

دفاعا عن حرية الصحافة و الصحفيين في السجون السورية
من اجل إطلاق سراح فداء الحوراني ورياض سيف وسائر معتقلي الرأي في سورية
بدعوة من منظمة مراسلون بلا حدود ولجنة إعلان دمشق في فرنسا، عقدت في صبيحة 19 / 2 / 2008 في باريس، ندوة إعلامية حاشدة حضرها لفيف كبير من الصحفيين ورجال الإعلام ومختصين و مهتمين بالشأن العام عرب وأكراد وفرنسيين تحدث فيه كلا من رئيس منظمة مراسلون بلا حدود السيد روبير مينار، و بعد أن شكر الحضور على تلبية الدعوة ، لخص اسباب الدعوة إلى هذه الندوة الصحفية بـ :1 - موجة الاعتقالات الأخيرة التي طالت الصحفيين والناشطين من أعضاء المجلس الوطني لإعلان دمشق إضافة إلى موجات الاعتقالات السابقة مذكرا بميشيل كيلو وأنور البني وعارف دليلة و مئات المعتقلين الآخرين .2 – تراجع حرية الصحافة بخلاف ادعاءات النظام فيها.
3- مكانة ودور سور يا الجغرافي السياسي في الأحداث والنزاعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط .
ثم أعطى السيد مينار الكلام إلى الكاتب والناشر فاروق مردم بك ، الذي بعد أن شكر بدوره مراسلون بلا حدود على استضافتهم ودورهم شكر الحضور والصحفيين، ثم تناول حملة الاعتقالات الأخيرة على أثر انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق من اجل التغيير الديمقراطي في سورية والتي طالت 12 عضوا بينهم ثلاثة صحفيين ، وجهت لهم بعد توقيفهم منذ أكثر من شهرين التهم التالية ( التي أصبحت نمطية لتكرارها):- نشر أنباء كاذبة من شأنها وهن نفسية الأمة. – نشر دعاوي تهدف لإضعاف الشعور القومي . – الانتساب لجمعية تهدف لتغيير كيان الدولة. – إثارة النعرات الطائفية والمذهبية ... .
والصحفيين الثلاثة هم فائز سارة، علي العبد الله، أكرم البني، وبعد أن عدد مناقب ومسار هؤلا الصحفيين المهني والوطني وكيف أن حالتهم تندرج في إطار موقف وسلوك منهجي معروف للنظام
أخذ الكلام من جديد السيد مينار ( بعد أن تم تحقيق الاتصال عبر الأقمار الصناعية - فيديو أنتيرنيت - مع بيروت) ليتوجه بالسؤال إلى ابن الصحفي المعتقل علي العبد الله السيد محمد العبد الله المتواجد في بيروت والذي أمكن التواصل معه وإشراكه في هذه الندوة الصحفية من هناك، والذي أفاد مجيباً على أسئلة السيد مينار والحضور كيف أن والده أسيئت معاملته في السجن وتعرض للضرب وجرحت أذنه من جراء ذلك، ولا يسمح لمحامي الدفاع الاتصال بهم خلافا للدستور و لكل الأعراف والأصول القانونية ، ولتاريخه لم يصدر بحقهم قرار إدانة لتحديد الجهة التي تتولى محاكمتهم. والمهزلة أن التهم الجاهزة ضدهم تتم فبركتها بالاستناد إلى مقالات ومواقف سابقة كان قد جرى استجوابهم وإيقافهم في الماضي بسببها .....وبالنسبة لما هو مطلوب من الرأي العام الأوروبي ومنظمات حقوق الإنسان، أفاد محمد العبد الله أن ملف وقضية حقوق الإنسان في سورية لا تؤخذ على محمل الجد من قبلهم، وهاهي مقابلة الوزير السويدي الذي لم يتطرق ولا بكلمة عن حقوق الإنسان وانتهاكاتها واكتفى بالتطرق إلى سياسة ودور سورية في لبنان وفلسطين ....، أما حملات الاحتجاج الخجولة برأيه لم تعد تؤثر وينبغي البحث عن وسائل أخرى ، كما حصل بالنسبة لإفريقيا الجنوبية وأوروبا الشرقية في الماضي.
وعلى السؤال،أية وسائل ضغط فاعلة لإرغام سوريا على احترام حقوق الإنسان بالرغم من عزلها دوليا وعربيا ؟ كان الجواب التأكيد على إبقاء ملف حقوق الإنسان مستقلا حاضرا وبعيدا عن المساومات والتسويات و الأمور السياسية الأخرى. من الجائز أن يكون هناك خلاف في المواقف من النظام السوري ودوره لكن ينبغي أن لا يؤثر ذلك على الموقف المبديء من قضية حقوق الإنسان التي هي قضية كونية .
ثم تابع بعد ذلك السيد فاروق مردم فتطرق إلى حالة وقوانين الطوارىء المعلنة والمطبقة منذ قرابة 45 سنة في سوريا، والتي بالاستناد إليها يعطل عمليا الدستور وتلغى وتصادر كل حرية وكل حقوق للأفراد...ثم توقف عند الحالات النوعية كالقانون 49 لعام 1980 الشهير الذي يحكم بالإعدام على كل منتسب لحركة الأخوان المسلمين. وإلى قوانين نزع وحرمان ألوف الأكراد من الحقوق الوطنية ( الجنسية السورية) 150000 في محافظة الحسكة فقط بالإضافة إلى حرمانهم من الحقوق الثقافية و السياسات الجائرة ضدهم .....، وذكر كيف عانت سورية على مدار 30 سنة من حكم الأسد الأب الاستبدادي والذي تسبب في وفاة عشرات الألوف دون ذكر المفقودين حتى تحولت سوريا كما وصفها المعارض الكبير رياض الترك إلى" مملكة الصمت ". والذي كسره مثقفون وسجناء سياسيون سابقون ونشطاء حقوق الإنسان في الفترة القصيرة التي عرفت بـ " ربيع دمشق " ،في أعقاب وفاة الديكتاتور في عام 2000 وتقلد ابنه منصب الرئاسة. لكن سرعان ما أوقفت السلطة هذا الانفتاح الخجول وجردت ثلاثة موجات من القمع (توقيف عشوائي ، أحكام جائرة، عقوبات قاسية بالسجن المديد، منع مغادرة، فصل من العمل....) طالت هؤلاء الرجال والنساء الذي لم يطالبوا بأكثر من إقامة دولة الحق والقانون في سوريا.
الموجة الأولى عام 2001 وطالت رموز ربيع دمشق أمثال أستاذ الاقتصاد عارف دليلة الذي ما زال يقضي الحكم بالسجن 10 سنين الذي كان صدر بحقه رغم تقدم سنه وحالته الصحية المقلقة.
والموجة الثانية طالت نخبة المثقفين والناشطين من موقعي إعلان دمشق- بيروت، بيروت- دمشق عام 2006 ورموزها المعروفين من أمثال ميشيل كيلو وأنور البني
ونواجه اليوم الموجة الثالثة التي مست قرابة الأربعين من أعضاء المجلس الوطني لإعلان دمشق من اجل التغيير الديمقراطي في سورية. 12 منهم – والعدد قابل للزيادة كل يوم –اتهموا بنفس الجرائم والجرائر الخيالية . وهم السيدة فداء الحوراني والسادة رياض سيف وعلي العبد الله وأكرم البني وأحمد طعمه وجبر الشوفي ووليد البني وياسر العيتي وفائز ساره ومحمد حجي درويش ومروان العش وطلال أبو دان هؤلاء المواطنون الواعين للمخاطر التي تحيق بالبلد والدولة والمجتمع بسبب ما تعانيه من عزله على المستوى الإقليمي والدولي وبسبب نظام سياسي واقتصادي فقد على الدقة صلاحيته.....وهم من عداد الـ 163 شخصية الذين يمثلون بشكل دقيق مختلف الحساسيات السياسية والأيديولوجية التي اجتمعت بتاريخ الأول من كانون الأول ديسمبر الماضي في المجلس الوطني لاعلان دمشق
ولقد شكل هذا الاجتماع نقلة نوعية وخطوة إلى أمام بالنسبة للحركة الديمقراطية السورية . والبيان الختامي الذي أقره يستحق أن يعرف بشكل واسع من قبل أصدقائنا الفرنسيين، وهو يفند كل الاتهامات التي وجهت ضده وضد أعضائه المعتقلين. وإذ يذكر بالفساد وتدهور الأوضاع المعيشة بالنسبة لغالبية أبناء الشعب السوري يتوجه في دعوة مفتوحة لجميع قوى الشعب مهما اختلفت مشاربهم وآراؤهم السياسية وانتماءاتهم القومية أو عقائدهم أو وضعهم الاجتماعي للالتقاء والحوار والعمل معا من اجل الهدف الجامع الموحد الذي يتمثل بالانتقال بالبلاد من حالة الاستبداد إلى نظام وطني ديمقراطي .
كما يحدد البيان عملية الانتقال والتغيير " كما يفهمه ويلتزم به هو عملية سلمية ومتدرجة تساعد في سياقها ونتائجها على تعزيز اللحمة الوطنية وتنبذ العنف والإقصاء والاستئصال." ويحدد كهدف " إعادة بناء الدولة المدنية الحديثة التي تتأسس على عقد اجتماعي يتجسد في دستور جديد، يكفل التعددية وتداول السلطة واستقلال القضاء وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والمواطن." ويحدد في الختام أن التغيير الديمقراطي يتضمن احترام كل مكونات الشعب السوري وضامنا لهم حقوقا متساوية في إطار الوحدة الوطنية والسيادة على كامل التراب الوطني.
هذه الأفكار وهذا النداء المؤثر لحوار وطني حقيقي هما اليوم في قفص الاتهام تحت الحجج الخادعة والمضحكة التي كنت أشرت إليها.
وخاطب السيد مردم الحضور بقوله قبل أن أختم أود لفت انتباهكم إلى حالة السيدة فداء الحوراني المنتخبة رئيسة للمجلس الوطني لإعلان دمشق والمرأة الأولى المعتقلة منذ 2001. فهي طبيبة ومديرة مستشفي في مدينة حماه ، ونشر لها العديد من المقالات والدراسات ، وبعد 40 يوما في سجن انفرادي أحيلت إلى المحكمة ونقلت إلى سجن النساء في دوما ومن الضروري جدا تجنيد حملة لإطلاق سراحها خاصة وأنها تعاني من مرض مزمن وعدم انتظام في ضغط الدم . وكذلك حال السيد رياض سيف رئيس أمانة إعلان دمشق والذي أسيئت معاملته بشكل خاص منذ توقيفه علما أن حالته الصحية تدعو للقلق الشديد وكما هو معروف مصاب بمرض سرطاني يقتضي معالجته في خارج سورية لكن السلطات ما زالت تمانع في السماح له بالخروج والسفر .
وردا على أسئلة وتعقيب الصحفيين والحضور جرى التأكيد على ضرورة الدفاع بقوة عن قضية حقوق الإنسان في سورية والعمل من اجل إطلاق سراح المعتقلين الذين هم ديمقراطيين ومسالمين
من المعيب والخطأ التلاعب بقضية حقوق الإنسان وربطها بالمساومات والتسويات السياسية
، وإن كان بحسب البعض أنه لا يمكن الالتفاف على دور سورية في المنطقة لكن ذلك لا يبرر إطلاقا السكوت على قضية حقوق الإنسان وضرورة احترام حقوق الإنسان فيها . يمكن أن تكون هنا ك مواقف و تقديرات مختلفة حول دورها لكن ينبغي أن يكون هناك موقف واحد من قضية حقوق الإنسان لأنها قضية مبدئية وتتعلق يقيم كونية.
وختم هذا المؤتمر الصحفي والندوة الاعلامية بتوجيه الشكر مجددا للحضور
باريس / خاص 19 / 2 / 2008
------------------------------------------------
مثقفون سوريون في باريس يخرجون معتقلي الرأي من الصمت الإعلامي
2008/02/20
محمد بلوط
باريس :
العالم في مقر «مراسلون بلا حدود» في باريس، خريطة متشحة بالسواد. الدول أبيض وأحمر وأسود، تظلل قاعة تراقب الحريات في دنيا المراسلين. والأسود لون حيث تنعدم الحريات، ويقاد الصحافيون إلى السجون. الأسود عابر للمنطقة العربية... إلا استثناءات نادرة شرقي المتوسط.
في العلية المشرفة على الصالة، أتاح روبير مينار، رئيس المنظمة، كرسيا وطاولة، للمثقف السوري فاروق مردم بك، وقاعة تغص بصحافيين عربا وأجانب، ليتحدث عن اعتقال وجوه «إعلان دمشق».
المعارضة السورية، في باريس، تثابر منذ أسابيع لإخراج المعتقلين من الصمت في وسائل الإعلام، بعدما بدأ المراسلون في باريس يألفونها: أكرم البني، فداء حوراني، رياض سيف، علي العبدالله، فايز سارة، وعارف دليلة، وميشال كيلو..
وذهبت جالية المعارضة السورية إلى ساحة حقوق الإنسان في التروكاديرو، وجاورت صور المعتقلين في «عدرا» و«دوما»، أسبوعا كاملا، تمثال أوغست كونت على ناصية ساحة السوربون. حرسها صحافيون سوريون، ومثقفون، وقلة لبنانية تعاطفت، عرفانا بالجميل .
وحضر المؤتمر محمد، نجل المعتقل علي العبدالله، من بيروت إلكترونياً، وقال «آخر المعلومات، وقد نقلتها والدتي بعد الزيارة: يعاني من صمم جزئي بسبب الضرب، ويمنع قاضي التحقيق لقاءه المحامين، ولم يصدر قرار الاتهام، لتحديد ما ارتكبه الوالد، جنحة أم جناية، ولم يحدد موعد للمحاكمة». وحتى لو حدد «قد لا يحاكم لما اعتقل بسببه: عضوية جمعية تهدد أمن الدولة، نشر أنباء كاذبة للنيل من معنويات الأمة، وإثارة النعرات الطائفية»، وإنما لما نشره من مقالات.
ولا عزاء للمعارضة السورية، التي تقاسم من تعارض، بشكل متناقض، عزلة واحدة. ولا رهان في الجمع السوري على تبني الديموقراطيات الغربية يوما ما ملف حقوق الإنسان في سوريا جديا. «على محدثي دمشق الغربيين ألا ينسوا حقوق الإنسان، وموقع سوريا وأهميتها الإستراتيجية، وأداءها أدوارا مهمة في ملفات متشابكة، يجب ألا يعفيها من المحاسبة في هذا الملف»، جزم مينار.
والمعارضة التي يجري الحديث عنها، قال مردم بك، تعرضت لثلاث موجات من الاعتقال «في ,2001 عندما ضربت الوجوه البارزة لربيع دمشق، و2006 الذي شهد توقيف موقعي إعلان دمشق بيروت، وموجة اليوم ضد وجوه مجلس إعلان دمشق للتغيير الوطني والديموقراطي، المتهمين بجرائم وهمية»، ومع ذلك لا ينبغي السقوط في إغراء استخدامه سياسيا ضد دمشق «يجب عدم تسييس هذا الملف، كي لا تستخدمه القوى الكبرى لحظة تشاء، وتمتنع عن ذلك في مكان آخر».
--------------------------------------------------

مكانة المغرب العربي في عالم متغيير (*) (2/2)
الدكتور عبدالله تركماني
أهم المفارقات والتحديات في المغرب العربي
(1) - إشكاليات الصحراء الغربية
نزاع الصحراء الغربية يشكل آخر مخلفات الحرب الباردة في المغرب العربي، وبين نقطتين متباعدتين وموقفين متعارضين، بين الجزائر والمغرب، تراوح القضية مكانها لأكثر من ثلاثة عقود. وبرغم أنّ الدولتين تواجهان مخاطر مشتركة مع تزايد خطر الإرهاب، إضافة إلى مصلحتهما في تنشيط الاتحاد المغاربي، وهو ما يدفعهما باتجاه التقارب والتعاون لحل المشكلة الصحراوية، إلا أنّ تمسك كل طرف بموقفه أدى إلى استمرار حالة الجمود الحالية.
ولا شك أنّ الوضعية الجيو ـ استراتيجية للصحراء الغربية قد ساهمت في ادخال مجموعة قوى أوروبية متنافسة ضمن الصراع حول القضية المغربية عامة منذ أوائل القرن الماضي. وارتبطت وضعية الصحراء بشروط الأمن الاستراتيجي لمداخل أفريقيا، ولربط محطات السيطرة الغربية في شمال أفريقيا، وأفريقيا الغربية " الفرنسية " بشكل خاص.
وأمام حالة الجمود هذه تبقي الحاجة إلى البحث عن " الحل الوسط " لحل مشكلة الصحراء الغربية، الذي يعكس منطق الواقعية السياسية ومعطيات الأمور على الأرض، ويتنازل فيه كل طرف من أجل المصلحة المشتركة، ويحقق الحد الأدنى لمتطلبات المغرب بالحفاظ على وحدة ترابه الوطني، وحق شعب الصحراء في التعبير عن خصوصيته الثقافية وفي إدارة شؤونه الداخلية وتوظيف موارد الإقليم الطبيعية والبشرية.
ولاشك أنّ مفتاح هذا الحل الوسط هو بيد المغرب والجزائر، باعتبارهما اللاعبين الأساسيين في المعادلة القادرين، عبر توافر الإرادة السياسية، على تحقيق التوافق بشأن حل قضية الصحراء وتسويتها سلميا وطي صفحتها، قبل أن تنفجر وتعبث بها الأيدي الخارجية. وهذا الحل الوسط لن يساهم فقط في إنهاء المشكلة، بل من شأنه أن يقود إلى إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين وتطويرها، ومن ثم إعادة إحياء اتحاد المغرب العربي. وبدون هذا الحل الوسط فإنّ جولات المفاوضات بين المغرب وجبهة " البوليزاريو " لن يحالفها النجاح ولن يكون لها أثر يذكر، باستثناء استمرار تمسك الطرفين بوقف إطلاق النار الذي أصبح بدوره قابلا للانهيار في أية لحظة.
(2) – أهم المخاطر والتحديات
إنّ أكبر التحديات، التي تواجه منطقة المغرب العربي، تكمن في عدم قدرة الاقتصاديات المحلية على توفير فرص عمل كافية للشباب، ما يزيد معدلات البطالة ويهدد الاستقرار الاجتماعي، ومخاطر الهجرة غير الشرعية نحو دول شمال البحر المتوسط، وارتفاع معدلات الفقر، إذ يقدر عدد الفقراء بنحو 18 % من مجموع السكان، وكانت هذه النسبة لا تتجاوز الـ 12 % في بداية تسعينيات القرن الماضي. وتواجه دول المغرب العربي مشكلة بطالة تقدر بين 12 و22 %، وهي من أعلى النسب في مجموع منطقة الشرق الأوسط، ويصل حجم ديونها الإجمالية إلى 70 بليون دولار.
لقد أظهرت إحصاءات اقتصادية أنّ دول الاتحاد المغاربي تخسر نحو عشرة بلايين دولار سنويا، ما يعادل نحو 2% من ناتجها القومي الإجمالي، بسبب غياب التنسيق في المواقف الخارجية، وتعثر قيام سوق مغاربية مشتركة، واستمرار الاعتماد على الأسواق الأوروبية في تسويق الصادرات واستيراد المواد الضرورية. ومن المؤسف أنّ التجارة البينية المغاربية تمر عبر أطراف ثالثة غالبا ما تكون دول الاتحاد الأوروبي، إذ لا تستورد المغرب من الجزائر سوى 5% من المشتقات النفطية المقدرة بنحو 2.5 بليون دولار. والجزائر بدورها تستورد أقل من 1% من صادرات المغرب الغذائية، فيما تستورد بنحو خمسة بلايين يورو من السلع الغذائية الأوروبية، وبعضها أُنتج في المغرب. ويخسر البلدان معا بين خمسة وستة بلايين دولار سنويا بسبب الحواجز الجمركية المعقدة، وإغلاق الحدود وغياب تشريعات متناسقة.
كما أنّ غياب اتحاد المغرب العربي، يضعف فرص استفادة المنطقة من التدفقات المالية الاستثمارية، ويحول دون انتقالها إلى منطقة جاذبة للرساميل، وسوق مال صاعدة، كما هي الحال في بعض التجمعات الاقتصادية الإقليمية في جنوب شرقي آسيا.
وتعد السنوات الخمس عشرة المقبلة مليئة بالأخطار والتحديات بالنسبة إلى بلدان جنوب المتوسط، إذ يقدر عدد سكانها الذين لم يبلغوا سن الخامسة عشرة بثمانين مليون نسمة، ما يجبرها، في المدة نفسها، على إيجاد 34 مليون فرصة عمل للحفاظ على المستوى الحالي للبطالة، وأكثر من 53 مليون فرصة عمل إذا أرادت اللحاق بمعدل التشغيل في دول الاتحاد الأوروبي.
كما أنّ منطقة الساحل والصحراء، من خلال الإرهاب العابر للقارات، تتقدم واجهة الاهتمامات. فكلما خطت دول المغرب العربي خطوة باتجاه تنقية الأجواء فيما بينها، وتصفية المشاكل العالقة، خطا الإرهاب خطوات على صعيد الانتشار، وتنسيق العمليات، وترسيخ قواعده، ومضاعفة إمكانياته، على امتداد الساحة المغاربية طولا وعرضا، وصولا إلى الصحراء الكبرى عبر مساحات وعرة وشاسعة، تخترق أراضي دول الشريط الساحلي وعلى وجه الخصوص مالي والنيجر والسنغال.
(3) – اللقاء المغاربي تحت المظلة الدولية
المفارقة أنّ الجزائر والمغرب يلتقيان تحت مظلة منظومة الحوض الغربي للبحر المتوسط، وينضويان تحت لواء الحلف الأطلسي في توجهاتهما الأمنية، إلا أنهما يعجزان عن اللقاء تحت سقف المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة. كما أنّ الموقف حيال مشروع الاتحاد المتوسطي لا يمكن أن يرى النور بعيدا عن اتفاق الدول المغاربية، كونها تشكل الامتداد الجنوبي للفضاء المتوسطي في أقرب موقع إلى أوروبا. يضاف إلى ذلك أنّ الخطة الأمريكية، حول إقامة مركز قوة أفريقية في مواجهة الظاهرة الإرهابية والانفلات الأمني في الساحل والصحراء، تفرض بدورها تنسيقا مغاربيا.
وهكذا، يبدو أنّ البلدان المغاربية ستذهب إلى الوحدة، وإذا لم تختر هذا الطريق بإرادتها، فإنّ القوى الدولية الكبرى ستدفعها إليه. إذ أنّ الإدارة الأمريكية بدأت العمل في هذا الاتجاه بفرض تعاون في محاربة الإرهاب، وتوسع هذا التعاون إلى ميادين أخرى مثل حماية حقول المحروقات ومعابر النفط وغيرها. أما أوروبا فتريد للمغرب العربي أن يتوجه نحو حد أدنى من الوحدة ليضمن نوعا من الازدهار، وهو الطريق الوحيد الذي سيدفع المهاجرين الأفارقة إلى البقاء في الدول المغاربية بدل العبور إلى أوروبا.
كما ينصح صندوق النقد الدولي بفتح الحدود ورفع الحواجز الجمركية وقيام سوق مغاربية مشتركة للسلع والبضائع والاستثمارات، وإنشاء منطقة للتجارة حرة، لزيادة اهتمام المؤسسات والشركات الكبرى بفرص الاستثمار المتاحة في منطقة واقعة على تخوم الاتحاد الأوروبي وعلى أبواب الشرق الاوسط والقارة الأفريقية والمحيط الاطلسي.
وكان ملفتا للانتباه أنّ وزير خارجية إسبانيا ميغيل انخيل موراتينوس في ختام اجتماع 5+5 في أوائل العام 2008 قد دعا إلى " ضرورة تسريع وتوطيد الاندماج المغاربي "، كون " كلفة عدم وجود اتحاد مغاربي جد مرتفعة بالنسبة إلينا جميعا ".
طبعا لا يهتم الأمريكيون والأوروبيون كثيرا بصيغ التكامل السياسي ولا بالنواحي الثقافية في مسار الاتحاد المغاربي، خصوصا بعد الشلل الذي أصاب كل المؤسسات المغاربية منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، وإنما يهمهم في الدرجة الأولى وضع بلدان المنطقة على سكة تشكيل منطقة جمركية وتجارية موحدة تتيح للشركات الأمريكية والأوروبية التعاطي مع سوق مندمجة قوامها ما يقرب من 80 مليون مستهلك. غير أنّ تلك الأجندة الغربية تتقاطع مع تطلعات النخب السياسية والفكرية المغاربية، وتمهد الطريق لتكامل ينهي الوهن الحالي ويرسي أحد مقومات التحديث.
بهذا المعنى بات الاندماج المغاربي مطلبا خارجيا أكثر منه مطلب الداخل، طالما أنّ النخب مُغيّبة ومُبعدة عن القرار، هذا إن لم تكن مُكرهة على الهجرة وطلب اللجوء في المنافي.
(4) – أي مستقبل للاتحاد المغـاربي؟
سؤال بات تقليديا ولكنه ما انفك يعود ليظل عالقا في كل مرة دون جواب مقنع حول الافاق المستقبلية للاتحاد المغاربي، وهو الذي حمل إعلانه لمختلف شعوب المنطقة الكثير من الأحلام والآمال بأنّ المنطقة المغاربية باتت على وشك تغيير جذري في واقعها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، وهو مشروع طموح في ظل مختلف التكتلات الإقليمية والدولية ذات الصبغة الاقتصادية والسياسية والأمنية القائمة في العالم.
إنّ ما يبعث على الاطمئنان أنّ أكثر الإكراهات تحديا يفرض النزوع الى معاودة تفعيل البناء المغاربي، فبعد أن كانت الخلافات إزاء التعاطي مع تنامي التطرف والإرهاب تضع مفارق طرق بين العواصم المعنية أصبحت " مغربة " هذا الهاجس قضية مشتركة بين الاطراف كافة. وهكذا، يبدو أنّ عامل التهديدات الأمنية يمكن أن يشكل دافعا لتحريك البناء المغاربي، فالإحساس المشترك بالتهديد هو دوما عامل محرك لكل الأطراف من أجل التنسيق الأمني، ولكن بقدر ما يمكن أن يكون هذا الأمر مدخلا مهما فإنه يفترض حدا أدنى من التنسيق السياسي. كما لا بد من تشريك قوى المجتمع المدني بشتى تياراتها، فلا ننسى أنّ الدعائم الصلبة للفكرة غذاها نضال المغرب العربي من أجل الاستقلال والتحرر.
والمفارقة القائمة هنا، أنه فيما أخفق الاتحاد المغاربي في تحقيق الحد الأدنى من النجاح في مساره طيلة السنوات الماضية، يلاحظ أنّ بعض دوله نجحت في تنفيذ اتفاقات شراكة اقتصادية مع أطراف ودول وتجمعات خارجية لإقامة مناطق تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وكذلك مثل دول عربية، كما هو الحال في اتفــاق " أغادير " التجاري، الذي يتعلق بأربع دول هي: المغرب وتونس والأردن ومصر، ترتبط كلها باتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وتسعى معا إلى خفض الرسوم الجمركية تدريجيا على كل السلع والمنتجات في دول المنشأ، وصولا إلى إلغائها كاملة قبل العمل بالمنطقة التجارية الحرة الأوروبية - المتوسطية عام 2012.
إنّ الدول المغاربية مطالبة، لكسب الرهان، بإيجاد أرضية اقتصادية وتجارية مشتركة، بعيدة عن المؤثرات السياسية المباشرة، تجسد شبكة من المنافع والمصالح الاقتصادية المتبادلة بينها، وتمهد الطريق أمامها لتحقيق التكامل المنشود، الذي لن يحقق لكل دولة منها المزيد من القوة والمنافع فحسب، بل سيكون سبيلها للبقاء والوجود في عالم تتحكم به التكتلات والتجمعات الاقتصادية العملاقة.
وإذا لم تستجب الدول المغاربية إلى نداء الوحدة فإنّ الجمود الذي يمر به الاتحاد المغاربى حاليا لايمكن اختراقه إلا من مبادرات خارجية، بعدما فشلت المبادرات الداخلية التي قامت بها دول أعضاء في الاتحاد. ويبدو أنّ الطرف الأوروبي هو المؤهل لطرح هذة المبادرات، ويرجع ذلك لسببين: أولهما، أنّ هذا الطرف له مصلحة مباشرة في إحياء الاتحاد المغاربى لأنه سوف يؤدى بالتبعية إلى المضي قدما في كافة المشروعات المشتركة بين جنوب البحر المتوسط وشماله. وثانيهما، أنّ الطرف الأوروبي ولأسباب عديدة هو الذي يستطيع أن يقدم رؤية جدية حول إحياء الاتحاد المغاربي، لأنه يستوعب بصورة جيدة تعقيدات المنطقة، على عكس الولايات المتحدة الأمريكية التي تتعامل مع المنطقة باعتبارها جزءا من كل النظام الكوني الذي تسعى إليه، أما أوروبا فتتعامل معها باعتبارها امتدادا ثقافيا لها.
كيفية التعاطي المجدي مع التحديات
أمامنا اليوم في أقطار المغرب العربي أسئلة جديدة ومتغيّرات جديدة، أسئلة ومتغيّرات تتطلب تشخيصا جديدا للأزمة، وذلك لبلورة اقتراحات مناسبة للمعطيات الراهنة. فالدول المغاربية تواجه مجموعة من التحديات السياسية والاقتصادية التي تدعو إلى تجنّب المآزق والأزمات المعطلة لمشاريعها في الإصلاح والتنمية. وهي مطالبة بمزيد من مجابهة إشكال الإصلاح الديمقراطي للتمكن من استيعاب ديناميات التحول الجارية في قلب مجتمعاتهما، والوقوف في وجه رياح التحديات السياسية والاقتصادية المحلية والإقليمية، وهو الأمر الذي يستدعي الدفع بمشروع اتحاد المغرب العربي خطوات إلى الأمام من أجل تعزيز آليات التعاون الإقليمي بما يخدم مصالح شعوب المنطقة.
إنّ الحديث عن بناء مغرب عربي متكامل وقادر علي مواجهة التحديات التي تحدق بالمنطقة وبالأمة العربية برمتها، يتطلب تضافر الجهود لتحقيق التنمية والديمقراطية والإصلاح السياسي، واحترام حقوق الإنسان.
كما لم يعد معقولا ولا مقبولا، ونحن نشاهد ما يجري في العالم من تغيّرات، أن نواصل التعامل مع قضايانا التاريخية وإشكالاتنا السياسية بالطرق التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم. فهل يُعقل أن لا تقيم النخب السياسية المغاربية، خاصة في الجزائر والمغرب، اليوم تمييزا بين شروط نشأة وتطور أزمة الصحراء الغربية في لحظات تشكلها، وبين مآلها الراهن في علاقاته بالمتغيّرات الجارية، سواء في المغرب الكبير أو في العالم ؟
ويبدو أنّ الديبلوماسية الشعبية، القائمة على تبادل الرأي بين مؤسسات المجتمع المدني في القطرين الجارين خاصة، قد تساهم في تكسير رتابة لغة التجافي المستندة إلى أطروحات لم يعد لها أي مبرر، حيث لا يمكن أن يجادل أحد في المصير المشترك لشعبين تحكمهما شروط تاريخية واجتماعية متشابهة، وتواجههما اليوم تحديات الاصلاح السياسي وتحديات التنمية الاقتصادية.
وفي السياق نفسه نتصور أنّ مواصلة العمل في مجال تفعيل مؤسسات اتحاد المغرب العربي المعطلة، يمكن أن يساهم بدوره في بناء اقتراحات إضافية معززة لآلية التفكير في إيجاد مخرج متوافق عليه، ذلك أنّ بناء برامج تنموية في إطار الاتحاد على سبيل المثال سيساهم في إنشاء شركات ومؤسسات تدفع في اتجاه بناء اقتصاديات مغاربية مندمجة، وهو الأمر الذي تترتب عليه إمكانية وصول المنتجات الاقتصادية المغاربية والمنتجات المعدنية الجزائرية إلى موانئ المغرب في المحيط الأطلسي، فيصبح المستفيد من كل ما سبق هو مجتمعات المغرب الكبير.
وهكذا، بعد رحلة الشقاء الإيديولوجي وحرب الزعامات الإقليمية الخاسرة، والتوترات المفتعلة، وبعد أن اكتشف النظامان تعثر تجاربهما التنموية، وخواء ولاءاتهما، وبعد أن تبين لهما أنّ الأمن الإقليمي تصنعه إرادة الشعوب في الحوار والتعايش، لا افتعال الأزمات والتوترات، ألم يحن أوان النخب الثقافية والفكرية والسياسية الحرة والديمقراطية للتفكير في مستقبل العلاقات المغربية – الجزائرية ؟ أما حان الوقت لأن تبادر القوى الشعبية وقوى المجتمع المدني إلى فك العزلة التي تطوق الشعبين، بسبب جريمة إغلاق الحدود، وإلى أن تعمل على إطلاق مبادرات التواصل والتبادل ؟
انطلاقا من هذه الاعتبارات، الموصوفة أعلاه، فإنّ مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، يأتي في هذه الظرفية كمخرج للمأزق الذي تتردى فيه القضية على مستوى المعالجة الدولية. فهو يستجيب لتوجهين: أولهما، اعتبار أنه في كل صراع دولي ليس هناك غالب واحد يمكن أن يأخذ كل شيء، مهما كانت شرعية حقوقه. وثانيها، أنّ هذا الحل يعتبر أنّ القضية يمكن أن تُحل على أساس أنه لا إلحاق ولا انفصال، بل هناك وضعية خاصة تسمح للسكان بتدبير شؤونهم اليومية دون الارتقاء إلى شخصية دولية منفصلة.
إنّ سقوط جدار برلين المغاربي هو شرط بناء علاقة مغايرة مع أوروبا، لأنّ توحيد المجتمعات حول مشروع جامع، يرمي إلى تكريس المشاركة السياسية واجتراح النهوض الحضاري، هو الكفيل بتحقيق الإندماج الإقليمي بعيدا عن تقلبات الأمزجة والقرارات الفردية. ولن تنتهي هذه المفارقة التاريخية سوى بنهوض المجتمعات المدنية تدريجيا واكتساب الحكام الشرعية المستمدة من صناديق الاقتراع.
ومن المؤكد أنّ المشروع المغاربي لا يتحقق بالضرورة دفعة واحدة وبجميع الأعضاء، إذ يمكن التفكير في إنشاء اتحاد جمركي ثنائي أو ثلاثي في مرحلة أولى، إذا ما كانت الظروف ناضجة لذلك. وإذا لم يتم البدء بإيقاد شمعة أو اثنتين فلن يبقى أمام المغاربيين سوى لعن الظلام أو الانتظار حتى مجيء حل سحري من الخارج ... قد يأتي أو لا يأتي.
إنّ التوازن الحقيقي في المنطقة لن يبنى بمنطق من يقود ومن يتبع، وإنما وفق منظور التحولات الدولية التي تؤكد استحالة العيش في انغلاق. فأية قضية تحل عبر الحوار وأية مقاربة لا تنشد المفاهيم المستقبلية محكوم عليها بالفشل.
وفي كل الأحوال يساهم انقسام الدول المغاربية وصراعاتها الصغيرة في إضعاف موقعها أمام الدول الغربية، ويفوّت عليها فرصا ثمينة للتنمية ويجعلها رقما صغيرا في الصراع الدولي على مناطق النفوذ.
إنّ اتحادا مغاربيا فاعلا يمكنه أن يحقق للمنطقة مكانة دولية أعظم على الصعيد الدولي، ويحقق استقرارا سياسيا واقتصاديا ناجحا وقويا.
فهل يمكن أن يتحقق ذلك ؟
تونس في 13/2/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – في الأصل ورقة قُدمت في المؤتمر الرابع والعشرين لمنتدى الفكر المعاصر حول " من أجل مقاربات جديدة للتعاون السياسي والعلمي في المغرب العربي/الدورة الثانية لمؤتمر: كلفة اللامغرب " في الفترة من 14 إلى 16 فبراير/شباط 2008، بدعوة من " مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات " و " مؤسسة كونراد أديناور بتونس ".
الدكتور عبدالله تركماني
أهم المفارقات والتحديات في المغرب العربي
(1) - إشكاليات الصحراء الغربية
نزاع الصحراء الغربية يشكل آخر مخلفات الحرب الباردة في المغرب العربي، وبين نقطتين متباعدتين وموقفين متعارضين، بين الجزائر والمغرب، تراوح القضية مكانها لأكثر من ثلاثة عقود. وبرغم أنّ الدولتين تواجهان مخاطر مشتركة مع تزايد خطر الإرهاب، إضافة إلى مصلحتهما في تنشيط الاتحاد المغاربي، وهو ما يدفعهما باتجاه التقارب والتعاون لحل المشكلة الصحراوية، إلا أنّ تمسك كل طرف بموقفه أدى إلى استمرار حالة الجمود الحالية.
ولا شك أنّ الوضعية الجيو ـ استراتيجية للصحراء الغربية قد ساهمت في ادخال مجموعة قوى أوروبية متنافسة ضمن الصراع حول القضية المغربية عامة منذ أوائل القرن الماضي. وارتبطت وضعية الصحراء بشروط الأمن الاستراتيجي لمداخل أفريقيا، ولربط محطات السيطرة الغربية في شمال أفريقيا، وأفريقيا الغربية " الفرنسية " بشكل خاص.
وأمام حالة الجمود هذه تبقي الحاجة إلى البحث عن " الحل الوسط " لحل مشكلة الصحراء الغربية، الذي يعكس منطق الواقعية السياسية ومعطيات الأمور على الأرض، ويتنازل فيه كل طرف من أجل المصلحة المشتركة، ويحقق الحد الأدنى لمتطلبات المغرب بالحفاظ على وحدة ترابه الوطني، وحق شعب الصحراء في التعبير عن خصوصيته الثقافية وفي إدارة شؤونه الداخلية وتوظيف موارد الإقليم الطبيعية والبشرية.
ولاشك أنّ مفتاح هذا الحل الوسط هو بيد المغرب والجزائر، باعتبارهما اللاعبين الأساسيين في المعادلة القادرين، عبر توافر الإرادة السياسية، على تحقيق التوافق بشأن حل قضية الصحراء وتسويتها سلميا وطي صفحتها، قبل أن تنفجر وتعبث بها الأيدي الخارجية. وهذا الحل الوسط لن يساهم فقط في إنهاء المشكلة، بل من شأنه أن يقود إلى إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين وتطويرها، ومن ثم إعادة إحياء اتحاد المغرب العربي. وبدون هذا الحل الوسط فإنّ جولات المفاوضات بين المغرب وجبهة " البوليزاريو " لن يحالفها النجاح ولن يكون لها أثر يذكر، باستثناء استمرار تمسك الطرفين بوقف إطلاق النار الذي أصبح بدوره قابلا للانهيار في أية لحظة.
(2) – أهم المخاطر والتحديات
إنّ أكبر التحديات، التي تواجه منطقة المغرب العربي، تكمن في عدم قدرة الاقتصاديات المحلية على توفير فرص عمل كافية للشباب، ما يزيد معدلات البطالة ويهدد الاستقرار الاجتماعي، ومخاطر الهجرة غير الشرعية نحو دول شمال البحر المتوسط، وارتفاع معدلات الفقر، إذ يقدر عدد الفقراء بنحو 18 % من مجموع السكان، وكانت هذه النسبة لا تتجاوز الـ 12 % في بداية تسعينيات القرن الماضي. وتواجه دول المغرب العربي مشكلة بطالة تقدر بين 12 و22 %، وهي من أعلى النسب في مجموع منطقة الشرق الأوسط، ويصل حجم ديونها الإجمالية إلى 70 بليون دولار.
لقد أظهرت إحصاءات اقتصادية أنّ دول الاتحاد المغاربي تخسر نحو عشرة بلايين دولار سنويا، ما يعادل نحو 2% من ناتجها القومي الإجمالي، بسبب غياب التنسيق في المواقف الخارجية، وتعثر قيام سوق مغاربية مشتركة، واستمرار الاعتماد على الأسواق الأوروبية في تسويق الصادرات واستيراد المواد الضرورية. ومن المؤسف أنّ التجارة البينية المغاربية تمر عبر أطراف ثالثة غالبا ما تكون دول الاتحاد الأوروبي، إذ لا تستورد المغرب من الجزائر سوى 5% من المشتقات النفطية المقدرة بنحو 2.5 بليون دولار. والجزائر بدورها تستورد أقل من 1% من صادرات المغرب الغذائية، فيما تستورد بنحو خمسة بلايين يورو من السلع الغذائية الأوروبية، وبعضها أُنتج في المغرب. ويخسر البلدان معا بين خمسة وستة بلايين دولار سنويا بسبب الحواجز الجمركية المعقدة، وإغلاق الحدود وغياب تشريعات متناسقة.
كما أنّ غياب اتحاد المغرب العربي، يضعف فرص استفادة المنطقة من التدفقات المالية الاستثمارية، ويحول دون انتقالها إلى منطقة جاذبة للرساميل، وسوق مال صاعدة، كما هي الحال في بعض التجمعات الاقتصادية الإقليمية في جنوب شرقي آسيا.
وتعد السنوات الخمس عشرة المقبلة مليئة بالأخطار والتحديات بالنسبة إلى بلدان جنوب المتوسط، إذ يقدر عدد سكانها الذين لم يبلغوا سن الخامسة عشرة بثمانين مليون نسمة، ما يجبرها، في المدة نفسها، على إيجاد 34 مليون فرصة عمل للحفاظ على المستوى الحالي للبطالة، وأكثر من 53 مليون فرصة عمل إذا أرادت اللحاق بمعدل التشغيل في دول الاتحاد الأوروبي.
كما أنّ منطقة الساحل والصحراء، من خلال الإرهاب العابر للقارات، تتقدم واجهة الاهتمامات. فكلما خطت دول المغرب العربي خطوة باتجاه تنقية الأجواء فيما بينها، وتصفية المشاكل العالقة، خطا الإرهاب خطوات على صعيد الانتشار، وتنسيق العمليات، وترسيخ قواعده، ومضاعفة إمكانياته، على امتداد الساحة المغاربية طولا وعرضا، وصولا إلى الصحراء الكبرى عبر مساحات وعرة وشاسعة، تخترق أراضي دول الشريط الساحلي وعلى وجه الخصوص مالي والنيجر والسنغال.
(3) – اللقاء المغاربي تحت المظلة الدولية
المفارقة أنّ الجزائر والمغرب يلتقيان تحت مظلة منظومة الحوض الغربي للبحر المتوسط، وينضويان تحت لواء الحلف الأطلسي في توجهاتهما الأمنية، إلا أنهما يعجزان عن اللقاء تحت سقف المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة. كما أنّ الموقف حيال مشروع الاتحاد المتوسطي لا يمكن أن يرى النور بعيدا عن اتفاق الدول المغاربية، كونها تشكل الامتداد الجنوبي للفضاء المتوسطي في أقرب موقع إلى أوروبا. يضاف إلى ذلك أنّ الخطة الأمريكية، حول إقامة مركز قوة أفريقية في مواجهة الظاهرة الإرهابية والانفلات الأمني في الساحل والصحراء، تفرض بدورها تنسيقا مغاربيا.
وهكذا، يبدو أنّ البلدان المغاربية ستذهب إلى الوحدة، وإذا لم تختر هذا الطريق بإرادتها، فإنّ القوى الدولية الكبرى ستدفعها إليه. إذ أنّ الإدارة الأمريكية بدأت العمل في هذا الاتجاه بفرض تعاون في محاربة الإرهاب، وتوسع هذا التعاون إلى ميادين أخرى مثل حماية حقول المحروقات ومعابر النفط وغيرها. أما أوروبا فتريد للمغرب العربي أن يتوجه نحو حد أدنى من الوحدة ليضمن نوعا من الازدهار، وهو الطريق الوحيد الذي سيدفع المهاجرين الأفارقة إلى البقاء في الدول المغاربية بدل العبور إلى أوروبا.
كما ينصح صندوق النقد الدولي بفتح الحدود ورفع الحواجز الجمركية وقيام سوق مغاربية مشتركة للسلع والبضائع والاستثمارات، وإنشاء منطقة للتجارة حرة، لزيادة اهتمام المؤسسات والشركات الكبرى بفرص الاستثمار المتاحة في منطقة واقعة على تخوم الاتحاد الأوروبي وعلى أبواب الشرق الاوسط والقارة الأفريقية والمحيط الاطلسي.
وكان ملفتا للانتباه أنّ وزير خارجية إسبانيا ميغيل انخيل موراتينوس في ختام اجتماع 5+5 في أوائل العام 2008 قد دعا إلى " ضرورة تسريع وتوطيد الاندماج المغاربي "، كون " كلفة عدم وجود اتحاد مغاربي جد مرتفعة بالنسبة إلينا جميعا ".
طبعا لا يهتم الأمريكيون والأوروبيون كثيرا بصيغ التكامل السياسي ولا بالنواحي الثقافية في مسار الاتحاد المغاربي، خصوصا بعد الشلل الذي أصاب كل المؤسسات المغاربية منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، وإنما يهمهم في الدرجة الأولى وضع بلدان المنطقة على سكة تشكيل منطقة جمركية وتجارية موحدة تتيح للشركات الأمريكية والأوروبية التعاطي مع سوق مندمجة قوامها ما يقرب من 80 مليون مستهلك. غير أنّ تلك الأجندة الغربية تتقاطع مع تطلعات النخب السياسية والفكرية المغاربية، وتمهد الطريق لتكامل ينهي الوهن الحالي ويرسي أحد مقومات التحديث.
بهذا المعنى بات الاندماج المغاربي مطلبا خارجيا أكثر منه مطلب الداخل، طالما أنّ النخب مُغيّبة ومُبعدة عن القرار، هذا إن لم تكن مُكرهة على الهجرة وطلب اللجوء في المنافي.
(4) – أي مستقبل للاتحاد المغـاربي؟
سؤال بات تقليديا ولكنه ما انفك يعود ليظل عالقا في كل مرة دون جواب مقنع حول الافاق المستقبلية للاتحاد المغاربي، وهو الذي حمل إعلانه لمختلف شعوب المنطقة الكثير من الأحلام والآمال بأنّ المنطقة المغاربية باتت على وشك تغيير جذري في واقعها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، وهو مشروع طموح في ظل مختلف التكتلات الإقليمية والدولية ذات الصبغة الاقتصادية والسياسية والأمنية القائمة في العالم.
إنّ ما يبعث على الاطمئنان أنّ أكثر الإكراهات تحديا يفرض النزوع الى معاودة تفعيل البناء المغاربي، فبعد أن كانت الخلافات إزاء التعاطي مع تنامي التطرف والإرهاب تضع مفارق طرق بين العواصم المعنية أصبحت " مغربة " هذا الهاجس قضية مشتركة بين الاطراف كافة. وهكذا، يبدو أنّ عامل التهديدات الأمنية يمكن أن يشكل دافعا لتحريك البناء المغاربي، فالإحساس المشترك بالتهديد هو دوما عامل محرك لكل الأطراف من أجل التنسيق الأمني، ولكن بقدر ما يمكن أن يكون هذا الأمر مدخلا مهما فإنه يفترض حدا أدنى من التنسيق السياسي. كما لا بد من تشريك قوى المجتمع المدني بشتى تياراتها، فلا ننسى أنّ الدعائم الصلبة للفكرة غذاها نضال المغرب العربي من أجل الاستقلال والتحرر.
والمفارقة القائمة هنا، أنه فيما أخفق الاتحاد المغاربي في تحقيق الحد الأدنى من النجاح في مساره طيلة السنوات الماضية، يلاحظ أنّ بعض دوله نجحت في تنفيذ اتفاقات شراكة اقتصادية مع أطراف ودول وتجمعات خارجية لإقامة مناطق تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وكذلك مثل دول عربية، كما هو الحال في اتفــاق " أغادير " التجاري، الذي يتعلق بأربع دول هي: المغرب وتونس والأردن ومصر، ترتبط كلها باتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، وتسعى معا إلى خفض الرسوم الجمركية تدريجيا على كل السلع والمنتجات في دول المنشأ، وصولا إلى إلغائها كاملة قبل العمل بالمنطقة التجارية الحرة الأوروبية - المتوسطية عام 2012.
إنّ الدول المغاربية مطالبة، لكسب الرهان، بإيجاد أرضية اقتصادية وتجارية مشتركة، بعيدة عن المؤثرات السياسية المباشرة، تجسد شبكة من المنافع والمصالح الاقتصادية المتبادلة بينها، وتمهد الطريق أمامها لتحقيق التكامل المنشود، الذي لن يحقق لكل دولة منها المزيد من القوة والمنافع فحسب، بل سيكون سبيلها للبقاء والوجود في عالم تتحكم به التكتلات والتجمعات الاقتصادية العملاقة.
وإذا لم تستجب الدول المغاربية إلى نداء الوحدة فإنّ الجمود الذي يمر به الاتحاد المغاربى حاليا لايمكن اختراقه إلا من مبادرات خارجية، بعدما فشلت المبادرات الداخلية التي قامت بها دول أعضاء في الاتحاد. ويبدو أنّ الطرف الأوروبي هو المؤهل لطرح هذة المبادرات، ويرجع ذلك لسببين: أولهما، أنّ هذا الطرف له مصلحة مباشرة في إحياء الاتحاد المغاربى لأنه سوف يؤدى بالتبعية إلى المضي قدما في كافة المشروعات المشتركة بين جنوب البحر المتوسط وشماله. وثانيهما، أنّ الطرف الأوروبي ولأسباب عديدة هو الذي يستطيع أن يقدم رؤية جدية حول إحياء الاتحاد المغاربي، لأنه يستوعب بصورة جيدة تعقيدات المنطقة، على عكس الولايات المتحدة الأمريكية التي تتعامل مع المنطقة باعتبارها جزءا من كل النظام الكوني الذي تسعى إليه، أما أوروبا فتتعامل معها باعتبارها امتدادا ثقافيا لها.
كيفية التعاطي المجدي مع التحديات
أمامنا اليوم في أقطار المغرب العربي أسئلة جديدة ومتغيّرات جديدة، أسئلة ومتغيّرات تتطلب تشخيصا جديدا للأزمة، وذلك لبلورة اقتراحات مناسبة للمعطيات الراهنة. فالدول المغاربية تواجه مجموعة من التحديات السياسية والاقتصادية التي تدعو إلى تجنّب المآزق والأزمات المعطلة لمشاريعها في الإصلاح والتنمية. وهي مطالبة بمزيد من مجابهة إشكال الإصلاح الديمقراطي للتمكن من استيعاب ديناميات التحول الجارية في قلب مجتمعاتهما، والوقوف في وجه رياح التحديات السياسية والاقتصادية المحلية والإقليمية، وهو الأمر الذي يستدعي الدفع بمشروع اتحاد المغرب العربي خطوات إلى الأمام من أجل تعزيز آليات التعاون الإقليمي بما يخدم مصالح شعوب المنطقة.
إنّ الحديث عن بناء مغرب عربي متكامل وقادر علي مواجهة التحديات التي تحدق بالمنطقة وبالأمة العربية برمتها، يتطلب تضافر الجهود لتحقيق التنمية والديمقراطية والإصلاح السياسي، واحترام حقوق الإنسان.
كما لم يعد معقولا ولا مقبولا، ونحن نشاهد ما يجري في العالم من تغيّرات، أن نواصل التعامل مع قضايانا التاريخية وإشكالاتنا السياسية بالطرق التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم. فهل يُعقل أن لا تقيم النخب السياسية المغاربية، خاصة في الجزائر والمغرب، اليوم تمييزا بين شروط نشأة وتطور أزمة الصحراء الغربية في لحظات تشكلها، وبين مآلها الراهن في علاقاته بالمتغيّرات الجارية، سواء في المغرب الكبير أو في العالم ؟
ويبدو أنّ الديبلوماسية الشعبية، القائمة على تبادل الرأي بين مؤسسات المجتمع المدني في القطرين الجارين خاصة، قد تساهم في تكسير رتابة لغة التجافي المستندة إلى أطروحات لم يعد لها أي مبرر، حيث لا يمكن أن يجادل أحد في المصير المشترك لشعبين تحكمهما شروط تاريخية واجتماعية متشابهة، وتواجههما اليوم تحديات الاصلاح السياسي وتحديات التنمية الاقتصادية.
وفي السياق نفسه نتصور أنّ مواصلة العمل في مجال تفعيل مؤسسات اتحاد المغرب العربي المعطلة، يمكن أن يساهم بدوره في بناء اقتراحات إضافية معززة لآلية التفكير في إيجاد مخرج متوافق عليه، ذلك أنّ بناء برامج تنموية في إطار الاتحاد على سبيل المثال سيساهم في إنشاء شركات ومؤسسات تدفع في اتجاه بناء اقتصاديات مغاربية مندمجة، وهو الأمر الذي تترتب عليه إمكانية وصول المنتجات الاقتصادية المغاربية والمنتجات المعدنية الجزائرية إلى موانئ المغرب في المحيط الأطلسي، فيصبح المستفيد من كل ما سبق هو مجتمعات المغرب الكبير.
وهكذا، بعد رحلة الشقاء الإيديولوجي وحرب الزعامات الإقليمية الخاسرة، والتوترات المفتعلة، وبعد أن اكتشف النظامان تعثر تجاربهما التنموية، وخواء ولاءاتهما، وبعد أن تبين لهما أنّ الأمن الإقليمي تصنعه إرادة الشعوب في الحوار والتعايش، لا افتعال الأزمات والتوترات، ألم يحن أوان النخب الثقافية والفكرية والسياسية الحرة والديمقراطية للتفكير في مستقبل العلاقات المغربية – الجزائرية ؟ أما حان الوقت لأن تبادر القوى الشعبية وقوى المجتمع المدني إلى فك العزلة التي تطوق الشعبين، بسبب جريمة إغلاق الحدود، وإلى أن تعمل على إطلاق مبادرات التواصل والتبادل ؟
انطلاقا من هذه الاعتبارات، الموصوفة أعلاه، فإنّ مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، يأتي في هذه الظرفية كمخرج للمأزق الذي تتردى فيه القضية على مستوى المعالجة الدولية. فهو يستجيب لتوجهين: أولهما، اعتبار أنه في كل صراع دولي ليس هناك غالب واحد يمكن أن يأخذ كل شيء، مهما كانت شرعية حقوقه. وثانيها، أنّ هذا الحل يعتبر أنّ القضية يمكن أن تُحل على أساس أنه لا إلحاق ولا انفصال، بل هناك وضعية خاصة تسمح للسكان بتدبير شؤونهم اليومية دون الارتقاء إلى شخصية دولية منفصلة.
إنّ سقوط جدار برلين المغاربي هو شرط بناء علاقة مغايرة مع أوروبا، لأنّ توحيد المجتمعات حول مشروع جامع، يرمي إلى تكريس المشاركة السياسية واجتراح النهوض الحضاري، هو الكفيل بتحقيق الإندماج الإقليمي بعيدا عن تقلبات الأمزجة والقرارات الفردية. ولن تنتهي هذه المفارقة التاريخية سوى بنهوض المجتمعات المدنية تدريجيا واكتساب الحكام الشرعية المستمدة من صناديق الاقتراع.
ومن المؤكد أنّ المشروع المغاربي لا يتحقق بالضرورة دفعة واحدة وبجميع الأعضاء، إذ يمكن التفكير في إنشاء اتحاد جمركي ثنائي أو ثلاثي في مرحلة أولى، إذا ما كانت الظروف ناضجة لذلك. وإذا لم يتم البدء بإيقاد شمعة أو اثنتين فلن يبقى أمام المغاربيين سوى لعن الظلام أو الانتظار حتى مجيء حل سحري من الخارج ... قد يأتي أو لا يأتي.
إنّ التوازن الحقيقي في المنطقة لن يبنى بمنطق من يقود ومن يتبع، وإنما وفق منظور التحولات الدولية التي تؤكد استحالة العيش في انغلاق. فأية قضية تحل عبر الحوار وأية مقاربة لا تنشد المفاهيم المستقبلية محكوم عليها بالفشل.
وفي كل الأحوال يساهم انقسام الدول المغاربية وصراعاتها الصغيرة في إضعاف موقعها أمام الدول الغربية، ويفوّت عليها فرصا ثمينة للتنمية ويجعلها رقما صغيرا في الصراع الدولي على مناطق النفوذ.
إنّ اتحادا مغاربيا فاعلا يمكنه أن يحقق للمنطقة مكانة دولية أعظم على الصعيد الدولي، ويحقق استقرارا سياسيا واقتصاديا ناجحا وقويا.
فهل يمكن أن يتحقق ذلك ؟
تونس في 13/2/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(*) – في الأصل ورقة قُدمت في المؤتمر الرابع والعشرين لمنتدى الفكر المعاصر حول " من أجل مقاربات جديدة للتعاون السياسي والعلمي في المغرب العربي/الدورة الثانية لمؤتمر: كلفة اللامغرب " في الفترة من 14 إلى 16 فبراير/شباط 2008، بدعوة من " مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات " و " مؤسسة كونراد أديناور بتونس ".
-------------------------------------------
مساعدة تنموية ألمانية لتحسين إدارة الموارد المائية في سوريا
-------------------------------------------------
فينوغراد وفرحة السذَّج
صدر تقرير فينوغراد أخيراً، وجاء مخيباً لآمال الكثيرين، فلا هو أسقط حكومة أولمرت كما كان متوقعاً، ولا استطاعت المقاومة استخدامه كذخيرة في "حربها" الداخلية مع الموالاة. وكالعادة أمتلأت الشاشات بالمحليين الذين تفننوا في تحليل التقرير ونتائجه وتبعاته، وما سيترتب عليه من نتائج حاسمة، في استحضار واضح للكلمات القاسية التي وجهها التقرير لحكومة أولمرت حول "الفشل"، "التقصير" و"سوء التقدير" وغيرها، فقط لتأكيد انتصار المقاومة في محاولة لتثبيت "المكاسب" القليلة التي جناها التقرير.لكن التقرير كشف في جملة ما كشفه قصوراً حاداً في السياسة اللبنانية، فلا المقاومة فتحت تحقيقها الخاص بما حصل، ولا الحكومة تتجرأ على فتح هذا التحقيق، ولا وجود لجهة ثالثة يثق الطرفان بها تعنى بدراسة تلك الحرب وتقييم نتائجها بالحد الأدنى من الموضوعية، في وقت غدا فيه ذلك السجال العقيم حول نتيجة الحرب، إنتصارُ أم صمود فقط، أم فشلٌ إسرائيليُ ذريع دون إنتصارٍ لبناني، تافهاً وسخيفاً، فلبنان لم يحدد أهدافاً وغايات لتحقيقها عبر الحرب ليمر التقييم عبر تحققها أو عدمه، ناهيك عن كونه لم يستعد للحرب أصلاً ولم يبادر إليها.ان تقريرٌ يهدف لتقوية إسرائيل أكثر، الأمر الذي يتجسد عملياُ في نقطتين هامتين جرى إغفالهما عن قصد أو بدون:أن رئيس الحكومة الإسرائيلية هو نفسه من أمر بتعيين القاضي إلياهو فينوغراد للتحقيق بالفشل الإسرائيلي في الحرب، ومنحه صلاحيات كبيرة في تقديم تقرير قد يطيح بالحكومة التي يسوسها.وأن اللجنة لم تقل في تقريرها أن الحرب يجب ألا تظل الخيار الوحيد مع لبنان أو مع حزب الله، بل هي تريد حرباً واضحة النتائج، يحدد فيها المنتصر بوضوح لا يقبل الشك أو التأويل.ولكن ما ميز التقرير هو محاسبته الجادة للقادة الأساسيين في الجيش وصولاً الى رئيس الوزراء الاسرائيلي، فالإسرائيليون لم يتبنوا نظرية "التعتيم" و"التورية" والسكوت عن الأخطاء، مثلما يحدث عندنا، ولا اتهموا بالخيانة والعمالة كل من رمى بضرورة إعادة النظر في ما جرى وتقييمه في ضوء الإمكانات وموازين القوى، بل "فضحوا" أنفسهم بيدهم، ونشروا تقريرهم القاسي، والمستفيد هو إسرائيل بكل تأكيد على الرغم من الفرحة والتشفي العربيين الناتجين عن التقرير واللذين ظهرا ببساطة ـ تقارب السذاجة ـ أظهرت معها القصور الحاد في السياسة اللبنانية عموماً، وغياباً كلياً للنقد الذاتي الموضوعي خصوصاً.بالأمس قدمت دولة الإحتلال دليلاً جديداً على ان قوتها لا تعتمد فقط على كونها تمتلك قنابل نووية أو قوة عسكرية هائلة أو قدرات اقتصادية متقدمة. ثمة مجتمع يعزز وحدته يومياً رغم كونه خليطا عجيبا من البشر الذين تجمعهم عصبية دينية تميزهم بأنهم كانوا وما زالوا في غالبيتهم الساحقة غير متدينين، وثمة مؤسسة تبتكر يومياً وسائل وحلول ترسخ دورها وتحمي موقعها، لتنتقل من فكرة الكيان إلى الدولة، حتى ولو اقتضى الامر تقديم بعض القرابين على مذبح "الدولة" التي لا يجوز أن تفقد صورتها المحاربة والقادرة دوماً على تحقيق تلك الانتصارات الباهرة والخاطفة، المحفوظة في سجلاتها التاريخية.لكن أين تقريرنا نحن؟؟ أين لجان التحقيق والتقارير التي تجيب عن تلك الأسئلة الهامة: عن الحرب وما جرى بها، وعن الإستعداد لها، وعن جدواها وعن إمكانية تجنبها أصلاً.ألم يحن الوقت لكي نحاسب سياسيينا دون أن نكون من الخائنين، مجرد قبول الفكرة بالمحاسبة هو خطوة مهمة على طريق النصر الذي فهمت إسرائيل أنه لا يكون عسكرياً فقط، فمتى نفهم نحن؟
محمد علي العبد الله
---------------------------------------------