اتجاهات تفكير النخبة الإسرائيلية لسنة 2008 (*)
الدكتور عبدالله تركماني
لا يزال مؤتمر هرتزليا، منذ انعقاد دورته الأولى في العام 2000، يستقطب اهتماما واسعا لدى مختلف الأوساط الإقليمية والدولية المتابعة للشأن الإسرائيلي. وينبع هذا الاهتمام المتزايد من واقع أنّ المؤتمر بمثابة التئام لـ " العقل الجماعي الاستراتيجي المفكر " لإسرائيل.
لقد انعقد مؤتمر هرتزليا الثامن في الفترة ما بين 20 و23 يناير/ كانون الثاني الماضي، وتطرقت تقارير المؤتمر إلى القضايا والعناوين المهمة والتوقعات خلال العام الجديد في الأطر الفلسطينية والإقليمية والداخلية الإسرائيلية. ومن أبرز القضايا التي تم تداولها المؤتمر في دورته الثامنة لعام 2008: القضية الجغرافية، خاصة الجغرافيا البشرية، والخطر النووي الإيراني.
فمنذ المؤتمر الرابع، الذي أكدت تقاريره أنّ التعادل الديموغرافي الفلسطيني/الإسرائيلي سيتحقق في العام 2020 بأقصى الحدود، أوصت مؤتمرات هرتزليا، للتغلب على " الشيطان الديموغرافي "، بتنشيط العمل على جلب المزيد من المهاجرين اليهود من مختلف بقاع الأرض، وتشجيعهم على الهجرة أينما كانوا ومهما كانت ظروفهم، وحض الحكومات الإسرائيلية على تأمين شروط استيعابهم، وأخذ قضية التوازن الديموغرافي بعين الاعتبار في أية مفاوضات مع الفلسطينيين. ولتحقيق هذا الهدف دعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لسحب حقوق المواطنة من عرب إسرائيل، وتشجيعهم على مغادرة إسرائيل والتضييق عليهم، وإعداد مشاريع عملية من شأنها مقايضة الأراضي وتعديل الحدود بحيث تُعطَى أراضٍ إسرائيلية مع سكانها العرب إلى الأقطار العربية المجاورة مقابل أراضٍ بدون سكان.
ومن جديد المؤتمر الثامن، للتوصل إلى سلام عربي – إسرائيلي شامل ودائم، أن تقوم إسرائيل بإجراء عملية تبادل أراضٍ مع الدول العربية لحل الصراعات الإقليمية معها. ووفق المخطط الإسرائيلي الجديد/القديم فإنّ رزمة تبادل الأراضي يجب أن تشمل إسرائيل ولبنان وسورية والأردن ومصر. ووفق المخطط فإنّ مساحة إسرائيل ينبغي أن تضاف إليها 200 كم مربع من أراضي الضفة الغربية المحتلة، أي 3% من أراضي الضفة، وهذه المساحة ستضمن لإسرائيل ضم الكتل الاستيطانية، وبالمقابل ستقوم بتعويض الفلسطينيين بأراضٍ داخل الخط الأخضر، مع سكانه الفلسطينيين، مواطني دولة إسرائيل، حفاظا على يهودية إسرائيل.
وفي المسار الإسرائيلي – السوري، فإنّ مدير مركز هرتزيليا للدراسات الاستراتيجية أعد خطة لحل قضية استمرار احتلال إسرائيل لهضبة الجولان السورية، تقوم على مبدأ تبادل الأراضي بين كل من سورية وإسرائيل ولبنان والأردن، لأنّ الحدود الوحيدة مع سورية هي هضبة الجولان، والمناطق البديلة " ينبغي أن يحصل عليها السوريون من لبنان أو الأردن "، اللذين يعوضان عن ذلك من قبل إسرائيل. ففيما يتعلق بلبنان، فإنّ الخطة تقترح التخلي لسورية عن شريط حدودي على الحدود السورية - اللبنانية، في مقابل حصول لبنان على شريط في شمال إسرائيل قريب من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية. وفي الجانب الأردني، تفترض الخطة أن تحصل سورية على شريط محاذٍ للحدود الأردنية - السورية، في مقابل حصول الأردن على أراضٍ من إسرائيل جنوبي البحر الميت.
أما فيما يتعلق بهضبة الجولان السورية المحتلة، فإنّ الخطة تقترح أن تواصل إسرائيل السيطرة على 12 % من مساحة الأرض السورية المحتلة، بحيث تضم هذه المساحة جميع المستوطنات الإسرائيلية التي أقيمت بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967. أما سورية فإنها ستحصل، مقابل ذلك، على مساحة من الأرض تصل إلى 50 كم مربعا، وذلك من الأراضي التي ستقوم إسرائيل بإعادتها إلى لبنان، على طول الحدود الشمالية. كما تقترح الخطة تبادل الأراضي مع مصر، لكي تقوم بمنح هذه الأراضي للفلسطينيين، وتوسيع قطاع غزة.
ومن جهة أخرى، فقد كرس المؤتمر نصف جلساته للسياسة النووية الإيرانية، بما في ذلك برنامج تخصيب اليورانيوم، ولاسيما على خلفية التقدير الإسرائيلي بأنّ الإدارة الأمريكية تخلت عن الخيار العسكري ضد إيران، بعد التقرير الذي قدمته الأجهزة الأمنية الأمريكية للرئيس جورج بوش.
ويعتقد واضعو التقرير بأنه كلما تقدمت إيران في تطوير برنامجها النووي ستميل دول إضافية من المنطقة إلى تطوير برامج نووية خاصة بها، ستضعف بالضرورة من قوة الرهبة الإسرائيلية عند الآخرين، وعليه فقد قدم التقرير عددا من السيناريوهات الممكنة، من وجهة نظر واضعيه، لدرء ما أسماه بالخطر الإيراني. حيث ينحاز واضعوه للأخذ بالرأي القائل: إنّ توجيه ضربة عسكرية إلى إيران تستهدف مفاعلاتها النووية ومراكز قوتها، يمكنه أن يشوّش المشروع النووي دون أن يقضي عليه، وأن يربك إيران دون أن يكسر عمودها الفقري، وإنّ مثل هذه النتيجة، لا تعادل الثمن الذي يمكن أن تدفعه أمريكا وإسرائيل في مواجهة ردة الفعل الانتقامية الإيرانية. لذلك فإنه، مع دون استبعاد خيار الضربة العسكرية ولو في سياق الضغوط والتهديد، فإنّ الحل الأسلم من وجهة أصحاب التقرير، يقوم على إحداث تغييرات في السياسة الإيرانية لصالح ما أسماهم بـ " البرغماتيين والمعتدلين " في إيران، وذلك عبر ضغوط دولية، وحملة نفسية، وعقوبات اقتصادية متتالية تتسبب في توتير الوضع الداخلي لنظام الرئيس نجاد.
وهكذا، منذ انعقاده الأول يناقش مؤتمر هرتزليا المستجدات والتحديات والطرق الأجدى للتعاطي معها، ويطّلع على ما تم تنفيذه من مقترحاته السابقة والأسباب التي أعاقت التنفيذ، فهو والحالة هذه مجلس لحكماء إسرائيل. والسؤال هو: متى يكون للعرب مجلس حكماء، يوصّف حالهم ويحدّد أهدافهم الواقعية ويرسم الخطط لإدارة مواردهم الاقتصادية والبشرية بعقلانية ذات جدوى، تساعدهم على تحقيق بعض أهدافهم أو، على الأقل، تقلل من حجم خسائرهم ؟
تونس في 10/2/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 14/2/2008.
في مخاطر الاستهتار بحق المعارضة وهدر القانون
برهان غليون:
الخميس/14/شباط/2008 النداء: www.damdec.org
الحياة السياسية في العديد من البلاد العربية مأساة حقيقية، يخاطر فيها المرء بدفع سنوات طويلة من عمره في السجون والمعتقلات لممارسة نشاطات لا تتجاوز التعبير السلمي عن الرأي أو المشاركة في ندوة أو اجتماع غالبا ما يحصل داخل أسوار قاعات الاستقبال الشخصية، بينما يحتل الحزب الحاكم وأجهزته دوائر الدولة من القمة إلى القاعدة ويسيطر، بترتيبات شبه قانونية أو قانونية مزيفة، على جميع المؤسسات الأهلية النقابية وغير النقابية، ولا يترك مساحة داخل أجهزة الإعلام الرسمية والخاصة حتى للتعبير عن اختلاف وجهات النظر داخل صفوف الحزب أو الإئتلاف الحاكم نفسه.
يعتقد الكثير من المسؤولين أن قهر حركات المعارضة وأعضائها لا يؤثر كثيرا على حياة البلاد ما دام الأمر لا يتعلق إلا بمجموعة قليلة من الأفراد الذين يرفضون الانصياع للأمر الواقع، ويصرون على الاشتغال في قضايا، أدرك الجمهور الواسع أن لا أمل في الاشتغال بها، ولم يعد لممارستها، والمقصود هنا بالتأكيد السياسة، أي قاعدة شرعية. و ربما اعتقد بعضهم أن هذا القهر، بأي ذريعة جاء، يصب في النهاية في مصلحة المجتمع بقدر ما يجنب البلاد مشاكل التنازع السياسي والتنافس على السلطة، ويضمن مناخا هادئا لجذب الاستثمارات والعناية بالتنمية الاقتصادية. فهو ثمن بخس لكسب المزيد من سنوات الاستقرار وضمان التحكم بمستقبل البلاد ومصيرها بعيدا عن تيارات التوتر الداخلية والنفوذ الخارجية.
لكن الواقع غير ذلك تماما. وبصرف النظر عما تمثله هذه السياسة من اعتداء على حقوق الأفراد الشخصية - فنحن نفترض أنهم مناضلون يعرفون منذ انخراطهم في عملهم أنهم اختاروا طريق التضحية ونكران الذات - من الواضح اليوم أن هذه السياسة أصبحت تدفع بالدول بشكل أكبر إلى الوقوع في المخاطر التي تسعى إلى تجنبها بالضبط، أي إلى الاحباط والتوتر والانقسام في الداخل، وانهيار الثقة الخارجية بمستقبل واضح ومستقر للبلاد. فهي تظهر أكثر فأكثر للرأي العام، العربي والعالمي، الطبيعة الاحتكارية والانفرادية للسلطة القائمة، وطلاقها الكامل، في سبيل تأكيد نفسها وفرض احترامها على مجتمعها، مع المباديء المدنية والسياسية الرئيسية التي لا تقوم من دونها حياة مدنية ولا سياسية في أي مجتمع معاصر. أعني مبدأ الشرعية واحترام الحريات الفردية والمساواة القانونية والمشاركة السياسية لجميع الأفراد. ولعل أخطر ما تشير إليه هو أن السلطة لا تقوم في هذه البلاد على مبدأ ولا نظام، وإنما هي سلطة تعسفية واعتباطية، يتصرف فيها القابض على زمام الأمر أو يستطيع أن يتصرف ويبيح لنفسه أن يفعل ما يشاء بمن يشاء وأينما شاء. فهي تعطي للعالم صورة عن مجتمعات بدائية لا تخضع في سلوكها لقانون آخر سوى قانون الغلبة والاستئثار. وهي تعيد تربية مجتمعاتها بالفعل على حسب قاعدة الغلبة والاستئثار التي تتحول إلى قانون مستبطن ومتمثل من قبل جميع الأفراد والفئات.
والحال أن منطلق تكوين الأمم والدول والشعوب هو تأكيد قانون الحق مقابل حكم القوة. ذلك أنه من دون حق يعلو على القوة ليس هناك أمل في بناء أي علاقات ايجابية ومثمرة بين الأفراد. وهذا هو الذي ميز منذ البداية مجتمع الإنسان عن مجتمع الحيوان، وجعله منتجا لثقافة وحضارة ومدنية. ولم تنشأ الدولة في العصر الحديث وتستقطب ولاء الناس وتتحول إلى مركز رابطة سياسية، أي أمة، بديلا عن السلطنة وحكم العصبية الطبيعية أو قوة الاستيلاء، إلا بقدر ما أصبح مفهومها متطابقا مع مفهوم الحق أو قانون الحق، وتكريس سلطة القانون وضمان ممارسة هذه السلطة بما يعزز كل يوم بشكل أكبر مفهوم الحق والعدل والانصاف والمساواة، ويحد من إقامة العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع الواحد على قاعدة القوة والغلبة الطبيعية، أي الحيوانية.
هذا هو الذي يفرق في الواقع بين الحضارة والبربرية، أي بين العنف الذي تمارسه سلطة سياسية شرعية، باسم القانون وتطبيقا له بالفعل، والذي يشكل أساس المدنية والسلام والاستقرار الاجتماعيين، بقدر ما يلغي الحاجة إلى استخدام الخواص للقوة، والعنف الذي تمارسه ميليشيات خاصة كانت تخضع في القرون الوسطى للاقطاعيين وتمكنهم من فرض الخضوع وعمل السخرة على الفلاحين الأقنان، وتمارسه اليوم الميليشيات المتنافسة على السلطة والموارد في البلاد العديدة التي انهارت فيها الدولة وأصبحت نهبا لأصحاب المشاريع الشخصية والخاصة من هواة الحرب والقتال. وهو الذي يفرق بين السلطة القائمة على مؤسسات تعمل بموضوعية وثبات، والسلطة الشخصية المستندة إلى إرادة الحاكم الفرد وتفضيلاته وأهوائه ومشاعره الذاتية. فبدل أن يكون الحاكم أو صاحب السلطة والمسؤولية خادما للدولة وأداة في يدها لتحقيق مطالب العدل القائم على تطبيق قواعد قانونية متساوية وموضوعية، أي لا تتبدل حسب وضع الشخص وأصله، تتحول الدولة ومؤسساتها من إدارة وشرطة وجيش وحكومة وبرلمان وقضاء إلى أدوات في خدمة إرادة شخصية تنزع بطبيعة سلطتها المطلقة إلى تبني سياسة العظمة والسمعة الذاتية، وتقود حتما إلى الاستبداد.
يهدف هدر معنى القانون والحق وإقامة العلاقات الاجتماعية على منطق العنف والقوة في البلاد العربية وغيرها إلى الحؤول دون ظهور أي قوى واعية ومنظمة بديلة، وتحطيم أي قوى ناشئة مهما كانت جنينية. والنتيجة تعقيم المجتمع ومنعه من توليد أي نخب سياسية يمكن أن تشكل تحديا في يوم ما للنخبة الحاكمة. وهذا ما تشهده مجتمعاتنا العربية تماما. فعلى مدى نصف قرن، لم تكف آلة التعقيم عن تصفية أي نواة نخب سياسية جديدة نشأت في سياق تفاقم الأزمات والتناقضات الداخلية أو تبدل السياقات الخارجية. وقد طورت لتحقيق ذلك ترسانة هائلة من الدعاية الايديولوجية والتلاعب بالتمايزات الدينية والقومية، وتأبيد القوانين الاستثنائية والأحكام العرفية والحكم بالطرق العسكرية والأمنية والإدارية، التي لا تقيدها فيها قوانين، ولا تلزمها دساتير، ولا تضطرها لإخضاع عملها لأي قواعد مرعية ثابتة سوى إرادة الحاكم وحاجة السلطة لتأكيد قوتها وإبراز عظمتها أو تلقين من يطمح إلى معاداتها أو حتى تجاهلها درسا في القسوة والانتقام. هكذا أصبحت حالة الطواريء هي الحالة العادية وصارت العودة إلى الحالة الطبيعية التي يسود فيها القانون وتحترم فيها حقوق الأفراد مشروع ثورة سياسية حقيقية.
يضمن غياب القانون للحاكم أن يقضي على خصومه من دون أن يتحمل أي مسؤولية، وأن يحرم المجتمع من إمكانية توليد نخب بديلة سياسية، وأن يلقن الأفراد الذين يرفضون الخضوع للأمر الواقع درسا لا ينسى في ضرورة الإذعان والانصياع لحكم القوة. ويحلم بسبب ذلك بأن يبقى على سدة السلطة من دون رقيب، وأن لا يكون لحكمه حدا زمنيا واضحا ولا معقولا، أي بأن يتحول حكمه إلى قضاء وقدر. وهو غالبا ما ينجح في ذلك، لكن مقابل تكليف المجتمع ثمنا باهظا قد لا ينجح في تحمله. فالنتيجة الطبيعية لمثل هذا الحكم وتلك الإدارة هي خراب البلدان وجعل شروط الحياة الإنسانية والمدنية الطبيعية مستحيلة في البلاد. فأول ما يتأثر بغياب القانون والحق هو الاستثمار، عند الأفراد والجماعات معا، ليس بالمعنى الشائع والضيق اليوم لاستثمار رؤوس الأموال ولكن، أكثر من ذلك بكثير، بمعنى الاستعداد للانخراط الايجابي في العالم، مما لا غنى عنه لحث الأفراد على بذل الجهد وشحذ الإرادة والإجادة والإبداع.
والحال، لا تجد النخب المتكونة والمحرومة من فرص تحقيق ذاتها والمشاركة في تقرير مصيرها، في مجتمعات يغيب عنها منطق الحق وحكم القانون، سوى الرحيل نحو فضاءات أرحب تستطيع أن تثمر مواهبها فيها بشكل أفضل، أو الانخراط في سياسة المواجهة الانتحارية القاتلة. بينما تصبح الاستقالة الوطنية والإنسانية هي القاسم المشترك للنخب المندمجة في النظام والطامحة إلى الاندراج في مشروع سلطة يكاد ينحط إلى مستوى المؤامرة على مصير شعب والتعاون على سلبه سيادته وحقوقه وموارده. وهكذا بينما تتجمع مواهب المجتمع وصفوة أعضائه الأكثر استعدادا لبذل الجهد والتضحية في الخارج، تفرض شروط الإذعان والانصياع على النخب الباقية التقزيم الذاتي، السياسي والفكري والأخلاقي، بل التجرد من القيم الوطنية والإنسانية معا، وتحل المنافسة بين أفرادها على احتلال مواقع الحظوة عند الحاكمين محل المنافسة على حمل المسؤوليات العمومية والنجاح فيها، ويسود التصفيق والتسبيح بحمد الحاكم وتمجيده محل الاجتهاد والجد في تكوين الكفاءات وتحسين الخبرات والمهارات.
ليس من الصعب أن يتحول الحاكم في مثل هذا النظام القائم على قاعدة الالحاق الشخصي والاستتباع والانصياع، إلى ملك إله، ويترسخ عنده الاعتقاد بامتلاك رسالة كونية أو شبه كونية انتدب لتحقيقها، سواء أرادت الغالبية من المجتمع ذلك أم لا. وهو ما يفسر عودة نظمنا إلى تقاليد وممارسات العهود البائدة التي اعتقدنا أنها ذهبت إلى الأبد، أعني عهود السلاطين الذين يتصرفون ببلادهم وعبادهم كما لو كانوا أتباعا لهم، ولا يطلبون من رعاياهم مشاركة ولا مشورة سوى الدعاء لهم في المساجد والجامعات، والتسبيح بحمدهم ومديح أفعالهم وأقوالهم في وسائل الإعلام. وهم يرون في هؤلاء الرعايا عبئا عليهم، ولا يشعرون تجاههم بأي واجب أو التزام، بل يتوجب على هؤلاء في نظرهم تقديم فروض الطاعة اليومية والتعبير عن تبجيلهم وامتنانهم للحاكمين لتوفيرهم شروط إبقائهم على قيد الحياة. وينعكس تأليه الحكام وتقديسهم تلقائيا ومباشرة في تبخيس قيمة الأفراد أمام أنفسهم، وتحويلهم بل تحولهم الطوعي إلى عبيد وأرقاء وأقنان. فهم يشعرون حقا بعد فترة من الزمن بأنهم مدينون بوجودهم وحياتهم وأمنهم واستقرارهم وحلهم وترحالهم لصاحب أمرهم، الذي هو في الوقت نفسه ولي نعمتهم ومربيهم ومعلمهم. هو وحده الذي يستحق الشكر والعبادة، وهم جميعا، من أعلى الهرم إلى أسفله، عيال لا عقل ولا إرادة لهم، ولا صلاح لأمرهم إلا برضى سيدهم وكرمه وغفرانه.
غياب القانون بمعنى وجود مفهوم للحق واحترام الحقوق، هو جوهر نظام العرب السياسي الراهن، وهو القاعدة التي يقوم عليها استمرار السلطة الراهنة وتجديد النظام. وكما يفسر الخراب العام الذي تعيشه البلاد في جميع ميادين النشاط الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي والفكري، وتنامي مشاعر الاحباط والبؤس وانعدام الثقة والمسؤولية معا عند الغالبية العظمى من فئات المجتمع وأفراده، يفسر أيضا استقطاب المجتمع بين أباطرة مؤلهين، من ذوي السلطة والمال والجاه، الذين يفعلون ما يريدون، ويأمرون، ولا يسألون عما يفعلون، وعبيد محرومين، لا يملكون مالا ولا سلطة ولا عطفا ولا جاها، لا قيمة لهم ولا احترام.
-------------------------------------------
سوريا تعد التفجير ارهاباً وسط نفي اسرائيلي وترحيب امريكي
وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في آخر مؤتمر صحفي له قبل أن يغادر الكرملين انتقادات شديدة اللهجة إلى الغرب، لا سيما فيما يخص توسيع حلف شمال الأطلسي والخطط الأمريكية لإقامة درع صاروخي في شرق أوروبا. عن ذلك كتبت صحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج Frankfurter Allgemeine Zeitung تقول:
"كوسوفو والدرع الصاروخي وأوكرانيا والديمقراطية تتصدر قائمة المواضيع التي تثير الخلاف بين الكرملين والغرب. ورغم أن قائمة المواضيع هذه ليست طويلة جدا، إلا أنها حساسة وخطيرة، فنقاط الخلاف لا يمكن التخلص منها أو تجاهلها،وهي لا تزال قائمة وتثقل كاهل علاقات الغرب مع روسيا إلى حد المواجهة المفتوحة، لا سيما في المجال الاقتصادي. ويبدو أن تهديد بوتين من جديد بتوجيه الصواريخ نحو الدول التي ستوافق على إقامة الدرع الصاروخي الأمريكي فوق أراضيها، أمر لا محالة منه. لكن بوتين، كما يقول ، لا يريد مواجهة مع الغرب، و يريد مواصلة جهوده كي تستعيد روسيا قوتها الاقتصادية، وهذا شيء جيد".
أما صحيفة نوردكورير Nordkurier الصادرة في نويبراندنبورج، فأشارت بتحفظ إلى النجاحات التي حققها بوتين وعلقت قائلة:
" كان الطريق طويلا بين كارثة انهيار القوة العظمى السابقة، التي رمز لها غرق غواصة كورسك النووية في عام 2000، وحتى قيام طائرات توبوليف قاذفة القنابل المجهزة بأسلحة نووية بطلعات استكشافية واسعة من جديد. وبوتين، الذي يشعر اليوم بفخر وثقة كبيرة في النفس، هو الذي جعل هذا التطور ممكنا. وعلى الرغم من أنه نجح داخليا في القضاء على فوضى مرحلة يلسن، إلا أنه يتقبل عواقب الأضرار الجانبية، المتمثلة في العجز الديمقراطي الكبير، بابتسامة".
وفي الشأن الداخلي الألماني وحول تهم الاحتيال الموجهة إلى كلاوس تسومفينكل رئيس مجلس إدارة شركة البريد الألمانية "دويتشه بوست" بالتهرب من دفع الضرائب علقت صحيفة نورد بايريشه كورير Nordbayerischer Kurier تقول:
"لم يكتفِ كلاوس تسومفينكل، رئيس مجلس إدارة أكبر الشركات الألمانية، بالملايين التي تقاضاها طوال عقود. وإذا ماثبتت التهم الموجهة إليه، فهذا يعني أنه حاول بطرق غير مشروعة التهرب من الضرائب من خلال تحويل مبالغ تقدر بالملايين، إلى حسابات مصرفية في إمارة ليشتينشتاين. وما فعله تسومفينكل، الذي ساد الاعتقاد بأنه أقوى رئيس لشركة البريد الألمانية، من شأنه أن يؤدي إلى فقدان جزء من الثقة في النزاهة والنضج الاجتماعي، التي يفترض أن تتحلى بها الشخصيات القيادية في عالم الاقتصاد. لقد حان الوقت الآن لإصلاح الأسس التي تقوم عليها إدارة الشركات في ألمانيا".
مجاهد عبد العزيز