استقلال كوسوفو: ما الذي سيتغيّر في ثوابت البلقان التاريخية؟
صبحي حديدي
22/02/2008
أوّاه... أيتها الابنة التركية،سيعمّدك رهباننا مهما طال الزمن
22/02/2008
أوّاه... أيتها الابنة التركية،سيعمّدك رهباننا مهما طال الزمن
هكذا تقول الترنيمة الشعبية ـ الدينية التي يرددها عشرات الرهبان، وربما عشرات الآلاف من المواطنين الصرب
العاديين، صب
يحة كلّ يوم. و الابنة التركية هذه ليست سوي إقليم كوسوفو، أورشليم الصرب كما سيقول الصربي الراهب، ويقتفي أثره الصربي المواطن العاديّ. فأيّ تعميد سوف ينتظر الإقليم اليوم، بعد إعلان الإستقلال من طرف واحد؟ وهل سيكفي التعميد بالماء، أم سينقلب إلي عمادة بالدم أيضاً، خصوصاً إذا تخلي الرهبان عن وظيفتهم الدينية، وتركوا للقوّات العسكرية الصربية أداء شعائر التعميد؟هذا، في الأقلّ، ما كان العالم بأسره قد أدركه مبكراً، مطلع العام 1999، بعد انكشاف أسرار مجزرة قرية راتشاك التي ذهبت بأرواح 45 من المدنيين ذوي الأصول الألبانية. حينذاك، كانت دوائر الإستخبارات في عواصم حلف الـ ناتو قد تناقلت محتوي مكالمات هاتفية جرت بين نائب رئيس الوزراء الصربي نيكولا ساينوفيتش ووزير الداخلية الجنرال لوكيتش، آنذاك، وتضمنت التداول حول كيفية التغطية علي المجزرة وتمويه مسؤولية القوات الصربية عنها. كأنّ تلك الدوائر الأطلسية كانت تجهل، أو كأنها كانت بحاجة إلي التنصّت علي مكالمات المسؤولين الصرب لكي تضبطهم وهم يعمّدون أبناء الإقليم... بالدمّ الزكي، وليس بأيّ ماء مقدّس!وقبل هذه المجزرة، ومنذ وصول الحريق اليوغسلافي إلي إقليم كوسوفو، كان الحلف الأطلسي (والولايات المتحدة في المقام الأوّل) يسعي إلي تحقيق سلّة أغراض متنافرة في الإقليم: أغراض إنسانية الطابع من النوع الكلاسيكي (وقف عمليات التطهير الإثني، والحدّ من اتساع موجات التهجير والهجرة والنزوح)؛ وأغراض استراتيجية لا تعبأ كثيراً بالثمن الإنساني الباهظ (تفادي انتشار الحريق إلي مقدونيا، تحجيم المفهوم الإستقلالي الذي يطرحه جيش تحرير كوسوفو ويرسل درساً خطيراً إلي الجوار، قطع الطريق علي احتمالات مواجهة عسكرية بين تركيا واليونان، وحصر التوتّر الإثني ـ الثقافي في هذه البقعة الضيّقة من خاصرة أوروبا لئلا تتوغّل نحو القلب)؛ وأغراض سياسية دبلوماسية مباشرة، علي رأسها إطلاق سيرورة تفاوض من أيّ نوع بين الصرب من جهة، وكلّ من الزعيم الكوسوفي المعتدل إبراهيم روغوفا، الذي رحل دون أن يري أياً من ثمار اعتداله، وجيش تحرير كوسوفو من جهة ثانية.علي الأرض تبيّن سريعاً أنّ السلّة ليست قريبة من تحقيق أيّ من أغراضها المتباعدة المتدافعة هذه. مجازر، ومقابر جماعية، وعمليات أرض محروقة (أو قري محروقة عن بكرة أبيها، إذا شئنا الدقّة)، وتطهير إثني بوسيلة التهجير المباشر وغير المباشر، وتصاعد للنقمة الشعبية، وتعاظم غير مسبوق في أعداد المنضمين الجدد إلي جيش تحرير كوسوفو، واحتجاجات متواصلة علي العنف الصربي يطلقها آنذاك وزير الخارجية البريطاني روبن كوك تارة، ووزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت طوراً، ودائرة مفرغة يتنقّل فيها المبعوث الأمريكي كريستوفر هيل لا لهدف آخر سوي البرهنة علي أنّ الدائرة مرسومة جاهزة وليس مطلوباً من الأطراف إلا أن تقفز إلي داخلها لكي تتفاوض!علي الأرض، في المقابل، ظلّت الأرقام تنطق بلغة أخري جعلتها أصدق أنباء من كتب الولايات المتحدة، ومجلدات أوروبا، وأسفار الحلف الأطلسي: نحو ربع مليون من مسلمي كوسوفو هُجّروا بالقوّة إلي العدم والمجهول واللامكان؛ الآلاف من القتلي والجرحي في صفوف المدنيين قبل، وأكثر بكثير، من الضحايا في فصائل المقاتلين؛ ومقابر جماعية لعشرات الضحايا، كانت باكورتها الدامية ما اكتُشف في بلدتَيْ أوراهوفاش وراتشاك في فترة الحرائق الكبري إياها. تلك كانت ثمار خيار الكولاج ، أو حلول التلصيق التي اعتمدتها الولايات المتحدة وأوروبا منذ اندلاع الشطر البلقاني من الحريق اليوغوسلافي. وهي كانت، وتظلّ اليوم أيضاً، مآلات سياسة تدفع باتجاه التقسيم الفعلي علي الأرض، بموجب قوانين الأمر الواقع، وتنحني ببساطة أمام منطق الحرب الأهلية الذي استُخدم لوصف ما جري ويجري، تهرّباً من مواجهة المسمّيات الأخري الأكثر بشاعة وإثارة للقلق، رغم أنها الأكثر دقة.وكما في نموذج البوسنة والهرسك، حين دفع المسلمون البلقان ثمن سلام أهلي فرضه بالقوّة السياسية والعسكرية ذلك النوع المرتبك والسطحي والتقسيمي من دبلوماسية الكولاج ، كذلك سيكون مسلم كوسوفو هو وقود النار التي اشتعلت وتشتعل ولا يبدو أنها ستخمد في أيّ يوم قريب. إنه الضحية شاء أم أبي، ويستوي أن يكون علمانياً أم أصولياً أم مجرد مؤمن بريء برسالة سماوية هي الإسلام؛ سواء سار خلف اعتدال إبراهيم روغوفا، أو حمل السلاح خلف هاشم تاجي (رئيس الوزراء الحالي) أو راموش هاراديناي (رئيس الوزراء السابق، الذي يُحاكم اليوم في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم بحقّ الإنسانية). وأن يكون المرء مسلماً في كوسوفو أمر يعني انتماءه إلي دين سماوي وإلي إثنية قومية في آن معاً، وهو تفصيل حاسم يضيف تعقيداً شديداً علي حقيقة أنّ كوسوفو هي روح صربيا الكبري كما يؤمن الصرب، وهي الابنة التي أخضعها العثمانيون لسياسات تتريك قسرية، ولن يفوت أوان تعميدها من جديد، مهما طال الزمن. لهذا فإنّ الكثير من الصرب لا ينطلقون من واقع الحال الراهن، أياً كانت مظانّه، بل بهديٍ من أشباح تاريخ يرتد إلي القرن الرابع عشر. وإذا فعلوا، ولا حيلة في ثنيهم عن سعار قوموي ـ ديني كهذا، فإنهم غالباً لا ينصفون حقائق التاريخ التي أجمعت عليها الأسفار الصربية دون سواها. فمن المعروف أنّ دخول العثمانيين إلي البلقان في أواخر القرن الرابع عشر غيّر وجه المنطقة، وكان انعطافة تاريخية كبري، ولكنها لم تكن البتة انعطافة دامية أو كارثية. و معركة كوسوفو ، التي وقعت عام 1389 ويعتبرها القومويون الصرب كبري مآسيهم الوطنية، كانت أشبه بالموقعة الفاصلة في حرب أهلية بين الملك لازار والقلّة المتبقية من فرسانه المخلصين من جانب، ونسيبه الأمير فوكو برانكوفيتش الذي تحالف مع الأتراك من جانب آخر. ولهذا يري القومويون الصرب أنّ سقوط كوسوفو دشّن 500 سنة من سقوط صربيا في ظلمات الحكم العثماني.لكنّ حقائق التاريخ حفظت تفاصيل أخري للرواية ذاتها. وفي كتابه كوسوفو: تاريخ موجز ، يسرد المؤرّخ الأمريكي نويل مالكولم الحقائق التالية
1
يحة كلّ يوم. و الابنة التركية هذه ليست سوي إقليم كوسوفو، أورشليم الصرب كما سيقول الصربي الراهب، ويقتفي أثره الصربي المواطن العاديّ. فأيّ تعميد سوف ينتظر الإقليم اليوم، بعد إعلان الإستقلال من طرف واحد؟ وهل سيكفي التعميد بالماء، أم سينقلب إلي عمادة بالدم أيضاً، خصوصاً إذا تخلي الرهبان عن وظيفتهم الدينية، وتركوا للقوّات العسكرية الصربية أداء شعائر التعميد؟هذا، في الأقلّ، ما كان العالم بأسره قد أدركه مبكراً، مطلع العام 1999، بعد انكشاف أسرار مجزرة قرية راتشاك التي ذهبت بأرواح 45 من المدنيين ذوي الأصول الألبانية. حينذاك، كانت دوائر الإستخبارات في عواصم حلف الـ ناتو قد تناقلت محتوي مكالمات هاتفية جرت بين نائب رئيس الوزراء الصربي نيكولا ساينوفيتش ووزير الداخلية الجنرال لوكيتش، آنذاك، وتضمنت التداول حول كيفية التغطية علي المجزرة وتمويه مسؤولية القوات الصربية عنها. كأنّ تلك الدوائر الأطلسية كانت تجهل، أو كأنها كانت بحاجة إلي التنصّت علي مكالمات المسؤولين الصرب لكي تضبطهم وهم يعمّدون أبناء الإقليم... بالدمّ الزكي، وليس بأيّ ماء مقدّس!وقبل هذه المجزرة، ومنذ وصول الحريق اليوغسلافي إلي إقليم كوسوفو، كان الحلف الأطلسي (والولايات المتحدة في المقام الأوّل) يسعي إلي تحقيق سلّة أغراض متنافرة في الإقليم: أغراض إنسانية الطابع من النوع الكلاسيكي (وقف عمليات التطهير الإثني، والحدّ من اتساع موجات التهجير والهجرة والنزوح)؛ وأغراض استراتيجية لا تعبأ كثيراً بالثمن الإنساني الباهظ (تفادي انتشار الحريق إلي مقدونيا، تحجيم المفهوم الإستقلالي الذي يطرحه جيش تحرير كوسوفو ويرسل درساً خطيراً إلي الجوار، قطع الطريق علي احتمالات مواجهة عسكرية بين تركيا واليونان، وحصر التوتّر الإثني ـ الثقافي في هذه البقعة الضيّقة من خاصرة أوروبا لئلا تتوغّل نحو القلب)؛ وأغراض سياسية دبلوماسية مباشرة، علي رأسها إطلاق سيرورة تفاوض من أيّ نوع بين الصرب من جهة، وكلّ من الزعيم الكوسوفي المعتدل إبراهيم روغوفا، الذي رحل دون أن يري أياً من ثمار اعتداله، وجيش تحرير كوسوفو من جهة ثانية.علي الأرض تبيّن سريعاً أنّ السلّة ليست قريبة من تحقيق أيّ من أغراضها المتباعدة المتدافعة هذه. مجازر، ومقابر جماعية، وعمليات أرض محروقة (أو قري محروقة عن بكرة أبيها، إذا شئنا الدقّة)، وتطهير إثني بوسيلة التهجير المباشر وغير المباشر، وتصاعد للنقمة الشعبية، وتعاظم غير مسبوق في أعداد المنضمين الجدد إلي جيش تحرير كوسوفو، واحتجاجات متواصلة علي العنف الصربي يطلقها آنذاك وزير الخارجية البريطاني روبن كوك تارة، ووزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت طوراً، ودائرة مفرغة يتنقّل فيها المبعوث الأمريكي كريستوفر هيل لا لهدف آخر سوي البرهنة علي أنّ الدائرة مرسومة جاهزة وليس مطلوباً من الأطراف إلا أن تقفز إلي داخلها لكي تتفاوض!علي الأرض، في المقابل، ظلّت الأرقام تنطق بلغة أخري جعلتها أصدق أنباء من كتب الولايات المتحدة، ومجلدات أوروبا، وأسفار الحلف الأطلسي: نحو ربع مليون من مسلمي كوسوفو هُجّروا بالقوّة إلي العدم والمجهول واللامكان؛ الآلاف من القتلي والجرحي في صفوف المدنيين قبل، وأكثر بكثير، من الضحايا في فصائل المقاتلين؛ ومقابر جماعية لعشرات الضحايا، كانت باكورتها الدامية ما اكتُشف في بلدتَيْ أوراهوفاش وراتشاك في فترة الحرائق الكبري إياها. تلك كانت ثمار خيار الكولاج ، أو حلول التلصيق التي اعتمدتها الولايات المتحدة وأوروبا منذ اندلاع الشطر البلقاني من الحريق اليوغوسلافي. وهي كانت، وتظلّ اليوم أيضاً، مآلات سياسة تدفع باتجاه التقسيم الفعلي علي الأرض، بموجب قوانين الأمر الواقع، وتنحني ببساطة أمام منطق الحرب الأهلية الذي استُخدم لوصف ما جري ويجري، تهرّباً من مواجهة المسمّيات الأخري الأكثر بشاعة وإثارة للقلق، رغم أنها الأكثر دقة.وكما في نموذج البوسنة والهرسك، حين دفع المسلمون البلقان ثمن سلام أهلي فرضه بالقوّة السياسية والعسكرية ذلك النوع المرتبك والسطحي والتقسيمي من دبلوماسية الكولاج ، كذلك سيكون مسلم كوسوفو هو وقود النار التي اشتعلت وتشتعل ولا يبدو أنها ستخمد في أيّ يوم قريب. إنه الضحية شاء أم أبي، ويستوي أن يكون علمانياً أم أصولياً أم مجرد مؤمن بريء برسالة سماوية هي الإسلام؛ سواء سار خلف اعتدال إبراهيم روغوفا، أو حمل السلاح خلف هاشم تاجي (رئيس الوزراء الحالي) أو راموش هاراديناي (رئيس الوزراء السابق، الذي يُحاكم اليوم في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم بحقّ الإنسانية). وأن يكون المرء مسلماً في كوسوفو أمر يعني انتماءه إلي دين سماوي وإلي إثنية قومية في آن معاً، وهو تفصيل حاسم يضيف تعقيداً شديداً علي حقيقة أنّ كوسوفو هي روح صربيا الكبري كما يؤمن الصرب، وهي الابنة التي أخضعها العثمانيون لسياسات تتريك قسرية، ولن يفوت أوان تعميدها من جديد، مهما طال الزمن. لهذا فإنّ الكثير من الصرب لا ينطلقون من واقع الحال الراهن، أياً كانت مظانّه، بل بهديٍ من أشباح تاريخ يرتد إلي القرن الرابع عشر. وإذا فعلوا، ولا حيلة في ثنيهم عن سعار قوموي ـ ديني كهذا، فإنهم غالباً لا ينصفون حقائق التاريخ التي أجمعت عليها الأسفار الصربية دون سواها. فمن المعروف أنّ دخول العثمانيين إلي البلقان في أواخر القرن الرابع عشر غيّر وجه المنطقة، وكان انعطافة تاريخية كبري، ولكنها لم تكن البتة انعطافة دامية أو كارثية. و معركة كوسوفو ، التي وقعت عام 1389 ويعتبرها القومويون الصرب كبري مآسيهم الوطنية، كانت أشبه بالموقعة الفاصلة في حرب أهلية بين الملك لازار والقلّة المتبقية من فرسانه المخلصين من جانب، ونسيبه الأمير فوكو برانكوفيتش الذي تحالف مع الأتراك من جانب آخر. ولهذا يري القومويون الصرب أنّ سقوط كوسوفو دشّن 500 سنة من سقوط صربيا في ظلمات الحكم العثماني.لكنّ حقائق التاريخ حفظت تفاصيل أخري للرواية ذاتها. وفي كتابه كوسوفو: تاريخ موجز ، يسرد المؤرّخ الأمريكي نويل مالكولم الحقائق التالية1
الكثير من الصرب الأرثوذوكس والمسيحيين من أبناء الطوائف الأخري قاتلوا في صفوف المسلمين، ليس انحيازاً لدين علي دين أو لمذهب علي مذهب، بل لأنّ صربيا كانت آنذاك حلبة لتصارع الأمراء والنبلاء، تماماً كما كانت عليه الحال في الأندلس عند دخول المسلمين.
2
ـ الأمير شتيفان، ابن الملك لازار وأحد أكبر رعاة الفنون والثقافة في تاريخ الصرب، انضمّ إلي الأتراك بدوره بع
مقتل أبيه، ليس محبّة بالعثمانيين، بل اتقاءً لشرّ أبناء جلدته من الأمراء الخصوم.
3
ـ انتصار الأتراك في معركة كوسوفو لم يفتح أمامهم أبواب صربيا بأكملها، وظلّ الأمراء الصرب المستقلون يتقاتلون فيما بينهم علي الجبهة الداخلية، لأسباب شتّي لا علاقة لها بمرابطة العثمانيين علي أبواب صربيا.
4
ـ الحكم العثماني، وطيلة القرنين الأوّلين، كان متقدماً في تقاليد التسامح الديني والثقافي علي حكم الأمراء، وكانت أنظمة الجزية أكثر إنسانية من أنظمة القنانة الإقطاعية التي سادت في صربيا طيلة قرون. ولقد سُمح للمسيحيين واليهود
بممارسة شعائرهم الدينية بحرّية تامة، وأجيز لهم الإنخراط في الجيش العثماني واحتلال مناصب قيادية عالية
5
ـ التدهور بدأ حين تحوّلت الإمبراطورية العثمانية إلي رجل مريض، وارتهن الباب العالي لإرادات القوي الكولونيالية الغربية. والحقّ أن هذا الوضع كان سائداً في كلّ الأمصار العثمانية، ولم يقتصر علي البلقان وحده.
6
ـ حين تحرّرت صربيا من نير الإستعمار العثماني عادت دائرة التقاتل بين الأمراء إلي ما كانت عليه. وكما حدث في الأندلس، سعي الأمراء إلي محو آثار العثمانيين، صالحة كانت أم طالحة، فهدموا المدارس والمساجد مثلما أحرقوا القلاع والثكنات.
7
ـ المدهش في هذه الحقائق أنّ المسلمين الألبان قاتلوا إلي جانب الصرب أثناء حرب البلقان، وضدّ الإمبراطورية العثمانية التي كان يحكمها ضباط تركيا الفتاة . الأكثر إثارة للدهشة أنّ الصرب، آنذاك أيضاً، لم يكفّوا عن أخذ المسلمين الألبان بجريرة معركة كوسوفو ! ولقد حفظ لنا التاريخ شهادة ليف برونشتاين، الذي سيُعرف بعدئذ باسم أكثر شهرة هو ليون تروتسكي، حول فظائع الصرب في سكوبيا: إنّ الصرب في صربيا العتيقة، وفي محاولة منهم لتعديل معطيات الإحصاء الإثني التي ليست في صالحهم، ينخرطون ببساطة في عملية إبادة منهجية منظّمة للسكان المسلمين .الثابت أنه بعد ستة قرون من هيمنة الأمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية، والغزوات البونابارتية، والتغلغل الأوروبي الكاثوليكي والروسي الأرثوذكسي والشيوعي التيتوي، سيظل الكرواتي كرواتياً والصربي صربياً، وستظل ملفات كوسوفو ومونتينيغرو ومقدونيا وسراييفو هي علامات البلقان التاريخي، ونقاط الشدّ والجذب بين روسيا وبلغاريا وألبانيا وهنغاريا ورومانيا واليونان وتركيا والقوقاز، وبين ما يشبه الحرب الباردة الإرتجاعية بين روما وبيزنطة. ولكن من الثابت أيضاً أنه لو شاءت الحدود السياسية في أراضي يوغوسلافيا السابقة أن نقتفي خطوط الإنقسامات الإثنية والدينية بل والمذهبي
ة أيضاً، فإن العالم سيشهد ولادة عشرات (نعم، بلا مبالغة: عشرات) الدويلات، مثلما سيشهد الإجحاف بحقّ مئات الإثنيات التي ستعجز عن تكوين أغلبية عددية كافية لتأسيس دويلة من نوع ما.المأساوي ـ والمرء يتردّد قليلاً قبل أن يردف: الكوميدي، أيضاً ـ أنّ القيادي في منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه رأي أنّ أفضل ما في إعلان إستقلال كوسوفو هو استنساخ الحدث فلسطينياً، وإعلان إستقلال دولة فلسطين من طرف واحد! باديء ذي بدء، يبدو وكأنّ فلسطين السويسرية التي استنسخها عبد ربه ويوسي بيلين علي الورق، ذات يوم غير بعيد، صارت بالفعل أقلّ قيمة من الحبر الذي أُريق في استنساخها؛ ويبدو، تالياً، أنّ إفراط انتفاخ الذات لدي بعض القيادات الفلسطينية أخذ يزيّن لهم أنّ واشنطن سوف تسارع إلي الإعتراف بالنسخة الفلسطينية، تماماً كما فعلت مع النسخة الكوسوفية، لا لأيّ اعتبار آخر سوي أنّ قيمة حكومة سلام فياض تعادل قيمة حكومة هاشم تاجي، أو تزيد ربما! وأمّا ثالثاً، فلعلّ حقيقة كيل البيت الأبيض بمكيالين في الموقف من جيش تحرير كوسوفو ، (إذْ هو في العلن تنظيم إرهابي يقتات علي تجارة المخدّرات، وفي السرّ شوكة صالحة دائماً لنخز خاصرة موسكو)، قد سوّلت لبعض فاسدي منظمة التحرير الفلسطينية معاملة بالمثل في واشنطن!ويبقي، بالطبع، أنّ هذه الدويلة الجديدة الناشئة ليست بالضرورة ضمانة لمستقبل مسلمي كوسوفو، إذْ قد تبرهن الأيام أنّ العكس هو الصحيح، خصوصاً إذا مضي تاجي أبعد ـ كما هو متوقّع منه، وكما يقتضي منطق الحسابات الراهنة ـ في الإصطفاف الأعمي خلف سياسات واشنطن وحلف الناتو في منطقة البلقان. ذلك لأنّ سلسلة الإخفاقات الكبري التي تصيب واشنطن والناتو، في العراق وأفغانستان، إنما تفرض العودة إلي قلب أوروبا بقبضة فولاذية، وبتوازن رعب جديد علي الطراز البلقاني القديم، يردّ للقوّة العظمي وللشوكة الأطلسية بعض الهيبة التي تآكلت كثيراً، بعد أن هيمنت طويلاً.ہ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
ة أيضاً، فإن العالم سيشهد ولادة عشرات (نعم، بلا مبالغة: عشرات) الدويلات، مثلما سيشهد الإجحاف بحقّ مئات الإثنيات التي ستعجز عن تكوين أغلبية عددية كافية لتأسيس دويلة من نوع ما.المأساوي ـ والمرء يتردّد قليلاً قبل أن يردف: الكوميدي، أيضاً ـ أنّ القيادي في منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه رأي أنّ أفضل ما في إعلان إستقلال كوسوفو هو استنساخ الحدث فلسطينياً، وإعلان إستقلال دولة فلسطين من طرف واحد! باديء ذي بدء، يبدو وكأنّ فلسطين السويسرية التي استنسخها عبد ربه ويوسي بيلين علي الورق، ذات يوم غير بعيد، صارت بالفعل أقلّ قيمة من الحبر الذي أُريق في استنساخها؛ ويبدو، تالياً، أنّ إفراط انتفاخ الذات لدي بعض القيادات الفلسطينية أخذ يزيّن لهم أنّ واشنطن سوف تسارع إلي الإعتراف بالنسخة الفلسطينية، تماماً كما فعلت مع النسخة الكوسوفية، لا لأيّ اعتبار آخر سوي أنّ قيمة حكومة سلام فياض تعادل قيمة حكومة هاشم تاجي، أو تزيد ربما! وأمّا ثالثاً، فلعلّ حقيقة كيل البيت الأبيض بمكيالين في الموقف من جيش تحرير كوسوفو ، (إذْ هو في العلن تنظيم إرهابي يقتات علي تجارة المخدّرات، وفي السرّ شوكة صالحة دائماً لنخز خاصرة موسكو)، قد سوّلت لبعض فاسدي منظمة التحرير الفلسطينية معاملة بالمثل في واشنطن!ويبقي، بالطبع، أنّ هذه الدويلة الجديدة الناشئة ليست بالضرورة ضمانة لمستقبل مسلمي كوسوفو، إذْ قد تبرهن الأيام أنّ العكس هو الصحيح، خصوصاً إذا مضي تاجي أبعد ـ كما هو متوقّع منه، وكما يقتضي منطق الحسابات الراهنة ـ في الإصطفاف الأعمي خلف سياسات واشنطن وحلف الناتو في منطقة البلقان. ذلك لأنّ سلسلة الإخفاقات الكبري التي تصيب واشنطن والناتو، في العراق وأفغانستان، إنما تفرض العودة إلي قلب أوروبا بقبضة فولاذية، وبتوازن رعب جديد علي الطراز البلقاني القديم، يردّ للقوّة العظمي وللشوكة الأطلسية بعض الهيبة التي تآكلت كثيراً، بعد أن هيمنت طويلاً.ہ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس--------------------------------------------------------
الرحيل إلى المجهول تدمر 13

عاد الربيع خميلة صداحة, فراشات راقصة, فرح ينثرحنينه على حواف السماء والتراب وأوراق دوالي الماء. يمشي كرعشة في خدرالأرض, كحلم حنون, كزهرمن جمرالأمنيات. ولد من خاصرته قمراً من سليل الضوء يترصد الألوان المعرشة بلون ذاته.
عادت الروائح العبقة تستيقظ من غفوتها لتملئ الدنيا دفئاً وتألقاً.
همت العصافيربالرحيل إلى الحنين, إلى براعم الغصينات النائمة على نتؤات الزهرالمنبهق من طفح الحياة, إلى الحنين المسافرإلى المجهول, إلى البحث عن لغة تترجم ضوضاء الضوء والوجود والبقاء. على أجنحتها قناديل مضيئة من أشعة الشمس وزرقة السماء.
رحلت من مهجع المستوصف ولم يبق معنا إلا عصفورواحد هدية من الطبيعة.
فروا بريشهم من الضجيج والضوضاء, من الضوء المتيقظ طوال الليل, من زعيق الشرطة وحركة أقدامهم التي لا تنام أوتهدأ. لقد بقي ذلك الجميل, ذلك القادم من أسراب المدى في الجهة الغربية من المكان, بعيداً عن الضوء واللهب, يستغرق في البحث عن الطمأنينة المعلقة في مئزرالحيطان, ينحو نحوالنوم في العتمة العتيقة البعيدة عن الشراقة لأعتقاده إننا را
حلون لا محالة إلى رحيل آخر.لا أدري لماذا استأنس ذاك الجميل البقاء معنا.
ينثرالضوء على الفجرضياء ويرحل نحو أفق البادية ويعود مساء, نافشاً ريشه المخضب بلون الحياة والسعادة. يزقزق في الهزيع الأخير من النهار.
كنا ننتظرمجيئه بفارغ الصبرساعات طويلة من أجل التواصل معه, مع الطبيعة, مع ذاتنا. أقف مذهولاً على قدرة هذا الكائن على لملمة بقاءه على هذا الخلد الجميل بمنتهى الدقة والرقة والذكاء, لا يخزن طعامه ولا يحمل معه شيئ. يأكل إلى أن يشبع ثم يرفرف طائراً إلى حيث الماء والسماء والأرض, إلى حيث ضحك الأطفال. كان نذراً من السماء, غواية, عذوبة الوجود والحياة بيننا في ذلك الامتثال الصعب, حضورشهي للحرية.
بوجوده نحس إننا في هذا الوجود, في هذا الكون المبهرالمتألق.
نظل مسمرون في أماكننا ننظرإلى وجه الحياة في وجهه وعينيه, إلى ريشه وجناحيه, إلى السعادة في عينيه, نفرح لفرحه, للقاءه الماء والصباح والكائنات الأخرى. نفرح للقاءه النبض الآخر منا في الحياة, تلك التي نحن منها. يبادلنا البسمة بالبسمة والسعادة بالسعادة. ينفش ريشه, يزقزق بصوت عالي, ناقلاً نظراته إلينا, معبراً عن أمتثاله للغناء, للطرف الآخرمن الحياة, أمتلائه بها من مكان إلى مكان كأنه يقول لنا:
لقد زرت الواحات والأشجار, النساء الجميلات وساحات لعب الأطفال. لا تيأسوا فالحياة ما زالت في خلدها, على أيقاعها, باقية تغني للفجروالصخر, للبحروالنهر, لكم, للقادم من الأيام, للأفاق الآخر.
كل يوم يخرج من النافذة, ونخرج إلى الباحة.
هو إلى الحرية, ونحن إلى صناع الموت.
هو يرفرف في السماء ونحن ننحني ونركع لأحذية السلطان.
كل يوم يخرجونا إلى الباحة, بعد إدخال الفطور, أربعة أو خمسة منا, يجلدوا أمام مرأى الشمس والضوء, تحت قبة السماء, بالكوابل المطاطية المحلزنة بالاسلاك المعدنية, ملفوفين بالدولاب الأسود الدائري. بعدها يرموننا تحت حرقة النهار بين أيدي تجارالقتل والموت لتتولى إكمال تعذيبنا.
كان حدود
الضرب يبدأ من الثلاثين كبلاً إلى المئة وخمسون تقريباًصارت أعصابنا متعبة, مرهقة لا نعرف ماذا نفعل. سلمنا قدرنا للقدريشكل نهاية مأساتنا. لقد أثقلت الجراح والأوجاع أجسادنا, وغرزت آلة القمع ثقوبها في نفوسنا وخلفت ورائها سوداوية لا تزول مع مرور الأيام والسنين.
ثقبت أذني أكثر من سبعة إلى ثمانية مرات. ما أن تلتئم حتى تتمزق. أضع ورق المحارم داخل أذني حتى تتمكن من تلقي الصدمة بأقل قدرمن الأذى والوجع. دائماً الجهة التي كانت تتعرض للتمزق هي اليسرى. إحدى المرات بينما كنت مستعداً للصفع على الجهة اليسرى, مغمض العينين ورافعاً رأسي بناء على طلبهم. جاءتني صفعة الشرطي على الجهة اليمنى لأنه كان أعسراً. لم أكن قد وضعت شيئاً في أذني اليسرى لحمايتها, حتى أتمكن من سماع ما يقولون. من الصفعة الأولى وقعت على الأرض وتمزق غشاء الطبل في الجهة اليمنى مني, وكانت اليسرى متمزقة قبل هذه بيوم واحد. صرت أمشي كالأثول أو السكران لا أستطيع أن أتوازن ولا أعرف ماذا أفعل.
في/23/ تشرين الأول/اكتوبر/ أخذوا الأخ فراس يونس لإنتهاء حكمه/15/سنة. وفي /19/كانون الأول من العام نفسه/1996/أخذوا الأخ ياسين الحاج صالح أيضاً لإنتهاء حكمه/15/ سنة مع إضافة سنة أخرى على حكمه لرفضه الشروط. وفي /14/ كانون الثاني من العام 1997أخذوا يوشع الخطيب لإنتهاء مدة حكمه/15/ سنة
في شهر آيارمن العام 1997 أخذوا أسامة عاشور وعبد الكريم عيسى/15/سنة و/14/ سنة على التوالي.
راح عددنا يتناقص تدريجياً.
صارعددنا /17/ فرداً. وبقي الضرب والحراسة الليلية موزعة على العدد المتبقي.
تم الاحتفاض بتيسيرحسون وبسام بدورالذين أمضوا ثمانية أعوام في السجن. لقد أبقاهم النظام في السجن مدة سنة إضافية عن الحكم الذي أقرته محكمة أمن الدولة.
في 28آب من العام 1997 تم نقلنا إلى الباحة الثانية, المهجع الثاني.
لم تكن تتجاوز مساحة المهجع الأربعين متراً مربعاً.
المكان أشبه بزريبة, حضيرة مرقعة الاوصال, موصولة بشكل هجين, غرفتان صغيرتان إحداهما معتمة, المرحاض يجلس في إحدى زواياها, أما الغرفة الثانية فتجلس تحت الشراقة. ينام فيها ثمانية أفراد, ويجلسون النهاركله فيها على فرشهم تحت رحمة الظلمة وقتامة الجدران ورائحة المجاري المتصاعدة من فوهة المرحاض الذي لا يتجاوزالثمانون سنتيمتروعلى مدخله الصغيرمجلى الصحون والكاسات البلاستيك وبقية أدوت الأكل. هو مرحاض ومطبخ وجزء من الغرفة مركون في الزاوية.
شيئ كريه للغاية.
كان المهجع حماماً للشرطة أوالسجناء فيما مضى من الوقت. مبنى قديم ومقرف. لقد بنوا جداراً فاصلاً ما بين المهجع والباحة بطول خمسة أمتار وعرض متر واحد من أجل توسيعه, عليه نافذة مسدولة بساترمن النايلون المصنوع بأيدينا.
كنا نجلس في هذا الممرالضيق بعيداً عن الشرقة اللعينة لتقطيع الوقت وتمريره.
لقد نقلونا أكثر من مرة من هذا المهجع الكريه ثم أعادونا إليه.
إنه خيمة الموت, وشاح مسربل بالعتمة الداكنة. يذكرني شكله بالجبانة, بالقبروالموت المؤجل. يرمي في داخلي إحساس بالكآبة والحزن والنفور. خطوطه وشم مطرزبالمرارة, ينحو في الخفاء إلى إنطفاء الصوت الآخرمنا, من الحياة. يترك إنزواء الموج داخل نزيف دمنا, ليخبو كضوء النيزك في صدورنا. يعمل المكان على ترويض أرواحنا وتسكين نبضها لكي تهبط إلى مزالق بعيدة لتتواطأ مع السديم. أقول:
ما هذا المكان, ماهذه المصيبة التي تنتظرنا. مكان مغلف بالجدران العريضة,السميكة السوداء, تتصدى لتقزيمنا في مساحة ميتة من العالم.
زريبة أوحضيرة موت, تستحضرالتفنن في تذويبنا, تذويب الأفق المرئي للبصرمن أجل أن يموت الحلم داخل الحلم, ليموت الألق والحلم في النفس.
لم يكن لدى الخيال القدرة على الطيران بنا من هذا الكابوس الطويل, لم يستطع حملنا على جناحيه والرحيل بنا إلى عوالم أقل قسوة. لم يستطع أن يحفزنا, أن يأخذ بأيدينا, يجرنا وراء الفجرالآخرالمفتوح.
إنه مكان مهجور, ترك للزواحف تعبث فيه وفينا.
هل يمكن للإنسان أن يتنفس في هذه البلادة المكدسة, في هذا الجماد المركون على خاصرتنا. كنت أحس أن نبضي وحنجرتي منصهران في صوتي, في نواح ليالي المهجورة, المنسوجة من أملاح مكدسة.
غاب عنا الفجر, غادرنا هواء الفجر, لون السماء وأهليلج الشمس الحالمة وراء بقاءها بيننا. سكينة الموت بقيت محلقة في وسطنا مدة أعوام طويلة في هذا المكان المهجور.
المكان وحده كان كاف لتمزيقنا من الداخل.
رحلت منا شهوات الفرح بالأمل, بالحلم. غادرت بؤبؤة عينينا رسوم الجمال ومهابط الزهر.
هل يعرف المرء ماذا يعني أن لا يرى الإنسان بقعة مضيئة, لون مبهج, أن لا تطأ قدمه ندى التراب الندي ورطوبته مدة طويلة من الزمن. أن يعيش فوق بقع الجفاف حتى يجف نسغه وصورته.
آه.. كم كنت أحن لملمس التراب الطري الحنون. كنت أحن لمداعبة المطرتحت المطر, مداعبة المطرلأقراص الماء فوق الماء, لملامسة الماء لندى الأرض في مواسم الجفاف.
كانت هناك بقعة ضوء صغيرة تتسلل من تحت الباب, خلاء منذورللصورالمختفية تأتي من وراء الجدران, يحفزان موسم الجنون, تتمدد على صقيع أيامنا وليالينا. عندما نريد أن نأخذ مساحة فرح نتمدد على الأرض, ننبطح لنرى بعض العصافيرمن تحت الباب كيف تأكل وتتحرك وتطير.
هذه اللحظة كانت الأجمل في يومنا الطويل, نهرب فيها من الصمت والقرف.
رحنا نقطع الأيام الطويلة في هذا المكان الكئيب. نكثرمن الحديث عن الماضي, لأنقطاعنا السديمي عن الحياة والأهل والأصدقاء, نعيد ونكررما قلناه من حكايات وقصص.
في الثامن من حزيران من العام 1998أخذوا الذين قضوا في السجن المدد على التوالي:
مصطفى حسين/15/ سنة وثمانية أشهر. صفوان عكاش وبكر صدقي وعزيز تبسي/15/ سنة وثلاثة أشهر. الحارث النبهان/13/ سنة وثمانية أشهر. أديب الجاني وحسين السيبراني/10/ سنوات وستة أشهر. تيسير حسون وبسام بدور/9/ سنوات وشهر.
بقينا ثمانية أفراد.
في /15/ تموز من العام 1998 جلبوا سلامة كيلة ونعمان عبدو, محمود عيسى وجريس التلي ومحي الدين شنانة.
مضت الأيام تمضي رتيبة, مملة, متعبة لقلة العدد وللعبء الذي نحمله على أكتافنا لقلة عددنا.
قي الشهرالسابع من العام/1999/ أخذوا:
راتب شعبو/16/ سنة ومحي الدين شنانة /13/ سنة وعبد الله قبارة /12/ سنة وبعدهم بشهرونصف أخذوا حكمت مرجانة/12/ سنة وفي نهاية الشهرالعاشر أخذوا محمد خير خلف/ 12/ سنة.
في آذارمن العام/2000/أخذوا سلامة كيلة.
بعد وفاة حافظ الأسد بشهرين تم الافراج عني بعد أن أمضيت/13/ سنة في السجن. عروني مرة أخى كما تعرى الآيائل من جلودها. باعدوا القدمين واليدين. مدوا أيديهم في فمي وأسناني وراحوا يفتشوا الأماكن الداخلية مني, ثم وصلوا إلى مؤخرتي, راحوا يعبثون بها. كل شيئ فيّ عاري إلا العينين فقد غزوها بالطماشة. لم يكن معي إلا بقية إسمال بالية.
في طريق العودة إلى الحسكة عرجت على المطعم في مدينة تدمرلأشرب كاساً من الشاي مع القليل من الخبز. دخلت إلى الحمام لأغسل يدي ووجهي. رأيت مرآة معلقة على الجدار. لأول مرة أرى وجهي بعد سنوات طويلة. يا هول ما رأيت. قلت:
ما هذا يا إلهي.. ماذا فعل بي الجلاد. أين وجهي وشعري ولون الفرح في أهدابي. أين تلك الابتسامة المحلقة فوق باقات الورد على خدودي.
وجه أصفرجاف, متعب, منذورللضياع والتشتت, كثيرالتغضنات والتجاعيد, خال من أي لون له علاقة بالحياة أو يشيئ بالحياة. وجه عصبي الصورة, أنواله مقطعة الأبعاد, فيه حفركثيرة موزعة على قسماتي هنا وهناك. تزحف على خارطة جمجمتي أوردة كخطوط متنافرة, كخرائط متباعدة. وجه مرتبك خال من أي لغزأوتعبير, ينزع إلى المتاهة, إلى حكاية عارضة, خيال عابث بلا حلم أو أمل, خطوط الشرايين فيه قاتمة.
ذهول قاتم شدني إلى الخوف من وجهي وصورتي. وقفت مذهولاً من ذهولي على نفسي, استطلع الآهات التي تخرج من كبدي على شكل صرخات تحفز الصرخة, تحفر في داخلي وتخرج مني على شكل كلمات مخنوقة مقطعة فيها بحة مسروقة ترتد إلى داخلي قلت:
آه.. ما هذا.. ماذا حدث لي.. ما هذا الوجه.. هذا ليس أنا.
هذا ليس وجهي الذي أعرفه, إنه وجه إنسان غريب, مدمر. خرائب العالم كلها مكومة فيه. هذا الوجه وجه إنسان خرج من بين الأموات. يا رب لماذا تركتهم يفعلوا بي كل هذا. كيف استطاع الجلاد أن يسرق قسماتي, وجهي القديم, النضارة والشباب والجمال, هيكل تكويني, إشراقة الروح في قلبي. رحت أكثر النظروأقول:
محا الجلاد ل
وني المتماوج النقي, اللون المخضب الفاتح المملوء بالحيوية والنشاط واستبدله بالظلال السقيمة والسقم. أجفاني مهدلة, عيناي منكمشة على بعضها منغروزككتلة مهملة في المحجرين, فمي رخو لا يقوى على نقل الكلمات, والشيب يغطي شعري. وجه ما بين الموت والحياة, فيه اغمضاضة الروح, مكسر الشريان والصوت.حفر فيه زمن الجلاد عميقاً.
قلت في نفسي:
كيف سأقابل أبي وأبي والناس بهذا الوجه المشوه, هذا الوجه المأسور, كثيرالرضوض مرسوم لصدى الموت العميق. لقد حفرالجلاد في كل خلية مني دملة وقيح. وجهي مثل مدينة مهزومة, مدمرة, كثيرة الخرائب والحرائق. محفوربأزاميل صدئة. ماذا بقي مني. هل أنا مهزوم أم واقف على قدمي, هل أدري أم لا أدري.. لا أعرف.
آه يا أبتاه كيف سأقابل حبيبتي بهذا الوجه الأبتر, المسحوق, المسحوب اللون والصورة. من أنا اليوم, ومن سأكون غداً, وكيف؟
طوفان من الخراب يسكنني, قرون الأيائل مغروسة في خدي وصدغي وجبيني وجبهتي وملامحي.
من أنا..
إنه التأريخ الأعرج الذي يسيرعلى قائمتين مكسورتين.
أما نحن فلا قامة لنا تحمينا من مجوس القهرالمستمر.
أمعنت النظرفي المرآة أكثر:
رأيت نيرون بجانبي, في الجهة المقابلة لجهتي, إلى الوراء, إلى الميمنى والميسرى, محتلاً كل المساحة التي أنظر فيها إلى نفسي. كان واقفاً بكامل قامته, وزينته وسطوته, سيفه خارج غمده, مشرع, صولجانه وعصاه بيده واقفة, ينظر إلي مبتسماً أبتسامة صفراء صارخة. وعلى مبعدة قليلة منه كانت روما تشتعل تحت لهب أسود. حرائق روما الملتهبة, دخانها في أنفي وفمي, صوت الاستغاثات الموجوعة للموتى والجرحى والمنكوبين في أذني. النارتتأجج وتشتعل, تأكل الأخضر واليابس. وبجانبه وجانبي وجه أمه الحزينة متعفنة, معلقة على الشجرة, تاكل الغربان قلبها وعينيها. كان ينظر إلي ضاحكاً ويلتفت مشيراً إلى والدته, المنكوبة, المقتولة على يديه. صرخت في وجهه, قلت:
ـ لماذا قتلت والدتك يا نيرون؟ قال:
ـ من أجل اللذة. وأردف:
العنة. لذة العنة هي السبب. أنا مصاب بالعنة وحب المجد. العنة تمنحني الشهوة واللذة وترفعني إلى الأعلى, إلى فوق. هذا العنين سيبقى, وستبقى والدتي متعفنة, معلقة على الأشجار, وستبقى المدن محترقة والأشجار مقصفوفة, الأنهارجافة, والبحارإلى رماد وكل شيئ إلى خراب إلى أن يبث الزمن في الأمر. لا تحزن على نفسك يا هذا, مازال الطريق أمامك طويلاً, الأمراض الكثيرة في الطريق إليك, ستفتك بك. سيلاحقك التعب والغربة. ستبقى عتمة السجن داخل نفسك, لن تخرج منها. ومضى يقول ساخراً:
الذين في الخارج ليسوا أقل خراباً منك, أكاد أقول أن وضعهم أسوأ منك.
خرجت مكسورالنفس, متوجساً, قلقاً, متعلثم الكلمات لا أقوى على هضم كسرة الخبزالتي أمامي.
سارت بنا الحافلة.
كان السائق ومعاونه يتكلمان معي, يحاولون أن يخرجوني من صمتي وإنطوائي على نفسي, يسقوني الشاي بين الفنية والأخرى. في استراحة دير الزورقدموا لي وجبة طعام على حسابهم, رزودجاجة. قلت له أيها الأخ الصديق:
لا أستطيع هضم الطعام النظيف والدسم. لقد تعودت على طعام السجن الكريه والوسخ, ولا أستطيع أن أغيره الأن. أحتاج إلى وقت طويل قبل أن أتمرن على الجديد. نظرإلي ساخراً قال:
ـ ماذا تقول. لا تستطيع أن تأكل القليل من الرز. قلت:
ـ لا.. لا أستطيع. سأصاب بالإسهال بعد قليل وستكون هناك مشكلة. أنا أعرف ماذا أقول.
يتبع..
آرام كربيت
------------------------------------------------------
الخزانة الأمريكية تجمد أموال وأصول رامي مخلوف
واشنطن تفرض عقوبات اقتصادية علي ابن خال الرئيس السوري
22/02/2008
واشنطن ـ يو بي آي: أصدرت وزارة الخزانة الامريكية قراراً قضي بتجميد أموال وأصول رجل الأعمال السوري رامي مخلوف ابن خال الرئيس بشار الأسد وصنّفته علي لائحة الأشخاص الذين استفادوا من الفساد العام لمسؤولي النظام السوري وساعدوا علي تعزيزه.وذكر بيان صادر عن وزارة الخزانة امس الخميس بأن هذه الخطوة جاءت استناداً إلي الأمر الرئاسي التنفيذي رقم 13460 الذي يستهدف الأشخاص والمجموعات التي تعتبر مسؤولة عن أو استفادت من الفساد العام لكبار المسؤولين في النظام السوري.وقال نائب وزير الخزانة لشؤون الأمن والتمويل الاستخباري ستيوارت ليفي استخدم رامي مخلوف الترهيب وعلاقاته القريبة من نظام الأسد للحصول علي أفضليات عملية غير عادية علي حساب السوريين العاديين .وقال ليفي إن الفساد الذي يميز نظام الأسد له آثار تدميرية ويقلل من حظوظ رجال الأعمال السوريين العاديين الأبرياء، وينتهج سياسات قمعية مهددة للاستقرار بما في ذلك خارج الحدود في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية .وأشار البيان إلي أن سورية معروفة ببيئتها لفساد الأعمال الأمر الذي يحرم الشعب السوري من الازدهار الاقتصادي وغيره من الحريات.وأضاف البيان إن الدور الكبير لعائلة الأسد ودائرة المقربين منها وأجهزة الأمن السورية المفروض علي الاقتصاد، ممزوجاً بغياب النظام القضائي الحر والنقص في الشفافية، يركّز الثروات بين أيدي طبقة وأشخاص محددين. بالمقابل، فإن هذه الطبقات وهؤلاء الأشخاص يعتمدون علي النظام الفاسد من أجل النجاح وتحقيق الثروات .وقال إن السوريين الذين لا يملكون هذه الارتباطات غير قادرين علي تحسين مستوياتهم الاقتصادية ويعانون نتيجة السياسات التي يطبقها نظام لا يخضع للمحاسبة .وكان الرئيس الامريكي جورج بوش أصدر في 13 شباط (فبراير) الحالي الأمر التنفيذي رقم 13460 لاتخاذ تدابير إضافية لمعالجة التهديد الذي تشكله بعض تصرفات الحكومة السورية علي الأمن القومي والسياسة الخارجية واقتصاد الولايات المتحدة الامريكية.ويستتبع هذا الأمر التنفيذي الأمر السابق رقم 13338 الذي أصدره الرئيس بوش في أيار (مايو) 2004 واستهدف النشاطات التي تطوق وتغني النظام السوري ومجموعته، وبالتالي يتيح له الاستمرار في التصرفات التي تهدد وتقوّض الجهود الدولية لاستقرار العراق.واعتبر البيان أن مخلوف رجل أعمال سوري نافذ كوّن إمبراطوريته الاقتصادية من خلال استغلال علاقاته بأعضاء النظام السوري، وتلاعب بالنظام القضائي السوري واستخدم مسؤولي الاستخبارات السورية من أجل ترهيب منافسيه واستخدم هذه التقنيات عندما كان يحاول الحصول علي امتيازات لتمثيل الشركات الأجنبية في سورية والحصول علي عقود في الخارج.وأضاف أن مخلوف من خلال صلة القرابة هذه أصبح نقطة مركزية لقطاعات الاتصالات والاقتصاد والنفط والغاز والمصارف في سورية. وعلي الرغم من الحملات المناهضة للفساد التي يروّج لها الأسد، لا يزال مخلوف أحد المراكز الرئيسية للفساد في سورية.وتابع أن مخلوف من خلال نفوذه مع بعض مسؤولي الحكومة السورية تمكن من السيطرة علي بعض نواحي تجارة الحبوب كما ساهمت علاقات الشراكة العملية التي يقيمها مع بعض وزراء الحكومة السورية في تأمين عقود مغرية لاستثمار النفط وبناء محطات توليد الطاقة.وأشار بيان الخزانة الامريكية إلي أن مخلوف شقيق المسؤول في جهاز الاستخبارات السورية العامة حافظ مخلوف الذي كان أحد المستهدفين بالأمر التنفيذي السابق رقم 13441.
22/02/2008
واشنطن ـ يو بي آي: أصدرت وزارة الخزانة الامريكية قراراً قضي بتجميد أموال وأصول رجل الأعمال السوري رامي مخلوف ابن خال الرئيس بشار الأسد وصنّفته علي لائحة الأشخاص الذين استفادوا من الفساد العام لمسؤولي النظام السوري وساعدوا علي تعزيزه.وذكر بيان صادر عن وزارة الخزانة امس الخميس بأن هذه الخطوة جاءت استناداً إلي الأمر الرئاسي التنفيذي رقم 13460 الذي يستهدف الأشخاص والمجموعات التي تعتبر مسؤولة عن أو استفادت من الفساد العام لكبار المسؤولين في النظام السوري.وقال نائب وزير الخزانة لشؤون الأمن والتمويل الاستخباري ستيوارت ليفي استخدم رامي مخلوف الترهيب وعلاقاته القريبة من نظام الأسد للحصول علي أفضليات عملية غير عادية علي حساب السوريين العاديين .وقال ليفي إن الفساد الذي يميز نظام الأسد له آثار تدميرية ويقلل من حظوظ رجال الأعمال السوريين العاديين الأبرياء، وينتهج سياسات قمعية مهددة للاستقرار بما في ذلك خارج الحدود في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية .وأشار البيان إلي أن سورية معروفة ببيئتها لفساد الأعمال الأمر الذي يحرم الشعب السوري من الازدهار الاقتصادي وغيره من الحريات.وأضاف البيان إن الدور الكبير لعائلة الأسد ودائرة المقربين منها وأجهزة الأمن السورية المفروض علي الاقتصاد، ممزوجاً بغياب النظام القضائي الحر والنقص في الشفافية، يركّز الثروات بين أيدي طبقة وأشخاص محددين. بالمقابل، فإن هذه الطبقات وهؤلاء الأشخاص يعتمدون علي النظام الفاسد من أجل النجاح وتحقيق الثروات .وقال إن السوريين الذين لا يملكون هذه الارتباطات غير قادرين علي تحسين مستوياتهم الاقتصادية ويعانون نتيجة السياسات التي يطبقها نظام لا يخضع للمحاسبة .وكان الرئيس الامريكي جورج بوش أصدر في 13 شباط (فبراير) الحالي الأمر التنفيذي رقم 13460 لاتخاذ تدابير إضافية لمعالجة التهديد الذي تشكله بعض تصرفات الحكومة السورية علي الأمن القومي والسياسة الخارجية واقتصاد الولايات المتحدة الامريكية.ويستتبع هذا الأمر التنفيذي الأمر السابق رقم 13338 الذي أصدره الرئيس بوش في أيار (مايو) 2004 واستهدف النشاطات التي تطوق وتغني النظام السوري ومجموعته، وبالتالي يتيح له الاستمرار في التصرفات التي تهدد وتقوّض الجهود الدولية لاستقرار العراق.واعتبر البيان أن مخلوف رجل أعمال سوري نافذ كوّن إمبراطوريته الاقتصادية من خلال استغلال علاقاته بأعضاء النظام السوري، وتلاعب بالنظام القضائي السوري واستخدم مسؤولي الاستخبارات السورية من أجل ترهيب منافسيه واستخدم هذه التقنيات عندما كان يحاول الحصول علي امتيازات لتمثيل الشركات الأجنبية في سورية والحصول علي عقود في الخارج.وأضاف أن مخلوف من خلال صلة القرابة هذه أصبح نقطة مركزية لقطاعات الاتصالات والاقتصاد والنفط والغاز والمصارف في سورية. وعلي الرغم من الحملات المناهضة للفساد التي يروّج لها الأسد، لا يزال مخلوف أحد المراكز الرئيسية للفساد في سورية.وتابع أن مخلوف من خلال نفوذه مع بعض مسؤولي الحكومة السورية تمكن من السيطرة علي بعض نواحي تجارة الحبوب كما ساهمت علاقات الشراكة العملية التي يقيمها مع بعض وزراء الحكومة السورية في تأمين عقود مغرية لاستثمار النفط وبناء محطات توليد الطاقة.وأشار بيان الخزانة الامريكية إلي أن مخلوف شقيق المسؤول في جهاز الاستخبارات السورية العامة حافظ مخلوف الذي كان أحد المستهدفين بالأمر التنفيذي السابق رقم 13441.
--------------------------------------------------
خمسون عاما على الوحدة العربية
محمد زكريا السقال
الوحدة العربية: هذه الثكلى، الذليلة، المهانة في منطقتنا العربية والمصابة بالجرب وزكام المثقفين. دعاة الوحدة هذه الأيام منفرين، غير مرغوب فيهم في زحمة المهام وتعقيدات الحياة، بينما الواقع يقول عكس ذلك. فالواقع يدلل على أن هَمَ الوحدة والحنين إليها سمة عربية أصيلة لدى الجماهير العربية، وشمٌ للعزِة والكرامةِ. إن يذكر شموخ العربي وأنفته فلا بد من أن تذكر وحدته ولمُّ شمله الذي مزقه الطغاة والعسكر. الخارج قسمنا نعم، لكن السلاطين والزعماء والقادة حفروا أخاديد وأقاموا سدودا وسجونا كي لا نتوحد .اليوم تداهمنا الذكرى الخمسون للوحدة العربية الأولى بعد خنجر سايكس بيكو، خمسون عاما نفقت تحت أحذية الذل وتجرع حزيران الذي يأتي ويذهب دون أن يصفعه أحد، حزيران الذي أُبـِّد كهزيمة وثقافة . إن أهم النتائج التي جاء بها حزيران هي أنه ثبت أنظمة الهزيمة، وكرس سلطة الطغاة كوظيفة تلغي توحد الشعب العربي، ووضع يده على ثروته الطبيعية التي وكلت للخارج. و وُكّل الخارج سلطة القمع والاستفراد بالشعب. منذ الخامس من حزيران ووعي الوحدة، وثقافة الوحدة مطاردة وخارجة على قانون السلطات، ومطلوبة باسم إثارة الفتن وتعريض الشعور القومي للوهن والضعف. إلا أن الجماهير العربية لا تزال تتهجى الميدان وتندفع إليه، متحدية عسف الطغاة وتخاذلهم، لتتضامن مع أشقائها في الجرح والهم. فهناك في العراق وفلسطين لا تزال الروح العربية تتأجج من اجل استرجاع كرامتها وشرفها الملطخ. ولهذا فإنها تنحني أمام نصر حزب الله، وتعظم سيادة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. ألا يشكل هذا الموقف للجماهير العربية مفارقة ونقطة مميزة من أجل السير على طريق تحررنا واستعادة كرامتنا؟ لقد وضعت الجماهير العربية الإيديولوجيات والتعصب والمذهبية والعقيدة المتحجرة جانباً من أجل النصر واستعادة الكرامة. فقد حقق جمال عبد الناصر موقعا في قلوب الجماهير العربية لم يحققه أي زعيم على مدى القرن المنصرم. ولا يزال ذكره يوحي بالعزة، كما أنه كان الزعيم الوحيد الذي أعادته الجماهير ليقودها بعد حزيران. لقد تحشدت الجماهير في الشارع العربي لتنصب عبد الناصر زعيما للأمة العربية قاطبة. وهذه أيضاً من مفارقات عبد الناصر الذي أسر الشارع العربي متحدياً كل التيارات الدينية واليسارية بمشروع الوحدة العربية.إن كل الأحداث وتطورات المنطقة تبين أن الوحدة العربية حالة وجدانية، وأن رفع شعارها لا يزال ممكنا. إلا أنه وتجنباً لإخفاقها تنبغي دراسة عوامل إخفاقها ومن هو صاحب المصلحة الأساسية في ذلك، وطمأنة شركائنا في الأرض والوطن بأنها لهم ولمصلحتهم بقدر ما هي لنا ولمصلحتنا. و بقدر ما تجمع الوحدة شمل هذه الأمة ينبغي بالقدر نفسه أن تراعى خطوات تحقيقها، وأن تختار أشكال خطواتها الرامية إلى التنسيق والتكامل. إذ لا يجوز أن تمر ذكرى الوحدة هذه التي مضى نصف قرن على قرعها أبوابنا دون أن نستجيب لنبضها وإعادة الاعتبار لشرفها و ألقها.إن الحدث الذي فجره الفلسطينيون المبدعون بخرقهم الحصار يمثل نقطة مضيئة. لكن تجاوب الجماهير العربية كان - وللأسف – ضعيفا. فلم يلتقطها الشارع المصري الذي نفخر بمبادراته دائما، ولم يشكل قدوة لنا، مما سمح لبعض المثقفين وأبواق النظام بالترويج لمقولة خرق لسيادةالأرض المصرية المضحكة المبكية! تصوّروا خرق سيادة الأرض المصرية! عن أي سيادة يتكلمون؟ وهل هناك سيادة والأرض العربية وشرفها مستباحان ؟قد يتقول المثقفون ما يريدون ، و قد ينظّر الكثيرون. إلا أن ما من أحد يمكنه أن يزايد على وجدان الأمة وإحساسها الذي تجلى دائما باندفاعها إلى جانب لحمة ونصرة أوطانها وأرضها. إنه سؤال برهن حركة التحرر العربية، عساها تدرك أهمية موقف عربي موحد، إنما خارج سطوة الأنظمة والسلطات الراهنة .
-----------------------------------------------------
تصريح صحفي المكتب العمالي في (وعد) حول إيقاف نائبة رئيس نقابة البريد للمرة الثالثة
بتحدي سافر واستهانة واضحة من قبل إدارة البريد لجميع المناشدات والاحتجاجات والاعتصامات والمواقف الدستورية والحقوقية التي اتخذتها مؤسسات المجتمع بشأن مساندة الموظفة نجية عبدالغفار نائبة رئيس نقابة البريد عندما تم توقيفها عن العمل بتهم باطلة وغير قانونية.
وها هي إدارة البريد تتخذ قراراً جديداً بوقف النقابية نجية عبدالغفار عن العمل مرة أخرى, ولمدة (10) أيام وذلك بعد توقيفها السابق والذي امتد لعشرة أيام لينتهي في 19 من الشهر الجاري ثم لتعود مرة أخرى لتوقيف مماثل تحت تهمة مشاركتها في لقاء أحدى المجالس النسائية في شهر رمضان الماضي, في عملية مشكوفة لمضايقة الأخت نجية في رزقها.
صرح بذلك رئيس المكتب العمالي بجمعية (وعد) السيد يوسف الخاجة, كاشفاً عن أن هذه الإدارة الحكومية التي أصبحت تتحدى المجتمع المدني ولا تهتم بالشكاوى المتعددة المرفوعة على حكومة البحرين من جراء هذا التضييق بحق النشطاء النقابيين في القطاع الحكومي والتي بدأت تتضرر منها سمعة البلاد بسبب هذا العناد والتحدي, أن كل ذلك بحاجة إلى تدخل مباشر من المجلس النيابي لأخذ دوره في حماية المواطنين وحقوقهم وأرزاقهم والتحقيق والاستجواب للوزير المعني الذي لم يحرك ساكناً ولم يوقف المسؤولين في إدارة البريد عند حدهم, كما تفرض على رئيس الوزراء التدخل في منع مثل هذا القمع والترهيب وقطع أرزاق مواطنة ذنبها الوحيد إنها تمارس حقها الدستوري في إبداء رأيها في المجالس والصحف كجزء أصيل عن حق الرأي والفكر المنصوص عليه في الدستور.
وأختتم السيد الخاجة تصريحه بضرورة أن يقوم الإتحاد العام لنقابات عمال البحرين والإتحاد النسائي بدورهما المسؤول في التحرك الجاد وعلى أعلى المستويات لوقف هذا الاستهتار بالحقوق الذي تمارسه إدارة البريد.
المكتب العمالي
23 فبراير 2008م
---------------------------------------------------
قضايا وأحداث 22.02.2008
ميركل تدعو
سوريا للعب "دور بناء" من أجل حل الأزمة اللبنانية
ميركل تؤكد على ضرورة انتخاب رئيس جديد للبنان
خلال لقائها رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة في العاصمة برلين أكدت المستشارة الألمانية ميركل على ضرورة انتخاب رئيس جديد للبلاد ودعت القيادة السورية إلى القيام بدور بناء من أجل التوصل إلى حل للأزمة الرئاسية اللبنانية.
دعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل القيادة السورية اليوم إلى تبني "دور بناء" لحل الأزمة السياسية، التي تركت مقعد الرئاسة اللبنانية شاغرا منذ ثلاثة أشهر تقريبا. جاء ذلك خلال استقبالها رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، الذي بدأ اليوم في زيارة رسمية إلى العاصمة برلين بعد زيارته لكل من لندن وباريس. وقالت المستشارة ميركل إن انتخاب رئيس جديد أمر ضروري لبدء المحادثات حول "تشكيل حكومة لبنانية بناء على قواعد ومبادئ ديمقراطية".
السنيورة يشيد بالمشاركة الألمانية في قوات يونيفيل
ميركل تدعو
سوريا للعب "دور بناء" من أجل حل الأزمة اللبنانيةميركل تؤكد على ضرورة انتخاب رئيس جديد للبنان
خلال لقائها رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة في العاصمة برلين أكدت المستشارة الألمانية ميركل على ضرورة انتخاب رئيس جديد للبلاد ودعت القيادة السورية إلى القيام بدور بناء من أجل التوصل إلى حل للأزمة الرئاسية اللبنانية.
دعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل القيادة السورية اليوم إلى تبني "دور بناء" لحل الأزمة السياسية، التي تركت مقعد الرئاسة اللبنانية شاغرا منذ ثلاثة أشهر تقريبا. جاء ذلك خلال استقبالها رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة، الذي بدأ اليوم في زيارة رسمية إلى العاصمة برلين بعد زيارته لكل من لندن وباريس. وقالت المستشارة ميركل إن انتخاب رئيس جديد أمر ضروري لبدء المحادثات حول "تشكيل حكومة لبنانية بناء على قواعد ومبادئ ديمقراطية".
السنيورة يشيد بالمشاركة الألمانية في قوات يونيفيل

احدى البوارج الألمانية المشاركة في قوات يونيفيل
ومن جانبه، قال السنيورة إن حل قضية انتخاب رئيس لبناني جديد وتشكيل الحكومة أمر ضروري حتى يمكن تسيير شؤون البلاد بشكل طبيعي. ووجه السنيورة الشكر إلى المستشارة ميركل على خلفية السماح للسفن الحربية الألمانية بالانضمام لقوة الأمم المتحدة البحرية، التي تنظم دوريات قبالة الساحل اللبناني لمنع وصول شحنات سلاح لحركة حزب الله. وقالت ميركل إن ألمانيا ستواصل مشاركتها في قوة الأمم المتحدة المؤقتة بجنوب لبنان "يونيفيل".
ومن المقرر أن يجتمع مجلس النواب اللبناني يوم الثلاثاء المقبل (26 شباط/ فبراير) في محاولة جديدة لاختيار رئيس للبلاد وسط أزمة سياسية بين الأكثرية المدعومة من الغرب والمعارضة المدعومة من سوريا وإيران. يُذكر أن 14 محاولة برلمانية سابقة فشلت في انتخاب خليفة للرئيس السابق إميل لحود، الذي انتهت فترة ولايته في 23 تشرين ثان/نوفمبر من العام الماضي.
الفراغ الرئاس
ي ما يزال يعصف بلبنان
وأثارت الأزمة السياسية اللبنانية مخاوف من انزلاق البلاد إلى أتون حرب أهلية جديدة. كما ألقت الولايات المتحدة وفرنسا باللوم في استمرار الأزمة على سوريا، التي فرضت هيمنتها على لبنان لمدة 29 عاما حتى أُجبرت قواتها على الانسحاب في نيسان/إبريل عام 2005 بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في انفجار ضخم في العاصمة اللبنانية بيروت.
ميركل تؤيد مبادرة المصالحة العربية
وأعربت ميركل عن تأييدها لمبادرة مصالحة تتضمن ثلاث نقاط وضعتها الجامعة العربية وتدعو إلى انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للبنان. كما تدعو هذه المبادرة، التي جرى تبينها في الخامس من كانون ثان/يناير الماضي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية لا يتمتع فيها أي طرف بحق النقض (فيتو) أو يملك القدرة على عرقلة تمرير قرارات سياسية هامة، بالإضافة إلى تبني قانون انتخابي جديد.
دويتشه فيله + وكالات "ع.غ"
--------------------------------------------------
ومن جانبه، قال السنيورة إن حل قضية انتخاب رئيس لبناني جديد وتشكيل الحكومة أمر ضروري حتى يمكن تسيير شؤون البلاد بشكل طبيعي. ووجه السنيورة الشكر إلى المستشارة ميركل على خلفية السماح للسفن الحربية الألمانية بالانضمام لقوة الأمم المتحدة البحرية، التي تنظم دوريات قبالة الساحل اللبناني لمنع وصول شحنات سلاح لحركة حزب الله. وقالت ميركل إن ألمانيا ستواصل مشاركتها في قوة الأمم المتحدة المؤقتة بجنوب لبنان "يونيفيل".
ومن المقرر أن يجتمع مجلس النواب اللبناني يوم الثلاثاء المقبل (26 شباط/ فبراير) في محاولة جديدة لاختيار رئيس للبلاد وسط أزمة سياسية بين الأكثرية المدعومة من الغرب والمعارضة المدعومة من سوريا وإيران. يُذكر أن 14 محاولة برلمانية سابقة فشلت في انتخاب خليفة للرئيس السابق إميل لحود، الذي انتهت فترة ولايته في 23 تشرين ثان/نوفمبر من العام الماضي.
الفراغ الرئاس
ي ما يزال يعصف بلبنانوأثارت الأزمة السياسية اللبنانية مخاوف من انزلاق البلاد إلى أتون حرب أهلية جديدة. كما ألقت الولايات المتحدة وفرنسا باللوم في استمرار الأزمة على سوريا، التي فرضت هيمنتها على لبنان لمدة 29 عاما حتى أُجبرت قواتها على الانسحاب في نيسان/إبريل عام 2005 بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في انفجار ضخم في العاصمة اللبنانية بيروت.
ميركل تؤيد مبادرة المصالحة العربية
وأعربت ميركل عن تأييدها لمبادرة مصالحة تتضمن ثلاث نقاط وضعتها الجامعة العربية وتدعو إلى انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للبنان. كما تدعو هذه المبادرة، التي جرى تبينها في الخامس من كانون ثان/يناير الماضي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية لا يتمتع فيها أي طرف بحق النقض (فيتو) أو يملك القدرة على عرقلة تمرير قرارات سياسية هامة، بالإضافة إلى تبني قانون انتخابي جديد.
دويتشه فيله + وكالات "ع.غ"
--------------------------------------------------
