
سورية وقرار المشاركة في انابوليس
صحيفة القدس العربي اللندنية - الاثنين 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2007
رأي القدس العربي اللندنية
قرار الحكومة السورية بتلبية الدعوة الامريكية لحضور مؤتمر انابوليس للسلام الذي سيعقد غدا، وارسال وفد رسمي برئاسة السيد فيصل المقداد مساعد وزير الخارجية السوري، كان متوقعا ولم ينطو علي اي مفاجأة. فقد كان واضحا منذ البداية ان هذه الحكومة تبحث عن غطاء ما لتبرير مشاركتها، بل لا نبالغ اذا قلنا انها سعت لدي اطراف عربية لاقناع واشنطن بارسال دعوة رسمية لها اولا، واضافة مسألة الجولان الي جدول الاعمال ثانيا، حتي تحسم امرها وتنضم الي الدول العربية المشاركة.
القيادة السورية كانت تعارض فعلا المشاركة في مؤتمر انابوليس، لان الادارة الامريكية قالت منذ البداية ان هذا المؤتمر سيعقد من اجل اطلاق المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية مجددا للوصول الي اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، واكدت ان القضايا الاخري مثل هضبة الجولان السورية المحتلة لا مكان لها علي جدول الاعمال.
سورية لم تكن مدعوة اساسا للمؤتمر والآنسة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية لم تخف رغبتها في تجاهل دمشق، لتكريس عزلتها العربية والدولية باعتبارها احدي الدول المستهدفة الي جانب ايران وحزب الله وحركة المقاومة الاسلامية حماس. الرد السوري علي هذا التجاهل الامريكي المتعمد والاستفزازي جاء علي شكل دعوة الفصائل والشخصيات الفلسطينية المعارضة للمؤتمر وسياسات الرئيس محمود عباس لعقد مؤتمر مواز في دمشق، يطالب بالتمسك بالثوابت والتشكيك بتمثيل الرئيس عباس للشعب الفلسطيني والتفاوض باسمه بالتالي حول قضايا الحل النهائي.
التراجع السوري بدأ يتخذ طابعا تدريجيا، ففجأة طلبت الحكومة السورية من فصائل المعارضة الفلسطينية تأجيل مؤتمرها الذي كان من المفترض ان يعقد في العاشر من هذا الشهر، وعقده بالتزامن، اي في الفترة نفسها التي سينعقد فيها مؤتمر انابوليس.
السيد طلال ناجي رئيس اللجنة التحضيرية لمؤتمر المعارضة ارسل خطابات الي جميع الجهات والشخصيات المدعوة للحضور تتضمن قرار التأجيل ولكن دون تحديد اي موعد جديد. الامر الذي اوقع المنظمين في حالة من الارتباك، خاصة ان الدولة الوحيدة التي عرضت استضافة المؤتمر علي اراضيها هي ايران.
الحكومة السورية ارادت من خلال هذا التأجيل توجيه رسالة الي الادارة الامريكية وبعض الحكومات العربية بانها لا تريد تعكير الاجواء، ومستعدة للمشاركة في مؤتمر انابوليس اذا وجهت لها الدعوة. وعززت هذه الرغبة بخطوتين مهمتين، الاولي استضافة وفد فلسطيني يمثل سلطة محمود عباس بحفاوة لافتة للنظر، والثانية المشاركة في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي انعقد تحت مظلة الجامعة العربية لبحث الموقف من مؤتمر السلام بوفد رفيع المستوي يرأسه السيد وليد المعلم وزير الخارجية.
هذا التغير في الموقف السوري اثار ارتياح الدول العربية المشاركة، وخاصة مصر والمملكة العربية السعودية، لانه يعني ان هناك اجماعا عربيا علي الحضور، ويضمن في الوقت نفسه عدم قيادة سورية لجبهة رفض تحضيرية تهيج الشارع العربي ضده والدول المشاركة فيه. ولا نبالغ اذا قلنا ان المملكة العربية السعودية بذلت جهودا كبيرة لدي الادارة الامريكية لتسهيل المشاركة السورية في المؤتمر من خلال اضافة شكلية لمسألة الجولان علي جدول الاعمال.
وقد يبرر بعض المسؤولين السوريين هذا التراجع بانه عائد الي كسر عزلة سورية، واعادة الحق السوري في استعادة هضبة الجولان علي خريطة الاهتمام العالمي مجددا، ولكن هذا الجدل ربما يتعارض مع استنتاجات عربية، وسورية علي وجه التحديد، بحتمية فشل هذا المؤتمر لضعف المشاركين فيه من الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، اي اولمرت وعباس، وانهيار شعبية الرئيس الامريكي الراعي الاساسي له، واقترابه من نهاية ولايته، مما يجعل اي مشاركة سورية معرضة للاتيان بنتائج عكسية.
الحكومة السورية قررت ان تمسك بالعصا من الوسط، فهي لم ترد المقاطعة تجنبا لما يمكن ان يترتب عليها من عزلة وربما غضب امريكي، ولم ترد ايضا المشاركة بوفد عالي المستوي برئاسة وزير الخارجية، وارتأت ارسال وفد برئاسة شخص بدرجة سفير، ولكن هذا الخيار الوسطي قد يسبب لها احراجات مع حليفتها ايران التي ربما تري فيها شريكا مراوغا غير موثوق، وقد ينعكس سلبا علي اي محاولات مستقبلية تضطر للجوء اليها في المستقبل لتعبئة الرأي العام السوري والعربي ايضا في حال استهدافها امريكيا واسرائيليا، وهو امر غير مستبعد في المرحلة اللاحقة للمؤتمر.
-------------------------------
رفسنجاني: مفتاح أمن الشرق الأوسط في يد ايران
قال المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية آية الله علي خامنئي خلال مناورة كبرى شارك فيها ثمانية ملايين "تعبوي" في ايران ان "الباسيج (الميليشيا التعبوية) كالثورة الاسلامية من الايات الالهية"، فيما أكد رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني أمس ان مفتاح أمن الشرق الاوسط هو في يد ايران.اضاف خامنئي في المناورة الكبرى التي جرت تحت عنوان "ملحمة المقاومة والصمود" ان "قوات التعبئة الرائعة والعظيمة للشعب الايراني ستبقى خالدة خلود الثوره الاسلامية". وألقى القائد العام للقوات المسلحة كلمة في المراسم بثت بشكل متزامن للملايين من "التعبويين" في ارجاء البلاد اعتبر فيها "البسيج بأنه كالثورة الاسلامية من الايات الالهية"، مؤكدا ان "الميزات الفريدة والفذة للثورة مثل القاعدة الجماهيرية والعمق الديني والاعتماد على الايمان والمعنوية والتواجد في جميع الميادين والساحات والنشاط والحيوية والتحرك وعدم التساوم مترسخة في مجمل قوات التعبئة الجماهيرية، ولذلك فان البسيج شأنه شأن الثورة سيبقى خالدا وفعالا وذا اثر".وأكد خامنئي ان "القاعده الجماهيرية تعتبر الميزة المشتركة للثورة الاسلامية وقوات التعبئة"، قائلا ان "البسيج سجل افتخارات هائلة في ملحمة الدفاع المقدس وانه سيكون في الخط الامامي للدفاع والحماسة في الوقت الحاضر والمستقبل اذا كانت ثمة حاجة عسكرية في البلاد، لكن الحرب لا تشكل كل محتوي البسيج وان هذه الشجرة الطيبة هي صاحبة اثر في جميع ميادين البلاد لكونها تتميز بقاعدتها الشعبية".الى ذلك، أكد رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني أمس ان مفتاح امن الشرق الاوسط هو في يد ايران. وأشار هاشمي رفسنجاني لدى لقائه المساعدين السابقين للمحافظين في الشوون السياسية والامنية، الى الاهميه المتزايدة للطاقة بالنسبة للعالم، مؤكدا ان "الامن الدولي رهن بأمن منطقة الشرق الاوسط الاستراتيجية وان الجميع يدرك ان مفتاح امن الشرق الاوسط هو في يد ايران".وأشار هاشمي رفسنجاني الى ان "الطاقات البشرية الماهرة تعد احدى الثروات القيمة لاي بلد"، مؤكدا على "قرارات مجمع تشخيص مصلحة النظام في الاستفادة من الخبرات القيمة والحيوية للطاقات البشرية والادارية في البلاد في اعتماد السياسات والقرارات".وانتقد رفسنجاني الاجراءات والتصريحات المثيرة للفرقة خاصة على اعتاب اجراء الانتخابات التشريعية. وقال "يتعين على كافة الاحزاب والحركات بكافة اذواقها وتوجهاتها، رعايه المصالح الوطنية وحفظ الوحده لاجراء انتخابات شفافة". ورأى ممثل مرشد الثورة الإيرانية في المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني أمس أن أصل الخلاف بين إيران والغرب يعود إلى رفض الدور الذي تلعبه طهران في المنطقة وليس مشروعها النووي.ونقلت وكالة أنباء "فارس" الإيرانية شبه الرسمية عن لاريجاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي والمسؤول عن ملف التفاوض النووي، قوله انه اكتشف خلال محاورته للغربيين أن "المشكلة الرئيسية بين إيران والغرب ليست البرنامج النووي، بل إنهم لا يطيقون الدور الذي تضطلع به إيران في المنطقة".وقال ان الغرب يرى أن "دور إيران تعزز بعد الإطاحة بحكومتي أفغانستان والعراق"، مضيفاً أن "الأميركيين قلقون من توازن القوى في الشرق الأوسط".وشدد لاريجاني على أن "إستراتيجية إيران الأمنية ليست قائمة على التفرد بالقرار في المنطقة إنما هدف إيران الأساسي هو إيجاد توازن أمني في المنطقة في إطار التناغم مع الدول الأخرى".وقال إن الغرب "يدرك جيداً أن طهران لا تريد إنتاج قنبلة ذرية"، لكنه علم من محادثاته مع الغربيين أنهم "يسعون وراء أهداف أخرى ومنها عدم تحقيق توازن قوى في المنطقة".وشدد لاريجاني على "سلمية" البرنامج النووي الإيراني، موضحاً أن هذا البرنامج "يحتوي على جزءين رئيسيين: الأول المحطات النووية والثاني إنتاج الوقود النووي، وهما عنصران يكمل أحدهما الآخر".واستبعد وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي وقوع حرب في منطقة الخليج "لان مؤججي" الحروب أصبحوا في ظروف صعبة. وقال متكي في مقابلة مع صحيفة "القبس" الكويتية أمس "في ما يتعلق بنشوب حرب او اندلاعها في المنطقة فنحن نستبعد نشوب حرب او لا نعتبر هذا الاحتمال واردا لان مؤججي الحروب أصبحوا في ظروف صعبة ومأزق حقيقي".في غضون ذلك، تحطمت طائرة عسكرية تابعة للقوة الجوية للجيش الايراني أمس في بحر عمان في خليج جلبار جنوب شرق إيران. وقالت وكالة الانباء الايرانية الرسمية (ارنا) ان الطائرة هي من طراز "فانتوم". اضافت ان الطائرة كانت ضمن مناورة جرت في المياه القريبة من مدينة كنارك الساحلية، من دون ذكر مصير من كانوا على متنها.
اف ب
رفسنجاني: مفتاح أمن الشرق الأوسط في يد ايران
قال المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية آية الله علي خامنئي خلال مناورة كبرى شارك فيها ثمانية ملايين "تعبوي" في ايران ان "الباسيج (الميليشيا التعبوية) كالثورة الاسلامية من الايات الالهية"، فيما أكد رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني أمس ان مفتاح أمن الشرق الاوسط هو في يد ايران.اضاف خامنئي في المناورة الكبرى التي جرت تحت عنوان "ملحمة المقاومة والصمود" ان "قوات التعبئة الرائعة والعظيمة للشعب الايراني ستبقى خالدة خلود الثوره الاسلامية". وألقى القائد العام للقوات المسلحة كلمة في المراسم بثت بشكل متزامن للملايين من "التعبويين" في ارجاء البلاد اعتبر فيها "البسيج بأنه كالثورة الاسلامية من الايات الالهية"، مؤكدا ان "الميزات الفريدة والفذة للثورة مثل القاعدة الجماهيرية والعمق الديني والاعتماد على الايمان والمعنوية والتواجد في جميع الميادين والساحات والنشاط والحيوية والتحرك وعدم التساوم مترسخة في مجمل قوات التعبئة الجماهيرية، ولذلك فان البسيج شأنه شأن الثورة سيبقى خالدا وفعالا وذا اثر".وأكد خامنئي ان "القاعده الجماهيرية تعتبر الميزة المشتركة للثورة الاسلامية وقوات التعبئة"، قائلا ان "البسيج سجل افتخارات هائلة في ملحمة الدفاع المقدس وانه سيكون في الخط الامامي للدفاع والحماسة في الوقت الحاضر والمستقبل اذا كانت ثمة حاجة عسكرية في البلاد، لكن الحرب لا تشكل كل محتوي البسيج وان هذه الشجرة الطيبة هي صاحبة اثر في جميع ميادين البلاد لكونها تتميز بقاعدتها الشعبية".الى ذلك، أكد رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني أمس ان مفتاح امن الشرق الاوسط هو في يد ايران. وأشار هاشمي رفسنجاني لدى لقائه المساعدين السابقين للمحافظين في الشوون السياسية والامنية، الى الاهميه المتزايدة للطاقة بالنسبة للعالم، مؤكدا ان "الامن الدولي رهن بأمن منطقة الشرق الاوسط الاستراتيجية وان الجميع يدرك ان مفتاح امن الشرق الاوسط هو في يد ايران".وأشار هاشمي رفسنجاني الى ان "الطاقات البشرية الماهرة تعد احدى الثروات القيمة لاي بلد"، مؤكدا على "قرارات مجمع تشخيص مصلحة النظام في الاستفادة من الخبرات القيمة والحيوية للطاقات البشرية والادارية في البلاد في اعتماد السياسات والقرارات".وانتقد رفسنجاني الاجراءات والتصريحات المثيرة للفرقة خاصة على اعتاب اجراء الانتخابات التشريعية. وقال "يتعين على كافة الاحزاب والحركات بكافة اذواقها وتوجهاتها، رعايه المصالح الوطنية وحفظ الوحده لاجراء انتخابات شفافة". ورأى ممثل مرشد الثورة الإيرانية في المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني أمس أن أصل الخلاف بين إيران والغرب يعود إلى رفض الدور الذي تلعبه طهران في المنطقة وليس مشروعها النووي.ونقلت وكالة أنباء "فارس" الإيرانية شبه الرسمية عن لاريجاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي والمسؤول عن ملف التفاوض النووي، قوله انه اكتشف خلال محاورته للغربيين أن "المشكلة الرئيسية بين إيران والغرب ليست البرنامج النووي، بل إنهم لا يطيقون الدور الذي تضطلع به إيران في المنطقة".وقال ان الغرب يرى أن "دور إيران تعزز بعد الإطاحة بحكومتي أفغانستان والعراق"، مضيفاً أن "الأميركيين قلقون من توازن القوى في الشرق الأوسط".وشدد لاريجاني على أن "إستراتيجية إيران الأمنية ليست قائمة على التفرد بالقرار في المنطقة إنما هدف إيران الأساسي هو إيجاد توازن أمني في المنطقة في إطار التناغم مع الدول الأخرى".وقال إن الغرب "يدرك جيداً أن طهران لا تريد إنتاج قنبلة ذرية"، لكنه علم من محادثاته مع الغربيين أنهم "يسعون وراء أهداف أخرى ومنها عدم تحقيق توازن قوى في المنطقة".وشدد لاريجاني على "سلمية" البرنامج النووي الإيراني، موضحاً أن هذا البرنامج "يحتوي على جزءين رئيسيين: الأول المحطات النووية والثاني إنتاج الوقود النووي، وهما عنصران يكمل أحدهما الآخر".واستبعد وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي وقوع حرب في منطقة الخليج "لان مؤججي" الحروب أصبحوا في ظروف صعبة. وقال متكي في مقابلة مع صحيفة "القبس" الكويتية أمس "في ما يتعلق بنشوب حرب او اندلاعها في المنطقة فنحن نستبعد نشوب حرب او لا نعتبر هذا الاحتمال واردا لان مؤججي الحروب أصبحوا في ظروف صعبة ومأزق حقيقي".في غضون ذلك، تحطمت طائرة عسكرية تابعة للقوة الجوية للجيش الايراني أمس في بحر عمان في خليج جلبار جنوب شرق إيران. وقالت وكالة الانباء الايرانية الرسمية (ارنا) ان الطائرة هي من طراز "فانتوم". اضافت ان الطائرة كانت ضمن مناورة جرت في المياه القريبة من مدينة كنارك الساحلية، من دون ذكر مصير من كانوا على متنها.
اف ب
----------------------------------------------
أنابوليس: الحدث والحدوس والمتغيرات الاستراتيجية
رضوان السيد
ينشغل العرب في المشرق هذه الأيام بما سيحدث بعد مؤتمر أنابوليس، بعد أن انشغلوا أسابيع إن لم يكن شهوراً بترجيح عدم حدوثه. بيد أن الذين كانوا يَرَونَ أو يرجون عدم حدوثه يختلفون من قبل والآن عن القلة التي كانت تُرحب به في تبيان أو تعداد أسباب فشله بالنسبة الى العرب والفلسطينيين على الخصوص. فحتى الآن ليس واضحاً ما إذا كان المتفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون (والوسيط الأميركي) قد اتفقوا على الوثيقة التي سيُوقّع عليها في المؤتمر، ما هي مرجعياتها، وما هي بنودها، وما هي آليات تنفيذها؟ الفلسطينيون (والعرب) يتحدثون عن قرارات الأمم المتحدة، والمبادرة العربية للسلام، وأضافوا الى ذلك أخيراً خريطة الطريق. والبند الرئيس أو البندان هما إقامة الدولة الفلسطينية، وفي حدود العام 1967. أما النقاط التفصيلية فتتناول موضوعات ما يُعرف منذ أوسلو (1993) بمشكلات أو موضوعات الحل النهائي والتي يعتمد عليها قيام الدولة الفلسطينية أو عدم قيامها وهي: القدس والمستوطنات والحدود واللاجئون. والمعارضون لأنابوليس نوعان: الذين يقولون بالكفاح المسلح سبيلاً أوحد لتحرير كامل الأرض الفلسطينية والعربية، وهؤلاء يعارضون العملية السلمية أساساً ومن الطبيعي ألا يكونوا مع أنابوليس أو أي صيغة تفاوضية أخرى تفترض بقاء دولة الكيان الصهيوني. وهؤلاء (الذين يملكون اليوم تنظيمات مسلحة، وأرضاً للانطلاق، ودعماً قوياً في الشارع العربي وما وراءه لأسباب قومية وإسلامية) ليس هنا موضع نقاش وجهة نظرهم، على رغم أنه لا يمكن نسيانهم أو إهمالهم وفي أنابوليس بالذات لأنهم سيكونون بارزي الحضور بعدها كما هم قبلها. أما النوع الثاني من المعارضين للمؤتمر الدولي في أنابوليس فهم أولئك الذين يقولون بالتسوية وإمكانها في المبدأ، لكنهم لا يرون أن الظروف ملائمة لذلك الآن: بسبب الضعف العربي العام، وبسبب التجربة التاريخية مع إسرائيل، وأخيراً بسبب انحياز القوة الأعظم التي تستضيف على أرضها المؤتمر، الى الكيان الصهيوني. وفي التفصيل، فإن هناك تصورات إسرائيلية وأميركية محددة في موضوعات الحل النهائي الأربعة لا تتلاءم مع القرارات الدولية ومع المبادرة العربية وحتى مع خريطة الطريق. حسب هذه التصورات يريدون أن تبقى القدس موحدة وعاصمة للكيان الصهيوني. وأقصى ما يقولون في إمكان التنازل في شأنه يُشبه ما عرضه باراك (1998 – 2000) ورفضه الرئيس عرفات. وهذا مع أن ما يصرّحون به اليوم لا يمضي حتى الى الأفق الذي مضى إليه باراك يومئذ. أما المستوطنات فهم يريدون وبإصرار الحفاظ على الكتل الكبرى منها وعلى السور الواقي من حولها، والمعتدلون جداً من بينهم (وهم ليسوا كثيرين الآن) يقبلون بتعويض الفلسطينيين عن المأخوذ والمُستولى عليه بأراضٍ في صحراء النقب. ويشتد الجدال في ما بينهم هم على الحدود، وهل يُسمح للكيان الفلسطيني المرتقب أن تكون له حدود مع مصر والأردن أم لا. أما قضية اللاجئين فهي عقدة العقد، لأن الصهاينة لا يقبلون حتى الآن البحث فيها، ولا الاحتكام الى القرار الدولي الرقم 194 للعام 1948 في شأنها: العودة أو التعويض لمن يقبل بذلك. فالعودة لا بحث فيها، والتعويض شأن العرب والمجتمع الدولي! فهم يريدون من العرب أن يؤوا أشقاءهم في ديارهم الواسعة، والتكلفة المادية يدفعها العرب الأغنياء ومن يريد من دول العالم الثرية أيضاً. أما الوطن والوطنية، وهما الممارستان اللتان قادتا اليهود الصهاينة وغيرهم الى الأرض الموعودة بعد ألفي عام، فليس للفلسطينيين نصيب منهما في نظرهم ونظر مؤيديهم في العالم! ويضيف المعارضون لأنابوليس أن هذا المؤتمر يشكل ممارسة أخرى من ممارسات «الصلح المنفرد» أو المجزّأ، والذي ترك المنطقة في اضطراب منذ اتفاق كامب ديفيد (1977 - 1979) مع مصر. لكن حتى الصلح المنفرد أو الحل المنفرد والذي ولّد سلاماً بارداً مع مصر والأردن لن يكون متاحاً الآن بسبب الضعف العربي العام، الذي لا يدفع الحكم الإسرائيلي والراعي الأميركي الى الحرص على التنفيذ!
وإضافة الى الأسباب التي ذكرناها من جانب المعارضين العرب لمؤتمر أنابوليس، هناك الأسباب الأخرى التي يذكرها الإسرائيليون أنفسهم باعتبارها شروطاً قبل الدخول في مسائل التنفيذ: قلة الثقة بالشريك الفلسطيني (وهو هنا سلطة الرئيس محمود عباس ومنظمة التحرير)، وبقدراته على التنفيذ إن جرى الاتفاق معه على أمر بسبب الانقسام الحاصل على الأرض بين «فتح» و «حماس» والمتجلي في كيانين منفصلين في غزة والضفة، والأمر الآخر: العجز عن ضمان «أمن» إسرائيل وسط وجود واستمرار ما يُسميه الفلسطينيون كفاحاً مسلحاً، وما يسميه الأميركيون والأوروبيون إرهاباً!ومرة أخرى وليست أخيرة، يضيف الخبراء والمراقبون وبينهم صهاينة معتدلون (!) من مثل هنري كيسنجر ومارتن أنديك ودنيس روس أسباباً سياسية إسرائيلية داخلية لعدم إمكان الحسم في أنابوليس أو في أي اجتماع مُشابه. فإذا كانت السلطة الفلسطينية بالغة الضعف، فإن الحكومة الإسرائيلية الحالية ضعيفة أيضاً، وهي لا تستطيع التوصل الى أي التزامات فضلاً عن القدرة على المضي باتجاه التنفيذ مهما كان ذلك في مصلحة دولة إسرائيل. إيهود أولمرت لن يتمكن من الاستمرار في رئاسة الحكومة لأسباب عدة بينها المرض، وحليفه الرئيس في الحكومة باراك يُهدد في كل لحظة بترك الحكومة والدعوة الى انتخابات مبكرة. وهو فضلاً عن ذلك (أي باراك) لا يرى في المؤتمر الدولي الحالي وأُطروحاته مصلحة لإسرائيل، ويريد قبل ذلك شن حرب وكسب انتصار على إيران أو «حزب الله» أو حتى «حماس»! ولا تزال مناوراته على الحدود مع سورية ولبنان، وغارته على سورية بالطائرات، حية في الذاكرة القريبة القريبة.لماذا يُصرُّ الرئيس بوش ووزيرة خارجيته إذاً على المؤتمر الدولي في هذه الظروف؟ الولايات المتحدة قوة عظمى منذ الحرب العالمية الثانية. وهي القوة الأعظم بعد الحرب الباردة. وتعتمد سطوتها على أربعة عوامل: نجاح النظام الأميركي وصيرورته نموذجاً عالمياً، والقوة الاقتصادية، والقوة العسكرية، والهيبة الناجمة عن العوامل الثلاثة السالفة الذكر، والتي صارت الى حد ما مستقلة عنها. وقد جرّبت الولايات المتحدة المصالحات والتسويات في حالين: حال الانتصار شبه الكامل، وحال الانكسار الجزئي. ما استطاع طرف حتى اليوم أن يهزمها هزيمة كبيرة، وما استطاعت هي أن تنتصر يوماً انتصاراً عسكرياً أو استراتيجياً كاملاً. انكسرت في فيتنام، لكنها سرعان ما لملمت خسائرها بالتفرقة التي استطاعت ذرّها بين الصين والاتحاد السوفياتي. بيد أن الذي تأثر أكثر من الجيوش يومها هو تلك الهيبة بالذات. وقد بدا ذلك التأثر في الاتفاقية التي عقدتها مع الفيتناميين، وقبل ذلك في الانقسام الذي حدث داخل المجتمع الأميركي. وانتصرت انتصاراً شبه كامل في حرب تحرير الكويت، فأقبلت بمقتضى السطوة والهيبة على صنع مؤتمر مدريد، والذي حقق أغراضه بالنسبة إليها ما بين العامين 1991 و1995 فاكتفت بأوسلو، وانصرفت الى مشاغل أخرى مستجدة. فقد اقترن مؤتمر مدريد، واقترنت الحرب على العراق يومها بما اعتقدته الولايات المتحدة انتصاراً استراتيجياً كاملاً تمثّل في سقوط الاتحاد السوفياتي! لذا فقد عملت على الهيمنة الكاملة حتى من دون جيوش اعتماداً على الهيبة التي لا تتزعزع. وما كان ذلك صحيحاً ولا حكيماً، بدليل أنها اضطرت الى استخدام عسكرها خلال فترتي كلينتون ثلاثة أضعاف المرات التي استخدمته فيها في حقبة ما بعد فيتنام! ومع ذلك، ومضياً مع هذا الاعتقاد تضاءلت السياسة والديبلوماسية الى أقصى الحدود في الفترة الأولى من رئاسة جورج بوش الابن، وصار استعمال العسكر هو القاعدة وليس الاستثناء! وما استنتجت النتائج الصحيحة من ظاهرة أسامة بن لادن وهجومه الصاعق على كبرى مدنها ووزارة حربها عام 2001، فمضت الى غزو العراق، وسط دخان كثيف عنوانه «الحرب على الإرهاب»! وفي العام 2005 تلفتت الدولة الأميركية من حولها، فإذا هي قد فقدت من السطوة والهيبة ما لم تفقده في أية مُنازلة عسكرية أو سياسية من قبل حتى مع القوة العظمى الأخرى زمن الحرب الباردة!إن هذا الاستطراد الطويل جوهري لمعرفة علّة إصرار الإدارة الأميركية في عهد بوش الثاني على عقد مؤتمر دولي لمعالجة مشكلة كبيرة في منطقة الشرق الأوسط بالذات. فهو مؤتمر «استعادة الهيبة» أو محاولة ذلك وليس بالجيوش (التي لم تنجح حتى الآن في السيطرة على بلد ممزق كالعراق) بل بالسياسة وبالديبلوماسية. ومؤتمر «استعادة الهيبة» هذا يُعقد من أجل فلسطين وإسرائيل، وفي منطقة الشرق الأوسط بالذات، لأنها المنطقة التي طرحت التحدي الأكبر للولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة، واستطاع «إرهابيوها» كسر الأحادية القطبية التي عاشت الولايات المتحدة في وهمها زهاء العقدين من السنين. لقد تحدث اليمين الأميركي المحافظ والليبرالي كثيراً عن الخطر الأخضر وعن حرب الأفكار، لكن ما خطر لأي منهما غير العسكر وتحركات الأساطيل لمواجهته من دون أن يلاحظوا أن ذاك الخطر جديد في نوعيته من حيث انه ليس هناك مكان محدد تمكن مواجهته فيه وسحقه بالقوة القاهرة، أو بما سماه دونالد رامسفيلد عام 2004: الديبلوماسية العامة وحرب الأفكار. وقد قصدوا بالأمرين «تحبيب» العالم الإسلامي، وأميركا اللاتينية، بالولايات المتحدة من جديد من طريق تصدير أيديولوجيا السوق مع الديموقراطية الجاهزة والمورّدة في صناديق، تزيد من المشكلات ولا تعالجها، وتحميها عند الضرورة الجيوش والأساطيل.مؤتمر أنابوليس إذاً طريقة لجأت إليها الولايات المتحدة لاستعادة الهيبة لكي تستطيع الاحتفاظ بالهيمنة والسواد وتجاه الأصدقاء والحلفاء، ويكون عليها لكي تُصبح طريقتها هذه فعالة أن تستعين بها أيضاً مع المنافسين والخصوم والأعداء. تستخدمها الآن لخدمة إسرائيل رغم أنفها، لأن إسرائيل مرت، على صغر حجمها وقدراتها مقارنة بالولايات المتحدة، بالتجربة نفسها: من كيان صغير محاط بالأعداء، ويستعين عليهم باستيراد الأسلحة من هنا وهناك، الى قوة ذات مدى استراتيجي قال عنه شارون عام 1983 إنه يمتد ما بين أوروبا وروسيا وشبه القارة الهندية وهضاب الحبشة! ثم ها هي إسرائيل تتحول الى عبء على الولايات المتحدة وعلى أوروبا (وحتى على روسيا)، تنسحب من لبنان عام 2000 فيتمركز «حزب الله» الأصولي على حدودها مدججاً بالسلاح ومن دون خوف، وتُضطر عام 2005 للانسحاب من غزة فتستولي حركة «حماس» الأصولية الأخرى عليها. هذا الصديق والحليف الذي صار مسكيناً شأن اليهودي التائه من قبل، لا ينفع الجبروت العسكري الخاص ولا الأميركي في حمايته. ولذلك لا بد من محاولة إنقاذه من نفسه، ومصالحته مع جيرانه، بعد أن كان بوش قد افتتح سياسته في الشرق الأوسط بإعطاء شارون أربعة عشر شهراً للتخلص من إزعاج الفلسطينيين الى الأبد. ويومها قال أحد وزرائه: بل لا نحتاج الى أكثر من ستة أشهر!وتواجه الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة الى جانب الملف الإسلامي، ملفاً آخر أكثر خطورة على مستقبل هيمنتها، هو ملف التنافس في المجالات العلمية والاقتصادية والتنموية. وقد اعتقدت بالفعل - وخلال العقدين الماضيين - أن العولمة تعني السطوة والسيطرة دونما حاجة الى بذل مجهود كبير في منظمة التجارة العالمية، والأطر الدولية المشابهة التي كانت تُسيطر عليها من قبل. لكن التكتلات الاقتصادية تعددت وتضخمت وخرجت عن السيطرة أو تكاد. ولدى الولايات المتحدة سلاح ماض بالفعل وإن لم تكن تنفرد به، هو الأرجحية في ميدان القبض على موارد الطاقة الكبرى وممراتها. وبلدان الخليج وما حوله هي مواطن ذلك السلاح الذي يتعرض لتهديد شديد نتيجة نهجها العسكري، والمشكلات التي تخلُقها أو تزيدها استعاراً في منطقة الطاقة الرئيسية في العالم. لذا لا بد من الالتفات الى هذه المنطقة ومشكلاتها ودولها وناسها بغير الطريقة التي سلكتها في العراق، أو تمتد ألسنة لهب المتطرفين الى تلك الحقول الشاسعة للثروة والمجد والهيبة. لا بد من السياسة والديبلوماسية في حل المشكلات التي تصنع التطرّف، وتهدد المعتدلين، وتتسبب بتفاقمها في الإطاحة بالاستقرار. والعرب معتدلوهم ومتطرفوهم يعتبرون منذ زمن بعيد أن القضية الفلسطينية هي قضيتهم الأم - وقد كانت السياسات الأميركية خلال حوالي العقود الأربعة بين الأسباب الرئيسة لعرقلة حلِّها على أسس صحيحة وعادلة. لذا يمكن النظر الى أنابوليس بالمنظار نفسه الذي نُظر فيه الى مدريد، وإن تكن الولايات المتحدة وقتها أحسن حالاً وموقعاً.لا شك في أن هذه الأمور كلها وُضعت في الاعتبار، ومن ضمن المتغيرات في الإدارة والسياسات خلال السنوات الثلاث الماضية. ومن ضمن ما وُضع في الاعتبار الأميركي: التحدي الإيراني. وهو تحدٍ لا يتناول أمن إسرائيل وحسب، بل يتناول أيضاً ما هو أهم: الوضع الجيو - سياسي في المنطقة، والوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة في منطقة منابع النفط والغاز، والممرات الاستراتيجية. وقد أفادت إيران من الأخطاء الفادحة لإدارة بوش سواء في أفغانستان أو العراق، أو في نشر نفوذها في العالمين العربي والإسلامي. فإذا كانت فكرة «التسوية» بحد ذاتها، وفي فلسطين وغير فلسطين، ترمي إلى إنهاء «الكفاح المسلح» الذي اصطنعه الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة، وإنهاء «الجهاديين» الذين استخدمتهم الولايات المتحدة في الحرب الباردة أيضاً ثم خرجوا على السيطرة، فإن «التسوية» إن نجحت الآن حرية أن تُضرّ ضرراً كبيراً بالخطوط التي مدّتها إيران لإرغام الولايات المتحدة على القبول بها شريكاً مضارباً في منطقة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير! ولذلك تنفرد إيران الآن بين دول المنطقة بالإعلان عن معارضتها مؤتمر أنابوليس بحجة أنه لن يأتي منه خير، وسيفرض حلولاً غير عادلة، في حين أن هناك شبه إجماع من «أصحاب القضية» على الذهاب الى المؤتمر ومحاولة الإفادة منه!والطريف أن أكثرية المراقبين تنتظر نتائج أعمال المؤتمر للحكم عليه بالنجاح أو الفشل أو الرمادية، في حين أن الآثار بدأت في الظهور قبل حدوث المؤتمر العتيد، ومن ضمنها، أو من ضمن ضحاياها: الانتخابات الرئاسية في لبنان، والتي تعتبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية عدم حدوثها إشارة الى ما تستطيع القيام به لمقاومة أو معارضة السيطرة الأميركية على المنطقة!* نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية
-------------------------------------------------
ما كل ما قبل "الثورة"... "جاهلية": نقولا الزهر
2007/11/23
ربما كان مسلسل "الملك فاروق" ، العملَ الدرامي الأبرز، بين مجموعة الأعمال الدرامية التي عرضت خلال شهر رمضان في هذا العام، وكذلك مسلسل"عمارة يعقوبيان" شكَّل بقعةَ ضوءٍ هامة أخرى، وإن كان المسلسل السوري (باب الحارة) كان الأكثر استقطاباً بالنسبة إلى معظم الشرائح الشعبية من شعبنا. وهذا يؤشر من وجهتي نظر مختلفتين، إلى بداية توجه جدي في الدراما العربية، لنقد مرحلة الحكم العسكري (القومي والثوري والانقلابي والشمولي)، الذي هيمن على المجال السياسي منذ منتصف القرن الماضي في بعض البلدان العربية(مصر وسوريا والعراق والسودان وليبيا...).
لن أتكلم في هذا المقال على المسائل الفنية في مسلسل الملك فاروق، فهي من اختصاص من له باع في مجال النقد الفني، إنما سأتكلم على الملمح السياسي والفكري الذي رأيته خلف وبين مشاهده.
يبدو أن كاتبة النص الدكتورة (لميس جابر) من مصر الشقيقة، والمخرج السوري (حاتم علي) قد توافقا على أن المسلسل يخاطب الحاضر وينقده، على خلفية فكرية وسياسية رئيسة ، ترى أن مرحلة ما قبل ثورة 23يوليو عام 1952 في مصر ، لم تكن كلها ظلاماً وفساداً، كما صورتها إيديولوجيا النظام الحاكم المنبثق من هذه الثورة. إن الأحداث التاريخية التي عرضها المسلسل أشارت بشكل واضح إلى بعض إيجابيات تلك المرحلة، افتقدتها مصر فيما بعد وحتى الآن.
فلقد عرَّفَ المسلسل المُشاهد على حقبةٍ، كانت مفعمة بالحراك السياسي ومشروعية التعددية الحزبية والتحركات الشعبية المطلبية وحرية الرأي والقول والصحافة والنشر. وحتى كان متاحاً فيها تناول رأس النظام (أي الملك) شخصياً ونقده نقداً لاذعاً. وبينت أحداث المسلسل أهمية احترام الدستور، وشرعية العمل المعارض، وتداول السلطة رغم وجود الاحتلال البريطاني. إن زعيم حزب الأكثرية مصطفى النحاس الذي كان يطلق عليه زعيم الأمة في تلك الأيام ، كان يمكن أن يقال من الحكم دستورياً بقرار من الملك، وهذه الإقالة لم تكن تشكل انقلاباً ولا تقلل من شأنه على المستوى الشخصي والحزبي بل يعود زعيماً للمعارضة، له الحق في أن يحشد المظاهرات الضخمة ضد المللك وحاشيته وضد الحكومة الجديدة ويبقى ببساطة خارج السجن.
طبعاً من عاش تلك المرحلة وما زال على قيد الحياة، أقدر على تقييم هذه المسائل وعلى المقارنة بشكل عام بين مرحلة ما قبل الثورة وما بعدها، ويستطيع استخلاص النتائج الموضوعية بعد مرور خمسة وخمسين عاماً على سقوط الملكية؛ لكن أهمية المسلسل تكمن في تعريف الشباب ومتوسطي العمر الذين يشكلون80 % من الشعوب العربية بهذه المرحلة بما لها وبما عليها(بحلوها ومرها)، لكونهم قد ولدوا بعدها ولا يعرفون عنها إلا النذر اليسير من كتب التاريخ المدرسية المجزوئة والصادرة عبر المراشح الإيديولوجية والأمنية للأنظمة اللاحقة.
رأى بعض النقاد أن المسلسل يروج لإعادة الملكية إلى مصر، في اعتقادي أن هذا الرأي مفعم بالإيديولوجية ولا ينطلق من الواقع الحالي السائد، الذي لم يعد فيه ممكناً التفريق بين الأنظمة الملكية والجمهورية في العالم العربي. وبالإضافة إلى ذلك، لم ينف المسلسل دور الأسباب السياسية والاجتماعية التي أدت إلى انقلاب 23يوليو في 1952، ولو كانت هذه الأسباب غير موضوعية لما نجح هذا الانقلاب بهذا اليسر على النظام الملكي كما بينت المشاهد؛ إنما المسلسل بإبرازه بعض إيجابيات النظام السابق يوجه بشكل غير مباشرنقداً للنظام اللاحق، لعجزه عن تحقيق أهدافه وشعاراته التي رفعها على المستويين السياسي والاجتماعي حينما استلم دفة السلطة. وإن إلصاق التهمة للعمل الدرامي جزافاً لمجرد أن يقيِّم ماضياً محدداً فهذا يدخل في باب السلوك الشمولي المعروف، وكذلك التعبير عن عدم الرضا عنه بإدخاله ضمن تمويل دعائي محدد من هذه الجهة أو تلك، فهذا يدخل في نهج الفكر التكفيري أو التحريفي لا فرق في ذلك فكلاهما ينطلقان من منهج واحد وعقلية واحدة. وهل يمكننا رفض كل فكر ابن خلدون الذي كانت تربطه علاقة شخصية بتيمورلنك الذي غزا سورية ووصل إلى دمشق ودخلها؟؟
لم يستخدم المسلسل أية خطابية أو موعظية لتوضيح فكرته الرئيسية، بل ترك هذه المهمة لأحداثِه لتمكنّ المُشاهد بشكل غير مباشر من استقراء حقيقة الأوضاع التي كانت سائدة، وتجعله يقارن بين الأسباب السياسية والاجتماعية التي دفعت إلى الانقلاب على النظام الملكي آنذاك وما آلت إليه بعده، وهل بالفعل هي تطورت نحو الأحسن ؛ أم على العكس نحو الأسوأ خاصة فيما يتعلق باستمرار عدم القدرة على مواجهة إسرائيل والهزيمة أمامها في عام 1967وبشكل أبشع من هزيمة 1948، أو بالنسبة إلى الفساد, الذي راح يتفاقم بالتدريج إلى أن وصل في عام 1971إلى أوجِهِ في حقبة النهابين الكبار من رتبة (الفيلة والغيلان والتنانين وزعماء المافيات)، وكذلك الأمر بالنسبة إلى صيرورة القضاء والعدالة، ومستوى الحريات والمساواة بين المواطنين في حقوقهم وواجباتهم وتمثيلهم السياسي في الحكومة والمعارضة بغض النظر عن دينهم ومذهبهم وانتمائهم. وفي الواقع لم يأت صدفة أو لمجرد السرد التاريخي، إبراز (مكرم عبيد) القبطي في الموقع الثاني من قيادة حزب الوفد الذي كان يعتبر أكبر وأهم الأحزاب المصرية؛ في الوقت الذي يلجأ الرئيس المصري اليوم إلى (تعيين) بضعة نواب من الأقباط لتزيين مجلس الشعب المصري كي لا يظهر وكأنه يقتصر في تمثيله على طرف واحد من المكوِنَيْنِ الأساسيين لهذا الشعب. لذلك لا نستغرب إذا رأينا عدداً كبيراً من الشباب المصريين راحوا يبحثون أثناء عرض المسلسل عن الكتب التي أرّخَت لتلك المرحلة. فهم في الواقع يبحثون عن عودة إلى إيجابياتها التي ضُيِّعَتْ بعد الثورة استناداً إلى إيديولوجيا تقديم الحرية الاجتماعية على الحرية السياسية والقطع بينهما، حينما شن النظام الجديد هجومه الصاعق في عام 1954بإقالة اللواء محمد نجيب وبعض الضباط الآخرين من قيادة مجلس الثورة الذين قالوا بضرورة العودة إلى فتح المجال السياسي وساحة الشأن العام وتشكيل الأحزاب السياسية وتحرير الصحافة في مصر.
ولكن بعد حوالي خمسة عشر عاماً، وعلى أثر هزيمة 1967 ، بدأ الزعيم الراحل جمال عبد الناصر يُلَمِّح إلى دور الحرية السياسية في تطوير المجتمع المصري وتقدمه، وهذا برز بشكل خاص في خطاباته الأخيرة بعد نكسة حزيران، لكن هذا التلمس جاء متأخراً، ويبدو أن التراكم البيروقراطي الهائل قد أعاق أية محاولة للشروع في الإصلاح السياسي. وكان الأمر أن القاعدة الاجتماعية والسياسية التي بنتها الثورة المصرية أظهرت في الممارسة عجزها الكامل في حمايتها من السقوط السهل أيضاً، حينما انقض عليها أنورالسادات وأعوانه من داخل النظام القائم في مايو 1971. إن الفساد الذي لعب دوراً أساسياً في هذا الانقلاب لم يهبط من السماء فجأةً، فهو كان ينمو ويتراكم منذ سنوات وسنوات في غياب الديموقراطية و مشروعية المعارضة والرقابة على السلطة التنفيذية.
وإذا خرجنا قليلاً عن مجريات المسلسل، فهنالك مثال صارخ للمقارنة بين المرحلتين بالنسبة إلى حرية الرأي وسيادة القانون، فحين كتب الشيخ علي عبد الرازق كتاب أصول الحكم في الإسلام، وأظهر الكثير من الانفتاح والعقلانية وحتى تعمد حضور حفلات يوم الخميس لأم كلثوم شخصياً لينفي عن هذا الحضور اعتباره خروجاً عن الدين، برَّأه القاضي من براثن دعاوى المشايخ المتطرفين التي قدموها ضده في عشرينات القرن الماضي، والحال ذاته كان بالنسبة إلى المفكر الكبير طه حسين حينما كتب رأيه في "الشعر الجاهلي"؛ بينما حَكَمَ القاضي المصري بعد حوالي سبعين عاماً من القرن ذاته، على المفكر والكاتب (نصر حامد أبو زيد) ، بتكفيره وتطليقه من زوجته بسبب رأيه حول تأويل النص، الأمر الذي أدى إلى هجرتهما إلى هولاندا، كي لا يكون مصيرهما مصير فرج فودة أو نجيب محفوظ. فالتواطؤ التاريخي الذي كان قائماً لقرون طويلة بين الأنطمة السلطانية والسلطات الدينية المنغلقة، عاد من جديد إلى معظم الدول العربية والشرق أوسطية، بعد أن كانت قد خفت وطأته نسبياً خلال النصف الأول من القرن العشرين وخاصة في مصر.
تحت الأسطر وبين المشاهد في مسلسل الدكتورة لميس جابر والمخرج السوري حاتم علي، كنا نلمح بوضوح عمليةً لنفي النفي ليس من خلال الجمل الفلسفية بل عبر المشاهد. فالنفي الذي حدث للنظام الملكي في يوليو 1952نراه يطرح ضرورة نفيه الآن بأشكال مختلفة، وقد طفت هذه المسألة على السطح.. إن المسلسل يخاطب الحاضر والاتجاهات السياسية الرئيسة وعلى وجه الخصوص التيار القومي لكي يعيد النظر في مشروعه الفكري والسياسي. إن إعادة النظر على ضوء الممارسة ونتائجها هي الضامن الأهم بالنسبة إلى فكر محدد، من خطر تحوله إلى إيديولوجيا أو بالأحرى إلى دين وطقوس ورموز وإشارات......
أتاحت بعض الحريات المتوفرة في مصر إمكانية تصوير مشاهد المسلسل، وإن يكن في غير مواقعها التاريخية. لكن هل يا ترى، يمكننا أن نشاهد في مستقبل قريب عملاً درامياً آخر من هذا النمط يتكلم على دول عربية أخرى كسوريا والعراق وليبيا والسودان واليمن؟.
وهل بدأت الدراما العربية تدلي بدلوها، في نقد الفكر الشمولي المهيمن على الساحة العربية سواء لدى القوميين أو الإسلاميين أو الماركسيين؟ نتمنى مزيداً من هذه الدراما الجديدة في عالمنا العربي.....
لقد ملت شعوبنا دراما الأمجاد التاريخية، وقصص الخيال التاريخي وإسقاطاتها المتخيلة فقط في ذهن كاتبها. وكذلك لا أعتقد أن شعوبَنا بحاجة للعودة إلى التخلف والعيش في الماضي السحيق، وأيام الحواري وزعمائها وأبوابها المغلقة و الفلقة والقرقول(المخفر) وذروة العهد الذكوري وعبودية المرأة للرجل وغسلها رجليه في كل مساء..........
طبعاً من حق الدراميين أن يوظفوا في أعمالهم الفنية نزعة الأفراد الفطرية في الوقت الراهن لحماية أنفسهم، نتيجة غياب مجتمع المواطنة وانهيار المجتمع الأهلي وهيمنة الحكومات العربية على مؤسسات المجتمع المدني التي بدأت تنمو أثناء الاحتلالات وخلال فترة ما بعد الاستقلال التي امتدت حتى حقبة الانقلابات العسكرية وقيام الأنظمة الشمولية، ولكن المعالجة لا تقوم فقط بتأجيج الحنين لدى شعوبنا العربية إلى أيام التضامن والتماسك في الحي والحارة والعشيرة حينما كانت حكومة السلطنة العثمانية وحتى سلطة الولاية غير قادرة على حماية رعاياها.
يحضرني بهذه المناسبة المؤرخ المرموق الفلسطيني الأصل (حنا بطاطو) حينما يصف في كتابه الذي يؤرخ فيه للعراق الحديث ( ترجمة عفيف الرزاز، الكتاب الأول ص 39/40) روح المحلة والحي والعشيرة في داخل المدن العراقية في أوائل القرن العشرين (عشرنة المدن) فيقول: "حتى الآن نظرنا إلى الولاءات المختلفة (المحلة، الحي، العشيرة) في عراق ما قبل الحرب العالمية الأولى كما لو كانت سلبية وانقسامية فقط ، لكن من وجهة نظر الفرد المنغمس في هذه الولاءات، فبمقدار ما هي متحجرة ومفرغة من مادتها، فإنها كانت تفي بحاجة إيجابية. فالعشائر والمحلات والأصناف كانت تشكل تعبيراً جزئياً عن النزعة الفطرية للحصول على الحماية من خلال الوحدة، وهي حماية لم تكن الحكومة العثمانية تؤمنها بانتظام نتيجة ضعفها. وفي العام 1910 كان أحد نواب بغداد في البرلمان العثماني قد كتب يقول" أسلم للمرأ ألف مرة أن يعتمد على العشيرة من أن يعتمد على الحكومة، ففي حين أن هذه الأخيرة تؤجل أو تتجاهل الإخضاع ، نجد أن العشيرة ومهما كانت ضعيفة،ما أن تعلم بأن ظلماً قد وقع ضد أحد أعضائها حتى تُعِدُّ نفسها للأخذ بثأره"- كتاب من استانبول إلى بغداد/بابان ص256).. لا يوجد أدنى شك في أن غياب المواطنة وسيادة القانون في الدولة الحالية يؤجج لدى المواطن الميل إلى تضامن الحي والعشيرة والدين والمذهب والطائفة.
لكن على أية حال، العودة إلى إيجابيات أي ماضٍ ليست للعيش فيه ، إنما للدخول في مستقبل غير منقطع عن مضمون هذه الإيجابيات وبشكلها الجديد المتلائم مع العصر، مع ذلك هذا المستقبل ليس ذاك الماضي بكليته على الإطلاق....
"من مواد العدد 71 من نشرة الرأي"
ما كل ما قبل "الثورة"... "جاهلية": نقولا الزهر
2007/11/23
ربما كان مسلسل "الملك فاروق" ، العملَ الدرامي الأبرز، بين مجموعة الأعمال الدرامية التي عرضت خلال شهر رمضان في هذا العام، وكذلك مسلسل"عمارة يعقوبيان" شكَّل بقعةَ ضوءٍ هامة أخرى، وإن كان المسلسل السوري (باب الحارة) كان الأكثر استقطاباً بالنسبة إلى معظم الشرائح الشعبية من شعبنا. وهذا يؤشر من وجهتي نظر مختلفتين، إلى بداية توجه جدي في الدراما العربية، لنقد مرحلة الحكم العسكري (القومي والثوري والانقلابي والشمولي)، الذي هيمن على المجال السياسي منذ منتصف القرن الماضي في بعض البلدان العربية(مصر وسوريا والعراق والسودان وليبيا...).
لن أتكلم في هذا المقال على المسائل الفنية في مسلسل الملك فاروق، فهي من اختصاص من له باع في مجال النقد الفني، إنما سأتكلم على الملمح السياسي والفكري الذي رأيته خلف وبين مشاهده.
يبدو أن كاتبة النص الدكتورة (لميس جابر) من مصر الشقيقة، والمخرج السوري (حاتم علي) قد توافقا على أن المسلسل يخاطب الحاضر وينقده، على خلفية فكرية وسياسية رئيسة ، ترى أن مرحلة ما قبل ثورة 23يوليو عام 1952 في مصر ، لم تكن كلها ظلاماً وفساداً، كما صورتها إيديولوجيا النظام الحاكم المنبثق من هذه الثورة. إن الأحداث التاريخية التي عرضها المسلسل أشارت بشكل واضح إلى بعض إيجابيات تلك المرحلة، افتقدتها مصر فيما بعد وحتى الآن.
فلقد عرَّفَ المسلسل المُشاهد على حقبةٍ، كانت مفعمة بالحراك السياسي ومشروعية التعددية الحزبية والتحركات الشعبية المطلبية وحرية الرأي والقول والصحافة والنشر. وحتى كان متاحاً فيها تناول رأس النظام (أي الملك) شخصياً ونقده نقداً لاذعاً. وبينت أحداث المسلسل أهمية احترام الدستور، وشرعية العمل المعارض، وتداول السلطة رغم وجود الاحتلال البريطاني. إن زعيم حزب الأكثرية مصطفى النحاس الذي كان يطلق عليه زعيم الأمة في تلك الأيام ، كان يمكن أن يقال من الحكم دستورياً بقرار من الملك، وهذه الإقالة لم تكن تشكل انقلاباً ولا تقلل من شأنه على المستوى الشخصي والحزبي بل يعود زعيماً للمعارضة، له الحق في أن يحشد المظاهرات الضخمة ضد المللك وحاشيته وضد الحكومة الجديدة ويبقى ببساطة خارج السجن.
طبعاً من عاش تلك المرحلة وما زال على قيد الحياة، أقدر على تقييم هذه المسائل وعلى المقارنة بشكل عام بين مرحلة ما قبل الثورة وما بعدها، ويستطيع استخلاص النتائج الموضوعية بعد مرور خمسة وخمسين عاماً على سقوط الملكية؛ لكن أهمية المسلسل تكمن في تعريف الشباب ومتوسطي العمر الذين يشكلون80 % من الشعوب العربية بهذه المرحلة بما لها وبما عليها(بحلوها ومرها)، لكونهم قد ولدوا بعدها ولا يعرفون عنها إلا النذر اليسير من كتب التاريخ المدرسية المجزوئة والصادرة عبر المراشح الإيديولوجية والأمنية للأنظمة اللاحقة.
رأى بعض النقاد أن المسلسل يروج لإعادة الملكية إلى مصر، في اعتقادي أن هذا الرأي مفعم بالإيديولوجية ولا ينطلق من الواقع الحالي السائد، الذي لم يعد فيه ممكناً التفريق بين الأنظمة الملكية والجمهورية في العالم العربي. وبالإضافة إلى ذلك، لم ينف المسلسل دور الأسباب السياسية والاجتماعية التي أدت إلى انقلاب 23يوليو في 1952، ولو كانت هذه الأسباب غير موضوعية لما نجح هذا الانقلاب بهذا اليسر على النظام الملكي كما بينت المشاهد؛ إنما المسلسل بإبرازه بعض إيجابيات النظام السابق يوجه بشكل غير مباشرنقداً للنظام اللاحق، لعجزه عن تحقيق أهدافه وشعاراته التي رفعها على المستويين السياسي والاجتماعي حينما استلم دفة السلطة. وإن إلصاق التهمة للعمل الدرامي جزافاً لمجرد أن يقيِّم ماضياً محدداً فهذا يدخل في باب السلوك الشمولي المعروف، وكذلك التعبير عن عدم الرضا عنه بإدخاله ضمن تمويل دعائي محدد من هذه الجهة أو تلك، فهذا يدخل في نهج الفكر التكفيري أو التحريفي لا فرق في ذلك فكلاهما ينطلقان من منهج واحد وعقلية واحدة. وهل يمكننا رفض كل فكر ابن خلدون الذي كانت تربطه علاقة شخصية بتيمورلنك الذي غزا سورية ووصل إلى دمشق ودخلها؟؟
لم يستخدم المسلسل أية خطابية أو موعظية لتوضيح فكرته الرئيسية، بل ترك هذه المهمة لأحداثِه لتمكنّ المُشاهد بشكل غير مباشر من استقراء حقيقة الأوضاع التي كانت سائدة، وتجعله يقارن بين الأسباب السياسية والاجتماعية التي دفعت إلى الانقلاب على النظام الملكي آنذاك وما آلت إليه بعده، وهل بالفعل هي تطورت نحو الأحسن ؛ أم على العكس نحو الأسوأ خاصة فيما يتعلق باستمرار عدم القدرة على مواجهة إسرائيل والهزيمة أمامها في عام 1967وبشكل أبشع من هزيمة 1948، أو بالنسبة إلى الفساد, الذي راح يتفاقم بالتدريج إلى أن وصل في عام 1971إلى أوجِهِ في حقبة النهابين الكبار من رتبة (الفيلة والغيلان والتنانين وزعماء المافيات)، وكذلك الأمر بالنسبة إلى صيرورة القضاء والعدالة، ومستوى الحريات والمساواة بين المواطنين في حقوقهم وواجباتهم وتمثيلهم السياسي في الحكومة والمعارضة بغض النظر عن دينهم ومذهبهم وانتمائهم. وفي الواقع لم يأت صدفة أو لمجرد السرد التاريخي، إبراز (مكرم عبيد) القبطي في الموقع الثاني من قيادة حزب الوفد الذي كان يعتبر أكبر وأهم الأحزاب المصرية؛ في الوقت الذي يلجأ الرئيس المصري اليوم إلى (تعيين) بضعة نواب من الأقباط لتزيين مجلس الشعب المصري كي لا يظهر وكأنه يقتصر في تمثيله على طرف واحد من المكوِنَيْنِ الأساسيين لهذا الشعب. لذلك لا نستغرب إذا رأينا عدداً كبيراً من الشباب المصريين راحوا يبحثون أثناء عرض المسلسل عن الكتب التي أرّخَت لتلك المرحلة. فهم في الواقع يبحثون عن عودة إلى إيجابياتها التي ضُيِّعَتْ بعد الثورة استناداً إلى إيديولوجيا تقديم الحرية الاجتماعية على الحرية السياسية والقطع بينهما، حينما شن النظام الجديد هجومه الصاعق في عام 1954بإقالة اللواء محمد نجيب وبعض الضباط الآخرين من قيادة مجلس الثورة الذين قالوا بضرورة العودة إلى فتح المجال السياسي وساحة الشأن العام وتشكيل الأحزاب السياسية وتحرير الصحافة في مصر.
ولكن بعد حوالي خمسة عشر عاماً، وعلى أثر هزيمة 1967 ، بدأ الزعيم الراحل جمال عبد الناصر يُلَمِّح إلى دور الحرية السياسية في تطوير المجتمع المصري وتقدمه، وهذا برز بشكل خاص في خطاباته الأخيرة بعد نكسة حزيران، لكن هذا التلمس جاء متأخراً، ويبدو أن التراكم البيروقراطي الهائل قد أعاق أية محاولة للشروع في الإصلاح السياسي. وكان الأمر أن القاعدة الاجتماعية والسياسية التي بنتها الثورة المصرية أظهرت في الممارسة عجزها الكامل في حمايتها من السقوط السهل أيضاً، حينما انقض عليها أنورالسادات وأعوانه من داخل النظام القائم في مايو 1971. إن الفساد الذي لعب دوراً أساسياً في هذا الانقلاب لم يهبط من السماء فجأةً، فهو كان ينمو ويتراكم منذ سنوات وسنوات في غياب الديموقراطية و مشروعية المعارضة والرقابة على السلطة التنفيذية.
وإذا خرجنا قليلاً عن مجريات المسلسل، فهنالك مثال صارخ للمقارنة بين المرحلتين بالنسبة إلى حرية الرأي وسيادة القانون، فحين كتب الشيخ علي عبد الرازق كتاب أصول الحكم في الإسلام، وأظهر الكثير من الانفتاح والعقلانية وحتى تعمد حضور حفلات يوم الخميس لأم كلثوم شخصياً لينفي عن هذا الحضور اعتباره خروجاً عن الدين، برَّأه القاضي من براثن دعاوى المشايخ المتطرفين التي قدموها ضده في عشرينات القرن الماضي، والحال ذاته كان بالنسبة إلى المفكر الكبير طه حسين حينما كتب رأيه في "الشعر الجاهلي"؛ بينما حَكَمَ القاضي المصري بعد حوالي سبعين عاماً من القرن ذاته، على المفكر والكاتب (نصر حامد أبو زيد) ، بتكفيره وتطليقه من زوجته بسبب رأيه حول تأويل النص، الأمر الذي أدى إلى هجرتهما إلى هولاندا، كي لا يكون مصيرهما مصير فرج فودة أو نجيب محفوظ. فالتواطؤ التاريخي الذي كان قائماً لقرون طويلة بين الأنطمة السلطانية والسلطات الدينية المنغلقة، عاد من جديد إلى معظم الدول العربية والشرق أوسطية، بعد أن كانت قد خفت وطأته نسبياً خلال النصف الأول من القرن العشرين وخاصة في مصر.
تحت الأسطر وبين المشاهد في مسلسل الدكتورة لميس جابر والمخرج السوري حاتم علي، كنا نلمح بوضوح عمليةً لنفي النفي ليس من خلال الجمل الفلسفية بل عبر المشاهد. فالنفي الذي حدث للنظام الملكي في يوليو 1952نراه يطرح ضرورة نفيه الآن بأشكال مختلفة، وقد طفت هذه المسألة على السطح.. إن المسلسل يخاطب الحاضر والاتجاهات السياسية الرئيسة وعلى وجه الخصوص التيار القومي لكي يعيد النظر في مشروعه الفكري والسياسي. إن إعادة النظر على ضوء الممارسة ونتائجها هي الضامن الأهم بالنسبة إلى فكر محدد، من خطر تحوله إلى إيديولوجيا أو بالأحرى إلى دين وطقوس ورموز وإشارات......
أتاحت بعض الحريات المتوفرة في مصر إمكانية تصوير مشاهد المسلسل، وإن يكن في غير مواقعها التاريخية. لكن هل يا ترى، يمكننا أن نشاهد في مستقبل قريب عملاً درامياً آخر من هذا النمط يتكلم على دول عربية أخرى كسوريا والعراق وليبيا والسودان واليمن؟.
وهل بدأت الدراما العربية تدلي بدلوها، في نقد الفكر الشمولي المهيمن على الساحة العربية سواء لدى القوميين أو الإسلاميين أو الماركسيين؟ نتمنى مزيداً من هذه الدراما الجديدة في عالمنا العربي.....
لقد ملت شعوبنا دراما الأمجاد التاريخية، وقصص الخيال التاريخي وإسقاطاتها المتخيلة فقط في ذهن كاتبها. وكذلك لا أعتقد أن شعوبَنا بحاجة للعودة إلى التخلف والعيش في الماضي السحيق، وأيام الحواري وزعمائها وأبوابها المغلقة و الفلقة والقرقول(المخفر) وذروة العهد الذكوري وعبودية المرأة للرجل وغسلها رجليه في كل مساء..........
طبعاً من حق الدراميين أن يوظفوا في أعمالهم الفنية نزعة الأفراد الفطرية في الوقت الراهن لحماية أنفسهم، نتيجة غياب مجتمع المواطنة وانهيار المجتمع الأهلي وهيمنة الحكومات العربية على مؤسسات المجتمع المدني التي بدأت تنمو أثناء الاحتلالات وخلال فترة ما بعد الاستقلال التي امتدت حتى حقبة الانقلابات العسكرية وقيام الأنظمة الشمولية، ولكن المعالجة لا تقوم فقط بتأجيج الحنين لدى شعوبنا العربية إلى أيام التضامن والتماسك في الحي والحارة والعشيرة حينما كانت حكومة السلطنة العثمانية وحتى سلطة الولاية غير قادرة على حماية رعاياها.
يحضرني بهذه المناسبة المؤرخ المرموق الفلسطيني الأصل (حنا بطاطو) حينما يصف في كتابه الذي يؤرخ فيه للعراق الحديث ( ترجمة عفيف الرزاز، الكتاب الأول ص 39/40) روح المحلة والحي والعشيرة في داخل المدن العراقية في أوائل القرن العشرين (عشرنة المدن) فيقول: "حتى الآن نظرنا إلى الولاءات المختلفة (المحلة، الحي، العشيرة) في عراق ما قبل الحرب العالمية الأولى كما لو كانت سلبية وانقسامية فقط ، لكن من وجهة نظر الفرد المنغمس في هذه الولاءات، فبمقدار ما هي متحجرة ومفرغة من مادتها، فإنها كانت تفي بحاجة إيجابية. فالعشائر والمحلات والأصناف كانت تشكل تعبيراً جزئياً عن النزعة الفطرية للحصول على الحماية من خلال الوحدة، وهي حماية لم تكن الحكومة العثمانية تؤمنها بانتظام نتيجة ضعفها. وفي العام 1910 كان أحد نواب بغداد في البرلمان العثماني قد كتب يقول" أسلم للمرأ ألف مرة أن يعتمد على العشيرة من أن يعتمد على الحكومة، ففي حين أن هذه الأخيرة تؤجل أو تتجاهل الإخضاع ، نجد أن العشيرة ومهما كانت ضعيفة،ما أن تعلم بأن ظلماً قد وقع ضد أحد أعضائها حتى تُعِدُّ نفسها للأخذ بثأره"- كتاب من استانبول إلى بغداد/بابان ص256).. لا يوجد أدنى شك في أن غياب المواطنة وسيادة القانون في الدولة الحالية يؤجج لدى المواطن الميل إلى تضامن الحي والعشيرة والدين والمذهب والطائفة.
لكن على أية حال، العودة إلى إيجابيات أي ماضٍ ليست للعيش فيه ، إنما للدخول في مستقبل غير منقطع عن مضمون هذه الإيجابيات وبشكلها الجديد المتلائم مع العصر، مع ذلك هذا المستقبل ليس ذاك الماضي بكليته على الإطلاق....
"من مواد العدد 71 من نشرة الرأي"
-------------------------------------------------
إيران منزعجة من الحضور السوري في أنابوليس
صحيفة الوطن السعودية - الثلاثاء 27 تشرين الثاني 2007
توقع الزعيم الإيراني علي خامنئي فشل الاجتماع الدولي حول السلام. وقال متحدثاً بمناسبة ذكرى إنشاء الميليشيا الإسلامية (الباسيج) "يأملون في مساعدة النظام الصهيوني الغاصب والدمية وإضفاء بعض الاعتبار إلى مسؤولي البيت الأسود" في إشارة إلى البيت الأبيض.
وتابع "لكن جميع السياسيين في العالم يعلمون جيداً بأن هذا المؤتمر محكوم عليه بالفشل بسبب يقظة الشعب الفلسطيني". ووصف مؤتمر أنابوليس بأنه "مؤتمر الخريف (..) لأنه خريف أملهم".
وأكد مسؤول إيراني لـ"الوطن" "أن طهران منزعجة من مشاركة سورية في مؤتمر أنابوليس، موضحاً أن الموافقة السورية على الحضور فاجأت الإيرانيين، لأن الرئيس بشار الأسد تعهد لهم بعدم الذهاب. وقال المسؤول نفسه إن طهران بصدد دراسة البدائل وإنها تعتقد بأن الموافقة السورية تمثل طعنة لها من الخلف".
وكان موقع القائد السابق للحرس الثوري الإيراني محسن رضائي على الإنترنت قد اعتبر أن أول تداعيات قمة أنابوليس هو الطلاق الإيراني-السوري.
صحيفة الوطن السعودية - الثلاثاء 27 تشرين الثاني 2007
توقع الزعيم الإيراني علي خامنئي فشل الاجتماع الدولي حول السلام. وقال متحدثاً بمناسبة ذكرى إنشاء الميليشيا الإسلامية (الباسيج) "يأملون في مساعدة النظام الصهيوني الغاصب والدمية وإضفاء بعض الاعتبار إلى مسؤولي البيت الأسود" في إشارة إلى البيت الأبيض.
وتابع "لكن جميع السياسيين في العالم يعلمون جيداً بأن هذا المؤتمر محكوم عليه بالفشل بسبب يقظة الشعب الفلسطيني". ووصف مؤتمر أنابوليس بأنه "مؤتمر الخريف (..) لأنه خريف أملهم".
وأكد مسؤول إيراني لـ"الوطن" "أن طهران منزعجة من مشاركة سورية في مؤتمر أنابوليس، موضحاً أن الموافقة السورية على الحضور فاجأت الإيرانيين، لأن الرئيس بشار الأسد تعهد لهم بعدم الذهاب. وقال المسؤول نفسه إن طهران بصدد دراسة البدائل وإنها تعتقد بأن الموافقة السورية تمثل طعنة لها من الخلف".
وكان موقع القائد السابق للحرس الثوري الإيراني محسن رضائي على الإنترنت قد اعتبر أن أول تداعيات قمة أنابوليس هو الطلاق الإيراني-السوري.
----------------------------------------------
ردا على رسالة وجهها 138 عالم دين من العالم الإسلامي
رجال دين مسيحيون يعتذرون للمسلمين عن الحروب الصليبية
دبي-العربية.نت
قدّم نحو 300 رجل دين مسيحي اعتذارهم عن الحروب الصليبية، وما شهده العقد الحالي من نتائج "الحرب على الإرهاب"، التي أضرت بالمسلمين وتسببت بآثام وخسائر بشرية وعقائدية. حتى أن رجال الدين المسيحيين طلبوا "المغفرة من الله والأمة الإسلامية".
جاء ذلك في رسالة بعنوان "حب الله وحب الجار"، تم كشف النقاب عنها في العاصمة الإماراتية أبوظبي الاثنين 26-11-2007، والتي تعتبر كردّ من رجال الدين المسيحيين على رسالة سابقة وقعها 138 عالم ومفكر مسلم للقادة المسيحيين، وفق ما نقلت صحيفة الشرق الاوسط الثلاثاء.وبحسب الرسالة المسيحية، قال رجال الدين: "نود البدء بالاقرار بأن العديد من المسيحيين في الماضي، في الحروب الصليبية مثلا، وفي الحاضر، في تجاوزات ما يسمى الحرب على الارهاب مثلا، اذنبوا بارتكابهم آثاما ضد جيراننا المسلمين فقبل ان نصافحكم ردا على رسالتكم نطلب مغفرة الله الرحيم وصفح الامة الاسلامية من جميع انحاء العالم".وبالرغم من الاعتذار الذي أبدوه في رسالتهم هذه، إلا أن قسما مهما من رجال الدين غابوا عن التوقيع عن هذا الرد، وفي حين أن 300 عالم ورجل دين مسيحي منتشرين في مختلف بلدان العالم أيدوا الاعتذار غير المسبوق، إلا أن الفاتيكان واحدى الكنائس الأرثوذكسية لم يشاركا في هذا الرد، الذي يعتبر خطوة مهمة باتجاه التقارب بين المسلمين والمسيحيين.ووصف رئيس مؤسسة "طابا" الداعية الاسلامي الحبيب علي الجفري الخطوة المسيحية بأنها "خطوة غير مسبوقة للتقارب بين الديانتين والحضارتين منذ اكثر من 500 عام"، لافتاً الى ان اتباع الاسلام والمسيحية يمثلون 55% من سكان الارض، معتبرا ان ما أسماه بالتقارب الملموس الذي حدث "يجسد اولى الخطوات والارضية الصلبة التي يجب ان نقف عليها للعودة من جديد الى السلم والتآخي والوئام بين البشر".واكد الجفري ان الرد المسيحي الايجابي على رسالة علماء وشيوخ المسلمين وما تضمنه من اعتذار للمسلمين، ستقابله خطوات قادمة ستعزز من الحوار بين الديانتين، كعقد اللقاءات المشتركة والمؤتمرات على كافة المستويات مما سيثري من حوار الديانتين ويعطيها دفعا قويا حتى يفهم العالم دعوة الاسلام الحقيقية للسلام والوسطية والاعتدال. ووفقا للجفري فإن هذا الرد المسيحي تكمن أهميته بأنه "اعتراف صريح بالحروب الصليبية ضد المسلمين".من جهته، اعتبر مؤسس ومدير مركز الايمان والثقافة بجامعة "ييل" البروفسور ميروسلاف فولف، والذي اعد رسالة رد المسيحيين، أن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين "في أدنى مراحلها"، معتبراً أن المهم في رسالة المسلمين "كلمة سواء بيننا وبينكم"، انها جاءت من كافة شرائح المسلمين، "وهذه بادرة طيبة ومليئة بالامل وتمكنت من تحريك وجدان المسيحيين وايقاظ حب التصافح والتقارب والمحبة بين الجانبين".واشار الى ان اكثر من 300 عالم ورجل دين مسيحي الموقعين على رسالة المسلمين هم من جميع انحاء العالم، وغالبيتهم من الولايات المتحدة الاميركية، ويمثلون اكبر شريحة من المسيحيين من مختلف الطوائف والمدارس المسيحية، موضحا بان الوثيقة المسيحية الصادرة عنهم ليست سياسية، بل إنها تعرض افكار ومعتقدات من وقع عليها.
----------------------------------------
عودة أعمال الشغب إلى ضواحي العاصمة باريس

موجة العنف تجتاح شوارع ضواحي العاصمة باريس مجدداً
عقب مقتل شابين في حادثة تصادم مع سيارة للشرطة اندلعت اشتباكات ضارية بضواحي العاصمة باريس ليلة أمس بين مشاغبين ورجال الأمن، أسفرت حتى الآن عن إصابة العديد من رجال الشرطة وخلفت أضرارا مادية كبيرة.
ذكرت وسائل إعلام فرنسية اليوم الثلاثاء أن أكثر من 60 ضابط شرطة أصيبوا بجروح، من بينهم خمسة في حالة خطرة، عندما قامت مجموعات من الشبان بأعمال شغب مساء يوم أمس الاثنين لليوم الثاني على التوالي في ضواحي باريس بعد مقتل مراهقين في حادث مروري مع سيارة للشرطة. وتردد أن خمسة من المصابين يُوجدون في حالة خطرة من بينهم أحد رجال شرطة مكافحة الشغب بعد إصابته بعيار ناري في كتفه.
إضافة إلى ذلك، أحرقت 63 سيارة وخمسة مبان من بينها مكتبة ومدرستان عندما امتدت الاضطرابات إلى ستة أحياء في ضواحي باريس بعد 24 ساعة من مقتل الشابين، اللذين يتراوح عمريهما ما بين 15 و16 عاما عندما اصطدمت دراجتهما البخارية بسيارة شرطة في ضاحية فيلييه لوبيل. وقال شهود للمحققين إن الدراجة كانت تسير بسرعة كبيرة وإن سيارة الشرطة كانت غير قادرة على تفادي الاصطدام.
ورغم أن الحادث لا يعدو كونه "حادثا مروريا"، إلا أنه فجر موجة جديدة من أعمال العنف في ضواحي العاصمة الفرنسية، حيث المنازل المعزولة الشبيهة بـ"الغيتوهات".
وأعادت أعمال الشغب هذه إلى الأذهان أعمال شغب التي شهدتها ضواحي باريس أواخر عام 2005 على خلفية مقتل شابين صعقا بالكهرباء أثناء فرارهما من الشرطة. وخلفت تلك الأحداث آنذاك خسائر مادية جسيمة بعد أن أضرم المشاغبون النار في آلاف السيارات.
شبح أعمال الشغب يخيم على العاصمة باريس
أعمال الشغب أسرت عن جرح العديد من رجال الشرطة

وبعد يومين من أعمال الشغب أصيب نحو مائة ضابط شرطة ودمرت نحو مائة سيارة واحترق 12 مبنى أو لحقت به أضرار على يد هؤلاء الشبان. وكانت شبكة (إل.سي.آي) التلفزيونية قد ذكرت في وقت سابق إن 50 على الأقل من ضباط شرطة مكافحة الشغب أصيبوا بجروح مع امتداد أعمال الشغب إلى ست ضواحي على الأقل بشمال العاصمة الفرنسية بعد 24 ساعة من حادث مقتل المراهقين. وقالت بعض المصادر إنه جرى استخدام مسدسات لإطلاق النار على الشرطة كما تم رشق رجال الأمن بالحجارة وقنابل بنزين ومفرقعات.
وقالت إذاعة "فرانس إنفو" إن الشرطة ردت باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع. وفي بعض الأماكن اشتبك رجال الشرطة مع الشبان في عراك بالأيدي استخدم خلال الشبان أغطية صناديق القمامة كدروع ضد عصي الشرطة.
وهاجم المراهقون حافلة كانت تسير خالية دون ركاب وأضرموا النيران فيها. واستمرت أعمال العنف رغم الدعوات للتحلي بالهدوء، التي أطلقها كل من عائلتي الضحيتين والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي يقوم حاليا بزيارة للصين. وتناثرت بشوارع الضواحي الباريزية عبوات الطلقات الفارغة وقطع الزجاج المتهشم والحجارة التي ألقاها مثيرو الشغب.
دويتشه فيله + وكالات (ط.أ)
--------------------------------------------
وقالت إذاعة "فرانس إنفو" إن الشرطة ردت باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع. وفي بعض الأماكن اشتبك رجال الشرطة مع الشبان في عراك بالأيدي استخدم خلال الشبان أغطية صناديق القمامة كدروع ضد عصي الشرطة.
وهاجم المراهقون حافلة كانت تسير خالية دون ركاب وأضرموا النيران فيها. واستمرت أعمال العنف رغم الدعوات للتحلي بالهدوء، التي أطلقها كل من عائلتي الضحيتين والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي يقوم حاليا بزيارة للصين. وتناثرت بشوارع الضواحي الباريزية عبوات الطلقات الفارغة وقطع الزجاج المتهشم والحجارة التي ألقاها مثيرو الشغب.
دويتشه فيله + وكالات (ط.أ)
--------------------------------------------
ثقافة ومجتمع 07.11.2005
شبح انتقال عدوى العنف من المدن الفرنسية إلى ألمانيا
الصدامات الدامية في المدن الفرنسية تلقي بظلالها على سياسة أوروبا المتعلقة بالاندماج الاجتماعي للمهاجرين على أراضيها. ألمانيا تعيش على إيقاع الخوف من وصول أحداث فرنسا إلى شوارعها وسط الدعوة الى انتهاج سياسة هجرة جديدة.
يبدوا أن لا نداءات الرئيس الفرنسي جاك شيراك ولا نداءات الجمعيات الإسلامية بفرنسا قادرة على إيقاف المظاهرات التي توالت لليوم الحادي عشر على التوالي في شوارع العاصمة الفرنسية وامتدت لتشمل مدنا أخرى. وقد وصلت هذه الصدامات إلى قلب العاصمة باريس، منذرة بتحول خطير في علاقة الأحياء الهامشية مع السلطات المركزية الفرنسية بل أنها تطورت الآن لتشهد تبادل لإطلاق الرصاص بين المتظاهرين ورجال الأمن الذين يبدو أنهم عازمين على إيقاف هذه التظاهرات مهما كلف الأمر، نزولا عند أوامر وزير الداخلية المحافظ ساركوزي الذي أثارت تصريحاته المتظاهرين وكانت سببا في تفاقم الأوضاع. وكان ساركوزي قد وصف المتظاهرين "بحثالة المجتمع الذين يجب تطهير المنطقة منهم بالكامل." وقد قامت قوات الشرطة بإلقاء القبض على حوالي 200 متظاهر. وتوقع المراقبون أن حالة الانفلات الأمني ومظاهر الفوضى قد تشهد تطورات خطيرة ستلقي بظلالها على الساحة السياسية الفرنسية وكذا الأوربية. واليوم أوردت وكالات الأنباء خير سقوط أول ضحية في المواجهات التي يدور رحاها على شكل معارك كر وفر في وسط الليل.
أكثر من مجرد حدث عابر
شبح انتقال عدوى العنف من المدن الفرنسية إلى ألمانيا
الصدامات الدامية في المدن الفرنسية تلقي بظلالها على سياسة أوروبا المتعلقة بالاندماج الاجتماعي للمهاجرين على أراضيها. ألمانيا تعيش على إيقاع الخوف من وصول أحداث فرنسا إلى شوارعها وسط الدعوة الى انتهاج سياسة هجرة جديدة.
يبدوا أن لا نداءات الرئيس الفرنسي جاك شيراك ولا نداءات الجمعيات الإسلامية بفرنسا قادرة على إيقاف المظاهرات التي توالت لليوم الحادي عشر على التوالي في شوارع العاصمة الفرنسية وامتدت لتشمل مدنا أخرى. وقد وصلت هذه الصدامات إلى قلب العاصمة باريس، منذرة بتحول خطير في علاقة الأحياء الهامشية مع السلطات المركزية الفرنسية بل أنها تطورت الآن لتشهد تبادل لإطلاق الرصاص بين المتظاهرين ورجال الأمن الذين يبدو أنهم عازمين على إيقاف هذه التظاهرات مهما كلف الأمر، نزولا عند أوامر وزير الداخلية المحافظ ساركوزي الذي أثارت تصريحاته المتظاهرين وكانت سببا في تفاقم الأوضاع. وكان ساركوزي قد وصف المتظاهرين "بحثالة المجتمع الذين يجب تطهير المنطقة منهم بالكامل." وقد قامت قوات الشرطة بإلقاء القبض على حوالي 200 متظاهر. وتوقع المراقبون أن حالة الانفلات الأمني ومظاهر الفوضى قد تشهد تطورات خطيرة ستلقي بظلالها على الساحة السياسية الفرنسية وكذا الأوربية. واليوم أوردت وكالات الأنباء خير سقوط أول ضحية في المواجهات التي يدور رحاها على شكل معارك كر وفر في وسط الليل.
أكثر من مجرد حدث عابر
جانب من الدمار
لقد نجحت الأحداث التي يشهدها عدد من المدن الفرنسية في تغيير مجرى ومستوى النقاش من مجرد الحديث عن تمرد عابر لشباب ينحدر من أصول مهاجرة الى نقاش حول سياسة الدولة الفرنسية وباقي الدول الأوربية تجاه الهجرة والمهاجرين. فالنموذج التي اختارته فرنسا للتعامل منذ الستينات مع المهاجرين فشل فشلا ذريعا واثبت أن سياسة الغيتوهات التي سلكتها حكومة باريس هي السبب الرئيسي في ظهور تصادمات عرقية تشهدها فرنسا من حين الى آخر. كما أن الأوضاع الاقتصادية المزرية لهؤلاء الشباب هي احدى العوامل الأساسية في انتشار ظاهرة العنف في أوساطهم. فالبطالة في صفوف الشباب الذين لم يتجاوز عمرهم 25 عاما وصلت حوالي 23 بالمائة، بل أنها قد تصل إلى 36% في أوساط أبناء المهاجرين من أصول افريقية على وجه الخصوص، حيث أن حظوظهم في الحصول على فرص عمل تقل خمسة أضعاف عن حظوظ الشباب الفرنسيين
شبح انتقال العدوى
حي كرويتسبرغ في برلين

دفعت التطورات على الأراضي الفرنسية بعدد من البلدان الأوروبية إلى التعبير عن مخاوفها وقلقها من انتقال هذه العدوى إليها ومن بينها ألمانيا حيث ألقت أحداث فرنسا بظلالها على المفاوضات الجارية في برلين بين الحزبين الكبيرين من أجل تشكيل الحكومة المقبلة. ومن الجدير بالذكر أن ألمانيا كانت قد أجرت تعديلا على قانون الهجرة. وقد تضمن هذا القانون عدة بنود تسير في اتجاه فك العزلة عن المهاجرين وعائلاتهم خصوصا فيما يتعلق بجانب اللغة التي أولاها القانون الجديد أهمية قصوى، إلا أن ذلك لم يمنع السياسيين من حين لآخر من دق ناقوس الخطر. ففي هذا السياق صرح المسئول عن الشؤون القانونية في كتلة الحزب الاشتراكي الديموقراطي البرلمانية بالتالي: "على حزبيْ التحالف أن يعملا وبسرعة على سن مزيد من القوانين واتخاذ مزيد من الإجراءات الصارمة لتفادي حدوث مثل تلك المصادمات التي شهدتها فرنسا، بل يجب اعتبار الاندماج بمثابة المهمة الضرورية في اتفاقات الحزبين على مستوى السياسة الداخلية." أما فولفغانغ بوسباخ الناطق الرسمي للحزب المسيحي الديمقراطي لشؤون السياسة الداخلية والرئيس المقبل للكتلة البرلمانية للحزب فقد اعتبر أن الحالة خطيرة جدا، مشير الى انه بالرغم من أن النسيج الاجتماعي في فرنسا يختلف عنه في ألمانيا، الا انه يجب على الألمان ألا يوهموا أنفسهم باستبعاد امكانية وقوع نفس الأحداث في ألمانيا. وأضاف بوسباخ قائلا: "من الضروري اعتماد ثلاث خطوات لتجنب ذلك: أولا يجب تقوية وتعزيز سياسة الاندماج، ثانيا تطبيق قانون العقوبات وقانون الأجانب بشكل حازم، ثالثا علينا مراقبة وتتبع ما يجري داخل أروقة المساجد."
تداعيات وتحذيرات على كافة الصعد
دانيل كون بينديت، عضو حزب الخضر الألماني في البرلمان الأوروبي، اعتبر التصريحات الجديدة لوزير الداخلية الفرنسي بكون "الأحداث التي شهدتها فرنسا هي بإيعاز من المنظمات الإسلامية المتشددة" بأنها هراء، وانه يحاول التستر على تصريحاته السابقة. وأضاف بينديت أن السياسة التي تتبعها فرنسا والسلوك العنصري أحيانا لعناصر قوات الأمن بهذه المناطق هي السبب وراء هذه الأحداث، داعيا الى ضرورة اعادة النظر في سياسة التعليم في فرنسا وفي كل الدول الأوروبية وكذا اعادة النظر في هذه المجمعات السكنية التي هي بمثابة غيتوهات لا تعرفها أوروبا بالشكل الذي هو عليه في فرنسا. أما كينان كولات رئيس الجالية التركية بألمانيا فيعتبر أن ظروف البطالة وتراجع فرص التأهيل والدراسة التي يعيشها الشباب المنحدر من أصول مهاجرة قد يتطور إلى خطر شبيه بما حدث في فرنسا. ووجه كولات نداء الى الحكومة الألمانية والى المستشارة المرتقبة أنجيلا ميركل للعمل على مضاعفة الجهود من أجل تساوي الحظوظ بين الشباب من اصول مهاجرة والشباب المنحدر من أصول ألمانية.
إن الأحداث التي تعيشها فرنسا تدعو جميع الدول الأوربية وخصوصا ألمانيا الى إعادة النظر في سياستها تجاه المهاجرين وذالك باعتبار أنهم جزء من هذه المجتمعات وليس باعتبارهم حثالة على حد تصريح وزير داخلية فرنسا ساركوزي.
محمد مسعاد
شبح انتقال العدوى
حي كرويتسبرغ في برلين

دفعت التطورات على الأراضي الفرنسية بعدد من البلدان الأوروبية إلى التعبير عن مخاوفها وقلقها من انتقال هذه العدوى إليها ومن بينها ألمانيا حيث ألقت أحداث فرنسا بظلالها على المفاوضات الجارية في برلين بين الحزبين الكبيرين من أجل تشكيل الحكومة المقبلة. ومن الجدير بالذكر أن ألمانيا كانت قد أجرت تعديلا على قانون الهجرة. وقد تضمن هذا القانون عدة بنود تسير في اتجاه فك العزلة عن المهاجرين وعائلاتهم خصوصا فيما يتعلق بجانب اللغة التي أولاها القانون الجديد أهمية قصوى، إلا أن ذلك لم يمنع السياسيين من حين لآخر من دق ناقوس الخطر. ففي هذا السياق صرح المسئول عن الشؤون القانونية في كتلة الحزب الاشتراكي الديموقراطي البرلمانية بالتالي: "على حزبيْ التحالف أن يعملا وبسرعة على سن مزيد من القوانين واتخاذ مزيد من الإجراءات الصارمة لتفادي حدوث مثل تلك المصادمات التي شهدتها فرنسا، بل يجب اعتبار الاندماج بمثابة المهمة الضرورية في اتفاقات الحزبين على مستوى السياسة الداخلية." أما فولفغانغ بوسباخ الناطق الرسمي للحزب المسيحي الديمقراطي لشؤون السياسة الداخلية والرئيس المقبل للكتلة البرلمانية للحزب فقد اعتبر أن الحالة خطيرة جدا، مشير الى انه بالرغم من أن النسيج الاجتماعي في فرنسا يختلف عنه في ألمانيا، الا انه يجب على الألمان ألا يوهموا أنفسهم باستبعاد امكانية وقوع نفس الأحداث في ألمانيا. وأضاف بوسباخ قائلا: "من الضروري اعتماد ثلاث خطوات لتجنب ذلك: أولا يجب تقوية وتعزيز سياسة الاندماج، ثانيا تطبيق قانون العقوبات وقانون الأجانب بشكل حازم، ثالثا علينا مراقبة وتتبع ما يجري داخل أروقة المساجد."
تداعيات وتحذيرات على كافة الصعد
دانيل كون بينديت، عضو حزب الخضر الألماني في البرلمان الأوروبي، اعتبر التصريحات الجديدة لوزير الداخلية الفرنسي بكون "الأحداث التي شهدتها فرنسا هي بإيعاز من المنظمات الإسلامية المتشددة" بأنها هراء، وانه يحاول التستر على تصريحاته السابقة. وأضاف بينديت أن السياسة التي تتبعها فرنسا والسلوك العنصري أحيانا لعناصر قوات الأمن بهذه المناطق هي السبب وراء هذه الأحداث، داعيا الى ضرورة اعادة النظر في سياسة التعليم في فرنسا وفي كل الدول الأوروبية وكذا اعادة النظر في هذه المجمعات السكنية التي هي بمثابة غيتوهات لا تعرفها أوروبا بالشكل الذي هو عليه في فرنسا. أما كينان كولات رئيس الجالية التركية بألمانيا فيعتبر أن ظروف البطالة وتراجع فرص التأهيل والدراسة التي يعيشها الشباب المنحدر من أصول مهاجرة قد يتطور إلى خطر شبيه بما حدث في فرنسا. ووجه كولات نداء الى الحكومة الألمانية والى المستشارة المرتقبة أنجيلا ميركل للعمل على مضاعفة الجهود من أجل تساوي الحظوظ بين الشباب من اصول مهاجرة والشباب المنحدر من أصول ألمانية.
إن الأحداث التي تعيشها فرنسا تدعو جميع الدول الأوربية وخصوصا ألمانيا الى إعادة النظر في سياستها تجاه المهاجرين وذالك باعتبار أنهم جزء من هذه المجتمعات وليس باعتبارهم حثالة على حد تصريح وزير داخلية فرنسا ساركوزي.
محمد مسعاد
دويتشه فيله
-----------------------------------------------