد زوجاتهم. حسناً هناك فلان عاش أو يعيش هكذا زاهداً بكل شيء وامرأته راضية وأيضا قديسة. حسناً هذا قبلناه ولكن مجتمع كله قديسين يصبح مصيبة. دعونا إذن نتكلم عن مجتمع بشري عادي وفي هكذا مجتمع يكثر ليس القديسين بل مدعوا القداسة وهؤلاء يسيرون منتفخي الأوداج بتعالي يعيقهم من فهم الكتابة كمهنة شريفة في القرن 21 ويخفي تعاليهم، خوفهم من الواقع ومن المغامرة بكل شيء من أجل مانكتب ويحمل ضمن طياته أيضاً إحتقاراً بالغاً للكتابة ومن يمارسها لأنه يدعو بصورة غير مباشرة إلى إتباعها بجوقة الشحاذين الذين يعيشون من فضلات مائدة السلطان.
*هل وجدت أن نتاجك الأدبي تطور بعد التفرغ له؟
**عبر رحلاتي الأدبية المكثفة التي بدأت مع سنة التفرغ 1982 ولمدة سبع سنوات
على التوالي في كل أنحاء البلاد أصبحت الأرضية مجهزه عندما ظهرت روايتي الأولى بالألمانية عام 1987 "يد ملؤها النجوم" وهي رواية على شكل مذكرات يومية لشاب دمشقي مسيحي وتعالج الحياة تحت الديكتاتورية بصورة واقعية جداً ونجح الكتاب نجاحا جيدا وحاز على ثمان جوائز أدبية. لكن النجاح الذي دمر آخر الحواجز كان من نصيب الرواية التالية والتي كانت مطبوعة على الآلة الكاتبة وراقدة في درج طاولتي تنتظر بفارغ الصبر الظهور إلى العلانية: "حكواتي الليل" وهي رواية عن الخرس المفاجىء كما ذكرت سابقاً ومنذ تلك الفترة استقرت أوضاعي ككاتب ولم يعد لدي أية مشاكل مادية مما سمح لي بالكتابة بتأني أكثر ولذة فائقة لأنني لم أعد بحاجة للتفتيش عن دار للنشر فقد أصبحوا هم يفتشون عني لمصلحتهم المحقة، وبذلك لم أعد أخشى سوى ضميري والكلمة. كان ذلك النجاح المدوي في صيف 1989. التأريخ ضروري لأنه يظهر وبالمحسوس طول الطريق الذي قطعته والذي كان ولا يزال في ذاكرتي – والكاتب الذي لا ذاكرة له مصيره الهلاك – مركز المناعة الأكثر فعالية ضد أية إغراءات سخيفة.
* مما قرأته عنك وأنا أعد لهذا الحوار أنك انتهجت اسلوباً خاصاً في قراءة قصصك وفصول من رواياتك للجمهور إلى الدرجة التي قال عنك البعض أنك لست سوى حكواتي .. كيف كنت تقدم رواياتك للحضور ؟
**لم أسر على الطريق المألوف هنا، حيث يأتي الكاتب ويجلس على كرسي (مع أو بدون طاولة) ليقرأ فصلا أو فصولا من روايته أو قصائده. لقد كانت طريقة روايتي للقصص تستمد هيكلها من التراث الشفاهي. أي أنني كنت ولا زلت أصعد إلى خشبة المسرح بدون كتاب بعد أن أكون قد أصبحت عبر التحضير الدقيق متمكنا من قصتي كتمكن ممثل مسرحي من نصه. لم أكن بحاجة لحفظ النص بصما كالببغاء فالنص نصي ويعيش معي. لكني كنت ولا زلت بعد أكثر من 25 سنة ممارسة أخشى النسيان وتداخل الأحداث والإنفعال لتجاوب الجمهور الذي يبلغ هنا حدودا تحرك قلباً من حجر. وكذلك كنت ولا أزال أخشى تساقط اللغة الأدبية الجميلة الى درك نشرة أخبار. لهذا ولكي يكون النص درة أدبية مثيرة للعقل والقلب تلهب الجمهور وتبهره بجمالها كنت أحضر كل أمسية بكل ضمير وأحفظ فقط خيطا أحمرا يوصلني إلى مخرج المتاهة وأما القصة فكانت حاضرة في قلبي وعقلي تماماً. كانت أمسياتي الأدبية شبيهة بما يسمى في المانيا "مسرح الرجل الواحد" الذي يعتمد على مونولوج طويل. وطبعاًً يمكن بشيء من السطحية تشبيهه بالحكواتي مع الفرق الجذري أنني أروي قصصي التي تولد على خشبة المسرح كل ليلة من جديد، أما الحكواتي فيقرأ أو يسرد قصصا قديمة يحفظها بصماً وتسرد بنفس المحتوى والبنية في كل مكان ( الزير سالم، عنترة ، علي الزيبق.. الخ) يقال في الألمانية "كل تشبيه يعرج"، وهذه حكمة، فلا قصصي تتشابه مع غيرها، ولا أسلوب إلقائي يمت بقرابة لماهية وكيفية مايلقيه ما يسمى بالحكواتي. كل قرابتنا تتلخص بإنتماء كلانا للفن الشفاهي. وهذا التشابه الذي يحبه أعدائي كآخر سلاح للتقليل من أهمية أدبي يشابه في دقته تسمية الأميين كل من يلبس طقم "أستاذ". القصة في الشفاهية لا حدود لها فهي تولد كل مرة من جديد بحدود رؤية وقدرة راويها اللغوية. كان هذا بالنسبة لي تحديا يوميا فيه كثير من المتعة واللذة وكثير من الإرهاق خاصة وأنني أروي لمدة تتجاوز الساعة قصة بالألمانية الأدبية ذات حبكة تزيد من فضول الناس الى بقية الكتاب. وكنت عند النهاية أنزل من خشبة المسرح وأنا كجثة سعيدة بينما قلبي ينبض فرحاً لأنني كنت في تلك اللحظات قريب من دمشق وحي العبارة حيث حلمت يوما أن أقف على مسرح وأحكي للناس. بعد سنتين من التجربة أيقنت دون غرور أن ما أقدمه بهذه الطريقة لا يقدمه أحد غيري وبالتالي كان ذلك الفرصة الوحيدة الممكنة للخروج من الظلمة *
وكيف كان تفاعل الجمهور الألماني مع طريقتك في الرواية .. وماهي ردود أفعاله ؟
**كان لعنصر المفاجأة دوراً إيجابياً. إذ كيف يملأ أجنبي أمسية أدبية بكاملها لوحده ؟
أحد النقاد الأدبييــن المشهورين أقر بصراحة أنه أتى إلى محاضرتي كمن يذهب إلى السيرك آملاً أن "يحدث" شيء، أن يسقط البهلوان من علو شاهق ويدق عنقه أو يلتهم الأسد مروضه وأضاف الناقد أنه راقبني لمدة 10 دقائق مفتشاً عن أخطاء ثم وفجأة نسي نفسه وبدأ يخاف على بطل القصة الذي وقع بأزمة. بدأت رحلاتي مثل المسرحيين والمطربين عبر البلدان الثلاث الناطقة بالألمانية سويسرا، المانيا والنمسا وكان الإقبال ضعيفاً في البدء ثم ازداد تدريجياً لأن كل من سمعني لمرة أصبح سفير شرف لي في مدينته وكنت أسجل بعد إنتهاء الأمسية عنوان القصة التي رويتها لكي لا أعيدها عند زيارتي المقبلة للمدينة ثم أسجل ( وهذا لا زلت أفعله حتى اليوم) أخطائي في الأمسية لأتجنبها في المرات القادمة. وبدأت الهجوم في مطلع الثمانيات بحوالي 40 محاضرة سنوية ازداد عددها ليصل في منتصف الثمانيات الى أكثر من 150 محاضرة. كنت أسافر طوال الأسبوع لأعود في عطلته للبيت حيث أجهز حقائب سفري وأرتاح وأحضر للأسبوع التالي. كنت في تلك المرحلة عازباً، مما سمح لي بالحياة البدوية من فندق لفندق حاملا معي حقيبتي وآلة صغيرة للطباعة ( لم يكن الكومبيوتر بعد منتشر بهذه الصورة) لكي أرد من الفنادق على البريد الهائل الذي كان يصلني من قرائي، ولكي أستمر بالعمل في رواية "الوجه المظلم للحب" التي رافقتني حتى ظهورها عام 2004 حوالي 30 سنة. كنت أمر ببعض المدن الكبيرة كبرلين وميونيخ وفيينا وزيوريخ ثلاث.. أربع مرات في السنة وألاحظ دهشة المستمعين لأنني لا أكرر قصة. وكنت ألاحظ امتلاء القاعات الذي أصبح نهاية الثمانينات القاعدة. وزاد هذا النشاط من توزيع الكتب بشكل كبير ولما بدأ تجار الكتب يطلبون من المستمعين ثمن بطاقة للدخول تجاوز آنذاك 10 مارك (5 يورو) طلبت بجرأة وبعد نصيحة المستشار الحقوقي لإتحاد الكتاب الألماني على كل محاضرة مبلغا يعادل تقريبا ثلث دخل الأمسية (الثلث الثاني للتكاليف والثالث يربحه من ينظم الحفل، إن كان ذلك نادي أدبي أو مجموعة ثقافية أو تاجر الكتب ذاته).
*هل كان هذا (العمل ) المتواصل والشاق ضروري لتحقيق كل هذا الحضور على الساحة الألمانية؟ **نصحني البعض بالتقليل خوفا على صحتي ( كنت أدخن وقتها ثلاث علب سكائر من النوع الثقيل ولا أنام أكثر من ست ساعات) لكني أيقنت أن صحتي تزداد قوة كلما فرّج الجمهور بمحبته عن همي. خاصة أن الشعبية هذه كسرت وللأبد حاجز الصمت وردعت العديد من أعداء الثقافة العربية والذين جمدت الضحكة الساخرة على أفواههم عندما رأوا أني أفلت من حصارهم. لم يبق نجاحي سراً على الناشرين وهكذا بدأوا في مطلع التسعينيات سؤالي عن "قصة" من قصصي مما سمح لي بحرية الأختيار. بعد إفلاس دار النشر الصغيرة "ماليك" واستعادتي لكل حقوق الطباعة إخترت الذهاب إلى أفضل دار نشر المانية "دار هانزر" التي تملكها عائلة هانزر الألمانية منذ خمس وسبعون سنة وهي من الدور القليلة الحرة ( أي بدون شريك عملاق) وهي دار نشر أومبيرتو إيكو وميلان كونديرا وهينينغ مانكيل وسوزان سونتاج وغوته وغيرهم من الكتاب العالميين. ودون هذه الرحلات الشاقة والتي لم تترك مجالا للتعامي عما أكتبه لم يكن بإمكاني إيصال كتبي للقراء.
*ما هو الأثر الذي خلفه هذا النجاح لك؟ **النجاح لدى الجمهور وتحرري من ديوني المتراكمة حررني من التبعية لمبيعات الكتب وزادني جرأة (بعض الناشرين سماها وقاحة) في المباحثات حول العقد وأنا لا أبالغ إن قلت أن أغلب الكتاب ضعيفون في الحساب خاصة الجمع والتقسيم ويحسدوني على عقودي التي تضمن لي ولعائلتي الحياة الجيدة ، وتضمن لعائلتي حياة بدون عوز بعد موتي فحقوق الطباعة تستمر لمدة 75 سنة بعد صدور الكتاب. هذه الأمسيات ربت لي جمهور من المستمعين لا يزال حتى اليوم يحملني بإخلاص في قلبه حتى وإن غبت عن المحاضرات لسنين كما حصل بين عامي (2001-2004) أثناء المرحلة الأخيرة من إعداد الرواية الكبيرة "الوجه المظلم للحب". فهذا الجمهور استقبلني في "رحلة المئة مدينة" التي قمت بها بين خريف 2004 وصيف 2005 استقبالا حارا .. يجبرك أحيانا ولدقائق على الصمت أمام هذا اللطف الذي تستقبلك فيه قاعة تعج بأكثر من 500 إنسان عملوا طوال النهار وتركوا كل شيء ليسمعوا قصصك (في بعض المدن وصل عدد الحاضرين في يوم عادي من أيام الأسبوع الى 1200 مستمع).
المركزية الاوربية .. الشرق: الخصوصيات
*لمَ تنكر على الكاتب العربي إن يتأثر بـ بلزاك أو دوبوفوار أو حتى ماركيس الذي هو خارج المركزية الأوربية كما تذكر. أليس الحضارة العالمية سلسلة متصلة منذ فجر التاريخ حتى الأن؟
المركزية الاوربية .. الشرق: الخصوصيات
*لمَ تنكر على الكاتب العربي إن يتأثر بـ بلزاك أو دوبوفوار أو حتى ماركيس الذي هو خارج المركزية الأوربية كما تذكر. أليس الحضارة العالمية سلسلة متصلة منذ فجر التاريخ حتى الأن؟
**أنا لا أنكر على أحد الأخــذ بأي طريق. لا بل أوكــد أن كل موضوع يملي طريقاً خاصة ليصبح رواية وقد يكون الطريق في بعض الأحيــان طريق ماركيز أو بلزاك أو الماغوط بديع الزمان أو مزيج منهم. ما أرفضه بتاتاً هو أن يصبح أحد هذه الطرق الطريق الواحــد الأحد. ومتى كان الموقف إحتقار كل ماهو في جذورنــا الثقافية وإعتباره باليــاً يصبح رفضي مؤكــداً. خذ مثال من الحياة كل لغة جميلة وتعلم اللغات عمل مفيد جداً ويساعد الفرد والجماعة على التقدم. لكن أن يتفذلك بعضهم وسط دمشق أو القاهرة بتكلمه الفرنسية لأنها حسب إدعاؤه أجمل فهذا ليس تقدم بل تأخر. *هل سيكون استنكارك نفسه لكاتب أوربي تأثر بألف ليلة وليلة أو الحكايا الشفاهية في الشرق أو حتى برفيق شامي؟ **رفضتــه وسأرفضــه إذا كان تقليــداً كموضة أما إذا كان ذلك إبداعي عصامي فأنا أول من يشجعه.
*عن المركزية الأوربية.. ألا تعتقد أن هذا صحيح على الأقل راهناً فنحن لم نعد نقدم أي شيء للعالم سوى الأرهاب وبالتالي أليس هذا أمراً واقعاً أن نكون متلقين جيدين فحسب إن لم يكن لدينا ما نقدمه للعالم غير السيء.
**ما دمنا لا نحرك ساكنا فسيجرنا التيار إلى حيث يشاء. لدينــا الكثير من الطاقات المبدعة الذكيــة والتي تُظْلَم بحجمها ومنعها من النور وأنا أعطيــك مثالاً بسيطاً . لقد حظي الكاتب المصري الشجاع وشهيد الكلمة فرج فودة بترحيب كبير عندما إطلع القراء الأكاديميــن الألمان على كتبه. لقد قرأت أغلبها وأنا أعتقد أن أعمالاً كثيرة أكثر دقة مما كتبه فرج فودة لا تزال مجهولــة في العالم وستفرح قراء كثيرين لو عرفوا بها بعد ترجمــة ممتازة. ما أقوله عن الكتب السياسية ينطبق على القصــة والشعر. فأنا أشعر بسعادة غامرة عند قرائتي الكتاب الجدد من المغرب إلى الخليج إلى بلاد المهجر والمنفى. قبل فترة قرأت كتاب الكاتبة التونسية رجاء بن سلامة "العشق والكتابة" والذي أصدرته دار منشورات الجمل. هذا ليس كتاب، هذا درة نفيسة. هناك فعلاً محاولات جريئة وجديدة كل الجدة وستجبر يوماً العالم على أخذها بعين الإعتبار. الأبحاث العلميــة تحتاج إلى رعاية دائمة وإلى قاعدة عريضة وبنية مدرسية علميــة وعقلانية تبدأ هنا في المانيا في الصف الخامس حيث يشترك إبني إميل منذ سنوات "بأبحاث الشباب" وهو تشجيع على الإختراع وقد حصل إميل عدة مرات على جوائز لكن الأهم من الجائزة هو تشجيع الأطفال على التفكير العلمي، على التنطيم وعلى الصبر وطول النفس. في السنة السابقة قدم إميــل مع زميله وكلاهما لم يتجاوز 13 سنة بحثاً عن الأذن البشرية كخاصة مميزة لكل إنسان كبصمة الإصابع. وقد صور حوالي مئتي أذن ليصل إلى نتيجة علمية وكنت أرافقه كسائق وهو يبحث عن توائم ليبرهن أن آذانهم أيضا مختلفة وهنا تعلم معي وتعلمت معه الصبــر والبشاشة خاصة وأن الأشخاص غرباء كلية. الذي أثر علي أكثر الحفاوة التي قابله بها الناس الذي ذهب اليهم طالباً السماح له بتصوير آذانهم ولزم في بعض الحالات تصوير الجد والجدة والإبن والإبنة والحفيد والحفيدة ليقارن نقاط التشابه والإختلاف في الكومبيوتر إذ أن الصور كانت بكاميرا إلكترونية (ديجيتال). وما دامت المدرسة والجامعة في البلاد العربيــة لم تع مهمتها الحضارية بل أصبحت إمتداداً لعصى الدولة فليس هناك أمل أن نساهم عالمياً بالجديد. وليست الصهيونية من يسبب تأخر أبحاثنــا بل نحن بذاتنا
*أليست الرواية هي فن أوربي حديث وكل محاولة لتأصيلها عربياً هو من نوع الديماغوجيا القوموية الإسلامية التي تعاد وتدرس وتلقن بشتى الوسائل منذ مئات السنين بأننا مصدر كل شيء ولدينا جذر لكل شيء في تارثنا ...؟
**الرواية كما نعرفها اليوم هي فعلاً إختراع أوروبي ولا داعي لتكرار أن الأوروبي يحمل في أعماقه المصري القديم والعربي...الخ وليس هناك أي داعي للبحث العقيم عن جذور إسلاميــة لكل شيء حتى لداروين. لكن بما أنه ليس من الممكن فصل الشرق عن الغرب خاصة في المجتمع الحالي السلعي والذي يمكن فيه شراء حذاء مصمم في المانيا ومصنع في جزء منه في الهند وفي جزء آخر في بولونيا. فمن المضحك أن نُصِرعلى إمتلاك جذور ما وكأننا بائعي فجل. نحن كبشــر محكوم علينا بالتداخل و الإختلاط – وهذا ما سيدق إن عاجلاً أم آجلاً أعناق القوميين والإسلامويين لأنهم يقفون ضد مسيرة التأريخ - بل لا أبالغ إذا قلت لاإنسانيــة بدون تداخل للحضارات. من الممكن دون رياء أو خداع للنفس أو تقليد أخذ أي شيء وصنع ما هو خاص منه لتزداد إنسانيتنا جمالاً وهو غرض الأدب من وجهة نظري. الأعداد مثلاً عربية في إنتشارها العالمي وهندية في أصلها ودون إختراع الصفر العبقري لما كان الكومبيوتر ممكناً فهل توقف الغرب حيال الصفر مصفراً خوفاً أنه لم يخترعه؟أم أمضى الليالي بالفتاوي حول أوروبيــة الصفر؟
أم أنه أخذه وصاغ الكثير من تقدمه به؟ أنا لا أشغل نفسي كثيراً بالأسئلــة المضنية حول ملكية وجذور فن القصة بل أعمل منها ما أراه مناسباً مثل الخياط الذي ينظر إلى لفة قماش ويتصور صنع 10 قمصان أوروبية المظهر أو هندية أو عربية. *في الوقت الذي تنتقد فيه سدنة الخطاب الرسمي العربي ها أنت تكرره بصيغة أخرى حول الخصوصية وما إليها التي هي أحد أهم مفردات خطاب السلطات العربية في قمع شعوبها ... **سامحك الله يا جميل الخلق. إنا أدعو ليل نهار للمساواة بين البشر والشعوب وأنت تلصق فيَ خطاب السلطة. لا خصوصيــة لأي كائن إلا بالجميل الذي يقدمه ليصبح ما نراه كقوس القزح المتعدد الألوان والذي يعود في مجمله للون واحد ولكن حتى الرمز في الكتاب المقدس فيه حكمة. ظهور قوس القزح بعد الطوفان بالألوان المتعددة كان عهدا للسلام بين الأرض والسماء. *من خلال حديثك عن خصوصية ثقافتنا وأسلوبنا و... ألا ترى أنك تقف ضد الاتجاه العام عالمياً السائر نحو الإندماج في كرة أرضية واحدة. بالعكس أنا مع إزالــة كل حدود ولكني أرفض أن يتخلى الإنســان عن جمال فرادته وإلا أصبحنا مخلوقات عديمــة الوجه متماثلة 100% تسبح كلها في حوض زجاجي وتتغذى بنفس الشكل وتغني وترقص وتبكي بنفس الشكل وتحيي عند كل صباح العلم الأمريكي أو أي علم آخر. هذا بالفعل ما أخشاه عندما نسقط الخاص في الإنسان.
المثقف العربي: الغياب الحضور.. علاقته مع السلطة و... الضمير
*أنت في مجتمع ديموقراطي ومعروف في ألمانيا إن لم نقل مشهور أليس لك علاقة مع بعض الساسة الألمان؟ كيف ترى لعلاقتك مع السلطة أياً كانت ؟
المثقف العربي: الغياب الحضور.. علاقته مع السلطة و... الضمير
*أنت في مجتمع ديموقراطي ومعروف في ألمانيا إن لم نقل مشهور أليس لك علاقة مع بعض الساسة الألمان؟ كيف ترى لعلاقتك مع السلطة أياً كانت ؟
**علاقة خوف ورفض. وقد يضحك ذلك بعض القراء. أرفض أية علاقة بأي سياسي حاكم. فأنا على يقين من أن الحكام كالمفاعلات الذرية تلوث نفسها ومحيطها. ورغم أنني أعيش منذ 35 سنة في ألمانيا ورغم أنه بين ملايين قرائي سياسيين كثيرين يعلنون بدون تكلف أنني كاتبهم المفضل ويدعوني هذا السياسي أو ذاك لحفل عشاء أو حتى زيارة شخصية لكني أرفض شاكراً بأدب. هنا في البلاد الديمقراطية يصبح الوزراء والنواب جيرانا عاديين وليس كما عشت أنا تحت الديكتاتورية التي تحول حياً بكامله إلى ثكنة عندما يقطن إبن خالة سائق رئيس المخابرات في الحي. أو عندما يزور أحد الضباط الأشاوس عشيقته. لكني رغم ذلك لاأرتاح في أي علاقة شخصية مع أي حاكم. *ما هو المصدر أو الجذر الأساسي لهذا الرفض الشامل ؟ أظن من طفولتي وخوفي الدائم من الحكام. لأن السلطة الطاغية لا تعرف الحياد ولا ترى من ألوان الطيف سوى الأسود والأبيض ولأنها لا تسمح لحرية من يعاشرها إلا بحدود ما يسمح لها عقلها وهو في عصرنا في منتهى الصغر. وحتى حكام الماضي الأذكياء كمعاوية والمنصور وهارون الرشيد والمأمون كانوا لا يرضون عن فكر معارض في جوارهم وأجرموا في حق كل من خالفهم حتى ولو كان الخلاف على نقطة واحدة ولم يخجل الطغاة من مكانة المفكرين وثمراتهم ومسحوا بهم الأرض أمام الملأ حتى لو كانوا من عظماء عصرهم كابن المقفع وابي حنيفة ومالك وإبن رشد والمتنبي وبشار بن برد وإبن مقلة وغيرهم مما ذاقوا الويلات. فكيف الحال مع طاغية أيامنا الفقيرة هذه الذي لا يمكن مع كل تسامح تشبيهه بالمأمون دون إهانة الأخيــر. الطاغية العربي يأتي في الزمن الفقير من العدم ويحول كل ما تلمسه يداه إلى عدم. والأمر الأكيد أن أحد أسباب ركود الفكر وفقره أن قلة من المثقفين العرب تدرك الأثر السلبي لدور العشيرة التي أنقذت العرب من الموت في الصحراء لتستعبدهم حتى اليوم. كل هذه الطاعة لشيخ القبيلة كل هذا السحق للفرد أمام أهداف القبيلة والركوع أمام الكبير حتى ولو كان غبياً. كل هذا التضخيم والتفخيم لما يقوم به شيخ القبيلة أصبح الآن في القرن الواحد والعشرين سلاسل تكبل إنساننا في عصر محركه الوحيد الفرد الحر الكريم وإبداعه. *تقودني هنا إلى السؤال: لمَ لا يجد المثقف العربي حرجاً في عدم اتخاذه موقفا اخلاقيا واحداً ثابتاً بصفته ضمير قبل أي شيء آخر وكيف تنظر إلى هذا بالمقارنة مع المثقف الاوربي مثالاً ؟
**الحرج يحتاج لنقاء نفسي لذلك يصاب به الأطفال أكثر من البالغين. النفس يمكن ترويضها على كل شيء ومع إستمرارية 40-50 سنة من الترويض يصبح مثقفوا الدولة ذوي مناعة لكل ما يحرك الضمير. خذ مثالا من الطبيعة. الشجرة الصغيرة التي لا تنحني أمام الإعصار تقلع أو تكسر فإذا استمر الإعصار 50 سنة سبب الأنحاء الدائم للشجرة نمواً مشوها لها يصعب إصلاحه. من جهة ثانية ليس هناك فرق بين النفس الأوروبية والعربية وهذا ما أحاول قوله في كل ما أكتبه فالإنسان هو هو سواء في أوروبا أو أفريقيا أو البلاد العربية. الكاتب الغربي يتمتع بالحرية ولا يرزح تحت طغيان حاكم أو عشيرة أو إرهابي إسلاموي. لكن المثقف الأوروبي عرضة لأغراءات ومخاوف أخرى تمنعه أيضا من التحليق الى فضاء الإنسانية. إغراءات مادية يلوح له بها أصحاب وسائل الإعلام والذين إحتلوا بهدوء ودون ثورة دموية مكان القياصرة والأمراء والنبلاء وصارت محطاتهم ودور نشرهم بديل للقصور والقلاع في الأزمنة الغابرة. وترى هنا كيف يُفرض بعض الكتاب والمخرجين ويدعمون بالملايين لكي يقدموا لنا في النهاية فناً من الدرجة الثانية لا يتجاوز بتأثيره الحدود الألمانية بينما يرفض نفس القائمين على هذه الدور أعمالاً عظيمة أو يحجبوا كل مساعدة مجبرين الكتاب والمخرجين على العمل المنهك وليس الإبداعي لتجاوز جدار الصمت الرهيب. قلة من الكتاب الغربيين يستحقون تسمية "ضمير" شعبهم. كما أن تماهي الكتاب الأوروبيون مع حضارتهم المنتصرة يسبب نوع من الكبرياء والعجرفة تجاه العالم الذي أجبر على التخلف، تذهب بآخر ما أثر به فلاسفة النهضة على شعوبهم الأوروبية. لدي زميل ألماني يتحدث بفخر وعجرفة عن الصناعة الأوروبية والعبقرية الأوروبية وكأنه هو الذي اخترع السيارة. وأكثر ما يخافه المثقف أو الكاتب الأوروبي هو نسيانه من القراء. الحياة هنا سريعة جداً ومن كان بالأمس مشهوراً يصبح وبسرعة مذهلة مغموراً. هذه سنة الحياة هنا ومن يفهمها لا يخشاها.
*إذا كانوا يشبهوننا كما ترى فما هو سر تفوقهم ( الحضاري ) علينا، ولمَ لم تتخلف بلدانهم مثلنا. ومرة أخرى أراك حين تقول بأن مجتمعاتنا أجبرت على التخلف تتجاهل العامل الذاتي الذي هو سبب رئيس لتخلفنا كما يرى آخرون
**جازاك الله خيــرا ياكريم. جواب هذا السؤال مكتبة كاملة تخرج بعدها وأنت لا تملك الجرأة أن تجيب.لو سألتني هذا السؤال قبل 40 سنة لنتعتك ( بعامية حي العبارة = ضربتك) خطاباً مجلجلاً طناناً كالطبل وفارغاً مثله يشبه خطابات السبعينيات أما وقد شاب شعري فسأحاول بتواضع لمس بعض زوايا الجواب. عليك أخذ مسألة دور القبيلة في حضارتنا ثم دور المدينة في الإنتاج الآسيوي بنمطه العربي والذي يختلف جذرياً عن دور المدينة الأوروبية ثم خصوصيات الفكر الأوروبي الذي قاد المجتمع الأوروبي بما يشبه إنفصام الشخصية ( أو كما يقول الألمان بأخلاقية مزدوجة أو كما تقول ستي من برا رخام ومن جوا سخام) مناديا بحرية الفرد ومستبسلاً حتى الموت في الثورة من أجل الحرية من جهة ومستعبدا لكل ما يمكنه بقوة سلاحه الفتاك وناهباً لخيرات وأرواح شعوباً بكاملها وتحطيم كل من تساوره نفسه بالسير معهم كتفاً لكتف كما حدث لمحمد علي الكبير في مصر وللصينيين الذين كانوا حتى أكثرتقدماً وإنتاجاً من أوروبا كما بينت الأبحاث الحديثة فاضحة الكذب الإستعماري أن الصين كانت حتى احتلالها من البريطانيين متخلفة. اليوم يعود الصينيون ليقتحموا أسواق العالم. وهذه الحضارة ذاتها لها نواحي سلبية كثيرة منها مثلاً لا حصرا: رافق التطور الصناعي تصور خاطىء أن الأرض منبع لا ينضب للخيرات وهذا سمح لهم بالإنقضاض على ثروات الأرض وتلويثها بهمجيــة ما بعدها همجيــة على عقلية "وليأتي بعدي الطوفان" والأرض المسكينة الجميلة حساسة كالطفلة الصغيرة. ولا أريد هنا التأكيد أن الصينييــن تخلوا عن كل "أخلاقهم" القديمــة المحبة للأرض وانهالوا في تسابقهم عليها كالصناعييــن في القرن التاسع عشر والأرض بدأت على طريقتها بالإحتجاج بالزلازل والطوافانات والتلوث والأمراض التي لم تعرفها البشرية وأنا أظن حسب ما أقدره عبر دراساتي المتواضعــة أن أول كارثة سيذهب ضحيتها الملاييــن ستكون في الصين. وأن البلاد العربيــة قادمة على كارثة بيئيــة إن لم تصحوا الأنظمــة إلى واجباتها تجاه الأجيال المقبلة. ومن جهة أخرى - لنعود إلى أسباب التأخر- للإستعمار العثماني حصة كبيرة في تأخرنا إذ أن الظلمة سادت لـ400 سنة ولم نخرج منها إلا والقطار صار وراء الأفق. ثم أتى الإستعمار الأوروبي ثم الديكتاتوريات على مختلف أوجهها لنزيد الطين بلة كما يقال. ومسؤليتنا نحن في أسباب التأخر كبيرة. بدل الإجتهاد للحاق بهم لا زلنا حتى اليوم نزيد كارثة تأخرننا بتمويهها كذباً وهذا جرمنا نحن. هناك إمكانيات كافية ووافية لكنها تهمل وهناك كوادر رائعــة مؤهلة لكنها تمنع وتقصى. التأخر هو تقييم عبر قياس مقارن. والعصر الحديث يتصف بصفة تجعله يختلف إختلافاً جذرياً عن العصور القديمة بالسرعة المذهلة لتطوره. اليوم تطبع المانيا مثلاً في سنة كتباً لم تطبعها الكرة الأرضية مجتمعة في القرون الوسطى بمئة عام. هذه السرعة تلقي بكل من لا يملك وسائلها إلى الخلف. لذلك يزداد تأخرنا رغم محاولاتنا اليائسة لتمويهه. فنحن اليوم في سوريا مثلاً أكثر تأخراً عننا في أواسط الخمسينيات. هذا ليس داعياً لليأس بل للتشمير عن الساعدين والبدء بأول مؤهلات التقدم وهي برأيي الحرية والديمقراطية وبدونهما سنظل نرواح في مكاننا مكذبين على أنفسننا بأن الآخرين هم السبب. الحرية أم السؤال الباحث والمنقب والديمقراطيــة هي المرشــد الأفضل للطريق الصحيح إذ يمكننا حل أية مشكلة بالتشاور بين الخبيرات والخبراء أفضل مئة مرة من عبقريات طاغية آتي من العدم الفكري. ولن أنسى المشهد الكاريكاتوري في الفضائية الصدامية لصدام حسين وهو يلقي بتعليقاته العلمية على علماء ذرة عراقيين وهم يهزون رؤوسهم موافقة وإعجاباً. بالنهاية كل هذا المشهد الكاريكاتوري ليس له علاقة بالتقدم بل نتج عن تقليد صدام المريض نفسياً لأفلام الدعاية الستالينية والهتلرية التي درسها بعناية وحفظ ما ظنه لازماً لقائد فذ. أنا لا أعتقد بضرورة التصنيع الثقيل مثلا في بلد صغير مثل سوريا بل بالتركيز على أبحاث في مجال الطاقة الشمسية الممكنة بتقنية معقولة ثم بتصنيع على مستوى عالي من الجودة للحرير وللقطن والملابس القطنية ليس كبضاعة رخيصة بل كمنتجات نادرة الجودة لأسواق حرة. لدينا بيئة نحسد عليها فلمَ لا نبحث ونتقدم في الصناعات الغذائية ذات الكيفية العالية بدل أن نسلك طريقاً نحرق البيئة والأخضر واليابس لكي نزيد وبعنف قسري إنتاجنا ليفرح وزير ما بالإحصائيات المملة. إنسان مكتف ذاتياً ويعيش بحرية وكرامــة هو الهدف الأعلى لأية حضارة وهذا ليس بعيداً عن متناول اليد. وفنلندا البلد الصغير الذي شارف على التأخر وقيل أنه يعيش كلياً من الوساطة بين جاره العملاق السوفييتي والغرب. إنتقل بأقل من عشرين سنة ليس فقط لأضخم منتج للجوال(الموبايل نويكا) لا بل وبجهود بناته وأبنائه لأفضل دولة أوروبية من ناحية التعليم تاركاً المانيا وفرنسا وسويسرا وووكل البلاد التي بدت وكأنها لا تُلحق ورائه حسب الدراسات المتوالية لوضع المدارس الأوروبية. واليوم يتسابق الألمان والإنكليز والفرنسيين للتعلم من الفينلنديين
*هل تعتقد أن عدم قبول الصوت المغاير المختلف... من الانظمة الحاكمة هو سبب فيما نحن عليه الآن من تخلف ...
** بالتأكيد. هل تريد أن تعرف أحد أسباب تأخرنا ؟ أقدم لك مئة مثال. وأقولها دون مزاح هذا موضوع لكتيب سيكتب له نجاحا منقطع النظير لدى القراء العرب: 100 حكاية ( وليس مقالة) صادقة عن أسباب تأخرنا. واحدة منها تكفي ببلاغتها في حوارنا. من التأخر أن يعاق أكاديمي لامع ومفكر كبير مثل عبد الرزاق عيد عن العمل والبحث والتعليم، لينهي مع آخرين زمن الظلمة بأسلوبه الرزين والحكيم والمشوق لكل طلاب العلم والمعرفة كما ولقراء العالم، بينما تسيطر أذناب المخابرات العقيمة فكريا على كل المقاعد الحساسة في سدة التعليم والبحث الجامعي. ولا عجب أن ينحدر صيت ومستوى الجامعات السورية والعربية إلى أخفض درك. وعفوا أيها الأخوة ليست الصهيونية وراء هذه المصيبة ومصائب أخرى فنحن السوريون والعرب على العموم نخفف عنها العمل ونوفر عليها الكلفة. جزارونا الأبطال ينحرون ثقافتنا بأيديهم وبمنتهى الوطنية. كم من مثقف تابع لهؤلاء الجزارين التقيته في معرض الكتاب العالمي في فرانكفورت وحاول إقناعي أنه يلعب على أحد الأنظمة وأنه لا يزال رغم عمله في الجامعة أو حتى وزارة الإعلام أو الثقافة يقاوم!! – ومع سعة خيالي لا اعرف ماذا يقاوم هذا التعيس – اذا كان منخرطاً في مؤسسات النظام. *هنا أيضاً تستدرجني لسؤال حول المثقف العربي أو الذهنية العربية بشكل عام. لمَ يشكو (العقل العربي) من غياب الموقف الاخلاقي الذي لا يمكن له إن يساوم عليه؟ موقفه من قضايا السجن.. الرأي .. الحريات سواء لاقرانه في نفس البلد أو لاقرانه في بلدان عربية أخرى وتلاحظ كما الاحظ أن كتابا عرباً لا يجدون غضاضة في الالتقاء بحاكم عربي يعذب ويسجن اقرانهم ومع ذلك يصدرون كتبا عن الحريات والحقوق والـ ... كمثال يحضرني ( المفكر ) المناضل عزمي بشارة الذي التقى باكثر الحكام العرب وأكل على موائدهم في الوقت الذي لا يبعد أنين المعتقلين عن مكان المأدبة التي يأكل عليها كثيرا ... والامثلة الاخرى كثيرة.... **لو أن الأمر انحصر بعزمي بشارة لسهل الجواب. لقلنا مثلاً هذا قد حصل نتيجة فقدان عزمي بشارة لرشده لما حل به وبوعيه من تنكيل إسرائيلي جعل أغلظ العرب وأبشعهم جميلا في عينيه وقريبا من قلبه. لكن المسألة أبعد من ذلك. إنظر بربك إلى الجيوش الجرارة للكتاب العرب الذين لا يتركون طاولة حاكم إلا ليلحقوا بطاولة ثانية. كمثال بسيط من الكتاب المعروفين نزار قباني ومحمود السعدني اللذان ركعا أمام صدام ومن لا يصدق فليقرأ ما كتبوه. ولذلك لا أتوخى الخيـــر من أي هؤلاء المسكفين والمناضلين على الموائد لشعبهم إذا وصلوا إلى سلطة ما حتى ولو كانت وزارة لا قيمــة ولا حول لها. فهم سٍيعيدون نفس المآسي وسيصبحون بعد فترة قصيرة في السلطة توأم لإخوتهم في سدة السلطة القمعيــة العربيــة. يعاني الكاتب العربي عموماً من ثلاث سلطات طغيانية تمنعه من الصعود بنفسه إلى سماء الإنسانية والإلتحام غير المحدود بالإنسان المسحوق الجميل مع كل آلامه. هذه السلطات القاتلة هي العشيرة، الطغيان السياسي والإسلامويون. ومن يخرج عليهم أو يفلت منهم يصبح بنظري قادرا على معانقة الكون. وهي معانقة أليمة قام بها ويقوم بها آلاف مؤلفة من المثقفين والمثقفات من المغرب إلى الخليج إلى بلاد المنفى والمهجر. لكن هذا يتطلب ليس الشجاعة فقط بل القدرة على التخلي عن المال والنجومية وعن دغدغة الأنانية المريضة في أنفسنا. هناك نقطة مهمة في تأريخ أدبنا وثقافتنا أملتها ظروف الصحراء وهي أن المثقف والكاتب على وجه العموم كان منذ القدم مرتبطاً بشيخ القبيلة وبعده بالملك والسلطان ومثـَل جهاز دعايته. فنحن اليوم نعرف عن الحكام الذين تغنى بهم ومدحهم الشعراء أكثر من أولئك الذين لم يكن لهم بوق دعاية. طبعا كان هناك شعراء ومفكرون " صعاليك" خرجوا عن الطاعة لكن نتاجهم ذهب بأغلبه ضحية القسر والنسيان والحرق. ونحن لا نقرأ إلا ما كان يجول في القصور وما سمح بتسجيله هناك.عندما كان الخليفة ذا نزعة تنويرية كان هذا من اللحظات المنيرة للثقافة ومتى أظلم القصر أظلمت معه الثقافة. لكن هذه التبعية للحاكم ولدت نزعة مرضية في تربيتنا الثقافية وهي يقين أكثر الكتاب أن مصيرهم بيد حكامهم. ويحضرني اليوم تعريف محمد سعيد القاسمي للشاعر في قاموس الصناعات الشامية الذي بدأه في القرن التاسع عشر. الشاعر: "هو من يحترف بواسطة أدبه وشعره، فينظم شعراً يمدح به الأمراء والأغنياء فينعمون عليه بما تسمح به أنفسهم". لذلك استغرب أحد الكتاب حتى درجة الرعب عندما رفضت مقولته بأن لا أدب خارج السلطة بأطروحتي أن الأدب الوحيد الممكن اليوم سيكون خارج السلطة من داخل البلاد وخارجها. إن ما يميزنا هو مقدار تماهينا مع مظلومي الأرض وليس فقط وقوفنا موقفاً صحيحاً وشجاعاً من قضية وطنية تمس مصلحتنا الشخصية اليومية لأن هذا من المواقف البديهية لأي إنسان له كرامة. وأنا لا أظن أن مثل هؤلاء الذين يأكلون على موائد الحكام قد فكروا ولو للحظة بإخواتهم وإخوتهم في السجون وإلا لكانت اللقمة علقت بحلقهم وخنقتهم وهذا ما أتمناه لهم دون شفقة. *هل قدر لمنطقتنا أن يبقى كَتبةَ السلطان هم أسياد المشهد ؟ ويحتلون برطاناتهم السمجة حاضر الثقافة العربية؟ العكس هو الصحيح. كتبــة السلطة والسلطان برهنوا بعد خمسين عاماً أنهم فاشلين ولا يقنعون حتى حماتهم ( لولا خوفها منهم). أنا لا أتنبأ إذا قلت أن وقت الأدب الآخر والصحافــة الأُخرى أتى وها أنت ترى كم من المواضيــع الحساسة أصبحت وبأساليب مثيرة للدهشة قابلة للنشر والتعميم. ها أنت ترى أدباً عربيــاً جميلاً يصدر من أيد الكاتبات والكتاب العرب من البلاد العربية ومن كل أصقاع العالم. وسترى يوماً كيف ستنقلب الموازين ويصبح كتاب الدولة معزولين بصحفهم التي لا يقرأها أحد ويتوددون حتى للشيطان لكي ينشر لهم إحدى قصصهم المملــة خارج البلاد.
*برأيك على من يكذب هؤلاء الكتاب هل يعتقدون أن القارئ من الغباء لحد تصديقهم أم أنهم فعلاً عبر كذبهم المتواصل استطاعوا خلق ذهنية عامة تصدق أكاذبيهم.. ألا ترى أن الكذب أصبح حالة عامة في مجتمعاتنا ؟
**الكذب عملية دفاعية ذات بنية معقدة جدا تبينتها عندما كتبت روايتي "الكاذب الصادق" والتي أجبرتني على البحث والتمحيص في كل أنواع الكذب حتى الحيواني منها ( التمويه أو الظهور بمظهر أكبر من الحجم الحقيقي أو إصدار الأصوات المخيفة أو إفراز ألوان وطعم يحذر المهاجم من سمية الطريدة مع أنها على الأغلب ليست كذلك... الخ) كاتب السلطة يكذب دوماً وإلا لما بقي نهارا واحدا في جريدة الأهرام أو تشرين أو الوطن ...الخ وهو يكذب أولاً واخيراً على نفسه ومتى كذب الإنسان على أعزما لديه وهي ذاته لا يصعب عليه الكذب على الآخرين. يوهم البعض نفسه بأنه سيد كلمته ويوهم البعض الآخر أنه يقاوم قدر مستطاعه وأنه لايعمل مع السلطة إلا لأنه مجبر ويستغرب منح السلطة له مناصب في هرمها الثقافي القزم ويُظهِر لك - إن أعطيته شيئاً من الوقت - أشعاراً وأبحاثاً منعتها السلطة لخطرها ومعارضتها. إنه المثقف الذي لا يقول ما يفكر به ولا يصدق ما يقال له بل يبحث دوما عن المختفي الباطني وراء وتحت الكلمات. هذا التفكير الملتوي دوما يلوي بعد 40 سنة من الديكتاتورية عنق صاحبه. الكذب يغمر بلادنا ويصل إلى حدود رهيبة. ولا أقصد بذلك الحكام فقط. أنظر حولك إلى التمويه الذي مكننا البترول منه. بعض العرب يظن نفسه متقدم ومتمدن لأنه يستعمل الجوال بسبب وبدون سبب أو لأن جاره يسوق سيارة حديثـــة ولأن لديه تلفزيون يلتقط أكثر من 100 فضائية... الخ أترى سيصدق هذا الشخص أنه متأخر أكثر من ممرض في بيمارستان نور الدين الدمشقي في القرن الثاني عشر؟ هل من التقدم إستعمال مصنوعات ليس بقدرتنا إنتاج ولا حتى البرغي الذي يشد غطاء الجهاز.؟ما هو عدد الإختراعات التي يسجلها العرب سنوياً؟ ماهو عدد الكتب التي تنتجها دولنا؟ أي دولة متقدمة يعامل فيها الإنسان كمعاملة الإنسان العربي في موطنه؟ كل هذه الأسئلة تكشف القناع عن الكذب الإجتماعي الذي تغلغل إلى قلوبنا. *إذاً كيف نتقدم... بل السؤال الذي لازال راهناً منذ ما سمي بـ " فجر النهضة العربية " من أين نبدأ وكيف ..؟ هذا الواقع مصيبة. أحيانا أتساءل عندما أقرأ كتابا أو أسمع خبراً من أين أبدأ بالنقد مادام كل شيء كاذب. فلا حربنا حرب ولا سلامنا سلام ولاجبهتنا الوطنية جبهة ولا هي وطنية. لذلك يخاف الحكام وأقلامهم المأجورة من طرح الأسئلة حتى ولو كانت أسئلة طالب صغير. ليس صدفة أن يصر نظام تعليمنا على البصم والحفظ غيباً. لا أسئلة عن البيولوجيا ولا عن السياسة والجنس والدين ( رحمة الله عليك يا بوعلي ياسين أيها الشجاع) وأما عن التأريخ أبو الحاضر فأعوذ بالله. لماذا لا نتكلم بصراحة ودون تجريح عن كل شيء ونترك ذلك لقمة سائغة وأداة إبتزاز لأعداء الثقافة العربية؟ هذا إذا سألتني هو أيضاً أحد أسباب فشل الكتاب العربي في العصر الحديث المحتوى يدور ويلف حول الأمور الساخنة دون المساس بها. هل هو الخوف من أن ينهار صرح وهمي؟ يشكك البعض أنه لو قلنا كل مانعرفه ويعرفه الكثيرون عن تأريخنا لما بقي إلا الشيء القليل مما نعتز به. حسنا لكن هذا الشيء القليل سيشكل قاعدة كافية ومتينة للبناء بدل هذه الأبنية الشاهقة على رمال متحركة. أمثلة بسيطة غير منتقاة: ماالذي أنجزه صلاح الدين فعلاً وما الذي خربه؟ ما الذي فعله الحسيني والقاوقجي في برلين النازية؟ لماذا لم يتفوه الشاعر الفلاني المشهور براديكاليته وإنسانيته بأية كلمة ناهيك عن قصيدة في محاضراته الكثيرة في دمشق للدفاع عن المعتقلين السياسيين السوريين الذين أحبوه وكانوا أول من ردد قصائده؟ كيف كان الشاعر المرهف والمدلل نزار قباني يستيقظ يوميا في بغداد صدام حسين؟ من يضطهد الفلسطينيين أكثر ويحاصرهم بالجوع؟ العدو الاستراتيجي إسرائيل أم المافيا الفلسطينية التي تهرب أموال الشعب الفلسطيني بمئات الملايين تاركة الأطفال وحتى الجرحى في جنين وغزة جائعين بين الأنقاض في شتاء عديم الرحمة؟ لا أزال حتى اليوم أذكر لقاءً مع مخرج سينمائي فلسطيني للأفلام الوثائقية، شاب نشيط بخلت عليه منظمة التحرير رغم حيازته على عدة جوائز بثمن الأفلام التي يحتاجها فراح يشحذ ويشتري أرخص أنواع الأفلام وبقاياها ليحقق حلمه في الدفاع عن جنين والقدس. لماذا؟ وأين مئات الملايين من الدولارات التي تجمع باسم الشعب وإلى أين تختفي بدل تمويل هذا العمل الثقافي؟ إن لم نبدأ بطرح هذه الأسئلة كيف سيتسنى لنا إيجاد الجواب؟
*برأيك على من يكذب هؤلاء الكتاب هل يعتقدون أن القارئ من الغباء لحد تصديقهم أم أنهم فعلاً عبر كذبهم المتواصل استطاعوا خلق ذهنية عامة تصدق أكاذبيهم.. ألا ترى أن الكذب أصبح حالة عامة في مجتمعاتنا ؟
**الكذب عملية دفاعية ذات بنية معقدة جدا تبينتها عندما كتبت روايتي "الكاذب الصادق" والتي أجبرتني على البحث والتمحيص في كل أنواع الكذب حتى الحيواني منها ( التمويه أو الظهور بمظهر أكبر من الحجم الحقيقي أو إصدار الأصوات المخيفة أو إفراز ألوان وطعم يحذر المهاجم من سمية الطريدة مع أنها على الأغلب ليست كذلك... الخ) كاتب السلطة يكذب دوماً وإلا لما بقي نهارا واحدا في جريدة الأهرام أو تشرين أو الوطن ...الخ وهو يكذب أولاً واخيراً على نفسه ومتى كذب الإنسان على أعزما لديه وهي ذاته لا يصعب عليه الكذب على الآخرين. يوهم البعض نفسه بأنه سيد كلمته ويوهم البعض الآخر أنه يقاوم قدر مستطاعه وأنه لايعمل مع السلطة إلا لأنه مجبر ويستغرب منح السلطة له مناصب في هرمها الثقافي القزم ويُظهِر لك - إن أعطيته شيئاً من الوقت - أشعاراً وأبحاثاً منعتها السلطة لخطرها ومعارضتها. إنه المثقف الذي لا يقول ما يفكر به ولا يصدق ما يقال له بل يبحث دوما عن المختفي الباطني وراء وتحت الكلمات. هذا التفكير الملتوي دوما يلوي بعد 40 سنة من الديكتاتورية عنق صاحبه. الكذب يغمر بلادنا ويصل إلى حدود رهيبة. ولا أقصد بذلك الحكام فقط. أنظر حولك إلى التمويه الذي مكننا البترول منه. بعض العرب يظن نفسه متقدم ومتمدن لأنه يستعمل الجوال بسبب وبدون سبب أو لأن جاره يسوق سيارة حديثـــة ولأن لديه تلفزيون يلتقط أكثر من 100 فضائية... الخ أترى سيصدق هذا الشخص أنه متأخر أكثر من ممرض في بيمارستان نور الدين الدمشقي في القرن الثاني عشر؟ هل من التقدم إستعمال مصنوعات ليس بقدرتنا إنتاج ولا حتى البرغي الذي يشد غطاء الجهاز.؟ما هو عدد الإختراعات التي يسجلها العرب سنوياً؟ ماهو عدد الكتب التي تنتجها دولنا؟ أي دولة متقدمة يعامل فيها الإنسان كمعاملة الإنسان العربي في موطنه؟ كل هذه الأسئلة تكشف القناع عن الكذب الإجتماعي الذي تغلغل إلى قلوبنا. *إذاً كيف نتقدم... بل السؤال الذي لازال راهناً منذ ما سمي بـ " فجر النهضة العربية " من أين نبدأ وكيف ..؟ هذا الواقع مصيبة. أحيانا أتساءل عندما أقرأ كتابا أو أسمع خبراً من أين أبدأ بالنقد مادام كل شيء كاذب. فلا حربنا حرب ولا سلامنا سلام ولاجبهتنا الوطنية جبهة ولا هي وطنية. لذلك يخاف الحكام وأقلامهم المأجورة من طرح الأسئلة حتى ولو كانت أسئلة طالب صغير. ليس صدفة أن يصر نظام تعليمنا على البصم والحفظ غيباً. لا أسئلة عن البيولوجيا ولا عن السياسة والجنس والدين ( رحمة الله عليك يا بوعلي ياسين أيها الشجاع) وأما عن التأريخ أبو الحاضر فأعوذ بالله. لماذا لا نتكلم بصراحة ودون تجريح عن كل شيء ونترك ذلك لقمة سائغة وأداة إبتزاز لأعداء الثقافة العربية؟ هذا إذا سألتني هو أيضاً أحد أسباب فشل الكتاب العربي في العصر الحديث المحتوى يدور ويلف حول الأمور الساخنة دون المساس بها. هل هو الخوف من أن ينهار صرح وهمي؟ يشكك البعض أنه لو قلنا كل مانعرفه ويعرفه الكثيرون عن تأريخنا لما بقي إلا الشيء القليل مما نعتز به. حسنا لكن هذا الشيء القليل سيشكل قاعدة كافية ومتينة للبناء بدل هذه الأبنية الشاهقة على رمال متحركة. أمثلة بسيطة غير منتقاة: ماالذي أنجزه صلاح الدين فعلاً وما الذي خربه؟ ما الذي فعله الحسيني والقاوقجي في برلين النازية؟ لماذا لم يتفوه الشاعر الفلاني المشهور براديكاليته وإنسانيته بأية كلمة ناهيك عن قصيدة في محاضراته الكثيرة في دمشق للدفاع عن المعتقلين السياسيين السوريين الذين أحبوه وكانوا أول من ردد قصائده؟ كيف كان الشاعر المرهف والمدلل نزار قباني يستيقظ يوميا في بغداد صدام حسين؟ من يضطهد الفلسطينيين أكثر ويحاصرهم بالجوع؟ العدو الاستراتيجي إسرائيل أم المافيا الفلسطينية التي تهرب أموال الشعب الفلسطيني بمئات الملايين تاركة الأطفال وحتى الجرحى في جنين وغزة جائعين بين الأنقاض في شتاء عديم الرحمة؟ لا أزال حتى اليوم أذكر لقاءً مع مخرج سينمائي فلسطيني للأفلام الوثائقية، شاب نشيط بخلت عليه منظمة التحرير رغم حيازته على عدة جوائز بثمن الأفلام التي يحتاجها فراح يشحذ ويشتري أرخص أنواع الأفلام وبقاياها ليحقق حلمه في الدفاع عن جنين والقدس. لماذا؟ وأين مئات الملايين من الدولارات التي تجمع باسم الشعب وإلى أين تختفي بدل تمويل هذا العمل الثقافي؟ إن لم نبدأ بطرح هذه الأسئلة كيف سيتسنى لنا إيجاد الجواب؟
*هل تعتقد أن المنفى هو الذي منحك فرصة للرؤيا عن بعد كي تصوغ كل هذه الأسئلة.. هل له تأثيرات إيجابية أيضاً .. وماذا تعلمت منه ؟
**ليس المنفى شربة شاي مع سمر. الضريبة التي يدفعها المنفي عن وطنه وأهله وعن أمكنة طفولته عالي جداً. شبهت المنفى في إحدى مقالاتي بالوحش الضاري الذي يمكنك بتدريبه اليومي أن تقدم معه نمرة أو عرض فني اخاذ كما ينجح المروض في تحويل الأسود والنمور إلى قطط أليفة كبيرة نوعا ما ولكن فقط لدقائق. وعليك دوما الحرص لكي لا يدق هذا الوحش الضاري عنقك في غفلة. المنفى له الى جانب وجوهه المؤلمــة الكثيرة وجه مضيء فهو يحررك بضربة واحــدة من كل خوف بعد أن ولدت من جديد وحيداً عارياً من كل شيء لا قبيلــة لك ولا مرجع سوى ضميرك. أنا أدين لهذا المنفى بالكثير وهو يدين لي بالأكثر. فحرماني من صبحيات أمي وقهوتها وضحكتها ومنعي من وداعها في فراش الموت لأقول لها كما قلت لها دوما أنني أحبها وأنها ستظل حية ما دام في قلبي حياة. هذا الحرمان لا يقابله كل ما أعطاني وسيعطيني المنفى إياه. لكن قول الحق يجبرني أن اقر بأنني لولا المنفى ما كنت لأنجز رواية من رواياتي. ورغم كل شيء فإني لا أتمنى المنفى حتى لأعدائي ولذلك لا يمكنني التعالي على الباقيين في الوطن والمعانيين معه وبه. من يفهم المنفى لا يترفع بل يتعلم أبجدية الحب وأول أحرفها إحترام الآخر وبالدرجة الأولى من نختلف معه. المنفى ككل مصيبة إن لم يقتلك (وفهمته) أصبح عامل قوة لك. المنفى يعلمك طرح الأسئلة الضرورية بجرأة وهي أول عملية لا غنى عنها عند كتابة الرواية. ولا أقصد التساؤل عمَ هو ممنوع ومسموح ومرفوض ومرغوب بل الأسئلة المحركة للرواية وعن الأسلوب الأفضل للإجابة عليها. وهنا أريد شرح نقطة ضعف مركزية للرواية العربية وقد كتبت عن ذلك مراراً آخرها مقالة عن سبب إنعدام شبه كلي للرواية البوليسية العربية (نشر ملخصها في كيكا في 15-7-2005). هناك أسئلة يلف عليها ويتحاشاها أغلب الكتاب العرب. وبدل أن اعيد ما قلت أو أن أحاضر سأبني مشهداً روائياً يشرح بشكل كافي ما أقصده. بطل القصة يستلقي في غرفته وتطرق فجأة جارة له الباب لتفتحه بحذر هاتفة بصوت فيه بحة أنثوية: " هل لك مساعدتي فزوجي مسافر لأيام وأنا لا أعرف كيف أبدل قنينة الغاز". ويرى الرجل عبر الضوء المنساب تلافيف جسد الجارة التي كان منذ قدومها مع زوجها يلمسه كل ليلة في أحلام يقظته. يقفز واقفاً ويتلعثم بكلمات لم يفهمها أحد. جاره بائع الخضار اليهودي يعقوب علا صوته في شجار مع أحد النصابين المشهورين في الحي والذي كان من أكثر الجيرة صلاة وصياماً. ابتسمت الجارة... كيف يتطور هذا المشهد؟ ما هي إحتمالاته وأيها ممنوع؟ ماذا لو كان اليهودي أو المسيحي على حق تجاه المسلم؟ أو إن كورديا أفحم محقاً في كل مايقوله جاره العربي؟ ماذا لو كانت الجارة مسلمة أو درزية والجار الذي يعشقها عن بعد مسيحي؟ أي الإحتمالات غير المستساغة للذوق العام وإن كانت ضرورية جداً لبناء الجو الدراماتيكي للمشهد بمصداقية قوية تقنع القارىء وما هي الحيل الممكنة لرواية هذا التطور دون الوقوع ضحية مقص المراقب؟ وهل إذا أنجزنــا ذلك لا نكون قد صرنــا ضحية المقص في رؤوسنا؟ كل هذه الأسئلة وأكثر تتضمن إجابتها لمس مراكز الضعف الذاتية في الأدب والفيلم العربي. المنفى يعلمك الجرأة في إختيار الجلدة اللغوية ( وليس الثوب كما يعتقد البعض) للجسد القصصي الذي تنوي بناؤه إن لم أقل خلقه. يعلمك الحذر ورفض كل تهديد لسلطات الذوق الأدبي وملحني الموضات الأدبية التي يرقص البعض على أنغامها. في كل قصة أحتاج لوقت طويل ( وأحيانا وقتا طويلا جداً) للبداية لأنني أعود عند البدء لمبتدأ يفتش بصبر عن الطريق الأفضل لرواية محتوى القصة. فاصلة كمقهى:
*هل تغازل امرأة جميلة لاتعرفها وهل حدث ان ( اكلت بهدلة ) من امرأة لهذا السبب ؟
** الإمراة إنسان جميــل على الأغلب بعكس الرجــال وقد غازلت نساءً منذ طفولتي ولم آكل أية بهدلــة في عمري لأنني أملك منخاراً حســاســاً يهديني كالبوصــلة إلى من يرغب غزلي. لكن حتى أنفي كان يخطأ في التمييــز بين فضوليــة إمرأة ورغبتها في التقرب مني. ولذلك كان غزلي يصطدم أحياناً بجدار لامبالاة موضوع غزلي ويسقط مفجوج الرأس فألف دنبي كما نقول بالعاميــة وأنسحب بإستراتيجية إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ماء الوجه. الرفض إحتماله دوماً 50% وهذا ليس داعي للتشائم بل للأمل. منذ 15 سنة أغازل بنجاح منقطع النظيــر إمرأة واحدة وهي زوجتي.
العنصرية على الجانبين .. تشكيل الهوية الوطنية
*ككاتب سوري مسيحي مقيم في الغرب ويكتب بأحد لغاته ومتعالق بشكل دائم مع الجمهور والوسط الثقافي الذي ينتج قسما منه أو يروج للعنصرية ضد العرب كيف يكون موقفك رغم أنك تعرف أن هناك شيوع لثقافة الاقصاء عند كثير من المسلمين لمن خالفهم دينهم وخصوصا في الفترات الاخيرة ؟
العنصرية على الجانبين .. تشكيل الهوية الوطنية
*ككاتب سوري مسيحي مقيم في الغرب ويكتب بأحد لغاته ومتعالق بشكل دائم مع الجمهور والوسط الثقافي الذي ينتج قسما منه أو يروج للعنصرية ضد العرب كيف يكون موقفك رغم أنك تعرف أن هناك شيوع لثقافة الاقصاء عند كثير من المسلمين لمن خالفهم دينهم وخصوصا في الفترات الاخيرة ؟
**ما دام هناك عنصري واحد يكره المسلمين فواجبي الأول الدفاع عنهم. هذه قناعتي من أول مواجهة لي مع عنصري الماني شتمني ظاناً أنني مسلم. لكن هذا الموقف المبدأي لا يمنعني من التمحص بما يكتب ويفعل باسم الإسلام و باسم الدفاع عن الإسلام. الهجوم الواسع على الإسلام يقصدنا جميعا بتراثنا وحياتنا بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا. إنه لا ينوي التحرير إنما الإذلال. لكل هذا أدافع عن المسلمين في أوروبا عند توجيه إهانات عنصرية ضدهم والتي تهدف أساسا لهزيمتنا جميعاً في ميدان الثقافة، الطوف الأخير الذي يمكنه إنقاذنا من الخطر.. لكن أغلب ردات الفعل الحكومية العربية والأحزاب الأصولية كانت مرائية، جبانة وكاذبة. فمن من هؤلاء وقف يوماً ليدافع عن الأقليات اليهودية والمسيحية في البلاد العربية عندما كانت هذه الأقليات ولا تزال تهان علناً. هل كان طرشهم سبب عدم سماعهم كل هذه الإهانات التي يمطرنا بها الأسلامويون من "كافر" إلى "ملحد" إلى "عباد الخشب: أي الصليب" الى آخر التقيئات المعادية للسامية والتي ينسخها بعضهم من النازيين ليقدمها لجمهور مستمعيه أو قرائه كاكتشاف لقارة جديدة أو نجاحه بفلق الذرة بالكماشة. أم أصاب الكل عمى عم ينشر في الأسواق من كتب ملؤها السم على ورق مصقول لماع وبسعر الفجل كلها إهانة للمسيح وللمسيحيين. سنوياً يصلني كتاب أو كتابين من الأسواق العربية المعروضة للجميع يهلع لمحتواها القذر أي قارىء ليس خوفا على المسيحية بل على الهوة العميقة التي سقط اليها تذوق الشارع العربي وحساسيته. وكأن قلوب مثقفي الدولة وكتابها ارتدت جلد تمساح. ولا أزال حتى اليوم أحتفظ بما طبعته جريدة السفير في 15 آب 1980 كمقابلة مع العقيد القذافي حيث يقول وكأنه بوق المرائين الإسلامويين: " العربي غير المسلم موقفه خاطىء ويجب أن يكون مسلماً ويصحح موقفه. لا يجوز أن تكون من الأمة ودينك غير دين الأمة. فالقومية والدين وجهان لعملة واحدة. أما فيما يتعلق بالمسيحيين في الوطن العربي، أولاً ولا بد من التأكيد على أن المسيح قد بعث إلى الإسرائيليين. فإذا كنت إسرائيليا فلا بأس أن تكون مسيحياً" ولكي لا يظن أحد أنه قرأ خطأً يعيد القذافي في مكان ثاني من المقابلة وجهة نظره:"ومن الخطأ أن تكون عربياً ومسيحياً وستبقى المشكلة قائمة طالما أنك عربي وتعيش على الأرض العربية وفي الوقت نفسه تبقى روحك إسرائيلية...". يمكنني أن أبين للعقيد القذافي أن الإسلامويون لا يشاركوه مقولته فهم يشتمون سراً وعلناً العروبة والقومية العربية كإختراع مسيحي لتحجيم الأمة الإسلامية والتي لايشكل العرب فيها سوى أقلية وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الإسلامويون العرب إلى أفغانستان. لكن هذا الكلام السيء بحق المسيحيين العرب قيل وكتب آلاف المرات وهذا النموذج أتى من رئيس دولة لا تبرد مطرقة بابه لكثرة زواره من مثقفي وثوريي آخر زمان. لكن كل هذا كان يهون على إبن أقلية مسيحية لولا أن جيشاً من المفكرين الذين حسبناهم دوماً في خندقنا قفزوا فجأة مع ظهور الخميني الى خندقه وكأنهم كانوا ينتظروه ليفارقونا وبقينا مع نصوصهم القديمة في عزلة ولا أزال أذكر تصريحات أدونيس الممالقة للخميني والتي صدمتني وأبعدتني عن كل ما يكتبه. وهو كالحكام العرب لا يعترف بأخطائه حتى اليوم بل يسبح كل يوم على موجة. ودوما بقناعة 150%. من هذا كله لا أصالح أي إسلاموي عربي ناهيك عن العمل معه في أي مجال ما لم ينتقد ذاته ومواقفه من الأقليات الدينية نقداً صادقاً. وهذا بالنسبة لي الدليل الثاني لمقدرة الأخوان المسلمين في سوريا – كمثال – على فهم أخطاءهم التاريخية الفادحة ومصداقيتهم في قصد بناء الديمقراطية في سوريا. الدليل الأول الذي لم يقدموه حتى اليوم هو نقدهم الذاتي للإرهاب الذي مارسوه وصعدوه في سوريا في مواجهة حافظ الأسد وسببوا معه ويلات للشعب السوري. لم يفاجئني علي صدر الدين البيانوني مثلاً بقفزه الى قطار الخــدام ومــد لسانه إحتقاراً للواقفين في محطة المعارضــة. تماماً مثل هذا التصرف يظهر لك مدى تغلغل الديكتاتورية إلى أنفسنا. وها هو رفعت الأسد يدعو بنباح يومي لطاولــة مستديرة. من سيلحق به ويمد لنا لسانه؟ وبعد غد من سيلحق بمن تتقيأهم السلطة أو يلفظهم التأريخ؟ السبب في كل ذلك ليس ضعف المعارضة كما يظن البعض إنما هو ضعف البنية الديمقراطيــة لمجتمعنا والتي تحتاج على عكس المعارضة – التي قد تقوى بين ليلة وضحاها تاركــة البيانوني وخدام وراءها كحدث عرضي ينساه التأريخ بسرعة – إلى وقت طويل لتصبح جزءاً من تربيتنا وموجهاً لتصرفاتنا. قد يضعف البيانوني وأمثاله صفوف المعارضــة على المدى القريب ولكن عدم فهم الديمقراطيــة كأسلوب للحياة وعدم إحترام الآخر كمتمم للذات يخفي خطراً أكبر على المدى المتوسط والبعيد. وبمناسبة الحديث عن البيانوني الذي لم يفهم المعارضــة إلا وسيلة لتسلق السلطة وبأطراف المعارضــة إلا حلفاء مؤقتين على طريقه ( وكأنه تتلمذ على يد ستالين وحفيده غير الشرعي بكداش). فيمكن الدلالــة على ما أقول أن إتفاقه مع خدام لا يصعب عليه كما يظن البعض أكثر من إقراره بالأخطاء التاريخية للإخوان المسلمين. ومن هنا يكمن شكي بكل ما يقوله. * ما دمنا في الوطن هل لأبناء الوطن من الأقليات (: تعبير أصطلاحي لا أقره ) مدخلا آخر الى الوعي؟ هل هي حساسيتهم المرهفة الناتجة عن الظلم الثقافي التي تؤهلهم في كل أنحاء العالم للنظر بشكل مخالف للأمور؟
هل هناك فارق في وعي الذات والآخر بين أبناء أغلبية ما وأقلية.؟
**سؤال مهم جداً. هناك فرق ينتج ليس عرقياً وإنما تربوياً ثقافياً وليس من الصدفة أن تكون الأحزاب المنادية بالتسوية والعدالة بين الشعوب على الأغلب من صنع الأقليات. إنه اليقين الذي نرضعه نحن أبناء الأقليات التأريخية مع حليب الأم. إن نجاتــنا من الفناء يرتبط بالتلاحم مع القطاعات الخيرة للأغلبية. وأن قدرنا يحتم علنا أن نعرض باستمرار قاعدة اللقاء مع الأغلبيــة. لا لشيء إنما لأن كل الأغلبيــات في العالم بطيئة وكسولة لا تشعر بخطر يجبرها على الحركة. لدينا كما يقال سيزموغراف حساس ضد العنصرية إذ تتوجه هذه دوماً للقضاء على الأقليات. فشخصياً لدي حساسية عالية تجاه معادي السامية العرب. وأرجو ألا يكرر لي أي أحد الأغنية الغبية التي تغنيها نوال السعداوي وغيرها من المسكفين(كما يسمي أهل حي العبارة الدمشقي المثقفين السيئين) منذ سنين من أننا ساميين ولذلك لا نستطيع أن نعادي السامية. فهذا خلط غبي سواء عن عمد أم عن جهل. السامية ليس لها وجود كشعب أو أمة وليست سوى أداة مساعدة لتعريف وترتيب مجموعة من اللغات كالعربية والعبرية والآرامية والأمهرية لها جذور واحدة تسمى للدلالة عليها "لغات سامية" وتعود التسمية الى المؤرخ الألماني أ. ل. شلوزر(1735-1809) الذي ذكر هذا التعبير لأول مرة بشكل عرضي إستنادا على التوراة وعنى بها الشعوب التي تملك لغات شبيهة. لكن أول من استعمل هذا اللفظ بشكل علمي لا يزال سارياً حتى اليوم كان العالم اللاهوتي اللغوي الألماني يوهان غوتفريد أيشبورن (1752-1827) الذي سمى عدة لغات تشابه العبرية باللغات السامية. بينما معاداة السامية حركة أوروبية شوفينية وهي فرع من العنصرية يختص بكره شعب واحد هو الشعب اليهودي أينما كان وهكذا أيدولوجية رجعية مباحة – كأي مرض – لكل شعوب العالم ولا يتمتع أي شعب بمناعة ضدها فمعادي السامية قد يكون روسي ألماني أو عربي وحتى يهودي والقاسم المشترك الأعظم بينهم هو كره اليهود. نحن العرب لو تأملنا ما يكرره أعداء السامية لوجدنا فيها تقاربا مدهشاً بين اليهود والعرب. وأغلب الكاريكاتورات العنصرية المعادية للعرب هي في جوهرها معادية للسامية. ليس فقط الصور العنصرية ضد النبي العربي بل أيضا الصورة الأكثر إنتشاراً لشيخ بترولي يهدد بهذه الوسيلة أو تلك العالم الذي يصور على الغالب كطفل صغيرمسكين لا حول له ولا قوة تجاه هذا العملاق. أو أن العربي يدق عنق حمامة السلام أو يسيل لعابه لكل ما هو غير إنساني. هذا بعينه عنصرية لا تقبل التأويل السخيف أننا لا نتحمل المزاح. لم تصيب جرثومة معاداة السامية، العرب إلا بشكل فردي، ولقرون عديدة ظل انتشارها فردياً. ليس لأننا ملائكة أو لأننا كرماء شرقيين كما يدعي البعض، إنما لأننا لم نعش نظاما إقتصاديا وسياسيا يخرج من جوفه هكذا تيارات. عندما الحقت إسرائيل "الدويلة" كما كان الحكام العرب وأبواقهم يسمون الدولة العبرية - مثــل سيء الذكر أحمد سعيد – أكبر هزيمة لحقت العرب منذ قرون لم يفهم كل القادة العرب ومفكريهم الهزيمة – الفهم كان يتطلب التنحي والإفراج عن الشعوب الأسيرة في المنطقة - بل إزدادوا تصميماً على إستجحاش شعوبهم ليس فقط بتقديس القوانين العرفية التي استعبدت شعوبناً ولم تحرر شبر واحد من الأرض بل بدأوا بنشر الأكاذيب أن هناك مؤامرة عالمية وقع العرب ضحيتها وأن الهزيمة كانت مؤكدة حتى ولو لم يكن البعث والناصرية في سدة الحكم بل حتى ولو كان هوشي منه يقود المعارك كان سيخسر بلا شك فاليهود وما أدراك ما اليهود... وهكذا الى آخر الأغنية المملة. وفتحت الأسواق أمام كل الأدبيات العنصرية والمعادية للسامية وهي تباع حتى اليوم علناً وبعد فترة تخدير لحساسية الشارع الحقت نفس الجهات الظلاميــية الأدبيات العنصرية ضد اليهود بأخرى ضد المسيحيـين. كنت أسأل نفسي عندما تصلني هذه الكتب إلى ألمانيــا: هل مات كل من فيه حساسية؟ كيف تباع هذه الكتب على الشارع وعلى عينك يا تاجر في الثمانينات والتسعينات وفي مجتمع مسامح وليبرالي كمجتمع دمشق؟ كتب بشعة يخجل من قرائتها كل ذي عقل ولو أن أحدهم تجرأ وعرضها في سوريا قبل الوحدة لمسح الناس فيه الطريق. ليس هذه الكتب فقط، بل فردت سلطات عدة بلدان عربية مجالا واسعاً في الراديو والتلفزيون لبث هذه السموم التي تكره المسيحيين الحياة في بلادهم وتزيد اليهود تضامنا مع إسرائيل وهي تخدر الشعوب العربية أكثر مما هي عليه من تخدير. إذ أنه من العبث واللاعقلانية مقاومة قوة متآمرة عالمية أخطبوطية تسيطر على أمريكا وبريطانيا والمانيا وبنوك العالم وعلى أغلب الحكام العرب وحتى على الفاتيكان. هناك عجائب ينتجها الزمن لا تدخل بعقل. حزب الله الشيعي اللبناني إنتصر فعلا على الإسرائيليين في جنوب لبنان إنتصاراً ساحقاً سجله التاريخ لأبناء الجنوب الشجعان وأيضا - وأقولها جاداً- لقيادة حزب الله الذكية والمستعدة دوما للموت في سبيل مبادئها دون وجل مما يندر في أغلب قيادات الأحزاب السياسية العربية. كانت هزيمة إسرائيل شنعاء الى حد أن انسحابها من الجنوب تم بفوضى وكأنه تم تحت إشراف عربي. هذا الحزب بالذات يبث سمومه العنصرية عن التآمر العالمي الذي كشفه كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" المفضوح عالمياً كصنيعة للمخابرات القيصرية الروسية.
إذاً كيف لقوة عالمية تاريخية تحكم العالم كما يرى مروجو هذه الفكرة ويهزمها حزب صغير لبناني ظهر بالأمس؟
*يرى كثيرون أن انسحاب اسرائيل لم يكن بسبب ضربات حزب الله بل بسبب أجندة إسرائيلية داخلية منها مثلاً أن هذا الوجود لم يعد يخدم استراتيجية إسرائيل في المنطقة وخصوصاً بعد اعتراف كل الانظمة العربية بها وإقامتها علاقات دبلوماسية مع الكثير منها.
**هذا هراء سياسي وتاريخي فيه غموض يلوح مجددا بمؤامرة ويضرب على نفس وتر العود البالي أننا حتى إذا إنتصرنا مرة في هذا الزمن الرديء فهذا أيضاً ليس إنتصارا. لايترك مُحتل شبراً من الأرض إلا مجبراً أو لغنيمة أكبر كما الحال في سقوط السادات. وحزب الله لم يعقد أية صفقة تنازل بل أنزل خسائر موجعة بالجيش الإسرائيلي واجبر بذلك السياسيين الإسرائيليين تحت الضغط الداخلي على الإقرار بالهزيمة حتى صار الإنسحاب أقل تلك الخسائر.
**هذا هراء سياسي وتاريخي فيه غموض يلوح مجددا بمؤامرة ويضرب على نفس وتر العود البالي أننا حتى إذا إنتصرنا مرة في هذا الزمن الرديء فهذا أيضاً ليس إنتصارا. لايترك مُحتل شبراً من الأرض إلا مجبراً أو لغنيمة أكبر كما الحال في سقوط السادات. وحزب الله لم يعقد أية صفقة تنازل بل أنزل خسائر موجعة بالجيش الإسرائيلي واجبر بذلك السياسيين الإسرائيليين تحت الضغط الداخلي على الإقرار بالهزيمة حتى صار الإنسحاب أقل تلك الخسائر.
*كمقيم في الغرب كيف نظرت إلى الأزمة التي تسبب بها نشر الرسوم الكاريكاتورية التي رأت جموع المسلمين في العالم أنها مهينة للنبي محمد؟ هل تعتقد أن الأمر مؤامرة مدبرة كما هتفت هذه الجموع وخطبائهم ؟
**لا شك أن هناك مؤامرات كثيرة ومتآمرين كثر على قضايا ومصالح العرب. لكني لا أعتقد إطلاقا أن كل عمل عدائي ضد العرب هو نتيجة مؤامرة تحاك في الظلمة وعلى مدى إستراتيجي تقرر فيه جهة ما بكل برود أنه في يوم كذا وكذا يقوم فلان الفلاني بالتصريح بكذا وكذا أو بإصدار كتبا أو رسوم كاريكاتورية ليسبب ردة فعل معينة ومحسوبة لدى العرب والمسلمين ونصل بعدها إلى نتيجة وهي هزيمة ماحقة للإسلام. أعتقد أن مثل هذا التفكير سطحي وبسيط جداً قد يغري منهزمين ليخفف عنهم وطأة هزيمتهم لكنه يتعارض مع التجربة اليومية ومع تعقيدات كل خطوة من خطوات هذه المؤامرة المزعومة ووصولها حتى بمنفذيها إلى شفير هاوية. لكن الأنكى من ذلك أن هكذا تفكير يدعي الذكاء وسبر الأغوار الخفية لكنه يحول – وبعنصرية معكوسة لا يقصدها – الشعوب الإسلامية والعربيةً كاملة بما فيها مفكريها إلى دمى لا تملك الإرادة وتحرك دوماً من الخارج بخيوط تسحبها وترخيها أيدي خفية. وللمقارنة دعنا نأخذ مسألتين أقامتا الدنيا ولم تقعدهما إلى اليوم. كتاب "آيات شيطانية" للكاتب الهندي الإنكليزي سلمان رشدي والكاريكاتورات المهينة للنبي العربي محمد. رواية سلمان رشدي لم يوعز له أحد بكتابتها سوى رغبته المريضة بالنجومية بأي ثمن وهي رواية قرأتها ويالخسارة الوقت الثمين. رواية سيئة البنية الدراماتيكية يقحم رشدي فيها عدائيته لكل ما هو عربي إقحاماً. ويكذب عمدا كل من يدافع عنه باسم الدفاع عن حرية التعبير فالتعبير حتى في أكثر الدول ديمقراطية كبريطانيا وألمانيا وفرنسا له ضوابط وحدود فالحرية البورجوازية ليست فوضى. فسلمان رشدي الذي تباهى بمهاجمته رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك تيتشر كان يعلم أن ذلك مسموح لا جزاء عليه ولكنه أغلق فمه في كل كتبه ولم يتفوه بكلمة مهينة للملكة أليزابت فهذا يعاقب عليه. هنا في المانيا يمكنني نقد وتجريح القنصل العام أو أي وزير من وزرائه دون أن يكلفني ذلك سؤالا واحدا للسلطة بل على العكس يدخلك هكذا نقد في نجومية الساخرين ويؤمن لك مكاناً في صالونات السخفاء وأمام كاميراتها. لكن كلمة واحدة مؤيدة لجرائم النازية تسبب دعوى وسجن حتى عشر سنوات وقد حكمت محكمة نمساوية مؤخراً على المؤرخ العنصري دافيد إرفينغ بالسجن لإستهزائه بالمحارق التي أودت بحياة ستة ملايين يهودي بريء. هل مثل هذه الحدود صحيحة؟ بالطبع فكما أن حرية الإنسان مقدسة فحرية الشعوب ومعتقداتها وحتى مآسيها مقدسة وكل كلام غير هذا باطل. من هو سلمان رشدي حتى يجرح شعور أكثر من مليار إنسان وما هو هدفه من هذا الجرح؟ تحرير هذه الملايين من بؤسها؟ لا. إنه يذكرني بغباء النكت العنصرية المملة عن الدين التي يتبادلها أبناء الطبقات المرفهة في صالوناتهم لكي يملأوا بها فراغهم. هذا كل ما في قضية سلمان رشدي. لكن أن يفتي آية الله خميني لإعتبارات سياسية محضة بقتل سلمان رشدي فهو خطأ فادح. فحرية وسلامة الإنسان واحترام حياته أكبر من الخميني وما أراده. ثم من ذاك الذي وكل الخميني بملاحقة أبناء شعوب أخرى؟ النبي محمد قال أقصدوا العلم ولو بالصين وليس لاحقوا بفتواكم البشر ولو في الصين. لذلك كان موقفي مع أقلية صغيرة هنا ضد فتوى الخميني وضد سلمان رشدي بنفس الوقت. الخلاصة مما قلت أن سلمان رشدي لم يتآمر مع أحد، فهو أراد شراء الشهرة بعدائية للعرب. كانت الفترة الزمنية مناسبة فالمعسكر الإشتراكي وجدار برلين كانا في نهاية الثمانينيات في انهيار والغرب في بحث دؤوب عن عدو. حاول الكثيرون من رجال الإعلام تسليط الضوء على جرائم النظام الصيني لكن الصين لم تكن يوما بعبعاً يخيف الجماهير في البلاد الغربية، أما الإسلام فهو منذ ظهور النبي العربي مؤهل لإثارة الخوف لدى الجيران التي قرعت أيدي الغزاة ( وأرجو عدم إستعمال كلمة الفاتحين والفتوحات فلم أر في عمري أكذب من هكذا تعبير) العرب على أبوابهم. إن توازي مصالح ما لا يستدعي رؤية تآمر وراءها. كانت مصلحة سلمان رشدي التباهي على حساب العرب فقط ولذلك فكل العرب في روايته بما فيهم نبيهم يحتلون أدرك ما يمكن الوصول اليه من الإنحطاط بينما يسمو كل فارسي في مثالية مقدسة. وأنا أعتقد جاداً أن سلمان رشدي صُعِق لأن الحكم عليه بالموت أتى من إيران وليس من مصر أو السعودية. إيران التي مجدته بالجوائز والإستقبال الحكومي قبل ذلك بفترة وجيزة تكريما لروايتيه " أطفال منتصف الليل" و" العار" والذي صافح فيها رشدي بكل برود أيادي حكمت بالقتل والتشريد على زملائه الإيرانيين، ولم أسمع آنذاك كلمة واحدة منه تدين الإعتقالات والإعدامات الجماعية في إيران. ما أقوله عن سلمان رشدي يسري على الكاتب العنصري الهندي الإنكليزي ف. س. نايباول والذي لا يترك مناسبة إلا ليستغلها تملقاً لأسياده الإنكليز ومحقراً لشعوب العالم الثالث. يسري ما قلته عن قضية سلمان رشدي على أغلب الظواهر الشبـيهة. على الأغلب يكمن وراء مثل هذه الإهانات تصرف فردي أو لمجموعة صغيرة تريد من ذلك الظهور بأي ثمن. ولا توجه ذلك دولة. عند متابعتي لردة فعل جماهيرنا ومثقفينا كذلك رأيت أن الغالبة العظمى منهم تتبع كالعبيد أيدولوجية حكامهم التي استقرت على أن كل أمر صغير أو كبـير هو ملك الطاغية ولا يحدث إلا بأمره. لذلك يتحدث الحكام بخبث وأتباعهم بغباء عن مسؤولية الدانمرك كدولة وشعب وحتى كمنتجين للحليب والجبنة عن كاريكاتورات أصدرتها صحيفة محافظة رجعية لرسام كاريكاتوري من الدرجة الثالثة بطلب مباشر من مدير التحرير. وهكذا طلب لمقال أو رسم كاريكاتوري أو صورة فوتوغرافية يحدث يومياً في كل صحف العالم وليس بجد ذاته مؤامرة. الكاريكاتورات المهينة عنصرية، وسياسية رجعية، تريد إهانة العرب ثقافيا بعد اقتحامهم وإركاعهم عسكرياً، سياسياً وإقتصادياً. مدير التحرير يريد ذلك وليس أكثر فهو يرى أن الفترة مناسبة لبروز جريدته خاصة وأن تصاعد الأعمال الإرهابية الأسلاموية قد هيأ الجو لذلك فكل العرب والمسلمين ألقيوا لعجزهم عن تبيان الجدار الفاصل بين المسلمين والإسلامويـين في طنجرة واحدة مع الإرهابيين. من جهة أخرى تمر الصحف، كل الصحف، منذ سنين بأزمة خانقة وكل شيء – وأكرر – كل شيء يلهب العواطف سواء بالعري الجسدي أو الإجتماعي أو الثقافي ويسبب تهافتاً على شراء المجلة أو الجريدة يرحب به أكثر من أي خبر.. تعليق ..مداخلة مشوقة فيها فائدة إجتماعية أو ثقافية. حتى مجلات ضخمة مثل (DER SPIEGEL) و(DIE ZEIT) في المانيا والتي كانت ولعقود تتصف بالرزانة فتحت أبوابها لكل رخيص لكي تحد من انهيار طبعاتها وعدد المشتركين فيها. هذه هي الخلفية لمثل هكذا حقارة. *ألا ترى أنه على الجانب الآخر (وأعني في البلاد العربية والاسلامية) كان استخدام هذه الرسوم أكثر سوءاً من الفعل ذاته حتى أنه كتب كثيرون أن من وقف وراء شيوع هذه الموجة الإعلامية ضد الدانمارك هي شركات الألبان العربية وتحديداً الخليجية، التي يمتلكها من يمتلكون وسائل الاعلام أيضاً وهي التي حركت ( الجماهير )؟
أليس هناك ممارسات عنصرية في دول أخرى ضد الإسلام والمسلمين والعرب لماذا لم يحرك العرب ساكناً من قبل أم لأن الدانمارك دولة صغيرة ؟
**كل هذه الأسئلة محقة وقد يكون الجواب بنعم هو الصحيح. الجماهير تندفع بعفوية منذ أكثر من أربعين سنة. تصرخ ألمها عاليا من الظلم الذي يلحق بها وهي دوما على حق وإن قلب تعبيرها أحيانا حقها إلى باطل. إنه لمن المخجل والمهين لنا جميعا أن تحرق سفارات عزلاء وهي في ضيافتنا. وإنه لمن المخجل أن يمزق رجال ونساء قطعة قماش رسم عليها علم ما. هذه التصرفات تتحول – سواء كانت موجهة أم لا – إلى صور تنحدر إلى مستوى الكاريكاتور العنصري وتصبح بحد ذاتها تكملة وليس نقداً للكاريكاتور العنصري.
*كيف تنظر من خلال هذه الحادثة بالذات لتمسح بعض الدول العربية التي كانت تقدم نفسها للعالم كدولة ( علمانية ) بالتيار الديني ومخاطبة وده من خلال السماح بإحراق سفارات بعض الدول كالدانيمارك والنرويج ؟
**إنه المسرحية أو الفيلم والدور المتقن جداً والذي تدربت عليه الأنظمة العربية التي تدعي العلمانية بشكل جيد. طبعاً الفيلم من نوعية سيئة على شاكلة أغلب الأفلام العربيــة لكنها تصل كتلك إلى نتيجــة جيدة وهي تمضيــة وقت أطول في السلطة وصرف النظر عن المصائب التي يسببها هكذا حكم وإن كان ذلك لفترة قصيرة وإن كان الفيلم سيء الإخراج مثل تعبد وصلاة صــدام حسين وغيره بحضور كاميرا تلفزيونيــة. ربح الزمن هذا أمر عبقري، لم تستطيع المعارضــة بعد إفساده أو تعطيله.
*ما الذي يمكن فعله لتصحيح هذا الاختلال في العلاقة بيننا وبين الآخرين وتصحيح
وجهات نظرنا عنهم وعنا؟
**أنا اظن أن غياب الحوار الكلي بين المثقفين الأوروبيين وزملاؤهم الشرقيين هو أحد أول الأسباب لتفاقم كثير من الصور غير الصحيحة والسلبية لدى كل طرف عن الطرف الآخر. وهنا بالذات تكمن الهزيمة الكبرى. لم نستطع حتى اليوم بناء حوار دائم يمتن الجسور بين ثقافاتنا العربية والإسلامية مع جيرانـنا في حوض البحر الأبيض المتوسط ليكون ذلك أرضية للحوار الأوسع مع المثقفين الإنسانيين الأوروبيين والأمريكيين. ولا أخفيك القول أن رواية سلمان رشدي والكاريكاتورات العنصرية لم تكن ممكنة إلا في هذا الزمن القبيح الذي تراجعت فيه القوى التقدمية الأوروبية مهزومة وحلت القوى المحافظة مكانها من أمثال برلوسكوني وبلير وأزنار وميركل. فاصلة كمقهى: ** يخيل الي انك ستحصل على نوبل يوما ما .. فعلى أي شارع ستضع عينك ليسموه باسمك عند تفطنهم أنك كاتبا سورياً و... احتفالهم بك ؟
أسماء الشوارع والحارات لا تهمني إطلاقاً. لكن المبلغ المحترم (حوالي مليون دولار). لذلك قمت قبل سنوات إحتياطاً للأمر بوضع قائمة بإسم الجهات التي سأوزع عليها المال لأنني والحمد لله ولقرائي مكتفٍ ولا أعتقد بالإكتناز والتوفير والتوريث. وتضم هذه القائمة 22 مشروعا مهما منها بيت للطفل بإسم أمي في معلولا وآخر في دمشق يقدم العاملون فيه يومياً طعاماً لمئة طفل ويحكون لهم طول النهار قصص مضحكة. المشروع الثاني معه
د خاص للأبحاث الفلسفسية والإجتماعية والإقتصادية وكل تداخلاتها مع اللغــة بإشراف العلماء الشرفاء عبد الرزاق عيد، ياسين الحاج صالح وعارف دليلة. المشروع الثالث دعم ثلاث مجلات وجرائدالكترونيــة لتظهر بنفس الذوق والروح على الورق وهي "صفحات سورية" للثقافة والسياسة "جــدار" لكل أنواع الأدب السوري والعالمي و "كيكــا" الصادرة من لندن للتعريف بالأدب العربي عالمياً. المشروع الرابع لجنة دائمة من المحامين للدفاع عن الظلم القضائي وتعريته وذلك لتربيــة القضاة تربيــة سليمة. المشروع الخامس معهد للترجمة الأدبيــة بإشراف أفضل المترجمين من وإلى العربيــة. المشروع السادس تمويــل جائزة أدبيــة لأفضـــل روايــة وثانية لأفضل مقال صحفي وثالثة لأفضل ديوان شعري. وهكذا دواليك. عندما إنتهيت من وضع الخطة بإحكام إكتشفت مع زوجتي أنه ينقصنا حوالي مليون لتمويل السنين العشرة الأولى فقلت لزوجتي أرهن منزلنا وبوليصة التأمين وأستدين المبلغ من البنك، فضحكت وقالت أنها ستصلي ليل نهار لكي لا أحصل على الجائزة.
دمشق .. الكتابة .. كتاب الوطن ..
*دعنا نعود بالحوار لك ماذا عن الخبرة الكتابية إذا جاز التعبير التي تشكلت طوال عشرات السنين.. هل لها تأثير على نتاجك ؟
د خاص للأبحاث الفلسفسية والإجتماعية والإقتصادية وكل تداخلاتها مع اللغــة بإشراف العلماء الشرفاء عبد الرزاق عيد، ياسين الحاج صالح وعارف دليلة. المشروع الثالث دعم ثلاث مجلات وجرائدالكترونيــة لتظهر بنفس الذوق والروح على الورق وهي "صفحات سورية" للثقافة والسياسة "جــدار" لكل أنواع الأدب السوري والعالمي و "كيكــا" الصادرة من لندن للتعريف بالأدب العربي عالمياً. المشروع الرابع لجنة دائمة من المحامين للدفاع عن الظلم القضائي وتعريته وذلك لتربيــة القضاة تربيــة سليمة. المشروع الخامس معهد للترجمة الأدبيــة بإشراف أفضل المترجمين من وإلى العربيــة. المشروع السادس تمويــل جائزة أدبيــة لأفضـــل روايــة وثانية لأفضل مقال صحفي وثالثة لأفضل ديوان شعري. وهكذا دواليك. عندما إنتهيت من وضع الخطة بإحكام إكتشفت مع زوجتي أنه ينقصنا حوالي مليون لتمويل السنين العشرة الأولى فقلت لزوجتي أرهن منزلنا وبوليصة التأمين وأستدين المبلغ من البنك، فضحكت وقالت أنها ستصلي ليل نهار لكي لا أحصل على الجائزة.دمشق .. الكتابة .. كتاب الوطن ..
*دعنا نعود بالحوار لك ماذا عن الخبرة الكتابية إذا جاز التعبير التي تشكلت طوال عشرات السنين.. هل لها تأثير على نتاجك ؟
**نعم تعطيني الخبرة الطويلة وممارسة الكتابة يومياً الثقة والتقنية اللازمة لكني لا أضع أسلوبا معيناً في موضع التقديس. الرواية وموضوعها يمليان علي بصوت منخفض أفضل الأساليب. أحيانا أسمع بسهولة ما يقولان وأحياناً أحتاج لسنين من التجارب. وأنا أعجب كل العجب لكتاب يكتبون كل مواضيعهم بأسلوب واحد. ولكن خبرة السنين والكتابة اليومية يعطياني مقداراً كافياً من الهدوء والشك بكل مايخطر على مخيلتي ويظهر بسرعة وكأنه الحل الأجمل لأن هكذا خاطرة قد تكون حصلت آلاف المرات ولمئات الكاتبات والكتاب. الفن له علاقة بالصقل كما في حالة تحويل الحجر الخام إلى جوهرة مصقولة تعكس الشمس التي تختزنها.
*هل تعتقد أن الكتابة وخصوصاً العمل الروائي هي لمجرد الامتاع أم أنه فعل ( حتى لو كان حالماً ) يتوخى تغيير ما عبر المتعة؟
**هناك مبالغة إقصاء الأدب ومسخه للعبة فنية لغوية، ومبالغة ثانية بالطلب منه بالرد الفوري على الأسئلة المطروحة على الساحة وإيجاد حلول ثورية لها وكلا المبالغتين ظاهرة من أمراض الطفولة الأدبية. وتصب أخيرا في فذلكات لغوية فارغة أو خطابيات تدعي التسيس وهي لا تقل فراغا وثقلا عن ضرتها. مثل هذه الآداب تحتل مركز الصدارة لدى الشعوب المقهورة وهي لاتغني العقل ولا تلهب المشاعر الثورية كما تدعي بل تطفئها على نمط تحريرفلسطين بقصيدة ودحر العدوان بخطاب فلحوطي يرغي ويزبد بينما يذيع راديو إسرائيل درجات الحرارة على قنال السويس وفي القنيطرة. الأدب الحقيقي كان ولا يزال يخرج من رحم الحياة ليحلق عاليا ويعود مليئا غنيا بالتجارب الى الحياة من جديد. وحكاية قوس القزح في كتاب العهد القديم التي ذكرتها أعلاه أبلغ فلسفياً وأغنى تجربة وخيالاً من كل ما كتبه بعض الأبواق الأدبية
.
*من موقعك الحالي كيف تنظر إلى المجتمع العربي في راهنه الآن ؟
**المجتمع المدني دمر وحل محله جهاز قبلي طائفي عنكبوتي الشبكة. هذا هو السبب الذي سيسقط أي بلد من البلاد العربية في فوضى لحظة إنهيار الطاغية وعشيرته ولذلك فعلى المعارضة وهنا أكرر بكل فرح رأي المفكر عبد الرزاق عيد أن مهمة المعارضة الأولى هي بناء هذا المجتمع المدني ودولته لاحتواء كل مشاكله والسير به قدما بعد سقوط الديكتاتورية. وأنا أعتقد أن هذه المهمة هي الأصعب والأبلغ ثورية.
*هل ترى فارقا بين نظرة الكاتب لبلاده وهو يعيش فيها عن نظرة كاتب آخر من نفس البلاد وهو في المهجر أو المنفى إذا أخذنا كاتبين متشابهين في موقفهم السياسي والإجتماعي؟ **أشكرك للتبسيط لأنني بدونه لا أستطيع الأجابة على هكذا سؤال جدير أن يكون موضوع دكتوراة في السياسة وعلم النفس والأدب المقارن. بإختصار شديد: يرى من يعيش بعيدا عن الأحداث اليومية للوطن عبر ماتوفره إمكانيات التواصل والمعلومات غير المراقبة أكثر من زميله الواقف وسط الدوامة في عاصمة عربية ما. لكن ذلك يحلم – إن جاز هذا التناقض – بواقعية أكثر من الكاتب المهجري أو المنفي. إحدى الظواهر التي لفتت نظري في الفترة الأخيرة هي شجاعة فريدة للجبناء مثلاً تجاه تظاهرة سلمية أو تجاه من يسقط من الحكام. هناك مثل شعبي يقول. عندما تسقط النعجة يكثر الذباحون وهذا المثل في منتهى الذكاء فالنعجة كحيوان ضعيف مسالم لا تحتاج إلى أكثر من ذباح واحد، لكن سقوطها يغري أجبن الجبناء على استلال سكينه ليس ليقتل النعجة فهذا أصلا لايهمه كثيرا بل ليظهر للآخرين أنه منهم وفيهم. ظاهرة سقوط النعاج وكثرة الذباحين أصبحت تراثا عربيا. والنعاج هذه كانت تبدو حتى الأمس أسود أو مستأسدة لا يتجرأ أي رجل في الدولة أن يوجه لها سؤال فيه همزة أو فاصلة نقدية. هل بقي تهمة لم يوجهها أعداء عرفات لجثته التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها؟ حتى أن بعضهم صنع منه جاسوساً لإسرائيل ويهودياً من المغرب. وحمله البعض الآخر كل جريمة قتل أودت بحياة رفاق دربه. حتى زوجته صارت موضوع السكاكين. ليس رفعت الأسد أول تلك النعاج التي عاثت بأرواح وأموال الناس في وضح النهار ليصبح بعد سقوطه المسؤول الأول عن كل سرقة ومذبحة بعثية. وكأن الآخرين كانوا رهباناً وقت حصول المذابح في تدمر وحماة غائبين في أستراليا أو عن الوعي. ولهذا أطلقوا الأبواق وأستلوا السكاكين. وحدث هذا الأمر وتكرر مع عبد الحليم خدام... ألم ير كاتب أو ببغاء من مجلس مايسمى بالشعب كل ما فعله الخدام وعشيرته لمدة أربعين سنة كان فيها على رأس المافيا ليبدأون الآن بشتيمته. ما يسمى بالجبهة الوطنية تحاول مثل خدام غسل أيديها أمام الملأ بغباء قصيري الذاكرة. وانا أوكد دون سخرية أن مياه المحيطات ستتلوث لو استعملتها هذه المافيا لتنظيف ما اقترفت أيديها. ولهذا فقط يعلو صراخها. أنا أعتقد جازما أن مهمة الكاتب ليس الكلام بعد، بل قبل أو على الأقل أثناء حدوث المآسي. وعليه ألا يجزع من الخطأ.
*كيف هي علاقتـــك بكتاب الوطن؟
*كيف هي علاقتـــك بكتاب الوطن؟
هل تأخذ عليهم تجنبهم لك.. وعدم التطرق لكونك كاتباً منفياً بل حتى عدم ذكرهم لك واقتصر الأمر في أغلب الأحيان على الإعجاب بنجاحك شفاهية فقط ؟
**أول أمر لا نقاش فيه هو محبتي وتعاضدي مع الكتاب جميعاً الذين يرزحون تحت حكم ظالم سواء أحبوني أم لا. وهذه الصياغة تبعد كل كتاب السلطة عن المجموعة التي أعنيها. طبعاً لكلٍ أحلامه عن التعاضد لكني لم ولن أطلب من أحد أن يرمي نفسه بخطر من أجلي فأنا بخير حتى بدون تعاضد. أحمل جرح دمشق لكنه جرح صغير مقارنة بما يحمله زملائي من العذاب والذين يستحقون كل محبة وإحترام. هل تدري أنني بكيت يوم ضُرب نبيل سليمان ولم أنم الليل يوم إنهال الجبناء ضرباً على سمر يزبك الشجاعة. وبما أنني أعرف الخوف فأنا أقدر بجدية خطورة الحركة في غياب الديمقراطيــة والحريــة. هؤلاء الكاتبات والكتاب الذين يبحثون باستمرار عن الضوء في نهاية النفق هم إخوتي وخوفهم من الحكام خوفي وضحكتهم الساخرة عليه ضحكتي. أما مثقف السلطة فهو جبان يخاف الكل. يخاف الحاكم والمحكوم. وهذا هو الفارق الجذري بين الكتاب المقيمين في الوطن. الكاتب الشريف الذي لا يتملق يحب شعبه ولا يخافه وهو يخشى عن حق وحكمة بطش الطاغية ويظل حذراً وأنا أحترم وأحس بالتماهي مع هؤلاء الكتاب لأنني لو عشت في سوريا لأنتهيت في السجن الصغير أو الكبير أو لصمت خوفا فأنا لست بطلا ولا أحب منذ طفولتي الأبطال إلا في السينما. أما مثقف السلطة فهو جبان محترف. حتى ولو حمل جائزة نوبل للأدب يظل يزحف. من لا يصدق هذا فليدرس بعناية سيرة أصدقاء صدام حسين وغيره من الحكام. مثقفوا الدولة لا يؤمن لهم جانب ومقارنة بهم يصبح سم الأفاعي كالقهوة بحليب. هكذا مثقف لا يعرف إلا طريق الزحف لذلك يتصور العالم كله وكأنه صورة مكبرة لعالمه ويذكرني ذلك بحديث لزميل سوري درزي رواه لي – عندما كنت 1969 مدرسا في السويداء – عن جد له ترك دفترا صغيراً سجل فيه فلسفته واكتشافاته. وكانت على أغلبها تعبر عن جهل هذا الجد الذي كان يحسب نفسه علامة زمانه.من جملة ما كتب ما ملخصه: العالم يتألف من 90% من الدروز الموحدين و9% من المسيحيين و1% من المسلمين وهكذا تقريباً كانت نسب الأنتماء الطائفي لسكان قريته. فترى أقلام السلطة أن كل كاتب لا بد وأن ينتمي لمركز قوة وبما أنه يتصور في متاهات عقله أن الصهيونية والإمبريالية مهيمنة على كل شيء فهو يوزع وبكرم الكتاب ذات اليمنى للصهيونية و ذات اليسرى للإمبريالية. لكنه لا يستطيع تفسير نجاح كتبي أو كتب الطاهر بن جلون أو أمين معلوف حتى أكثر من الكتاب اليهود الألمان أو الكتاب الإسرائيليين المترجمين مثل عاموس عوز ودافيد غروسمان. لكن مما يزيد كاتب السلطة الجبان قناعة بما يعمله هو فشل عدد كبير من المهاجرين والمنفيين وعودتهم خائبين إما الى العدم أو إلى حظيرة القبيلة فيظن كاتب السلطة أنه كان حكيماً – وهوليس إلا فهلوياً – لأنه اختصر طريق الألم وأختار "وإن على مضض" بذكاء أن يظل تحت رعاية الطاغية ويقبل بالعور بدل العمى حسب رؤيته. هؤلاء بالذات وليس الطاغية هم ألد أعداء المثقف الملتزم. الطاغية لديه حسابات أخرى للسلطة لا يلعب بها كل المثقفون وزن قائد لسلاح الدبابات المتمركزة قرب العاصمة حتى ولو كان هذا أمياً لا يفك طلاسم حرف. هؤلاء المثقفون يشنون حربا لا هوادة فيها وبمناسبة ودون مناسبة على أدباء المنفى لأن هولاء يبدون لهم كالمرآة التي تعكس لهم حقيقتهم دون خجل.
*هل تعتقد أن ظهور أعمالك بالعربية سيغيير مواقف بعض الكتاب منك..أعني اولئك الذي يرددون أراء عنك دون أن يقرأوا ؟
**لا أظن فهم يتسامحون كسلتطهم حتى مع مجرمين ويظلون رغم ذلك حاقدين على من له موقف محدد في الحياة حتى ولو كان هذا الموقف ليبرالي متسامح. وهم لا يقرأون المكتوب على الأوراق بل ما هو ثابت في رؤوسهم من أحكام منتهية لا دفاع فيها ولا استئناف كالمحاكم العسكرية للأنظمة التي ضربوا بسيفها. حتى هنا في المانيا حيث يدرس أدبي في كل كتب القراءة للتلاميذ الألمان من الصف الثالث وحتى صف البكالوريا وحيث انتشرت لي مئات المقالات والمقابلات النقدية السياسية ضد الديكتاتورية والعنصرية المعادية للثقافة العربية لا يقرأ أعدائي أي شيء منها بل ينتظرون وبصبر حدوث خطأ مطبعي أو تشويه لمقالة لم أرها قبل طباعتها ليخرجوا صائحين ومهللين.. ويدلون على الموضع الذي علموه باللون الفوسفوري المشع. وبينما هم في هذيانهم هذا يكون العالم قد تركهم وراءه وتقدم بخطواته التي لا ترحم.
**لا أظن فهم يتسامحون كسلتطهم حتى مع مجرمين ويظلون رغم ذلك حاقدين على من له موقف محدد في الحياة حتى ولو كان هذا الموقف ليبرالي متسامح. وهم لا يقرأون المكتوب على الأوراق بل ما هو ثابت في رؤوسهم من أحكام منتهية لا دفاع فيها ولا استئناف كالمحاكم العسكرية للأنظمة التي ضربوا بسيفها. حتى هنا في المانيا حيث يدرس أدبي في كل كتب القراءة للتلاميذ الألمان من الصف الثالث وحتى صف البكالوريا وحيث انتشرت لي مئات المقالات والمقابلات النقدية السياسية ضد الديكتاتورية والعنصرية المعادية للثقافة العربية لا يقرأ أعدائي أي شيء منها بل ينتظرون وبصبر حدوث خطأ مطبعي أو تشويه لمقالة لم أرها قبل طباعتها ليخرجوا صائحين ومهللين.. ويدلون على الموضع الذي علموه باللون الفوسفوري المشع. وبينما هم في هذيانهم هذا يكون العالم قد تركهم وراءه وتقدم بخطواته التي لا ترحم.
*دعنا نعود في ختام هذا الحوار إلى ما تكتب. إلى اي مدى استطعت ان تقدم الشرق الى العالم الغربي حيث تترجم اعمالك إلى لغات عديدة ؟
**لم أعالج الشرق في أي من أعمالي الروائية لأني مثلا لا أعرف الكثير عن حياة الشعوب الثانية. وأنا أرفض الكتابة عن شيء أو مكان لا أعرفه بدقة. وأسلوبي للتعاطي مع المعرفة أسميه "أسلوب جبل الجليد" أي أن الجزء الظاهر للقارىء العادي هو الأصغر، بينما أخفي تحت السطح ما يفرح به قلب كل قارىء خبير في الموضوع المطروح. أنا لم أزر عدى لبنان أي بلد عربي أو شرقي آخر فكيف لي أن أكتب عنهم! أبطال رواياتي يعيشون كلهم بين دمشق الشام ومعلولا. أحيانا أطلق على دمشق أسماء خيالية كما يحلو أحيانا للعشيق تسمية عشيقته. فدمشق تظهر أحيانا تحت إسم " أولانية" وهو في اللهجة الدمشقية بمعتى الأولى وأحيانا أخرى أسميها "سراب" الى ما هنالك. ولذلك فنموذج الحياة الدمشقية هو ما قدمته وأنا أظن أنني قدمته للألمان وغيرهم بواقعية. *هل يمكن لنا أن نعزو نجاحك سواء بالالمانية او في الترجمات لـ لغات اخرى الى لهفة القارئ الغربي لمعرفة هذا الشرق الذي قد لا يزال يمثل له سحراً غامضاً وعالماً لازال يعتقد بطقوسيته وغرابته ؟
**الغرابة والسحر يرافقان كل عالم ينشأ في الأدب وليس هذا خاصا بالشرق فأنا أعرف المانيا بكل تفاصيلها اليومية والتاريخية لكنني عندما أقرأ رواية ألمانية أغادر ألمانيا الواقعية وأدخل الى ألمانيا الأدبية. أتجول مع أبطالها وكأنني ولدت معهم في حيهم عام 1890 في أحد الأكواخ أو القصور أو عام 1914 في أحد أحياء برلين التي تنبض بالحياة وأما الغموض أو الطقوس الشرقية فلا تهمني إطلاقاً ولا تهم الغالبية من القراء بل جماعات مهووسة بالشرق وبالروحانية والرقص الشرقي وهي جماعات تهتم بالبخور والعطور أكثر من الكتب. *ختاماً كيف ترى لهذا الشرق من مكانك الحالي ومن الوضع الذي وجدت نفسك فيه ككاتب ألماني؟
**بما أنني أطالع يومياً أغلب الصحف العربية و أجول يومياً لنصف ساعة في الإنترنت فأنا ليس لدي صورة أخرى عن الشرق تختلف عن صورتك له. قد أصل نتيجة حياتي الطويلة في المنفى لتحليل آخر للوضع لكن هذا لا علاقه له بكتابة الأدب بل بالقناعة الشخصية.
أجرى الحوار خلف علي الخلف عبر البريد الالكتروني من بداية فبراير الى نهاية شهر مايو عام 2006
**لم أعالج الشرق في أي من أعمالي الروائية لأني مثلا لا أعرف الكثير عن حياة الشعوب الثانية. وأنا أرفض الكتابة عن شيء أو مكان لا أعرفه بدقة. وأسلوبي للتعاطي مع المعرفة أسميه "أسلوب جبل الجليد" أي أن الجزء الظاهر للقارىء العادي هو الأصغر، بينما أخفي تحت السطح ما يفرح به قلب كل قارىء خبير في الموضوع المطروح. أنا لم أزر عدى لبنان أي بلد عربي أو شرقي آخر فكيف لي أن أكتب عنهم! أبطال رواياتي يعيشون كلهم بين دمشق الشام ومعلولا. أحيانا أطلق على دمشق أسماء خيالية كما يحلو أحيانا للعشيق تسمية عشيقته. فدمشق تظهر أحيانا تحت إسم " أولانية" وهو في اللهجة الدمشقية بمعتى الأولى وأحيانا أخرى أسميها "سراب" الى ما هنالك. ولذلك فنموذج الحياة الدمشقية هو ما قدمته وأنا أظن أنني قدمته للألمان وغيرهم بواقعية. *هل يمكن لنا أن نعزو نجاحك سواء بالالمانية او في الترجمات لـ لغات اخرى الى لهفة القارئ الغربي لمعرفة هذا الشرق الذي قد لا يزال يمثل له سحراً غامضاً وعالماً لازال يعتقد بطقوسيته وغرابته ؟
**الغرابة والسحر يرافقان كل عالم ينشأ في الأدب وليس هذا خاصا بالشرق فأنا أعرف المانيا بكل تفاصيلها اليومية والتاريخية لكنني عندما أقرأ رواية ألمانية أغادر ألمانيا الواقعية وأدخل الى ألمانيا الأدبية. أتجول مع أبطالها وكأنني ولدت معهم في حيهم عام 1890 في أحد الأكواخ أو القصور أو عام 1914 في أحد أحياء برلين التي تنبض بالحياة وأما الغموض أو الطقوس الشرقية فلا تهمني إطلاقاً ولا تهم الغالبية من القراء بل جماعات مهووسة بالشرق وبالروحانية والرقص الشرقي وهي جماعات تهتم بالبخور والعطور أكثر من الكتب. *ختاماً كيف ترى لهذا الشرق من مكانك الحالي ومن الوضع الذي وجدت نفسك فيه ككاتب ألماني؟
**بما أنني أطالع يومياً أغلب الصحف العربية و أجول يومياً لنصف ساعة في الإنترنت فأنا ليس لدي صورة أخرى عن الشرق تختلف عن صورتك له. قد أصل نتيجة حياتي الطويلة في المنفى لتحليل آخر للوضع لكن هذا لا علاقه له بكتابة الأدب بل بالقناعة الشخصية.
أجرى الحوار خلف علي الخلف عبر البريد الالكتروني من بداية فبراير الى نهاية شهر مايو عام 2006