Freitag, 21. Dezember 2007























قوت الأرض يتناقص والجوع كافر يشهر كل سيف

صبحي حديدي
21/12/2007
لن يكف الدكتور جاك ضيوف، المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، الـ فاو ، عن قرع نواقيس الخطر كلما توفرت علي مكتبه معطيات دراماتيكية تنذر بالويل والثبور لأهل الأرض (أي، في التحديد الأدق، مئلات الملايين من فقرائها وبؤسائها وجياعها وضحايا موجات جفافها وتصحرها وأوبئتها؛ وليس البتة متخمي الأرض ذاتها، أو موسريها، أو حتي فئاتها المتوسطة ذات الحال الاقتصادية المستورة علي نحو أو آخر).وكيف يمكن له أن يكف عن ضخ هذه الأخبار السيئة إلي البشرية قاطبة، إذا كان جوهر عمله يقوم علي ملاقاة هذه النُذُر القاتمة المتشائمة، وركائز منصبه ـ هو الأفريقي، ابن السنغال، الذي يشغل الوظيفة منذ عام 1993! ـ لا تستقر أكثر إلا إذا أنذر بالأخطار ولوح بالمصائب.ففي مطلع هذا الأسبوع طلع ضيوف علي العالم بخلاصة مفادها أن مخزون الأغذية علي نطاق العالم آخذ في التناقص علي نحو غير مسبوق كما قال، من جانب أول؛ وأن أسعار الأغذية لا ترتفع علي نحو جنوني فقط، بل هي في عبارته تتضخم إلي مستويات تاريخية ، من جهة ثانية: أكثر من 40% هذه السنة، قياساً إلي 9% السنة الماضية (وكان ذلك الرقم ذاته عالياً في الأساس، فكيف إذا ازداد أكثر من أربعة اضعاف!)؛ وأكلاف استيراد الأغذية، في البلدان الأكثر احتياجاً علي نحو خاص، ارتفعت بنسبة 25%؛ وانخفض المخزون العالمي من القمح بنسبة 11% هذه السنة، وهي الأشد انخفاضاً منذ عام 1980؛ وارتفع سعر الطن الواحد من الحبوب بنسبة 52% عن السنة الماضية.ولكن... هل نواقيس خطر هذه الأيام جديدة حقاً، ولم تُقرع نواقيس مثلها في السنوات، بل في العقود، الماضية؟ لنعدْ عقداً كاملاً إلي الوراء: في عام 1996، صبيحة افتتاح القمة العالمية للأغذية في العاصمة الإيطالية روما، كانت الإحصائية التي تخيم علي أجواء المؤتمر هي التالية: كامل ميزانية منظمة الـ فاو السنوية هي أقل مما تنفقه تسعة بلدان متقدمة علي غذاء القطط والكلاب (ليس طيلة سنة كاملة، بل لمدة ستة أيام فقط!)؛ وهي ميزانية أقل بنسبة 5% مما ينفقه بلد متقدم واحد علي منتجات إنقاص الوزن (الناجمة، إجمالاً، عن الإفراط في تناول الأطعمة!). تلك كانت المعلومة الوحيدة الجديرة بلقب الحقيقة، في غمرة كل الضجيج والعجيج الذي اكتنف قمة روما، وكل العويل التراجيدي علي الجياع، والذي بطبيعة الحال لم يكن يسمن ولا يغني من جوع.في القمة العالمية الثانية، 2002، في المكان ذاته، لاح أن إحصائية 1996 ما تزال سارية المفعول، وأن قرابة المليار جائع ما يزالون جائعين بالشروط ذاتها وأسوأ ربما. كذلك كان واضحاً تماماً أن اهتمام الغرب ينصب اليوم علي حرب أمريكا ضد الإرهاب، وعلي تفكيك الخلايا النائمة التابعة لمنظمة القاعدة ، وتخفيض ديون العراق المحتل (وتحصيل ديون الكويت في ذمة العراق، في الآن ذاته!)، ومكافحة الهجرة وإحكام الحدود وتشديد إجراءات الأمن في المطارات... والحال أن الدكتور ضيوف كان أكثر الناس ابتهاجاً بما آلت إليه نتائج قمة 1996، رغم الدموع المدرارة التي سكبها في مديح جياع الأرض، ورغم القتامة التامة التي عكسها تقريره عن وضع الغذاء الكوني. إنه، في نهاية الأمر، كان وما يزال بين أبرز ممثلي الجيل الشاب من النيو ـ بيروقراطيين أبناء العالم الثالث، ممن تولوا مناصب رفيعة في الهيئات الدولية بفضيلتين متكاملتين لا فضيلة ثالثة لهما علي الأرجح: أنهم ينحدرون من أصول عالمثالثية، وأنهم يكرهون خلط السياسة بالوظيفة ويُبْدون بسالة خرافية في الدفاع عن الطهارة البيروقراطية ضد التلوث الناجم عن التسييس. وهكذا، في قمة روما 1996 قرع ضيوف نواقيس الخطر أيضاً، بل كانت كل فقرة من فقرات خطابه الطويل كفيلة باستثارة حسد أشهر متشائمي التاريخ، القس توماس مالتوس، والجمهرة العظمي من المالتوسيين الجدد. ولقد تحدث عن سباق ضد عقارب الساعة لتدارك الإيقاع المتسارع للمجاعة الشاملة القادمة، وحسد قطط العالم المتقدم وكلابه علي ما تنعم به من تسامح حكومي وشعبي إزاء ميزانيات أغذيتها، وناح واشتكي وتباكي.ولكنه تأتأ طويلاً (إذ لم يكن في وسعه أن يفعل غير ذلك في واقع الأمر) بصدد الاتهامات الصارخة المشروعة التي أشار إليها وسردها تقرير المؤتمر الموازي للمنظمات غير الحكومية، والذي انعقد علي هيئة مؤتمر مضاد، وطرح حزمة أسئلة هي وحدها الجديرة بالدراسة والتحليل والحل: هل تريد الدول المتقدمة تقديم حلول عملية واضحة لمشكلة الأمن الغذائي الدولي؟ وهل تستطيع تأمين هذا الأمن حتي إذا أرادت؟ بمعني آخر: هل توجد صيغة عملية منظورة لمصالحة بنود اتفاقية مراكش للتجارة الدولية وتقاسم الأسواق، مع أي بنود هادفة إلي حل معضلات الجوع؟ وبلغة أكثر فصاحة: هل يتحمل النظام الرأسمالي الدولي الراهن إمكانية المؤاخاة بين تخمة موضوعية يفرضها منطق السوق، وبين جوع موضوعي... يفرضه منطق السوق ذاته؟في المؤتمر الثاني تابع ضيوف قرع المزيد من نواقيس الخطر، وأعرب عن المزيد من الإحباط والخيبة والشكوي لأن الجوع المزمن لا يلقي سوي اللامبالاة ، ولأن قمة 96 كانت قد تعهدت بخفض أعداد الجياع من 840 مليونا إلي النصف في العام 2015 كموعد أقصي، فلم ينخفض الرقم بعد ست سنوات إلا إلي 815؛ ولأن مساعدات الدول المتقدمة والمؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وشقيقه صندوق النقد الدولي) انخفضت بمعدل النصف بين أعوام 1990 و2000 في القطاع الزراعي تحديداً، وذلك رغم أن الزراعة تشكل مصدر عيش 70% من فقراء العالم. وهو يضيف، في هذه الأيام: هنالك خطر جدي في أن القلة فقط سوف يكون بمقدورهم تأمين الغذاء في البلدان النامية خصوصاً.فإذا بدل المرء قمة كونية بأخري أكثر كونية، إذا جاز القول، فإن الحال لا تتبدي عن معطيات كارثية فحسب، بل لعلها تدفع المرء إلي درء حال أولي بأخت لها تنحصر فضيلتها الوحيدة في أنها أقل كارثية! وهكذا، كانت قمة الأرض التي شهدتها جوهانسبورغ سنة 2002 بمثابة خطوة إلي الوراء بالقياس إلي قمة الأرض الأولي التي انعقدت في ريو قبلها بعشر سنوات، حيث تشير الأرقام الباردة، بمعني أنها تثير القشعريرة حقاً، إلي أن:ـ الدين الخارجي للدول النامية ارتفع من 90 مليار دولار في سنة 1970، إلي 2000 مليار دولار في نهاية القرن؛ـ الأسعار الفعلية للمواد الأساسية التي تنتجها الدول النامية، بما في ذلك النفط والغذاء والمواد الأولية، انخفضت بنسبة 50% في العقدين الأخيرين؛ـ مليار شخص يعيشون علي أقل من دولار واحد يومياً، ويعيش ثلاثة مليارات علي دولارين يومياً؛ـ 15% من سكان العالم، وفي بلدان الغرب تحديداً، يسيطرون علي أربعة أخماس ثروات الأرض؛ـ 35 ألف طفل يموتون يومياً جراء أمراض يمكن الوقاية منها؛ـ الناتج الوطني الإجمالي لـ 48 أمة فقيرة، أي ربع دول العالم، يقل عن الناتج الوطني في ثلاث دول غنية فقط؛ـ قرابة مليون آدمي دخلوا القرن الجديد غير قادرين علي القراءة أو الكتابة، أو حتي التوقيع...في طراز ثالث من الاجتماع الدولي، قمة الـ 77، كان الرئيس الكوبي فيديل كاسترو قد عقد مقارنة مباشرة رهيبة بين مسؤولية النظام النازي عن جثث الـ هولوكوست ، ومسؤولية النظام الاقتصادي العالمي الراهن عن جثث الجائعين في أفريقيا. وكان الرجل يقارن وهو يعرف أن شاشات التلفزة في الدول الغربية (المصنعة، المتقدمة، صاحبة قمم الـ G-7 والـ G-8، مالكة أربعة أخماس ثراوت الكون...) سوف تلجأ إلي تحذير مشاهديها من أن المشاهد التالية قد تكون مؤذية للمشاعر: أطفال يرضعون من أثداء ضامرة تحوم حولها أسراب ذباب ليست أقل جوعاً، وأطفال يُدفنون بعد أن التصقت جلودهم بالعظام ونفقوا جوعاً، ورجال ينبشون الرمل بحثاً عن عروق وجذور ودرنات... أياً كانت. وكاسترو لم يكن يفتقر إلي الأرقام ذات الإيحاءات المأساوية الهولوكوستية: في عام 1973 تأثر بالمجاعة نحو ثلاثة ملايين آدمي، وفي عام 1984 بلغ الرقم 7.8، وفي عام 1991 انخفض قليلاً ليبلغ... 6.2 مليون. مجاعة سنة 2000، حين انعقدت قمة الـ 77 في مطلع ألفية جديدة، كانت تهدد 7.8 مليون نسمة في إثيوبيا، و2.7 مليون في كينيا، و1.2 مليون في الصومال، و1.6 مليون في بروندي، هذا إذا وضعنا جانباً أعداد المتأثرين في إريتريا ورواندا وأوغندا وجيبوتي والسودان.وثمة، بالطبع، طراز رابع من القمم، يلتقي فيها زعماء العالم المتخم هذه المرة، وتُعقد بهدف إدارة أزمات العالم الاقتصادية وإيجاد الحلول لها، ولكنها في واقع الأمر لا تدير ولا تحل سوي بعض أزمات العمالقة أنفسهم. لقد وضعت علي جداول أعمالها تنظيم إخضاع الأطراف لسياسات التعديل الهيكلي التي تخدم المركز في عام 1976، وتنظيم إعادة بناء الدولار النفطي لصالح منطق المضاربة المالية في عام 1980، ثم تشجيع الهبوط في أسعار المادة الخام (السبب الرئيسي لحرب الخليج في تقدير رجل مثل سمير أمين)، وتنظيم إعادة جدولة الديون في عام 1982 (دون وضع العلاج الكفيل بحل المشكلة)، وتنظيم إدخال روسيا ودول أوروبا الشرقية في برامج التعديل الهيكلي من طرف واحد في عام 1992، إلخ... إلخ...ثمة، إذاً، تنازع بنيوي شامل، لكي لا نتحدث عن هوة عضوية شاسعة واسعة، بين قمم الثراء وقمم الفاقة، ليس له من حل منظور أو ملموس ما دامت أعراف النظام الرأسمالي العالمي تقتفي الدروب القديمة ذاتها، دون أن تنطوي الأحقاب علي متغيرات ذات جدوي. وطيلة ثلاثة عقود، منذ أن دعا الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان إلي أول قمة تجمع الدول المصنعة الأغني، كان الهدف أقل طموحاً بكثير من سلسلة المصالح المتشعبة التي باتت تُوضع علي جدول أعمال زعماء العالم المصنع. وفي واقع الأمر بات التشعب ذاته هو الذي يحول هذه القمم إلي جعجعة بلا طحن، وإلي حوار بلا طائل داخل قلاع محصنة، حيث الآذان صماء تماماً عما يدور في الشارع من صخب وعنف وتظاهرات واحتجاجات. أخلاقيات هذه القمم لم تتغير جوهرياً، أو هي لم تتغير إلا بما يناسب واقع الحال في الدول الصناعية ذاتها، وبين بعضها البعض، وليس بما يناسب مستجدات العالم الشاسع الواسع، الفقير والمدين والمتخلف والمريض والجائع.الأرجح، والحال هذه، أن حيرة الدكتور جاك ضيوف حول ما يتوجب القيام به لتوفير قوت الأرض وإنقاذ جياع المعمورة من موجات الهلاك، سوف تشتد أكثر مع كل مؤتمر يحضره وهو في موقع المدير العام لمنظمة الـ فاو . والأرجح، استطراداً، أنه لن يقول كلاماً راديكالي الوضوح صريح الاتهام يغضب كبار الكون، علي غرار ما فعل كاسترو أو تفعل عشرات المنظمات غير الحكومية، إلا حين يغادر المنصب. والجوع، في غضون ذلك، يظل كافراً يدفع مَنْ لا يجد القوت في بيته إلي إشهار كل، وأي، سيف!

----------------------------------------------------------
سوريات يطالبن بإطلاق سراح رئيسة المجلس الوطني لإعلان دمشق

طالبت نساء سوريات السلطات بإطلاق سراح الناشطة فداء حوراني رئيسة المجلس الوطني لإعلان دمشق للتغيير الديمقراطي المعارض التي اعتقلتها قوات الأمن الأحد الماضي في سياق الحملة التي شنتها على أعضاء إعلان دمشق على خلفية عقدهم مؤتمرهم مطلع الشهر الجاري وفي عريضة وقعتها 41 ناشطة سورية واستلمت وكالة (آكي) الإيطالية نسخة منها اليوم الخميس، طالبن بالحرية للحوراني، ولكافة معتقلي الرأي والضمير، وقلن فيها "إننا كداعمات لحقوق المرأة نستنكر بشدة اعتقال الدكتورة فداء الحوراني، ونطالب بإطلاق سراحها فوراً، هي وجميع معتقلي الرأي والضمير، وإغلاق ملف الاعتقال السياسي في سورية بشكل نهائي"وكانت الأجهزة الأمنية السورية استدعت واعتقلت العشرات من الناشطين في الإعلان، وأطلقت سراح معظمهم بقي منهم ستة قيد الاعتقال بينهم سيدة واحدة (الحوراني) وأكرم البني وعلي العبد الله وأحمد طعمة وجبر الشوفي وياسر العيتي، وهم أعضاء في مكتب المجلس والأمانةوطالبت منظمات حقوقية سورية عدة بإطلاق سراحهم، وناشدت المنظمات الحقوقية الدولية التدخل الفوري لدى السلطات السورية لوقف هذه الحملة من الاعتقالات، والإفراج عن كافة معتقلي الرأي والضمير في السجون السوريةكما طالب الرئيس الأمريكي جورج بوش شخصياً بإطلاق سراحهم، ورأى أن النظام السوري يواصل "إنكار الحقوق الأساسية لمواطنيه"، بعد أن اعتبر تشكيل التجمع الوطني لإعلان دمشق "إشارة مشجعة لكل الذين يدعمون الحرية والديمقراطية"، وأكّد على دعمه لمبادئ التجمع المعارض
آكي


---------------------------------------------------------

الرحيل إلى المجهول ـ تدمر9 ـ
آرام كربيت
جلست على المصطبة العارية أتأمل توريقة الجدران المجروحة. ذاكرتي راحت في شرود:
وجه رشا الطفولي البريء, ذات الخمائل السائحة وراء الدمع, نائماً على صفحة خدي ووجهي. لا أنسى ملامحها الغاصة بالشهقات. نظراتها ذات النبرات الخائفة. رشا أبنة أختي.. الطفلة ذات الإحدى عشرة ربيعاً.. بطّلتها النضرة, ببوحها النائم على تخوم الخيال, مصفوفة كوردة, كباقة مزينة على هديل الريح, محمولة على سواعد الصباح.
جاءت, تسبقها ثيابها الجميلة المهفهفة. تركض مسرعة, تتطلع, تبحث عن وجهي بين الوجوه المأسورة. تفتش عني, تسرح في البحث عني, من أجل رؤيتي. سنوات طويلة لم تكن قد رأتني.. منذ أن كان عمرها ثلاثة أعوام ونصف العام. ما أن وقعت عيناها على عيني في الزيارة عندما كنت في سجن عدرا, حتى ملكتها الدهشة المغلفة بالحيرة والخوف. كان بيني وبينها شباك, حدود وحواجز, مسافات وأزمان. كانت عيناها مشوشتان, وجهها وشفتيها ترتعشان وترتجفان من الصدمة والخوف. ما أن وقفت أمام الشبك, حتى بادرتني بلوعة السؤال المر, والدموع تتساقط من عينيها بغزارة وحرقة.. تبكي والألم يعتصر فؤادها. مطت رأسها وعنقها الممسوس بالغرابة والدهشة من أجل أن تبقى على حافة التواصل. قالت:
ـ خالو.. لماذا أنت هنا, لماذا وضعوك هنا.. ماذا فعلت؟ قلت متمتماً, مصعوقاً من رعشة السؤال, فجائيتة, فجاجته عندما يخرج من فم طفل صغير, لا يقوى على هضم الكلمات وفهم مردود السؤال:
ـ لم أفعل شيئاً يا رشا.
ـ إذاً. إذاً لماذا أنت هنا, في هذا المكان! لماذا أنت في السجن, وراء القضبان, الشباك الحديدية المحلزنة ذات الثقوب الصغيرة المقطعة. قلت في حيرة وحذر:
ـ الحكاية طويلة يا رشا. حكايتنا حكاية. الأن, لا أستطيع أن أشرح لك. أخاف أن يقترب الجلاد منك ويأكلك. أنه يأكل لحم الأطفال الصغاريا رشا, دموع الأطفال, عظام الأطفال الطرية, الطازجة. عندما يخمن الجلاد أن وراء السؤال سؤال, غيوايات تستولد حكايات, وحكايات تستولد تساؤلات لا تدخل في جوف الطفل كثمرة عابرة, أوحدس فيه تورية. هو يعرف أن الطفل لا يتمرن على معرفة هكذا نوع من الأسئلة العميقة يا رشا. أصبري يا صغيرتي, قليلاً أو كثيراً, حتى تكبري وتعرفي. الأن لن تفهمي ندائي, وكلامي المحفورفي ثنايا قلبي.
لم أكن أعرف كيف أشرح لها, كيف أفهمها أنني لم أفعل شيئاً. كل ما فعلته, إنني كنت أفكرفي صور الممكنات, في الأعاجيز, في الوطن الآخرالجميل.
لم أكن أعرف شكل الجمال في هذا الآخر, لكني حلمت به كثيراً.
كان هذا الآخر, الوطن, الممكن, معي. أحلام متداخلة بالذكريات, مسترخية معي في الزنزانة, في قلبي ودمي. أنذر له الشموع والقرابين من بقايا دمي, من أجل أن يبقى فرحاً, أن تبقى قامته عالية. لم يكن يعنيني أن أكون أرمنياً أوعربياً.. مسيحياً أو مسلماً. كنت أنساناً. ولد في هذا هذا المكان, عاش وترعرع على ترابه الأسمرالجميل. أكل من خيراته. كنت وما زلت أريد أن أعيش كأنسان له الحق في الحياة والحرية والجمال. كان بيننا رفاق وأخوة وأصدقاء, أكراد وعرب وشركس.. علويين وسنة, دروز وأسماعيليين.. مسيحيون ومسلمين. لقد جمعنا هذا الجميل, الحلم, الوطن, الأرض, الآخر, لهذا بقينا وتحملنا أقسى الظروف والمأسي من أجل أن تبقى هذه الأرض الجميلة للجميع ومن أجل الجميع. أقول:
الإنسان هو زمن, مسيرة لحظات, جملة لحظات أو كتلة لحظات مكثفة. يجب أن لا يكون منتمياً لهذا الطيف أو ذاك. أن يكون أنتمائه إلى ذاته, إلى شروط زمانه ومكانه, إلى حريته.
كان الوقت شيخاً عجوزاً طاعناً في السن, طاوياً عباءته القديمة تحت عبه استعداداً للرحيل. جلست على ركبتي أنظر إلى ثنايا وجهه المتجعد, أفكر, قلت:
ـ يا شيخ إنك دائم التجدد, لا تفنى ولا تموت.
كانت الجدران الصادة السميكة تتسلق وجهي, تجلس في حوض عيني, لا تبارحني أبداً.
مسك محمد خير الماكنة اليدوية. قال:
ـ تعال, من أجل أن أحلق شعرك ودقنك. وقف الجميع بصعوبة بالغة. نظرنا في وجوه بعضنا, كأننا نرى بعضنا لأول مرة أو نودع بعضنا لأخر مرة, أو كأننا نكتشف بعضنا للوهلة الأولى. ننتظرلحظات الأنتقال من شكل إلى أخر. قلت:
ـ أصبر علي قليلاً من أجل أن اشلح ثيابي.
بعد أن شلحت الجزء العلوي مني.
راحت الماكنة الحقودة, طائر الليل العجول, متهيبة, تسرح في مراعي رأسي, تأكل زادها من سنابلي. راح ليل الشتاء يمضغ جلدي, يدرس خرائطه فوق المزاميرالراحلة من رأسي. الشعرالاملس الغريب, يتساقط بحياء على شكل أكوام أكوام. رحت أنظر إليه بحسد أقرب إلى الفجاعة, قابعاً على الارض بحيادية باردة, منفصلاً عني, كأنه لم يكن مني.
بقي الشتاء جالساً فوق جسدي, يلسعه ببرده الكاوي. في ذلك الشتاء البارد, في تلك المساحات المفتوحة على شرارات البرد, وقفت مثل شجرة هرمة لا تقوى على التصدي لهذه اللفحات القادمة من وراء الرياح العاكسة لجذوري. لبست ثوب الحزن مرغماً, أنظر إلى قصاصات الليل, وهي تتناسل ببطء من على كتفي, تنزل من على رأسي بحزن وقهر.
مخموراً أنا بالحزن, وشوشات خافتة تتصدرأنفاسي, ممهورة بالعار, تسترخي على نفسي.
آه.. وآلف آه من هذا الليل الطويل.
يا أبانا! يا أبانا إلى متى تبقى الشمس نائمة وراء الغيب, مختفية, تحجب لونها الجميل عنا. لماذا يا أبانا تبقى بلادنا, بلاد الشمس غارقة في الظلمة.
ما أن بدأت ماكينة محمد خيرفي جرد نصف شعري, حتى سمعنا فتح أبواب, إغلاق أبواب, تسبقها حركات غريبة, مترافقة مع صراخ عالي يصل إلى عنان السماء. يفتح باباً, ثم يطرق بقوة. تنتشرفي محيط الفضاء الأهليلجي, رائحة أحذية عتيقة, رائحة واخزة كالزرنيخ, رائحة صنان متماسك, أوعفونة قديمة تلسع مكامن الشم في الدماغ, بالإضافة إلى حركة هرج ومرج غير منتظمة.
أصوات متوعدة, أصوات متقافزة.. متنافرة, تتقافز بين خلائط الجدران وأذاننا, تترفل بالقلق المتوعد, تمشي في حضرة الصدى, متنقلة, خارجة من كل حدب وصوب. صراخ وشتائم. بعد فترة ليست طويلة, فتح باب مهجعنا بقوة مترافقة مع صراخ:
ـ وجهك في الأرض يا أبن الشرمو.. رأسك في الأرض يا أبن.. أغمضوا أعينكم يا أولاد ال.. قفوا خمسة خمسة يا منايك.. قفوا بجانب الحائط, لا تلتفتوا إلى اليمين أواليسار. قفوا بأستعداد تام. لا تتحركوا يا أولاد الزنى. العشرات من الأحذية اللامعة, السميكة تتقدم بخطوات رشيقة. الشرطة العسكرية دخلت المهجع. أنا لم أستطع أن أحصيهم, لكن روائحهم الكريهة كانت تسبقهم, روائح متنافرة, متنوعة, مختلطة, مع عطور رخيصة. كنت أحس بخيال أحذيتهم القاسية وهي تدب على الأرض بثقة. راحوا يضربوا كل من يقف في حدود طريقهم, على الرأس والوجه, الظهروالبطن, مع شتائم لم ينزل بها سلطان من قبل.
صرنا مثل الأرانب الهاربة, نركض هنا وهناك, متقافزين, تتلقفنا أنياب القطعان الكثيرة من الذئاب الشاردة, تنهشنا. كانوا يصرخوا:
ـ إلى الجدار, قف بجانب الحائط.
رحنا نركض من مكان إلى أخر ضمن المهجع. لكننا لم نكن نعرف أين نقف. كنا نحاول بكل الوسائل أن نتقي, نحمي أنفسنا من اللكم والرفس والصفع, على المؤخرة والرأس والظهروالوجه.
أصبح المكان أشبه بميدان مصارعة الثيران, نتلقى الطعنات الحادة والجارحة, كلما حاولنا الفرارمن التسديدات العبثية القادمة من هنا وهناك. نحاول أن نهرب إلى الزوايا من أجل أن نعرف أين نقف, من أجل حماية أجسادنا من الضرب. أصوات الأقدام, تتمازج مع أصوات الأنفاس العالية, المترافقة مع الصراخ والزعيق, الشتم واللكم. صارت الساحة, ساحة المهجع, ملعب أوميدان تهريج واسع. نبرات الأصوات العالية, أحالت الفراغ الى قرقعة. صرخات عالية وشكوى, أوجاع تتقشربسرعة, وجوه تتورم وألم نافرمن الحناجرالمندهشة, الممتزجة باللوعة.
كان صوت صفوان عكاش أقوى وأعلى الأصوات. صوته يرتطم بالسقف, ثم يرتد ليصطدم بالأرض, تمتصه الجدران السميكة, ثم تعيده إلى أسماعنا, بصوت كصوت البكاء على الأموات أوالأحياء.
لم نعد نعرف إلى أين نذهب, إلى أية زاويا من الزوايا نلجأ. في محاولة الهروب, كانت الجدران تتكفل بردنا إليهم, والبدء من نقطة الصفر. نعود إليهم مثقلين باليأس, فنتلقى ضربة أخرى أقسى وأمر. القلب ينبض بسرعة هائلة, مثل الشرنقة المغلقة في مدارمغلف بميثاق المكان المحاط بالجدران السميكة والعالية. كنت أجنح للهروب.. بشعر نصف محلوق ونصف راعش وكثيف, في كينونة مغلقة ومقفلة. أركض إلى هنا أوإلى هناك مثل الغمام المتعرج الهارب إلى ما وراء حدود الغيم والسماء .
كان عددهم أكثرمن عددنا بكثير. الأسوارتدون كلماتنا على حدود قشرتها في ذلك الأفق والمكان. كان هناك ميثاق ما بيننا وبينهم, أن نلتف في حدود منعطفاتهم الغامضة, في أتجاه الأحزمة المسورة. أنا ورفاقي , أجساد ورؤوس, تتناطح ببعضها دون أرادة منا. كانوا يزمجرون ويرعدون. أصواتهم الخشنة, أيديهم القاسية, حوافرأقدامهم الطويلة لا توفر شيئاً.
كنا نهرب ضمن فضاءات أصواتهم المنفرة, لنبقى محشورين في مواسم الليل والجلاد. نهرب داخل أهراءاته المزدهرة الواسعة, الكثيرة والوافرة.
ما زال زمن الجلاد عامراً.
زمن فرش زاده الأسود على كل لون.
الحفلة الطويلة, ضرب ولكم, تدافع ودفع.
حشرونا ببعضنا, إلى أن أخذت الأشياء, الأمور, اصطفافاتها. أستطعنا أن نعرف ماذا كانوا يريدون منا, وإلى أين يريدوننا أن نقف. اللهاث الحاد والمر يعلو ويهبط.. العيون مغمضة, الرؤوس والجدوع منحنية. وقفنا بجانب الجدار.. خمسة, خمسة زائد واحد. التفوا حولنا. كل ثانية, يقترب أحد رجال الشرطة من أحدنا, من أحد السجناء القريب منه. سجين لا على التعيين. ينظر إليه, ليعرف من أين سيضربه. يدوزن وجهه بعينيه, يتأمله برغبة شاذة, يجهزيديه, يفتح كفه على وسع, ثم يلسعه بضربة ماكرة وماهرة. يأتيه الصفع من تحت. صفع تتناول الفم والأنف والعينين والوجه. ثم يعقبها بلكمة أو رفسة ماهرة وسديدة إلى مؤخرته. بعدها يذهب في التلذذ:
ـ تعال إلى هنا يا أبن الشرمو.. أغمض عينيك, أرفع وجهك إلى الأعلى. يمرر يديه على الوجه كما يفعل الحلاق عندما يشحذ شفرة الحلاقة على الجلد, ثم يطلق تنهيدة مفتوحة:
ـ آه.. ما أجمل صفحة وجهك. أبق كما أنت. يضع يده بتحبب على الوجه, ثم يمررها, يقلبها على الوجهين, ثم يرفع يده بكل ما يستطيع من قوة وبطش, ليصفعه صفعة ترتج لها الأبدان. على أثرذلك تطلق الصفعة طنيناً عالياً في الأذن والخلايا.
تتوالى الصفعات على الجهتين, على الخدين, إلى أن يمل الجلاد من الضرب.
الكثيرمنا كان يرتعش من هول المفأجاة وقسوتها.
أين نحن.. في أية غابة من غابات الأسد محجوزين. ما هي درجة التعذيب التي وضعها الأسد الأب والأبن لأتبعاعه بأتباعها. ما هي أسماء الوحوش التي سمح لها أن تتلذذ بتعذيبنا. متى وأين أخذت هذه الأوامر والأجراءات.
في هذا المكان أكتشفت همجية حافظ الأسد وعائلته على حقيقتهم.. دونيتهم, قذارة أخلاقهم.. سلطتهم الوضيعة, الداشرة من كل قيد.
بعد أن هدأت العاصفة قليلاً بعض الشيئ من الضرب واللكم هنا وهناك, مع بعض الرفس والصفع هنا وهناك مع بعض الشتم والسب هنا وهناك.
راح كبيرهم, يتناول أحدنا بطريقة أنتقائية مدوزنة. يمسكه ويضربه أو يرفسه, مترافقة مع البصق والزعيق.
كل ثانية تسمع صوت آهات تخرج من هنا أو هناك من فم مبحوح, مع حركة سقوط الجسد على الأرض. مسك أحدهم عمار رزق وراح يضربه قائلاً:
ـ هل أنت رئيس المهجع!
لم يجب. ضربه مرة أخرى, مرة بعد أخرى. كرر السؤال مرات كثير. إلى أن قال أخيراً.
ـ لا.. لا لست رئيساً للمهجع.
استلموا بكرصدقي, بعده صفوان عكاش, عبد الكريم عيسى, ضربوهم بقسوة. كرروا السؤال وأجابوا مثلما أجاب عمار, بأنهم ليسوا رؤوساء المهجع. بعدها تناولوني. قالوا:
ـ هل أنت رئيس المهجع.
ـ قلت: لا. قالوا لقد عينا لكم رئيساً للمهجع من هو؟ قلت:
ـ لا أعرف. لكن, لست أنا.
كنت نصف عاري في ذلك الشتاء البارد.. من الثياب والشعر.
تناولوني بالضرب من كل الجهات. التموا علي, كل واحد يمسك معوله, راح يحفر في كل مكان مني. صفع على الوجه, لكم في البطن, على الظهروالصدر, على الرأس, رفس على المؤخرة, بالكفوف والأيدي والأرجل. كان للضرب صدى, حرارة ولون. رموني على الأرض, جعلوا وجهي موازياً للبلاط, صعدوا على ظهري, راحوا يصعدوا عليه, يرقصوا. ثم قلبوني إلى الصفحة الأخرى, صار وجهي في وجوههم. صرخوا علي:
ـ أغمض عينيك.
راحوا يضربوني بأرجلهم على بطني وخاصرتي وفخذي ورجلي. صارت اللكمات والرفس والصراخ والضرب يأتيني من كل جانب. أكثر مكان تناولوه كان وجهي. كان وجهي مشكلة لهم. لم أعد أعرف من أين تأت الصفعات الكثيرة لي. لقد تدفق الدم من وجهي وفمي. تورم كل مكان مني. الوجه صار أحمر اللون, الأنف نزفت والأذن تخرشت وجرحت, صارت الكدمات في كل مكان من محيط رأسي. رغم أن لوني صارأحمراً, لكنهم لم يشبعوا مني, لم يرتو غليلهم. مسكوا أقدامي, راحوا يسحلوني على أرض المهجع مع الضرب والشتائم, مع صراخ مختلط بضحك رخيص. كنت أصرخ وأصيح. لكنهم كانوا يزدادون شراسة كلما تألمت أكثر, كلما تفجرت بقعة دم مني. صاروا أكثر توحشاً وهمجية من قبل.
أكثرشيئ كان يؤلمني ويخيفني أن يشوهوا وجهي وجسدي. كنت أخاف أن يفقأوا عيني, أن يثقبوا أذني, أن يشلوني بالكامل. استسلمت لمصيري وبقيت بين أيديهم يشكلوا صورتي الجديدة على الصعيد النفسي والروحي والجسدي. صرت تحت رحمة أقدامهم يفعلوا بي من يشاؤوا.
كنت أتساءل مرات كثيرة:
ـ كيف يستمتع الناس, عشرات الرجال, بضرب إنسان في كل مكان من جسده, في وقت لا حول لا له ولا قوة.
لم يتكلموا أي كلمة خارج حدود عملهم الرخيص. كما لم أستطع أن أرى وجوههم. كما لم أعد أسمع لهاثهم الحقودة المختلطة بلهاثي الموجوع. كنت أطوي جدعي وأضع يدي على وجهي ورأسي لحمايتهم من الضرب. لكنهم كانوا يبعدون يدي بقوة من أجل التحكم باللكمة في المكان الذي يرغبوا أن يصلوا إليه. كانوا طوال القامة, ممتلئي اللشة والجثة. صفحة اليد من أحدهم تساوي ثلاثة كفوف لرجل عادي. قالوا:
ـ أنت رئيس المهجع. لم أرد على كلامهم. تناولني أحدهم برفسة أطاحتني أرضاً مترافقة مع البصق. بعدها قالوا قم واقفاً يا أبن الشرمو.. وقفت كما أمروا. قالوا:
ـ قف بأستعداد تام, رأسك منحنياً إلى الأسفل. أنت رئيس المهجع. كررما نقول لك. قلت:
ـ أنا رئيس المهجع. قال أحدهم:
ـ لم تتعلم بعد, تعال إلى عندي يا أبن.. ذهبت إليه مغمض العيني, أمشي إلى مصدر الصوت. قال:
ـ أبقي عينيك مغمضة, أرفعها إلى الأعلى بأستعداد تام. وقفت كما قال وأمر. راح يصفني بكل ما يملك من قوة. مع كل صفعة أقع على الأرض. صدى طنين قوي يضرب أذني وينمل وجهي ورأسي. يمسكني أحدهم ويقربني إلى مصدر الصوت, يثبتني لأتلقى الضرب والصفع المنظم مرة أخرى.
بعد أن شبع حافظ الأسد وعائلته من جلدي, ساد هدوء كامل.
وقفت منحني الرأس والجدع بينهم, معفرالتراب, ممتلئ بأوساخ الأرض وأثار أحذيتهم القذرة. صامتاً, موجوعاً, ألهث بصعوبة, أعمل على أستعادة أنفاسي المتعبة.
التفوا حولي, يراقبوني دون أن يتكلموا أو يشتموا أو يصدروا صوتاً. ربما أحسوا أن هذه الوجبة تكفي هذا اليوم. غادروا بهدوء وكأن شيئاً لم يكن. واجب قاموا به, وظيفة أنجزوها. قالوا بعد أن صاروا خارج المهجع:
ـ تعال شد الباب. رحت بأتجاه الباب, مسكت الحبل المربوط بالحديد وشددت الباب.
يا رب ماذا أقول, لمن أشكي, لمن أصرخ وأقول. لا أستطيع ان أقول إلا كلمة.. آه.
مجتمع ترك شأنه ومصيره للجلاد, يتحكم فيه وبنا.
ان هذا الوحش المتعطش للدم ما زال يحكم سوريا من قبره.. إنه يريدها متفسخة على شاكلته.
دخلت الحمام منطوياً على نفسي, معتمداً على رفاقي وأخوتي في المهجع. غسلت وجهي ورأسي بالماء البارد. نظرت في الوجوه الكسيرة. قرأت المرارة والحزن في أحداق الجميع, إنكسارعميق, مغرق في العمق. كأنهم يقولون:
ـ ستبقى بلادنا بيد الجلاد حافظ الأسد وأولاده مدة طويلة من الزمن. ما زالت شروط اللعبة الدولية تريده, تقبله كولد مدلل في حضنها. تريده من أجل سياساتها في منطقتنا. لأنه أي هذا الولد, الصبي, حافظ الأسد, لن يتورع عن القيام بكل شيئ مقابل ضمان بقاءه في السلطة ولأولاده من بعده. ما زالت عقلية اللعبة الدولية تدار حتى هذه الساعة بنفس الطريقة التي كانت تدار بها السياسة الدولية أيام الحرب الباردة. لم تحن الأوان لتغييرات استراتيجية على هذا الصعيد. يبدو أن هذ الغرب أدمن اللعبة وليس لديه طرائق أخرى في إدارة اللعبة الدولية بغير هذه الآليات.
كنت دائخاً, متعباً مهموماً. قلت للرجال العشرة:
ـ ماذا نفعل, إننا ندخل في نفق مظلم. ليس لدينا شيئ ندافع به عن أنفسنا. هل نبقى تحت رحمتهم, يشكلوا تأريخنا وحاضرنا بالطريقة التي يريدونها أويرغبونها, أم لديكم أقتراحات أخرى. أجاب أغلبنا:
ـ لن نفعل أي شيئ. ليس لدينا خيارأخر سوى تحمل قسوتهم.
ذهبت إلى جانب فراشي, جلست عليه لأخذ قسطاً من الراحة. خبط الشرطي من على السطح:
ـ أبن الشرمو.. يا رئيس المهجع. خبطت بحذائي المهترء, علامة على التحية, قلت:
ـ حاضر حضرة الرقيب أول.
ـ يا أبن القحب.. لا تقتربوا من الباب الخارجي كثيراً. هل حلقتم شعركم. قلت:
ـ إننا نحلق يا حضرة الرقيب أول. قال:
ـ عندما أخبط عليك, على السقف. تقف بأستعداد تام يا أبن المنيوكة, بينما الآخرين يبقوا في أماكنهم. خذ وضعية التمرين التاسع يا أبن الزنى.. واحد أثنان.. واحد أثنان. رحت أنفذ هذا التمرين الصعب بصعوبة كبيرة. ثم قال:
ـ منبطحاً.. واقفاً, منبطحاً.. وقفاً.
أزحف على بطنك يا أبن الشرمو.. على الأكواع والركب يا أبن القحب. رحت أنفذ ما يقول. ثم طلب من الجميع أن تزحف. على الأيدي والركب. نادى:
ـ أنت الذي لأبس البيجاما الصفراء. أجلب بيدون ماء سعة عشرين ليتر. ثم أضاف بلهجة واثقة:
ـ سبح كل واحد بالماء. ثم سبح نفسك. راح الذي يلبس البيجاما الصفراء يملئ الماء فوقنا, بينما نحن جاثمون على ركبنا.
صار الشتاء وكانونه شتاءان مركبان في شتاء واحد. الهواء البارد يهب من الشراقة المفتوحة, من النوافذ الصغيرة المطلة على الغرب, يلفحنا. ثيابنا مبللة بالماء, أجسادنا مثقلة بالماء والتعب والتعذيب. كنت أقول:
ـ عندما كنت أتنقل في ربوع بلادي, أينما تنقلت, أجد ناس لطفاء, رحماء. أما هؤلاء البشر, الشرطة, من أي كوكب جاؤوا. ألا يحس هذا الشرطي العادي, والأعزل بآلام الآخرين. كيف يتمتع بتعذيب بشر تعرضوا قبل قليل لمختلف أنواع التعذيب, ويكمل ما أنتهوا منه قبل قليل.
يتبع
آرام كربيت


-----------------------------------------------------

مجلس إعلان دمشق: ليبرالية أم واقعية؟

جورج كتن


انعقاد المجلس الوطني لائتلاف إعلان دمشق خطوة على الطريق الطويل للمعارضة للانتقال بسوريا من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي، أكدت قدرات المثقفين الديمقراطيين على تطوير ائتلافهم رغم استمرار إجراءات النظام القمعية، فقد جرى الانعقاد في موعد فاجئ السلطة، وهو السبب الذي جعل البعض يدعي بان السلطة بعد أنابولس غضت النظر عن انعقاد المجلس، كما ظن آخرون أنها انفتحت على المعارضة، فيما إن نظافة صفوف ناشطي المعارضة وإتقانهم العملية تجاوز السلطة فجاءت حملة اعتقالاتها بعد أن سبق السيف العذل.

أكد المجلس في بيانه الختامي على توجهاته الديمقراطية وعدم احتكاره العمل المعارض السلمي، وكان لافتاً الحضور النسائي وانتخاب إمراة لرئاسة المجلس، واعتماد الانتخاب الديمقراطي في صفوف الإعلان ورفض التوافق المبني على المحاصصة بين "الكبار"!

ضم المجلس جميع التيارات السياسية، ولم يكتف كما في معارضة القرن الماضي بالاتجاهات العلمانية في جهة، والإسلامية في جهة أخرى، فقد ضم المجلس تياراً إسلامياً ديمقراطياً مستقلاً بالإضافة لتمثيل التيار الليبرالي من خلال مستقلين، بعد انهيار تحريمه وسقوط التهم التي كانت تلصق به من فرسان الجملة الثورية القومية واليسارية. وقد وصف المفكر برهان غليون ذلك "بولادة نخبة ليبرالية سورية تتغذى من انحسار أفكار الاشتراكية على الصعيد الدولي".

إن إطلاق صفة "ليبرالي" على جميع المثقفين المستقلين المخالفين لتوجهات القوميين واليساريين هي نتيجة للهواجس المرافقة للإصرار على رفض وقائع العصر والتمسك بنصوص الأيديولوجيا، وتجاهل لدور المثقفين في إطلاق "ربيع دمشق" بشتى فعالياته، وتضحياتهم إلى جانب الأحزاب المعارضة "التاريخية". وقد رد شيخ المعارضين المخضرم رياض الترك على تشويه الحقائق بطريقته الواقعية: "هذا ليس توجهاً ليبرالياً، هذا موقف عقلاني".

كان من الطبيعي لإجراءات المجلس أن لا تتم بإجماع الآراء وهي سمة لمؤسسة شمولية، فلا بد أن تبرز خلافات حولها. وكان لافتاً اعتراضات "حزب الاتحاد الاشتراكي" على انتخابات أمانة المجلس لعدم نجاح مرشحيه، ولكن ما لم يكن طبيعياً التفسيرات التي أعطيت من قبله، بأن هناك "عملية تعبئة لإقصاء القوميين بعد أن.. اخترقت الإعلان ظواهر غير مطمئنة"، من "تيار ليبيرالي ويساريون تحولوا إلى الليبرالية .. سيطروا على الائتلاف"، "لا يعترفون بالمؤامرات الخارجية .. لا يدينون السياسات الأميركية .. يعتمدون على الهجمة الأميركية لتحقيق التغيير..".

وغير ذلك من التفسيرات التي تجافي الواقع، التي أدت وبسرعة لافتة لإعلان "الاتحاد" عن تجميد نشاطه في إعلان دمشق، وهي خطوة تصعيديه غير ضرورية، سبقت بدء حملة الاعتقالات ضد أعضاء المجلس، وتكاد تذكر بانشقاق الحزب الشيوعي -المكتب السياسي- عشية الاعتقالات في صفوفه أوائل الثمانينات عقب مؤتمره الذي أقر بدايات توجهه الديمقراطي المخالف للماركسية.

لا نقصد التلميح بما يمكن أن يتبادر للبعض حول المقاربة التاريخية، ولا نوافق على ما لمح له البعض من أن قياديي "الاتحاد" على علاقة بمسؤولين كبار في قمة النظام، ولكننا استغربنا الحجج التي أعطيت للخطوة المتسرعة، إذ لا يمكن لحزب "ديمقراطي" أن يعترض على انتخابات أدت لعدم نجاحه، وإلا ظننا أن الديمقراطية لديه مقبولة فقط عندما تكون نتائجها لصالحه. والتمثيل في "الائتلاف" لم يؤد لإقصاء القوميين، فباعتراف القيادي في "الاتحاد" هناك ممثلة له في الأمانة العامة، وهناك قوميين آخرين من خارج "الاتحاد"، بالإضافة لرئيسة المجلس التي يعترف بأنها ذات اتجاه قومي وليبرالي، لم يقص نصفها الليبرالي نصفها القومي!!

وبعكس ما قيل فالبيان الختامي أكد أن التغيير الديمقراطي هو أيضاً "لتحصين البلاد من التدخل العسكري الخارجي وخطر العدوان الصهيوني المدعوم أميركياً" وأن "الأخطار الداخلية والخارجية تهدد البلاد أكثر من أي وقت مضى"، ورفض الاستقواء بالقوى الخارجية "لتجنيب البلاد المرور بما مرت به بلدان مجاورة"...

وإذا كان صحيحاً أن "ليبراليي" المجلس مع شعار "سوريا أولاً" كما قال قيادي من "الاتحاد" فالحقيقة أن المجلس لم يعترض على إيراد البيان أن "سوريا جزء من الوطن العربي ارتبط به في الماضي والحاضر وسيرتبط مستقبلاً.." كنص تتوافق حوله التيارات المؤتلفة على أن يحتفظ كل طرف بحقه خارج الإعلان للدعوة لسوريا أولاً أو لقومية سورية أو لقومية كردية أو لوحدة قومية عربية فورية أو اتحادية.. فلا يمكن "للاتحاد" أن يفرض رأيه الخاص "القومي العربي" على القوى المؤتلفة التي يجمعها الهدف الرئيسي: انتقال سوريا من الاستبداد للديمقراطية ولا يجمعها "إعادة الوحدة بين مصر وسوريا" أو غيرها...

"الاتحاد" يريد توافقاً حول ثوابته الخاصة، ليس فقط ضد الاستبداد، ولكن أيضاً لمقاومة المشروع الأميركي-الصهيوني ولدعم حركات المقاومة على جميع الجبهات: العراق ولبنان وفلسطين والصومال وأفغانستان..وحماية لبنان من التدخلات الخارجية بتشكيل حكومة "يرضى عنها جميع اللبنانيين"، أي مشروع حزب الله لإنهاء سلطة الأكثرية المنتخبة بفيتو الثلث الضامن .. واعتبار لقاء أنابوليس تطبيع وتنازلات مجانية وهرولة.. مما يشير بأصبع الاتهام للرئيس عباس كما تفعل قيادة حماس في غزة..

هل هذا معقول؟ هل يمكن أن يقوم ائتلاف حول برنامج "الاتحاد"؟ فإذا لم يحصل ذلك ينسحب؟ الائتلاف الذي يجمع غالبية التيارات هو فقط للتغيير الديمقراطي، أما الثوابت الأخرى "للاتحاد" فيمكن الائتلاف حولها في المؤتمر القومي العربي أو ربما الجبهة الوطنية التقدمية. "الاتحاد" حسب قناعتنا متمسك بالعمل لنظام ديمقراطي، وهي مهمة صعبة وطويلة تحتاج لجهود الجميع ولا يمكن تأجيلها أو إعطاء الأولوية لأهداف أخرى غيرها، ولا يمكن جمعها مع مهمات أخرى كفتح جبهات مقاومة ودحر المؤامرات، أو توحيد البلدان العربية، وغير ذلك من "ثوابت الأمة"...

"الاتحاد" ليس مضطراً للتخلي عن "ثوابته" إذا شاء ذلك، لكنه من المفضل أن يتخلى عن محاولة فرضها على ائتلاف المعارضة السورية، إذ لا يمكنه التعامل مع الائتلاف كما يتعامل مع "التجمع" القومي اليساري الثوري، فالائتلاف المعارض الواسع لا يمكن أن يكون نسخة أخرى عن "التجمع"، و"الاتحاد" يكفيه دوره القيادي في "التجمع" وليس بحاجة لقيادة تجمعان "ثوريان".

هذا أقل ما يمكن توقعه من "الاتحاد" بعد أن افتقد مؤسسه البارز الدكتور جمال الاتاسي، الذي لا نعتقد أنه كان سيقبل بالسياسات الحالية لقيادة "الاتحاد"، والذي لعب دوراً أساسياً في تبني "الاتحاد" للديمقراطية رغم تعارضها مع النهج الناصري، أي نظام الحزب الواحد و"الديمقراطية الشعبية؟"، التي ورثها البعثيون بعد تخليهم عن ديمقراطيتهم لسنوات الخمسينات.

ويخشى إذا استمر تجاهل الوقائع المعاصرة والتمسك بالأيديولوجيات القديمة أن تؤجل الناصرية السورية الديمقراطية، من أجل التهويل بالأخطار الخارجية، وهو ما قد تنزلق إليه قيادة "الاتحاد" في رفضها المبطن لنتائج انتخابات المجلس، ونأمل ألا يتخذ اجتماعها القادم قراراً بالخروج من الائتلاف، فدور "الاتحاد" داخله أهم من "الجبهات" المتخيلة لدعم "المقاومات"..

أية مراجعة يحتاجها "الاتحاد" في مفترق الطرق الراهن؟ العودة "لقواعده" لأيام الستينات، أم أخذ الأوضاع الراهنة للقرن الواحد والعشرين بعين الاعتبار؟ هذا هو السؤال الأهم المطروح وليس: هل نبقى أم نخرج من الائتلاف؟

إن اهتمامنا بمناقشة مواقف "الاتحاد" تنبع من تقديرنا لأهمية دوره، من غير أن نهمل مواقف أخرى مثل تصريحات حزب العمل الشيوعي عن تعارض "تكتيكي" مع الائتلاف "التحريفي" الذي "لم تترك الليبرالية لنا مكاناً داخله"...أو مواقف أخرى أقل أهمية مثل دعوة الكاتب سيد رصاص لانشقاق قوى الإعلان الذي انحرف عن "الخط الوطني القومي للمعارضة بجناحيها الماركسي والقومي" و"اقترب من أبو مازن و14 آذار.."!!. أو كما رأى البعض خروج الإعلان عن خط التغيير إلى الإصلاح تحت سقف النظام.. حسب زعمهم..

وهي مواضيع يمكن مناقشتها لاحقاً لكي لا نثقل على القارئ.. على أن يسمح لنا بإضافة بضعة ملاحظات حول البيان الختامي من موقع التأييد للإعلان الذي لا يحتاج للمزيد من المديح ولكن للنقد، فانعقاد المجلس خطوة للأمام لكنها لا يجب أن تدير الرؤوس لتنسى أن معيار النجاح امتلاك القدرة مستقبلاً على تحريك تعاطف شعبي وتأييد معنوي ومشاركة متصاعدة لقطاعات من الناس المهمشين، آخذين بالاعتبار الظروف الراهنة حيث يسود القمع، ومقدرين لجهود خيرة المثقفين السوريين الملتفين حول الإعلان إذ بين أيديهم مستقبل البلاد. كما أنه كان من المفضل لو أن البيان أشار للمعارضين السوريين في الخارج تقديراً لدورهم في الظروف الراهنة.

ahmarw6@gmail.com

* كاتب سوري


-----------------------------------------------
تعرّف على ألمانيا 21.12.2007
"أعمال هاينرش بُل تلامس جراحات وعذابات العالم أجمع"
الكاتب الألماني هاينرش بُل
عزز تشابه الظروف التاريخية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وتلك التي سادت وتسود بعض الدول العربية بسبب الحروب المتكررة من فرص تلقي أعمال هاينرش بُل الإبداعية، كما يرى الشاعر عبد الخالق كيطان في حوار مع موقعنا.


أرتبط أسم الكاتب الألماني هاينرش بُل باستقبال الأدب الألماني الحديث عموماً في العالم العربي، بشكل ميزه عن بقية الأدباء الألمان، الذين تم تلقي أعمالهم في البلدان العربية. بُل خبر الحرب وعرف أهوالها ومآسيها، بل وصار من ضحاياها الذين لم تندمل جراح حزنهم، كما قال ذات مرة. وللبحث عن بداية جديدة كتب عن الحرب وما تلاها من فترة الضياع واليأس وطرق أبواب الحياة من جديد، تلك الابواب، التي أوصدتها الحرب المدمرة.

في أعماله المبكرة بعيد الحرب العالمية الثانية حاول بُل جاهداً أن يصور بشكل واقعي بعيداً عن التزويق فضائع تلك الحرب والظروف التي سادت ألمانيا بعدها، حاله في ذلك حال جيل الكتاب الشباب، الذين وصفهم زميله فولغانغ بورشرت "بالجيل الضائع". ووضعت أعمال بُل وبورشرت المبكرة تلك البداية الحقيقية "لأدب الأنقاض". وكتب بُل واصفاً ذلك الأدب في مقال أسماه "اعتراف بأدب الأنقاض": "أذن فنحن نكتب عن الحرب عن العودة إلى الوطن وعن كل ما رأيناه في تلك الحرب وما وجدانه أمامنا عند عودتنا منها: أننا نكتب عن الأنقاض". ويبدو أن الجراح التي تركتها الحرب في نفس بُل لم تنتهي حتى مع انتهائها، فقد كتب في قصة "الرسالة"، التي نشرت عام 1947 يقول: "ثم عرفت أن الحرب سوف لا تنتهي مطلقاً، طالما كان هناك ثمة جرح خلفته وما زال نازفاً في مكان".

البداية مع "عندما انتهت الحرب

من اليمين المخرج العراقي كاظم النصار وفي الوسط الشاعر عبد الخالق كيطان


تعود بواكير التلقي الترجمي لأدب هاينرش بُل إلى ستينات القرن الماضي، حينما دخل تلقي الأدب الألماني في العالم العربي عموماً مرحلة جديدة، تمثلت بجيل جديد من المترجمين، الذين أتموا دراسة اللغة الألمانية وآدابها في الجامعات الألمانية وبدؤوا بترجمة الأعمال الإبداعية الألمانية عن اللغة الأصلية بعد عقود من الترجمة عن لغتين وسيطتين هما الانجليزية والفرنسية. وأعاد الكثير من الباحثين هيمنة تلك اللغتين على تلقي الأدب الألماني في العالم العربي إلى الظروف السياسية التي رافقت وخلفت سيطرة بريطانيا وفرنسا الاستعمارية على البلدان العربية وما رافقها من هيمنة ثقافية. والتلقي الأدبي هو أحد مباحث علم الأدب المقارن المتعلق بتلقي أو استقبال الأعمال الأدبية خارج بيئتها الثقافية.

وبعد ذلك التحول في تلقي الأدب الألماني عامةً، تكاتفت جهود مجموعة صغيرة من المتجرمنين العرب، ومنه مصطفى ماهر وفؤاد رفقة ومجدي يوسف لإصدار أول مجموعتين قصصيتين عن الألمانية مباشرة. واستهلت أول مجموعة قصصية مترجمة عن الألمانية مباشرة "قصص ألمانية حديثة"، صدرت في عن دار صادر في لبنان عام 1966، بقصة هاينرش بُل الطويلة "حينما انتهت الحرب" بترجمة الدكتور مصطفى ماهر. غير أن هذا التلقي سرعان ما تراجع وخمل، ولم يتم استئنافه إلا بعد وفاة الكاتب عام 1985.

"ولم يقل كلمة" على خشبة المسرح العراقي

إحدى أعمال بُل المترجمة إلى العربيةأقتصر تلقي هاينرش بُل في العراق لسنوات طويلة على التلقي الترجمي من خلال تراجم قصصه وأعماله التي تناثرت على صفحات المجلات الأدبية العراقية والمجموعات القصصية المترجمة، التي كانت زاخرة بألوان من قصصه القصيرة. فقد ترجم له المترجم العراقي طارق العاني في مجموعتيه "ليلة في فندق" و"تيودورا الخالدة" العديد من قصصه القصيرة، التي تنوعت اتجاهاتها بين أدب الحرب والاتجاه الساخر، الذي نهجه بُل خلال فترة المعجزة الاقتصادية في ألمانيا.

وبعيد انتهاء حرب الخليج الثانية في مطلع تسعينيات القرن الماضي قام الشاعر العراقي ياسين طه حافظ بترجمة رواية بُل "ولم يقل كلمة" (1953)، التي تنتمي إلى مرحلة إنتاجه الروائي المبكر، عن لغة وسيطة هي اللغة الانجليزية. الأسباب، دفعت حافظ إلى ترجمة العمل إلى العربية هي الظروف الاجتماعية التي عاشها العراقيون في تلك المرحلة والأوضاع، التي مرت بها ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، كما لمح في مقدمته.

ولم يتوقف تلقي الرواية عند المرحلة الترجمية فحسب، بل قدر لها أن تأخذ نوعاً آخراً من أنواع التلقي، وهو التلقي الخلاق. فقد قام الشاعر والمسرحي العراقي عبد الخالق كيطان بإعدادها للعرض على خشبة المسرح تحت عنوان "حياة مدجنة" عام 1992، وأخرجها للمسرح الفنان كاظم النصار. وفي حوار مع موقعنا قال عبد الخالق كيطان: "إن الرواية لا تلامس هموم وعذابات المواطن الألماني بعد الحرب العالمية الثانية فقط، بل عذابات وجراحات العالم اجمع، الذي أُبتلي بالحروب والدماء". ويوضح الشاعر أن تشابه الظروف الاجتماعية والتاريخية بين ألمانيا ما بعد الحرب وتلك التي مر ويمر بها العراق كانت دافعاً أساسيا له في زيادة فرص تلقي الرواية عربياً من خلال إعدادها لخشبة المسرح، لتفوز بجوائز إحدى مهرجان منتدى المسرح العراقي في بغداد عام 1992.
إغناء ثقافي

"ثم عرفت أن الحرب سوف لا تنتهي مطلقاً، طالما كان هناك ثمة جرح خلفته وما زال نازفاً في مكان".كان احتفاء الشارع الثقافي العراقي بصدور ترجمة تلك الرواية إلى العربية عام 1991 مرتبطاً بالعديد من الأسباب. فقد انحصرت ترجمة أعمال بُل بجنس القصة القصيرة، وكانت "ولم يقل كلمة" أول رواية من أعمال بُل تترجم إلى العربية في العراق. إضافة إلى ذلك فقد كان لها دور كبير في إغناء المكتبة العربية بمواضيع راهنة وأساليب جديدة. عن هذا يقول المسرحي العراقي: "لقد قدمت تجربة بُل الإبداعية تلك، كغيرها من أعمال الكتاب الألمان في فترة ما بعد الحرب، إضافة هائلة للمكتبة العربية، التي كانت تعاني من فقر في هذا الجانب. لقد كانت أعمال بُل كنوزاً هائلة عثر عليها المثقفون العرب". ويشير عبد الخالق كيطان أن هناك الكثير من الكتاب تأثروا بهذا الأسلوب في الكتابة وبدؤوا بإنتاج مسرحيات وروايات لا تخرج عن هذا الفن.


ويرى أن الأدب الألماني حاضراً بقوة في البلدان العربية التي شهدت حروباً، وفي العراق بشكل خاص، بالرغم من ندرة المترجمين عن الألمانية هناك.
عماد م. غانم
---------------------------
------------

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا