خطيئة واشنطن في كينيا: انقلاب الفردوس الأرضي إلي جحيم
صبحي حديدي
04/01/2008
هل تنحسر، لكي تخبو نهائياً، صورة ذلك الفردوس الأرضي الأفريقي الذي احتضن رومانس الكاتبة الدانمركية البارونة كارين بليكسن وعشيقها دنيس فينش هاتون (ميريل ستريب وروبرت ردفورد في الشريط الشهير خارج أفريقيا ،لاحقاً)، في أوج هستيريا الإستيطان الاستعماري الغربي علي امتداد أفريقيا؟يأمل المرء أن يكون من المبكّر اعتبار كينيا علي شفير هاوية تأتي علي الأخضر واليابس في بلد ظلّ، طيلة عقود، واحة استقرار اجتماعي ـ إثني (رغم قبائله التي يتجاوز عددها الـ 40)؛ واستقرار سياسي قائم علي سيرورة ليست ديمقراطية متقدّمة نسبياً فحسب، بل هي نادرة في غمرة اضطر
اب تلك القارّة واضطرام صراعاتها ونزاعاتها.ذلك لأنّ المواجهات الإثنية العنيفة (قرابة 300 ضحية حتي هذه الساعة، وتهجير عشرات الآلاف من مناطق سكنهم أو خارج البلاد)، التي نشبت إثر الطعن في نتائج فوز مواي كيباكي بفترة رئاسية جديدة، بفارق ضئيل عن منافسه رايلا أودينغا، زعيم الحركة البرتقالية الديمقراطية المعارضة، لا تقتصر دوافعها علي الاعتبارات القبائلية والإثنية، بل تتورّط فيها القوّات الحكومية أيضاً وبأوامر من الرئيس كيباكي. إنها، علي نحو ما، حروب الـ 1 ضدّ الـ 47 كما هو شائع في كينيا هذه الأيام، كناية عن حرب كيباكي وقبيلة كيكويوس (التي ينتمي إليها الرئيس وتحتكر معظم مناصب السلطة)، ضدّ جميع قبائل كينيا الأخري الصغري.ولكنها، في الآن ذاته، حرب تختفي طيّ مظاهرها الإثنية نزاعات اجتماعية عميقة، لا تغيب عن بعضها عناصر الصراعات الطبقية المستعصية بين البؤس والرفاه، وبين الفاقة والفساد، وبين منتهي الفقر الشعبي وذروة التكلّف الحكومي. في مثال أوّل، عمدت حكومة كيباكي إلي تنفيذ حملة تنظيف لشوارع العاصمة نيروبي، فأزالت مئات الأكشاك المعدنية التي كانت مصدر الرزق الوحيد لآلاف الأسر، لتقيم مكانها مساكب الزهور والنجيل. مثال ثانٍ: ذهبت الحكومة في حملة منع التدخين إلي درجة حظره حتي في شوارع بعض المناطق الراقية، الأمر الذي لم تتجرأ علي التفكير به أية حكومة في العالم، بما في ذلك أشدّها شراسة في الحفاظ علي الصحة العامة. هذا هو السبب في أنّ عشرات الآلاف من أبناء قبيلة كيكويوس سكّان العاصمة، فضّلوا التصويت لمرشّح المعارضة أودينغا وليس لابن القبيلة والرئيس الحالي كيباكي. لكنّ حكاية النجاح السعيدة ، كما يحلو لبعض زعماء أوروبا أن يصفوا كينيا، لا تتهدّدها اليوم صراعات داخلية إثنية وقبائلية واجتماعية وسياسية فحسب، بل ثمة أيضاً أسباب ذات صلة بسياسات كيباكي الخارجية الإقليمية والدولية، كفيلة بتأجيج الصراعات. فالرجل رئيس الغرب المدلل، صديق صندوق النقد الدولي و البنك الدولي ،الحليف السائر كالأعمي في ما يسمّيه الرئيس الأمريكي جورج بوش الحملة ضدّ الإرهاب ... هذا فضلاً عن حقيقة أنّ كينيا هي ميدان إقامة وتدريبات الـ Africom، القيادة العسكرية الأمريكية الجديدة الخاصة بأفريقيا. وهكذا، تكتب ميكيلا رونغ، الأخصائية في الشؤون الأفريقية وصاحبة العملَيْن المميّزين علي خطي المستر كرتز: العيش علي حافة الكارثة في الكونغو و لست الفاعل: كيف استخدم الغرب وأساء استخدام الدول الأفريقية الصغري : لأنها عرضة لاستهداف متكرّر من منظمة القاعدة ، كما أنها ممرّ للمخدّرات الثقيلة المنصبّة علي شوارع أوروبا في آن معاً، يري الدبلوماسيون الغربيون أنّ كينيا بلد لا يعتمد استقرار المنطقة علي قوّته أو ضعفه داخلياً فحسب، بل يعتمد عليه أمن البلدان الغربية كذلك .ولم يكن غريباً، والحال هذه، أن تسارع واشنطن إلي تهنئة الرئيس الجديد بعد نصف ساعة أعقبت تنصيبه، بل ذهب الناطق باسم الخارجية الأمريكية، روب ماكينترف، إلي درجة مطالبة الشعب الكيني بقبول هذه النتيجة (سوف تضطرّ واشنطن إلي التملّص من هذا الموقف الفاضح بعد ساعات، حين اتضح أنّ التزوير كان أشدّ جسامة من أن يغطّيه البيت الأبيض). كذلك لم يكن غريباً أن يسكت الغرب بأسره عن فضائح حكومة كيباكي، التي لم يكشفها
أحد آخر سوي الرجل الذي عيّنه كيباكي نفسه للتحقيق في الفساد، جون غيثونغو، الذي اختار المنفي الطوعي في أكسفورد، بريطانيا، بعد أن ذهبت تقاريره أدراج الرياح. وحين اضطرّ إدوارد كلاي، المفوّض الأعلي البريطاني، إلي استخدام لغة مقذعة في وصف فاسدي كينيا (قال بالحرف: لقد ابتلعوا وابتلعوا حتي تقيأوا علي أحذية المانحين الأوروبيين)، كان عقابه الفوري هو الإعفاء من المنصب، وتعيين بديل أكثر تفهماً للإقياء والمتقيئين!والحال أنّ المسؤولية عمّا يتهدّد كينيا من مخاطر لا تقع علي اللاعبين المحليين وحدهم، بل يمتدّ نطاقها خارج الحدود ويعبر البحار والمحيطات، إلي حيث البيت الأبيض في واشنطن و10 داوننغ ستريت في لندن، حتي إذا كانت ذنوب أهل البلد في هذا لا تُقاس بأيّ ذنوب أخري. وفي ما يخصّ الحصة الأمريكية من المسؤولية، ثمة هنا تكرار للخطايا (فهي ليست محض أخطاء!) التي ارتكبتها الإدارات المتعاقبة منذ أن اكتشفت الولايات المتحدة القارّة الأفريقية أواخر الخمسينيات من القرن الماضي. وطيلة عقود أعقبت ذلك الاكتشاف، ظلّ مخططو السياسة الخارجية الأمريكية يمارسون في القارّة دور الثور الضخم البليد الذي يغرق في سبات عميق حتي تلوح في الأفق نجمة حمراء سوفييتية، وعندها فقط يهيج الثور ويرغي ويزبد، ثمّ يحيك المؤامرات ويشتري العملاء ويسلّح الطغاة حتي النواجذ. خلال الثمانينيات صرف الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان مئات الملايين من الدولارات لإغواء واجتذاب أسوأ دكتاتوريي القارّة، في ليبيريا وكينيا والصومال وزائير وسواها. وخلال تلك الحقبة بالذات قبض محمد سياد بري، دكتاتور الصومال الأشهر، أكثر من 700 مليون دولار علي شكل مساعدات مالية وعسكرية من إدارتَيْ ريغان وجورج بوش الأب، استخدمها في بناء شبكات الولاء العشائرية، وقمع الشعب الصومالي، وتفتيت الوحدة الوطنية الداخلية. وهل ثمة حاجة إلي التشديد علي أنّ غزوة واشنطن الصومالية الشهيرة، في عام 1991، لم تكن تسعي إلي اقتفاء أثر القاعدة أو مطاردة أسامة بن لادن، بقدر ما هدفت إلي إطلاق مشروع انتداب عسكري يستهدف استئناف ما كان سياد برّي يقوم به لصالح واشنطن، أي ضبط القرن الأفريقي؟ كذلك كانت الغزوة تسير علي نقيض صريح، وصفيق تماماً، مع منطوق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 751، الذي منح التخويل بنشر قوّات عسكرية أممية لتنظيم عمليات الإغاثة الإنسانية، لا لشيء إلا لأنّ الرجل المسؤول عن خراب البلد (سياد بري) كان ببساطة صنيعة البيت الأبيض. وفي تلك الأثناء كان رجل مثل هنري كيسنجر يفلسف الغزوة علي أنها محض ممارسة للعبء التمديني الملقي ـ تاريخياً، حضارياً، سياسياً، واقتصادياً... ـ علي عاتق الرجل الأبيض. وأمّا عملياً فقد كانت القارّة تستشرف المزيد من المجاعات والأوبئة والحروب الأهلية، وتخضع أكثر فأكثر لهيمنة مؤسسات كونية لا تشتغل إلا لصالح اقتصاد السوق.ثمّ أتي ردح من الزمن أجبر الثور الأمريكي علي استبدال النجمة السوفييتية الحمراء بالراية الإسلامية الخضراء، أو ربما بالهلال فقط، تسهيلاً للأمريكي ذي الوعي المتوسط أن يدرك مغزي التوافق في العلامة، بين النجمة والهلال! ومنذئذ حلّت ذريعة محاربة الإرهاب الإسلامي محلّ ذريعة محاربة الشيوعية، دون أن يتغيّر الكثير في المعادلة الفاسدة العتيقة: لكي تحارب هذا أو ذاك (الشيوعية، أو الإرهاب الإسلامي)، ينبغي أن تساند الطغاة علي الأرض، أياً كانت موبقاتهم وجرائمهم. ويبقي، إلي هذا وذاك، أنّ تعلُّم أيّ شيء من دروس التاريخ كان خياراً غير ممكن أو حتي غير مطروح علي رجالات البيت الأبيض، بل ظلّ عند بعضهم رياضة ماركسية ديالكتيكية غير مستحبة أيضاً!وقبل الولايات المتحدة كان التاج البريطاني قد اكتشف وكر الدبابير الصومالية، حين قام السلاح الجوي الملكي بقصف بلاد الصومال عشرات المرّات في عام 1919، لقمع ثورة محمد بن عبد الله حسن بربر (أو الملاّ المجنون كما سيصفه أرشيف حروب الإمبراطورية البريطانية)، فلم يفلح التاج إلا في حراثة الرمال. الجنرال إسماي، قائد القوات البريطانية في الصومال آنذاك، كتب في مذكراته يقول: ما تكاد طائرات سلاح الجوّ الملكي تغادر سماء المعركة بعد إلقاء حمولاتها المدمرة، حتي تعجّ الصحراء بالدراويش والهتافات: الله أكبر! الله أكبر! لكأنهم يخرجون من شقوق الصخر وأخاديد الصحراء ...وللوهلة الأولي، وكما في كلّ مرّة، تبدو المعادلة خرقاء حمقاء ذات نتائج مدمّرة بعيدة الأثر، قبل أن تتكشف عناصرها عن انسجام عالٍ مع معظم المعادلات الأعلي التي منها تتشكّل فلسفة ما تسمّيه الولايات المتحدة الحملة ضدّ الإرهاب . تلك معادلة تدير الميزان التالي: أغلقوا هنا ثغراً (أي: حاضنة!) للتشدد الإسلامي الذي يهييء المناخات ويصنع ويصنّع موضوعياً ظواهر التطرّف والإرهاب؛ ولكن لا بأس أن تفتحوا هناك ثغراً جديداً لتشدّد مماثل، أو أدهي، بهوية مختلفة وأجندات ملتهبة. وفي صياغة عملية، راهنة: أغلقوا ثغور الطالبان في أفغانستان، وافتحوا ثغور المحاكم الشرعية في الصومال، أو في صومال ـ ستان ،كما يجدر القول؛ ثمّ أغلقوها في معاقل المحاكم الشرعية ،بعد كرّ وفرّ وعنف وتدخّل عسكري مباشر وغير مباشر، وافتحوا ثغرة جديدة في كينيا، قد لا يطول الوقت قبل أن تستغلّ وقائعها محاكم شرعية من نوع آخر جديد ـ عتيق، فتشتعل كلّ الأسباب الجديرة بإطلاق وانطلاق كوابيس كينيا ـ ستان ، يستوي في شرطها العنف القبائلي والإرهاب الأعمي! غير أنّ السياسة الأفريقية للولايات المتحدة، وإلي جانب ما هو معتاد من كيل بمكيالين ومحاباة لانظمة الاستبداد والفساد لأسباب تخصّ مصالح واشنطن واحتياجاتها الجيو ـ سياسية، لا تتورّع عن اعتماد خيارات تنتهي أخيراً إلي شطب القارّة بأسرها، إزاء واحدة من أكثر مشكلاتها حساسية: التمييز العنصري. وقبل سنوات قليلة، قاطعت واشنطن المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وما يتصل بذلك من تعصّب صيف 2001 في دوربان، أفريقيا الجنوبية، بذريعة أنّ المؤتمر يستهدف دولة إسرائيل. آنذاك، قال بوش: لن نرسل ممثلاً إلي مؤتمر مناهضة العنصرية في دوربان طالما أنّ هناك مَن يستهدف إسرائيل، ومَن يقول إنّ الصهيونية تساوي العنصرية. وإذا كانوا سيستخدمون المنتدي كوسيلة لعزل صديقتنا وحليـفتنا الأقرب (الدولة العبرية)، فإننا لن نشارك . ثم ختم رئيس القوّة الكونية الأعظم، علي نحو لعلّ رئيس وزراء إسرائيل نفسه كان سيعفّ عن اللجوء إليه: أعرف تماماً ما هو موقف إدارتنا: لن نشارك في مؤتمر يحاول عزل إسرائيل وتشويه سمعتها .واليوم، في كينيا التي توشك علي طيّ صفحة السلام الداخلي والغرق في مستنقعات المذابح الإثنية، لا تبدو واشنطن مكترثة بما هو أبعد من مساندة حليفها العتيق مواي كيباكي، وذلك رغم أنّ خصمه ليس أقلّ منه استعداداً للانحناء التامّ أمام إرادة البيت الأبيض، ورغم أنّ الكثير من النذر تشير إلي أنّ بديل الفردوس الأرضي الأورو ـ أمريكي لن يبتعد كثيراً عن الإنقلاب إلي حاضنة للتطرّف والعصبيات علي اختلاف أجنداتها.... تماماً كما كان، ويظلّ، ديدن واشنطن هنا وهناك، في أيّ جحيم أرضي كان من قبل فردوساً!
04/01/2008
هل تنحسر، لكي تخبو نهائياً، صورة ذلك الفردوس الأرضي الأفريقي الذي احتضن رومانس الكاتبة الدانمركية البارونة كارين بليكسن وعشيقها دنيس فينش هاتون (ميريل ستريب وروبرت ردفورد في الشريط الشهير خارج أفريقيا ،لاحقاً)، في أوج هستيريا الإستيطان الاستعماري الغربي علي امتداد أفريقيا؟يأمل المرء أن يكون من المبكّر اعتبار كينيا علي شفير هاوية تأتي علي الأخضر واليابس في بلد ظلّ، طيلة عقود، واحة استقرار اجتماعي ـ إثني (رغم قبائله التي يتجاوز عددها الـ 40)؛ واستقرار سياسي قائم علي سيرورة ليست ديمقراطية متقدّمة نسبياً فحسب، بل هي نادرة في غمرة اضطر
اب تلك القارّة واضطرام صراعاتها ونزاعاتها.ذلك لأنّ المواجهات الإثنية العنيفة (قرابة 300 ضحية حتي هذه الساعة، وتهجير عشرات الآلاف من مناطق سكنهم أو خارج البلاد)، التي نشبت إثر الطعن في نتائج فوز مواي كيباكي بفترة رئاسية جديدة، بفارق ضئيل عن منافسه رايلا أودينغا، زعيم الحركة البرتقالية الديمقراطية المعارضة، لا تقتصر دوافعها علي الاعتبارات القبائلية والإثنية، بل تتورّط فيها القوّات الحكومية أيضاً وبأوامر من الرئيس كيباكي. إنها، علي نحو ما، حروب الـ 1 ضدّ الـ 47 كما هو شائع في كينيا هذه الأيام، كناية عن حرب كيباكي وقبيلة كيكويوس (التي ينتمي إليها الرئيس وتحتكر معظم مناصب السلطة)، ضدّ جميع قبائل كينيا الأخري الصغري.ولكنها، في الآن ذاته، حرب تختفي طيّ مظاهرها الإثنية نزاعات اجتماعية عميقة، لا تغيب عن بعضها عناصر الصراعات الطبقية المستعصية بين البؤس والرفاه، وبين الفاقة والفساد، وبين منتهي الفقر الشعبي وذروة التكلّف الحكومي. في مثال أوّل، عمدت حكومة كيباكي إلي تنفيذ حملة تنظيف لشوارع العاصمة نيروبي، فأزالت مئات الأكشاك المعدنية التي كانت مصدر الرزق الوحيد لآلاف الأسر، لتقيم مكانها مساكب الزهور والنجيل. مثال ثانٍ: ذهبت الحكومة في حملة منع التدخين إلي درجة حظره حتي في شوارع بعض المناطق الراقية، الأمر الذي لم تتجرأ علي التفكير به أية حكومة في العالم، بما في ذلك أشدّها شراسة في الحفاظ علي الصحة العامة. هذا هو السبب في أنّ عشرات الآلاف من أبناء قبيلة كيكويوس سكّان العاصمة، فضّلوا التصويت لمرشّح المعارضة أودينغا وليس لابن القبيلة والرئيس الحالي كيباكي. لكنّ حكاية النجاح السعيدة ، كما يحلو لبعض زعماء أوروبا أن يصفوا كينيا، لا تتهدّدها اليوم صراعات داخلية إثنية وقبائلية واجتماعية وسياسية فحسب، بل ثمة أيضاً أسباب ذات صلة بسياسات كيباكي الخارجية الإقليمية والدولية، كفيلة بتأجيج الصراعات. فالرجل رئيس الغرب المدلل، صديق صندوق النقد الدولي و البنك الدولي ،الحليف السائر كالأعمي في ما يسمّيه الرئيس الأمريكي جورج بوش الحملة ضدّ الإرهاب ... هذا فضلاً عن حقيقة أنّ كينيا هي ميدان إقامة وتدريبات الـ Africom، القيادة العسكرية الأمريكية الجديدة الخاصة بأفريقيا. وهكذا، تكتب ميكيلا رونغ، الأخصائية في الشؤون الأفريقية وصاحبة العملَيْن المميّزين علي خطي المستر كرتز: العيش علي حافة الكارثة في الكونغو و لست الفاعل: كيف استخدم الغرب وأساء استخدام الدول الأفريقية الصغري : لأنها عرضة لاستهداف متكرّر من منظمة القاعدة ، كما أنها ممرّ للمخدّرات الثقيلة المنصبّة علي شوارع أوروبا في آن معاً، يري الدبلوماسيون الغربيون أنّ كينيا بلد لا يعتمد استقرار المنطقة علي قوّته أو ضعفه داخلياً فحسب، بل يعتمد عليه أمن البلدان الغربية كذلك .ولم يكن غريباً، والحال هذه، أن تسارع واشنطن إلي تهنئة الرئيس الجديد بعد نصف ساعة أعقبت تنصيبه، بل ذهب الناطق باسم الخارجية الأمريكية، روب ماكينترف، إلي درجة مطالبة الشعب الكيني بقبول هذه النتيجة (سوف تضطرّ واشنطن إلي التملّص من هذا الموقف الفاضح بعد ساعات، حين اتضح أنّ التزوير كان أشدّ جسامة من أن يغطّيه البيت الأبيض). كذلك لم يكن غريباً أن يسكت الغرب بأسره عن فضائح حكومة كيباكي، التي لم يكشفها
أحد آخر سوي الرجل الذي عيّنه كيباكي نفسه للتحقيق في الفساد، جون غيثونغو، الذي اختار المنفي الطوعي في أكسفورد، بريطانيا، بعد أن ذهبت تقاريره أدراج الرياح. وحين اضطرّ إدوارد كلاي، المفوّض الأعلي البريطاني، إلي استخدام لغة مقذعة في وصف فاسدي كينيا (قال بالحرف: لقد ابتلعوا وابتلعوا حتي تقيأوا علي أحذية المانحين الأوروبيين)، كان عقابه الفوري هو الإعفاء من المنصب، وتعيين بديل أكثر تفهماً للإقياء والمتقيئين!والحال أنّ المسؤولية عمّا يتهدّد كينيا من مخاطر لا تقع علي اللاعبين المحليين وحدهم، بل يمتدّ نطاقها خارج الحدود ويعبر البحار والمحيطات، إلي حيث البيت الأبيض في واشنطن و10 داوننغ ستريت في لندن، حتي إذا كانت ذنوب أهل البلد في هذا لا تُقاس بأيّ ذنوب أخري. وفي ما يخصّ الحصة الأمريكية من المسؤولية، ثمة هنا تكرار للخطايا (فهي ليست محض أخطاء!) التي ارتكبتها الإدارات المتعاقبة منذ أن اكتشفت الولايات المتحدة القارّة الأفريقية أواخر الخمسينيات من القرن الماضي. وطيلة عقود أعقبت ذلك الاكتشاف، ظلّ مخططو السياسة الخارجية الأمريكية يمارسون في القارّة دور الثور الضخم البليد الذي يغرق في سبات عميق حتي تلوح في الأفق نجمة حمراء سوفييتية، وعندها فقط يهيج الثور ويرغي ويزبد، ثمّ يحيك المؤامرات ويشتري العملاء ويسلّح الطغاة حتي النواجذ. خلال الثمانينيات صرف الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان مئات الملايين من الدولارات لإغواء واجتذاب أسوأ دكتاتوريي القارّة، في ليبيريا وكينيا والصومال وزائير وسواها. وخلال تلك الحقبة بالذات قبض محمد سياد بري، دكتاتور الصومال الأشهر، أكثر من 700 مليون دولار علي شكل مساعدات مالية وعسكرية من إدارتَيْ ريغان وجورج بوش الأب، استخدمها في بناء شبكات الولاء العشائرية، وقمع الشعب الصومالي، وتفتيت الوحدة الوطنية الداخلية. وهل ثمة حاجة إلي التشديد علي أنّ غزوة واشنطن الصومالية الشهيرة، في عام 1991، لم تكن تسعي إلي اقتفاء أثر القاعدة أو مطاردة أسامة بن لادن، بقدر ما هدفت إلي إطلاق مشروع انتداب عسكري يستهدف استئناف ما كان سياد برّي يقوم به لصالح واشنطن، أي ضبط القرن الأفريقي؟ كذلك كانت الغزوة تسير علي نقيض صريح، وصفيق تماماً، مع منطوق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 751، الذي منح التخويل بنشر قوّات عسكرية أممية لتنظيم عمليات الإغاثة الإنسانية، لا لشيء إلا لأنّ الرجل المسؤول عن خراب البلد (سياد بري) كان ببساطة صنيعة البيت الأبيض. وفي تلك الأثناء كان رجل مثل هنري كيسنجر يفلسف الغزوة علي أنها محض ممارسة للعبء التمديني الملقي ـ تاريخياً، حضارياً، سياسياً، واقتصادياً... ـ علي عاتق الرجل الأبيض. وأمّا عملياً فقد كانت القارّة تستشرف المزيد من المجاعات والأوبئة والحروب الأهلية، وتخضع أكثر فأكثر لهيمنة مؤسسات كونية لا تشتغل إلا لصالح اقتصاد السوق.ثمّ أتي ردح من الزمن أجبر الثور الأمريكي علي استبدال النجمة السوفييتية الحمراء بالراية الإسلامية الخضراء، أو ربما بالهلال فقط، تسهيلاً للأمريكي ذي الوعي المتوسط أن يدرك مغزي التوافق في العلامة، بين النجمة والهلال! ومنذئذ حلّت ذريعة محاربة الإرهاب الإسلامي محلّ ذريعة محاربة الشيوعية، دون أن يتغيّر الكثير في المعادلة الفاسدة العتيقة: لكي تحارب هذا أو ذاك (الشيوعية، أو الإرهاب الإسلامي)، ينبغي أن تساند الطغاة علي الأرض، أياً كانت موبقاتهم وجرائمهم. ويبقي، إلي هذا وذاك، أنّ تعلُّم أيّ شيء من دروس التاريخ كان خياراً غير ممكن أو حتي غير مطروح علي رجالات البيت الأبيض، بل ظلّ عند بعضهم رياضة ماركسية ديالكتيكية غير مستحبة أيضاً!وقبل الولايات المتحدة كان التاج البريطاني قد اكتشف وكر الدبابير الصومالية، حين قام السلاح الجوي الملكي بقصف بلاد الصومال عشرات المرّات في عام 1919، لقمع ثورة محمد بن عبد الله حسن بربر (أو الملاّ المجنون كما سيصفه أرشيف حروب الإمبراطورية البريطانية)، فلم يفلح التاج إلا في حراثة الرمال. الجنرال إسماي، قائد القوات البريطانية في الصومال آنذاك، كتب في مذكراته يقول: ما تكاد طائرات سلاح الجوّ الملكي تغادر سماء المعركة بعد إلقاء حمولاتها المدمرة، حتي تعجّ الصحراء بالدراويش والهتافات: الله أكبر! الله أكبر! لكأنهم يخرجون من شقوق الصخر وأخاديد الصحراء ...وللوهلة الأولي، وكما في كلّ مرّة، تبدو المعادلة خرقاء حمقاء ذات نتائج مدمّرة بعيدة الأثر، قبل أن تتكشف عناصرها عن انسجام عالٍ مع معظم المعادلات الأعلي التي منها تتشكّل فلسفة ما تسمّيه الولايات المتحدة الحملة ضدّ الإرهاب . تلك معادلة تدير الميزان التالي: أغلقوا هنا ثغراً (أي: حاضنة!) للتشدد الإسلامي الذي يهييء المناخات ويصنع ويصنّع موضوعياً ظواهر التطرّف والإرهاب؛ ولكن لا بأس أن تفتحوا هناك ثغراً جديداً لتشدّد مماثل، أو أدهي، بهوية مختلفة وأجندات ملتهبة. وفي صياغة عملية، راهنة: أغلقوا ثغور الطالبان في أفغانستان، وافتحوا ثغور المحاكم الشرعية في الصومال، أو في صومال ـ ستان ،كما يجدر القول؛ ثمّ أغلقوها في معاقل المحاكم الشرعية ،بعد كرّ وفرّ وعنف وتدخّل عسكري مباشر وغير مباشر، وافتحوا ثغرة جديدة في كينيا، قد لا يطول الوقت قبل أن تستغلّ وقائعها محاكم شرعية من نوع آخر جديد ـ عتيق، فتشتعل كلّ الأسباب الجديرة بإطلاق وانطلاق كوابيس كينيا ـ ستان ، يستوي في شرطها العنف القبائلي والإرهاب الأعمي! غير أنّ السياسة الأفريقية للولايات المتحدة، وإلي جانب ما هو معتاد من كيل بمكيالين ومحاباة لانظمة الاستبداد والفساد لأسباب تخصّ مصالح واشنطن واحتياجاتها الجيو ـ سياسية، لا تتورّع عن اعتماد خيارات تنتهي أخيراً إلي شطب القارّة بأسرها، إزاء واحدة من أكثر مشكلاتها حساسية: التمييز العنصري. وقبل سنوات قليلة، قاطعت واشنطن المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وما يتصل بذلك من تعصّب صيف 2001 في دوربان، أفريقيا الجنوبية، بذريعة أنّ المؤتمر يستهدف دولة إسرائيل. آنذاك، قال بوش: لن نرسل ممثلاً إلي مؤتمر مناهضة العنصرية في دوربان طالما أنّ هناك مَن يستهدف إسرائيل، ومَن يقول إنّ الصهيونية تساوي العنصرية. وإذا كانوا سيستخدمون المنتدي كوسيلة لعزل صديقتنا وحليـفتنا الأقرب (الدولة العبرية)، فإننا لن نشارك . ثم ختم رئيس القوّة الكونية الأعظم، علي نحو لعلّ رئيس وزراء إسرائيل نفسه كان سيعفّ عن اللجوء إليه: أعرف تماماً ما هو موقف إدارتنا: لن نشارك في مؤتمر يحاول عزل إسرائيل وتشويه سمعتها .واليوم، في كينيا التي توشك علي طيّ صفحة السلام الداخلي والغرق في مستنقعات المذابح الإثنية، لا تبدو واشنطن مكترثة بما هو أبعد من مساندة حليفها العتيق مواي كيباكي، وذلك رغم أنّ خصمه ليس أقلّ منه استعداداً للانحناء التامّ أمام إرادة البيت الأبيض، ورغم أنّ الكثير من النذر تشير إلي أنّ بديل الفردوس الأرضي الأورو ـ أمريكي لن يبتعد كثيراً عن الإنقلاب إلي حاضنة للتطرّف والعصبيات علي اختلاف أجنداتها.... تماماً كما كان، ويظلّ، ديدن واشنطن هنا وهناك، في أيّ جحيم أرضي كان من قبل فردوساً! ------------------------------------------------------------
جهاز أمن الدولة يعتقل الكاتب السوري فايز سارة بسب دفاعه عن معتقلي إعلان دمشق
علم المرصد السوري لحقوق الإنسان ان فرع أمن الدولة في مدينة دمشق اعتقل الناشط والكاتب السوري فايز سارة أمس الخميس 3/1/2007 بعد استدعائه من قبل الفرع المذكور وقالت مصادر موثوقة مقربة من سارة للمرصد السوري ان سبب الاستدعاء دفاعه عن معتقلي اعلان دمشق وحقهم في ممارسة النشاط السياسي الذي كفله لهم الدستور السوري وتنديده في برنامج تلفزيوني قبل يومين بممارسات السلطات السورية وشنها حملة اعتقالات وتخوين ضد رموز و قيادي اعلان دمشق للتغير الوطني الديمقراطي المعارض يشار ان الأستاذ فايز سارة هو عضو لجان احياء المجتمع المدني التي اصدرت الاسبوع الماضي بيان طالبت فيه السلطات السورية بوقف حملات التشويه والتحريض ضد المعارضين والنشطاء من أجل "تنقية الأجواء والانخراط في بحث سوري مشترك عن المستقبل" وقالت إن الحوار الوطني "هو الأساس في معالجة ما هو قائم من مشكلات، وما هو مطروح من موضوعات، وليس استمرار الاعتقالات والسجن لأصحاب الرأي الآخر والباحثين عن مستقبل أفضل لبلدهم ومواطنيهم. " ويوم الاربعاء اعتقل فرع امن الدولة في مدينة الرقة الناشط والمعارض السوري راشد الصطوف بعد استدعائه ونقله الى ادارة الجهاز في مدينة دمشق وكان جهاز أمن الدولة شن حملة اعتقالات الشهر الماضي طالت العشرات من أعضاء المجلس الوطني لإعلان دمشق أفرج لاحقا عن معظمهم وأبقى على اعتقال كلا من الدكتورة فداء أكرم حوراني رئيسة المجلس الوطني وأمينا سر المجلس الوطني : د. أحمد طعمة وأ. أكرم البني و الكاتب علي العبد الله عضو الأمانة العامة و الدكتور وليد البني عضو المجلس الوطني والدكتور ياسر العيتي عضو الأمانة العامة وأ. جبر الشوفي عضو الأمانة العامة ان المرصد السوري لحقوق الإنسان اذ يستنكر بشدة اعتقال الكاتب السوري فايز سارة يطالب السلطات السورية بوقف هذه الحملة من الاعتقالات التعسفية والإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة معتقلي الرأي والضمير في السجون السورية واحترام جميع حقوقهم التي كفلها لهم الدستور السوري والمعاهدات والمواثيق الدولية التي صادقت عليها سوريا
المرصد السوري لحقوق الإنسان
-----------------------------------------------------------------------
* أنابوليس، يهوديّة الدولة.. ولبنان وسورية
بقلم: سمير العيطة *
أخبار الشرق – 4 كانون الثاني/ يناير 2008
لا بدّ لنا من أن نعترف لجورج بوش ولإداراته ومستشاريه بأنّ لديهم روح الابتكار. إذ إنّ جميع القادمين إلى القمّة التي نظّموها في أنابوليس قد خفّضوا من سقف توقّعات نتائج هذا المؤتمر، اللهم إلاّ الانتصار بوضع هذا الموضوع أو ذاك على طاولة البحث والاتفاق على التفاوض. وفيما يخص مصداقيّة البحث عن حلٍّ للصراع، بقيت الأجواء بعيدة جداً عن تلك التي سادت في قمّة مدريد للسلام. لكنّ جورج بوش كان يحتاج إلى أن يحكي "حكايةً"، خاصّة لمواطنيه، لكي تقوم وسائل الإعلام بتبييض سمعته، وربّما، لوهلة قصيرة، لإزالة الاحتقان قبل شنّ الحرب على إيران. فما هي هذه الحكاية؟ الاستبدال بمبدأ المفاوضات التي قامت عليه مدريد (الأرض مقابل السلام)، مبدأ جديداً: "السلام مقابل.. اعتراف العرب "بيهوديّة" دولة إسرائيل". هكذا ينتقل النقاش من التفاوض عن أمورٍ ملموسة (الأرض كجغرافيا، والسيادة عليها والسلام كمفهومان قانونيّان)، وهو ما كان في صلب مبادرة بيروت العربية للسلام، إلى موضوع هويّة دولة إسرائيل، الذي هو أكثر إيديولوجيّةً وأكثر إبهاماً بالذات من الناحية القانونية. ولكن ماذا تعني هذه "الحكاية" للأطراف المختلفة؟ هذه الحكاية لها ميّزاتها، من جهة عند الأوساط المحافظة الجديدة في الولايات المتحدة، ومن خلفهم من تيارات دينيّة مسيحيّة صهيونيّة، ومن جهة أخرى تجاه الشارع الإسرائيلي، عندما تأخذ التركيز بعيداً عن "التنازلات" التي يجب عليهم القبول بها على المستوى الملموس. كما تبدو وكأنّها تَعزِل عربيّاً جميع أولئك الذين ينادون دينيّاً بعودة فلسطين كاملةً إلى "أرض الإسلام". ولا شكّ أنّ الحكاية تسوّق على هذا الأساس، طمأنةً للمتطرّفين من جهة وعزلاً للمتطرّفين من الجهة الأخرى، وذلك لكي يتمّ هناك "تقدّم" على التفاوض في الأمور الملموسة. ولكنّ هذا المبدأ المُحدَث يحمل في طيّاته مخاطرَ لم يحويها سابقه. فالاعتراف بيهوديّة الدولة يعني الاعتراف مرجعية.. الدين اليهودي بحدّ ذاته في النزاع، مع ما يستتبع ذلك من مفهوم "أرض الميعاد". ويضع الصراع في المدى البعيد على أرضيّةٍ لا حلّ لها في حالة الضفة الغربيّة والقدس، أساسها التأويلات الدينيّة، بين "الوعد" بالعودة إليهما وبناء الهيكل قبل حلول الساعة، وبين الإسلام خاتم الأديان الذي يجب أن يعمّ الأرض. ولكن الأخطر من ذلك هو معنى هذا الأمر ليس فقط فيما يخص حقّ العودة، بل أيضاً في حالة الفلسطينيين داخل "الخط الأخضر"، الذين يعدّون أكثر من مجرّد أقليّة. فيهوديّة الدولة تعني حُكماً أن لا عودة لمسلمي ومسيحيي الشتات إلى أرضهم، وأنّ فلسطينيي الداخل - حتّى الدروز منهم الذين قامت الدولة العبريّة عند نشوئها باستمالتهم على أسس طائفيّة - سيجري الاعتراف الدولي والعربي بأنّهم لا ينتمون إلى صلب وهويّة هذه الدولة؛ مع ما يُمكن أن يستتبعه ذلك في مراحل لاحقة من الصراع إذا ما استمرّ على هذا النحو. كما سيجري الاعتراف دولياً بأّن لكلّ يهوديّ، مهماً كانت قوميّته، "شيء من إسرائيل"، ليس فقط كمركزٍ للحجّ والصلاة، بل كدولة. ولكن الخُبث الآخر في هذا المبدأ، هو أنّه سيُطلِق من ناحية أخرى تحدٍّ كبيرٍ أمام العرب، الذين أحبّوا على الدوام الإبقاء على نوعٍ من الإبهام والمراوحة في هويّتهم بين العروبة والإسلام؛ خاصة وأن قضيّة فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي (على الأرض وضدّ الاحتلال) كانت، خلال عقود مضت، أحد الركائز لتغليب الهويّة العربيّة: "الدين لله والوطن للجميع". ومنذ نكبة 1948، وطوال الفترة التي كان فيها لفظ اسم "إسرائيل" محرّماً في الأدبيّات والإعلام واللغة الدبلوماسية العربية، كانت الصفة التي يُنعت بها هذا الكيان عربياً هي بالذات: "الدولة العبريّة" [1]. أيّ أنّه حتّى لو اضطر الأمر اعترافاً بوجود الدولة كأمرٍ واقع، فلتُنزَع عنها الصفة الدينيّة، وتُقبَل على أساس.. اللغة (العبريّة). فماذا سيكون الخيار المقابل للدول العربية في هذه الحالة سوى أيضاً التركيز على الهويّة الدينيّة؟
هكذا تحوّل "التنازل" الذي كان على الولايات المتحدة إقناع الإسرائيليين به مقابل السلام (أيّ الانسحاب من الأرض المحتلّة)، إلى تنازلٍ جديد، حقيقيّ، يقدّمه العرب، يُمكن أن يُزعزع كياناتهم. ومن الواضح أنّ الخاسر الأكبر في معادلات هويّة كهذه هو لبنان، ذو الصيغة الخاصّة في تعدّديته الدينيّة. فسيكون ككيان ودولة، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، هو النقيض المباشر لدولة إسرائيل اليهودية ولدولة "كذا" العربية الإسلامية. والمفارقة اليوم، هي أنّ السياسيين اللبنانيين قد علّقوا آليّات دولتهم المؤسساتية والدستوريّة لانتخاب رئيسٍ جديد للبلاد بانتظار نتائج أنّابوليس. فجنوا من ذلك مبدأً يعقّد أكثر الصيغ التي يمكن لهم بواسطتها إيجاد التوافق المطلوب بين الطوائف، أقلّ تبعاته التأكيد على أنّ لاجئي لبنان الفلسطينيين سيجري توطينهم. وهذا موضوعٌ حسّاسٌ آخر يضاف إلى المواضيع المتفجّرة. والنتيجة هي أنّ الخروج من المأزق هناك يبدو الآن معلّقاً بيد مؤسسة الدولة الوحيدة التي بقيت متعدّدة الطوائف وذات مصداقية، سواءً على صعيد دعمها للمقاومة ضد الاحتلال أم لضمان الأمن الداخليّ: الجيش. ولكن هل سيكون للجيش اللبناني قائده الكاريسمي الذي يستطيع، إن أصبح رئيساً للدولة، على غرار الجنرال فؤاد شهاب أو الجنرال ديغول في فرنسا، أن يقوم بإصلاحات جذريّة للمؤسسات. ليس هذا واضحاً. إذ إنّ الجيش لا يصنع حلاًّ إلاّ لفترات انتقالية، للانتقال من جمهوريّة إلى أخرى، على أساس شرعيّة شعبية مباشرة تتخطّى زعماء السياسة والطوائف، الذين ضاق اللبنانيون اليوم ذرعاً بفسادهم، وبتبعيّتهم للخارج، وبتفضيلهم الطائفة على الوطن.
هذا الوضع ذو أهميّة قصوى، ليس للبنان وحده، بل لجميع الدول العربية. إذ إنّ الفشل الحالي للآليات المؤسساتية في لبنان له تداعياته على جميع طموحات الشعوب العربية نحو ديمقراطية تحفظ حقوق المواطنين، خاصّةً على صعيد السيادة والاقتصاد والخدمات الاجتماعية. وانتقال لبنان من ديمقراطية هي نتيجة توافق زعماء طوائف إلى ديمقراطية دولة فوق الطوائف ومصالح إقطاعييها، هو شرطٌ للإبقاء لهذه الديمقراطية على قيمها. لا شيء يُطمئن إذاً على المستوى الفلسطيني، ولا اللبناني ولا السوري ولا العربي، ولا حتّى الدولي. فحتّى "المفكّرون الثوريون" في الغرب، باتوا في ظلّ بوش وساركوزي يحيون مفاهيم دينية. فها هو ريجيس دوبريه، المناضل والمفكّر القديم، يدفع في فرنسا إلى قيام "مرصدٍ لمسيحيي الشرق". هذا مع أنّ جميع العارفين بالتاريخ وبالمنطقة قد حذّروه من أنّ في ذلك نوعٌ من عودة فرنسية إلى "المسألة الشرقيّة"، وإلى نشيدٍ فرنسيٍّ قديم": "ذاهباً إلى سورية". [2].
__________
* كاتب سوري، ورئيس تحرير الطبعة العربية لصحيفة لوموند ديبلوماتيك
الهوامش:
[1] هذا في حال الاعتراف بالدولة، وإلاّ فالتسمية كانت "الكيان الصهيوني"، والتسمية مشتقّة من الاستخدام الغربي لهذا التعبير، بمعنى عام لغوي أكثر منه دينياً (عبراني).
[2] "ذاهباً إلى سوريا" نشيدٌ فرنسيّ مشهور ألّف في 1807، يحكي قصّة جنديّ فرنسيّ يفوز بحبيبته لما أنجزه في الحرب في سورية. وأضحى نشيد البونابارتيين ثم النشيد الوطني الرسمي الفرنسي خلال فترة الإمبراطورية الثانية، حين جاء التدخّل العسكري الفرنسي إبّان أحداث 1860 الطائفيّة في سورية. وكانت يقصد بسورية وقتذاك سورية الطبيعية التي تشمل لبنان وفلسطين والأردن الحاليين. راجع للكلمات: http://www.paroles.net/chansons/197.. وللحن: http://napoleontrois.free.fr/site/i..
----------------------------------------------------------------------------
قضايا وأحداث 04.01.2008
"أوباما مرشح التغيير وفوزه لم يقض بعد على حظوظ هيلاري كلينتون"
تقدم أوباما
لم يقض على فرص هيلاري كلينتون
حملت نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية أيوا مفاجأة فوز أوباما على كلينتون التي حلت ثالثاً. الخبير الألماني برامل يعتبر في لقاء مع موقعنا أن أوباما مرشح التغيير لكنه يعتقد أن حظوظ كلينتون مازالت متوفرة.
أسفرت النتائج النهائية للانتخابات التمهيدية التي جرت في ولاية أيوا الأمريكية عن تقدم باراك أوباما على هيلاري كلينتون في المرتبة الثالثة بعد جون ادواردز، وثلاثتهم من الجزب الديمقراطي.
فقد حصل أوباما على 37.6 في المائة من الأصوات مقابل 29.75 لادواردز في المائة، بينما حصلت هيلاري كلينتون على 29.49 في المائة.
أوباما الذي خرج فائزا من انتخابات أيوا وعد بإحداث تغيير في أمريكا إذا فاز في مسعاه التاريخي لأن يصبح أول رئيس أسود للولايات المتحدة. وقال أوباما وسط حشد من أنصاره المبتهجين بعد إعلان فوزه:"هم قالوا إن أنظارنا متجهة صوب أهداف عالية جدا. هم قالوا إن هذا البلد منقسم جدا ومحبط جدا بحيث لا يمكن أن يتحد أبدا، لكن في هذه الليلة من يناير وفي هذه اللحظات الحاسمة في التاريخ أنتم فعلتم ما شكك الآخرون بقدرتكم على القيام به".
ومن جهتها وعدت هيلاري كلينتون بمواصلة جهودها بعد فوز خصمها أوباما وعبرت عن تفاؤلها وثقتها في الانتخابات التمهيدية التي ستجري في نيوهامبشر الثلاثاء المقبل.
"أوباما مرشح التغيير والشباب"
"أوباما مرشح التغيير وفوزه لم يقض بعد على حظوظ هيلاري كلينتون"
تقدم أوباما
لم يقض على فرص هيلاري كلينتونحملت نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية أيوا مفاجأة فوز أوباما على كلينتون التي حلت ثالثاً. الخبير الألماني برامل يعتبر في لقاء مع موقعنا أن أوباما مرشح التغيير لكنه يعتقد أن حظوظ كلينتون مازالت متوفرة.
أسفرت النتائج النهائية للانتخابات التمهيدية التي جرت في ولاية أيوا الأمريكية عن تقدم باراك أوباما على هيلاري كلينتون في المرتبة الثالثة بعد جون ادواردز، وثلاثتهم من الجزب الديمقراطي.
فقد حصل أوباما على 37.6 في المائة من الأصوات مقابل 29.75 لادواردز في المائة، بينما حصلت هيلاري كلينتون على 29.49 في المائة.
أوباما الذي خرج فائزا من انتخابات أيوا وعد بإحداث تغيير في أمريكا إذا فاز في مسعاه التاريخي لأن يصبح أول رئيس أسود للولايات المتحدة. وقال أوباما وسط حشد من أنصاره المبتهجين بعد إعلان فوزه:"هم قالوا إن أنظارنا متجهة صوب أهداف عالية جدا. هم قالوا إن هذا البلد منقسم جدا ومحبط جدا بحيث لا يمكن أن يتحد أبدا، لكن في هذه الليلة من يناير وفي هذه اللحظات الحاسمة في التاريخ أنتم فعلتم ما شكك الآخرون بقدرتكم على القيام به".
ومن جهتها وعدت هيلاري كلينتون بمواصلة جهودها بعد فوز خصمها أوباما وعبرت عن تفاؤلها وثقتها في الانتخابات التمهيدية التي ستجري في نيوهامبشر الثلاثاء المقبل.
"أوباما مرشح التغيير والشباب"
أوباما مرشح الش
باب
وفي مقابلة مع موقعنا أعتبر الخبير الألماني في العلاقات ألأوروبية ـ الأمريكية جوزيف برامل، أوباما "مرشح التغيير"، مشيرا بأنه استطاع خلال هذه الانتخابات التمهيدية أن يحوز على أصوات قطاع كبير من الشباب، يشارك للمرة الأولى في الانتخابات.
وتابع برامل، الخبير في المؤسسة الألمانية للعلوم والسياسة، قائلا إن هذه الانتخابات التمهيدية تحظى بأهمية كبيرة، وإن كان لا يجب المبالغة في تلك الأهمية، مؤكدا بأن عديدا من المرشحين ممن لم يضربوا حسابا لمثل هذه الانتخابات، خسروا رهان الرئاسة الأمريكية في نهاية المطاف.
أما فيما يتعلق بهيلاري كلينتون، فيعتقد خبير الشؤون الأمريكية بأن فوز أوباما لم يقض البتة على حظوظها، لكن يتوجب عليها أن تنتصر في الانتخابات المقبلة.
منهج "السياسة الواقعية" لن يتغير
هيلاري كلي
نتون بعد اعلان نتيجة الانتخابات
أوباما، والذي يؤخذ عليه نقص تجربته السياسية، بدا أبعد نظرا من محنكي السياسة الأمريكية، حين اختار التغريد خارج السرب ورفض وأدان الحرب حرب العراق، بل وما برح يطالب بانسحاب الجيش الأمريكي من هذا البلد، كل ذلك حدث في وقت مبكر، وهو ما لم تفعله هيلاري كلينتون، وفقا لبرامل.
ومن شأن الأزمة العراقية، إذا ما استمر الوضع الحالي خلال الشهور المقبلة، أن تخدم مساعي أوباما وتتحول إلى حجر عثرة أمام هيلاري كلينتون، حسب تعبير برامل
وأخيرا، يرى الخبير الألماني بأن نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية النهائية لن تؤثر كثيرا على السياسة الأمريكية، وأن حجم التأثير لن يتجاوز التفاصيل.
فقد يقدم الرئيس المقبل مثلا على إغلاق معتقل غوانتانامو السيئ الصيت وعلى القيام بتصحيحات صغيرة فيما يخص السياسة البيئة أو العلاقات التجارية مع الخارج، لكن ما يصطلح عليه "السياسة الواقعية"، لن تتغير كثيرا، لأن الكونغرس الأمريكي يلعب دورا كبيرا في تسيير دفة الحكم، كما يقول برامل.
دويتشه فيله
هشام العدم/ رشيد بوطيب
-----------------------------------------------------------------------------
بابوفي مقابلة مع موقعنا أعتبر الخبير الألماني في العلاقات ألأوروبية ـ الأمريكية جوزيف برامل، أوباما "مرشح التغيير"، مشيرا بأنه استطاع خلال هذه الانتخابات التمهيدية أن يحوز على أصوات قطاع كبير من الشباب، يشارك للمرة الأولى في الانتخابات.
وتابع برامل، الخبير في المؤسسة الألمانية للعلوم والسياسة، قائلا إن هذه الانتخابات التمهيدية تحظى بأهمية كبيرة، وإن كان لا يجب المبالغة في تلك الأهمية، مؤكدا بأن عديدا من المرشحين ممن لم يضربوا حسابا لمثل هذه الانتخابات، خسروا رهان الرئاسة الأمريكية في نهاية المطاف.
أما فيما يتعلق بهيلاري كلينتون، فيعتقد خبير الشؤون الأمريكية بأن فوز أوباما لم يقض البتة على حظوظها، لكن يتوجب عليها أن تنتصر في الانتخابات المقبلة.
منهج "السياسة الواقعية" لن يتغير
هيلاري كلي
نتون بعد اعلان نتيجة الانتخاباتأوباما، والذي يؤخذ عليه نقص تجربته السياسية، بدا أبعد نظرا من محنكي السياسة الأمريكية، حين اختار التغريد خارج السرب ورفض وأدان الحرب حرب العراق، بل وما برح يطالب بانسحاب الجيش الأمريكي من هذا البلد، كل ذلك حدث في وقت مبكر، وهو ما لم تفعله هيلاري كلينتون، وفقا لبرامل.
ومن شأن الأزمة العراقية، إذا ما استمر الوضع الحالي خلال الشهور المقبلة، أن تخدم مساعي أوباما وتتحول إلى حجر عثرة أمام هيلاري كلينتون، حسب تعبير برامل
وأخيرا، يرى الخبير الألماني بأن نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية النهائية لن تؤثر كثيرا على السياسة الأمريكية، وأن حجم التأثير لن يتجاوز التفاصيل.
فقد يقدم الرئيس المقبل مثلا على إغلاق معتقل غوانتانامو السيئ الصيت وعلى القيام بتصحيحات صغيرة فيما يخص السياسة البيئة أو العلاقات التجارية مع الخارج، لكن ما يصطلح عليه "السياسة الواقعية"، لن تتغير كثيرا، لأن الكونغرس الأمريكي يلعب دورا كبيرا في تسيير دفة الحكم، كما يقول برامل.
دويتشه فيله
هشام العدم/ رشيد بوطيب
-----------------------------------------------------------------------------