إذا قلت لمسؤول أمني إنك ناشط في مجال حقوق الإنسان، فإنك بقولك هذا وكأنك تعترف بأنك مجرم".

تقوم الحكومة السورية بالتضييق الشديد على حريات نشطاء حقوق الإنسان في التعبير عن آرائهم وفي التجمع على شكل جمعيات. وفي ظل الأحكام القانونية المقيدة والتعسفية؛ فإن منظمات حقوق الإنسان تتعرض لرفض الشهر على الدوام وتتحمل استمرار عملها على نحو غير مستقر ومن دون صفة قانونية. والأسوأ أن أجهزة الأمن تُعرِّض نشطاء حقوق الإنسان لتدقيق ومتابعة صارمة ومضايقات تتضمن حظر السفر والاعتقالات والمحاكمات. ويوثق هذا التقرير هذه القيود عن طريق فحص السياق القانوني الذي يعمل فيه هؤلاء النشطاء والممارسات الحكومية التي يتعرضون لها.
تقرير اللجنة الدولية لحقوق الانسان ..سوريا
ألا ترى الوتد الذي في عينك؟!
أتحفنا اتحاد الصحافيين السوريين بما يمكن اعتباره مجازاً تحركاً عاجلاً (Urgent moves)، شبيه الى حد ما بتحركات منظمات حقوق الإنسان العالمية، لكنه تفوّق عليها جميعاً بإصداره ـ وله السبق في ذلك ـ بيانه في 14/10/2007 في عطلة عيد الفطر، نظراً لخطورة الوضع وإلحاحه، أعرب البيان عن تضامن الصحافيين السوريين مع زملائهم المصريين الذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن في مصر، جاء في البيان الذي نشر تحت عنوان: "الصحافيون السوريون يتضامنون مع زملائهم في مصر ويطالبون بإلغاء عقوبة حبس الصحافي في جميع الدول العربية"، إن المكتب التنفيذي لاتحاد الصحافيين السوريين دعا الى "معالجة قضايا النشر بما يكفل حرية الصحافة وحماية حق الصحافي في التعبير".
محمد علي العبدالله
----------------------------------------------------------
شيخ قطري يتهم البعض في وزارة الزراعة بالتواطؤ في نقل ملكية خيل سوري أصيل ثمنه 100 الف يورو
الاخبار المحلية
والوزارة تقول إنه "تعرّض لعملية نصب" ..
تقدم الشيخ القطري مبارك النعيمي بشكوى عبر سيريانيوز الى القائمين على مسؤولية حفظ الخيول العربية الأصيلة في سورية ممثلة بمنظمة "الواهو"العالمية عبر ممثليتها في سورية والى وزارة الزراعة لحل مشكلة تتعلق"بنقل ملكية خيل إشتراه بمبلغ مئة الف يورو من سورية دون أن يتمكن من نقله خارجها للمشاركة في المسابقات العالمية تحت إسمه ونسبه السوري ".
وقال النعيمي لسيريانيوز ..إن "تعليمات لدى دولة قطر صدرت لمربي الخيول القطريين للتوجه نحو سورية والمشاركة في فعالياتها ونشاطاتها الخاصة بالخيول وبالفعل أرتأينا ان أكون أول المستطلعين وأثناء جولتي رأيت خيلاً عربية سورية أصيلة في إحدى المزارع وأعجبتني مواصفاتها وتقدمت من صاحبها لشرائها وسددت ثمنها 100 ألف يورو والخيل مسجلة لدى منظمة الواهو العالمية ولدى وزارة الزراعة السورية منذ سبع سنوات وبحضور كامل أعضاء الجنة الواهو بدمشق أيضا تحت اسم "متعب" وبالسلالة والطرق المتبعة ووفق عينات الدم والحمض النووي الريبي وعينة الشعر أيضاً ولدى محاولتي نقلها فيما بعد خارج سورية الى إسطبلاتي رفض القائمون على الموضوع لدى وزارة الزراعة على أساس أن الخيل مفتول وأنه ليس الخيل المقصود وأنه انكليزي وليس سوري ."
وتساءل النعيمي كيف يمكن للقائمين على الموضوع في وزارة الزراعة إتخاذ مثل هذا الاجراء الذي لم نصادفه في أي دولة في العالم ذهبنا اليها من سنغافورة الى ماليزيا الى دبي الى انكلترا او فرنسا ثم كيف اكتشفوا ذلك بعد سبع سنوات والقول إن الخيل ليس هو المقصود بل حصان آخر غير ممكن وذلك مثبت رسمياً من العينات المثبتة لدينا ولدى الوزارة ومنظمة الواهور والسؤال هل هم يشككون بنزاهة اللجنة التي أثبتت كل ذلك ثم ماذا لو فرضنا أن الخيل ليس المقصود فهل سأتمكن من إستعادة مئة الف يوور ثمنه ولكن أعتقد وفق معطيات لدي أن هناك بعض المسؤولين في وزارة الزراعة متورطين ومتواطئين في الموضوع في محاولة لبيع الخيل الاصيل الذي اشتريته الى أحد ما في سورية من خلال جلب شهود وحلف اليمين وتجاهل العينات ".
سيريانيوز تابعت الموضوع مع المسؤول عن تسجيل الخيول لدى وزارة الزراعة "محمد الوادي" الذي قال ..أعتقد ان النعيمي تعرض لعملية نصب والخيل الذي لديه هو غير ذلك الذي إشتراه وعلى العموم نحن نتابع الموضوع والتحقيقات وستعلن نتائجه الأسبوع المقبل ".
وعن كيفية تسجيل الخيول لدى منظمة الواهو ووزارة الزراعة قال الوادي إن "ذلك يتم أولا من خلال المربين والشهود وحلف اليمين وتسجيل أسماء وأنساب الخيل وسلالالتها ومن ثم يتم التثبت ممن ذلك عبر فحوصات الحمض النووي والدم وتسجيلها في منظمة الواهو الدولية " .
وتعتبر بادية الشام بلد المنشأ لأرسان الجواد العربي الأصيل الذي يعتبر من أقدم سلالات الخيل في العالم إن لم يكن أقدمها على الاطلاق ويعود تاريخ نشأته الى أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد .
ويتميز الجواد العربي الأصيل بجماله وقوته وشجاعته وتتجه انظار العالم لإقتنائه من أجل التربية النقية ولتحسين السلالات الأخرى ولاتوجد سلالة خيل في العالم إلا ويجري في عروقها دم الجواد العربي الأصيل فكان أباً ومؤسساً لكثير من سلالات الخيل ".
وقامت وزارة الزراعة بحملة وطنية شاملة تم خلالها مسح وتسجيل الخيول العربية الأصيلة وإصدار كتب الأنساب، والانتساب الى المنظمة العالمية للجواد العربي .
وانتسبت سورية الى المنظمة العالمية للجواد العربي كعضو كامل وفعال عام 1989 والتي تتألف من 56 دولة .
سيريانيوز
-------------------------------------------------------------------------
علوم وتكنولوجيا 27.10.2007
"الساعة البيولوجية لا تتغير مع تغيير التوقيت الصيفي"
كشفت دراسة حديثة في ألمانيا، شارك فيها نحو 55 ألف شخص، أن تغيير التوقيت الصيفي والشتوي يشكل عبئا كبيرا على المنظومة البيولوجية للإنسان أكثر مما كان معروفا حتى الآن.
أجرى علماء من جامعة لودفيج ماكسيمالين في مدينة ميونيخ، والتي تعد من أفضل الجامعات الألمانية، دراستين شملتا نحو 55 ألف شخص بهدف دراسة تأثير تغيير الوقت على الساعة البيولوجية للجسم.
وراقب القائمون على الدراسة حركات النوم لدى 50 من المتطوعين على مدار ثمانية أسابيع شملت الفترات التي يتم فيها تغيير التوقيت. وجرى قياس أنشطة المتطوعين وحركاتهم باستخدام إسورة توضع في اليد طوال الأسابيع الثمانية.
وقال أحد مشرفي الدراسة في تصريحات نشرتها مجلة "فوكوس" الألمانية على موقعها الالكتروني: "على عكس الدراسات السابقة بحثنا سلوك النوم لدى المتطوعين في أيام العطلات وأيام العمل بشكل منفصل، لأننا كنا نرغب متابعة عمل الساعة البيولوجية دون أن تزعجها التوقيتات المفروضة اجتماعيا".
"الساعة البيولوجي
ة لا تتغير مع تغيير التوقيت الصيفي"
النوم ضرورة بيولوجية للحفاظ على صحة الجسد
كما أوضحت الدراسة أن الساعة البيولوجية داخل الجسم لا تتغير مع تغيير التوقيت الصيفي أو أنها تتغير بشكل طفيف للغاية. ولاحظ الخبراء أنه حتى عندما يدق المنبه تبعا للتوقيت الجديد فإن المشاركين في الدراسة لا يصبحون بكامل لياقتهم المعتادة ونشاطهم في الحركة إلا بعد ساعة كاملة. وأرجع الخبراء هذا الأمر إلى أن الساعة البيولوجية لم تتغير مع تغيير التوقيت الصيفي كما كان يعتقد في القبل.
وأوضحت الدراسة أن الساعة البيولوجية نظام معقد للغاية يتأقلم على الفترات الزمنية خلال اليوم بشكل دقيق للغاية . وردا على سؤال إذا ما كان من الضروري إلغاء مسألة تغيير التوقيت بهدف عدم الإضرار بالساعة البيولوجية للجسم قال الخبراء: "من السابق لآوانه التكهن بتأثيرات مسألة تغيير التوقيت على صحة الإنسان".
دويتشه فيله / (ل.م)
---------------------------------------------------------------------------
أل التعريف و ثابت الوهم!
نحن أمة معرفة منذ دولتها الأولى، بها تعرفنا على أنفسنا ومنها نشتق راهننا، لأننا تعرفنا فيها على ذاتنا ونحن في أوج إمبراطوريتنا-الخلافة الإسلامية، لم نتعرف على أنفسنا قبل دولتنا هذه!كنا قبائل وعشائر وإقطاعيات،منها ما هو خاضع لإمبراطوريات أخرى! نرثها، نلوك لغتها دون أن نضيف طعما جديدا لها، وتعريفنا لم يأتي من حضور في الحاضر، وإنما لازال رهين دولتنا، التي انسحبت من التاريخ بفعل التاريخ نفسه، سواء بلبوس ديني، أو بلبوس وضعي! النتيجة واحدة، هي انسحابنا من هذا التاريخ. و لم يعد لنا تاريخ سوى ما مضى وما لم يأتي بعد. والذي ما لم يأتي بعد هو ما مضى، استعادة ذهنية محمومة حتى درجة الخصاء. ومن له القدرة على الخصاء سوى الله عز وجل أو فعل السياسي فينا، و الخصاء موت التجدد، إيقاف للحياة، دورانها لم يعد مجديا خارج، تصورنا الراسخ رسوخ دولة في التاريخ! ذهبت ولم تعد، ولازالت فينا مستقرة، لغة ابن منظور- لسان العرب- أو مقال ابن رشد-فصل المقال- أو ترسيخا لاستيراد يبوتقه السياسي براهنيته الفاسدة أصلا. فالإسلامي والعلماني، القابضون بمحراب الأصالة و دعاة الحداثة المشروخة بآليات استيرادها بمعزل عن بؤرتها السياسية، فالمستورد يتحول بقدرة قادر إلى منتج من عندنا، كيف وبأية آليات يتم ذلك!؟ هذا نراه بأل التعريف التي عرفتنا وتعرفنا بها على العالم، والتي هي قرآنية بامتياز! والقرآني منذ أن خبا بريقه اللغوي، ولم يعد له حاملا سياسيا على مقاسه، والأمة ضائعة، مطحونة في دوران الوهم عن الذات- هذا ما يقوله دعاة السلف والأصالة. دون أن يتعاملوا مع القرآن بوصفه نصا، فهو تاريخي بامتياز، وابن شرعي لتاريخه الخاص. إنه بقداسته هذه يضج بتفاصيل تاريخه. وهو معرف بذاته! دون أن يكون عصيا على الفهم. ولأنه كذلك، فهو معرف تماما، والمعرف تنتهي صلاحيته عند حدود السياسي، أو يستمر العمل بمقتضاه التعريفي نتيجة لرغبة هذا السياسي نفسه. لهذا السياسي يدور بنا وفينا في نفس المكان. إنه دائرة الاستبداد المغلق، على ما عرفنا به- كخير أمة أخرجت للناس- ولن يصدقنا أحدا أننا غير ذلك، متابعة سريعة خاطفة لما نكتب وندور في فلكه علماني كان أم إسلامي، أصولي أم حداثي؟ إنها نفس المحمولات اللغوية المحتجزة بفعل الأصالة التي يتمتع بها السياسي، السياسي الذي اخترق أصغر خلايانا ولازال، بعد أن قبض على القلب فينا. وأصبح نبضه هو نبض السياسي نفسه. في المنابر الإعلامية الخليجية نحن ديمقراطيون وليبراليون، وفي الإعلام غير الخليجي نحن قوميون سلفيون. والإعلام هو جوهر السياسي الوضاء وليس المنير في هذا الزمن. إننا فيه معرفون بالسياسي لدينا، لا يوجد لدينا ما يعرف بنا خارج دوائر السياسي/ الحكومات، هل يوجد لدينا تضامنات مدنية تتحرك خارج دائرة التعريف السياسي نفسه؟ خصوصا بعد أن التهم الضلع الأمني المخابراتي بقية أضلاع السياسي، بما فيه الضلع المالي الممول لكل نشاطات إعادة إنتاج نفس الدائرة من الدوران في المكان الذي رسمه لنا هذا السياسي، الذي أتى بغفلة من عقلانية غائبة عن رجل مريض! ألم نعترف ولازلنا نعتبر جميعا أن الغرب قد ورث ما لدينا من رجل مريض؟! كان اسمه الإمبراطورية العثمانية؟ وهل لدينا بعد تحلل الرجل المريض إلى أجزاءه المفتتة أصلا؟ هل لدينا "السياسي" أي سياسي غير السلطة، التي تغولت بفعل عدة عوامل أهمها السياسي الدولي على المستوى نفسه وفي سياقاته المتحاربة على الثروة وإعادة إنتاج الحضارة الراهنة بكل منجزاتها و آفاق هذه المنجزات، حيث التحولات فيها لم تعد كمية بل نوعية في قفزاتها المتواصلة نحو نيرفاناها، كما انطلقت مع عصر التنوير الغربي، الذي أصبح عصرا للبشرية كلها، فهل سنبقى نتوارى خلف تجربتنا التي تعرفت وتعرفنا بها على ذاتنا القومية والإسلامية؟
أل تعريفنا هي تخصيص، والتخصيص هو معرفة حدود، أو تحديد للمعنى قبل المسمى، لا نقول قرآن في هذا السياق، لأنه لا يوجد قرآن آخر، نقول القرآن الكريم. لا نقول أمة! بل الأمة، يكفي أن نضيف أل التعريف على المفردة هذه حتى يعرف المرء عن أية أمة نتحدث! إننا الأمة..وينتهي بعدها أي أفق. دعاة علمنة أم دعاة دين، لنا نفس اختبار المعنى، الذي لم ينفك عن لغتنا حتى اللحظة. نمارس فيها نوعا غير مختبر بعد من التقية والباطنية! التي اختبرت وتختبر الآن في العراق! وهنا أتحدث سوريا. من خلال توارينا خلف( خلافات معرفية، نظرية ) وجذر خلافنا سياسي، حياتي، معاش. أبدا ليست لدينا سلط مبعثرة في مجتمع ديمقراطي! لدينا هامش لسلطة مركزية واحدة ابتلعت أغلب مساحاتنا وتستمر في ابتلاع هوامشها أيضا- حال الاقتصاد السوري الآن، يتصدرها السياسي بامتياز. والسياسي معرف نفسه بلا حياء ولا خجل، لكننا في مأزقنا الذاتي، نحاول أن نتهجاه من جهات، لا تمسه، ولا تستطيع أن تجعله مبعثرا في سياقاتنا الاجتماعية. من يقرأنا نحن السوريين الآن في الوطن والمهجر، يجد مناظراتنا، أو ما تسمى حواراتنا، تحيل أي قارئ براني، إلى انسداد أفقنا. تبحث خلف هذه الأسطر من المدونات النظرية تجد أن السياسي، مسحوب منا! نحن ليس لنا صوتا! ونحن لا نقرر أي شيء يخص مصيرنا، نحن نبحث فرديا عن أدوات عيشنا. ونعيش على هوامش الحدث، الذي يعيد تجديد دماء سلطته فينا، في لغتنا، في مبارزاتنا اللغوية والمعرفية والإيديولوجية. وهنا يحضر المرء ذكرى جراء شلال الدم العراقي: إن المتابع لحوارات المعارضة العراقية قبل عقد من سقوط صدام حسين، معارك بين علمانيين وبين سلفيين، بين أصوليين و حداثيين، بين ليبراليين وشيوعيين. أين أصبح كل هذا الركام الآن؟ السياسي حولنا إلى ركام. السياسي الذي يصل إلى الأجيال الشابة كما هو بلا تحريف: بالروح بالدم نفديك! وفي هذا الضجيج لا مكان إلا للتلقي. نحن لا نختلف حقيقة حول علمانية أو دينية الدولة! وعن أية دولة نتحدث؟ نحن نختلف حول تهميش السياسي لنا، ويهمشنا باسمنا، وهل أسمنا مواطنين؟ رياض سيف، ياسين الحاج صالح، أكرم البني، لؤي حسين.. والقائمة تطول هم معرفين، ومعروفين في الخارج، لكنهم محددي الحركة! ومن يحدد حركتهم؟ عارف دليلة، ميشيل كيلو، اللبواني،أنور البني، علي برازي، فائق المير، رياض دردار..أيضا القائمة تطول...والزنزانة سيدة للعلمانية والسلفية على حد سواء! فما الذي يجمع ميشيل مع أنور؟ واللبواني مع عارف دليلة؟ ما الذي يجمع هؤلاء غير الزنزانة؟ وماذا تعني الزنزانة؟ لدى العلمانيين والسلفيين؟ ليس تفريط في المعنى أبدا، وليس إعدام لما نقوم به! بل هو من شدة القبضة على أعناقنا. لم نعد نجد غير ثابت الوهم مجالا لنختلف عليه.
غسان المفلح
------------------------------------------------------------------------------------
الأقليات الثقافية هل هي مهددة بالاختفاء؟.. د. أحمد أبوزيد
تواجه كثير من الجماعات الأصلية، وبخاصة في العالم الثالث، خطورة احتمال اندثارها واختفائها من الوجود ككيانات عرقية لها هوياتها وثقافاتها وتقاليدها أمام زحف تيارات العولمة الهوجاء.
تعتبر هذه الجماعات الأصلية مجرد أقليات تعيش في شبه عزلة، بحيث أصبحت تؤلف ما هو أقرب إلى المحميات البشرية المتخلفة المهمشة التي لايكاد يسمع لها رأي ولا تشارك مشاركة فعلية في اتخاذ القرارات التي يتعين عليها الالتزام بها، كما يسهم في هذا التهميش التقدم التكنولوجي الذي يتطلب توافر إمكانات مادية وفكرية غير متاحة لتلك الجماعات في أغلب الأحيان.
وقد يكون من الصعب الوصول إلى تعريف موحد عن «الأقلية» نظرا إلى تعدد أنواع الأقليات بتعدد وتنوع الأسس والمبادئ التي تقوم عليها واختلاف العناصر التي تميزها عن بقية سكان المجتمع الذين يؤلفون الأكثرية العددية سواء أكانت هي عناصر سياسية أو اقتصادية أو لغوية أو دينية أو عرقية تنفرد بها عن كل ماعداها. ولكن بعض علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا المعاصرين يعرفون «الأقلية» بأنها جماعة تختلف في تكوينها العرقي أو الدينى أو اللغوي عن بقية سكان المجتمع الذي تعيش فيه، بل وقد تختلف في بعض الحالات عنهم بانتمائها في الأصل إلى جنسية أخرى غريبة، كما هي الحال في المجتمعات التي يعيش فيها نازحون بأعداد كبيرة من المهاجرين أو اللاجئين السياسيين الذين يعتبرون أنفسهم، كما يعتبرهم الآخرون، جماعة مختلفة ومغايرة ولها مواقف سلبية واتجاهات وسلوكيات مخالفة لما هو سائد في المجتمع الذي يعيشون فيه. كذلك يرى بعض المؤرخين أن شعور الأقلية هو في الأغلب شعور بعدم الانتماء سياسيًا إلى المجتمع أو الدولة التي يعيشون فيها، وأنهم لايؤلفون جزءًا من الأمة التي ترتبط بهذه الدولة ولا يخفف من ذلك طول الإقامة وأنهم يشعرون دائما بأنهم أغراب عن المجتمع ويعاملون معاملة الأغراب بكل ما يرتبط بذلك من تمييز في الحقوق والواجبات. ويذهب هؤلاء العلماء إلى أن العامل الأساسي في تكوين تلك الأقليات ليس هو قلة العدد بالنسبة إلى المجموع الكلي للسكان ولا هو اختلاف اللغة عن اللغة السائدة أو اللغة الرسمية ولا هو اختلاف الدين أو العقيدة عن التي يعتنقها أغلب السكان وإنما المحك الرئيس هو مدى الشعور بالانتماء والولاء أو الإحساس بالغربة والاغتراب، وتصور أن المجتمع يفرق في المعاملة بين الفئات المختلفة وحرمان فئة معينة من حقوقها، بل والشك في بعض الأحيان في ولائها للدولة واتهامها بالخيانة أو على الأقل بالتواطؤ مع الغير. فالأقلية هى في آخر الأمر شعور وإحساس بالغربة وعدم الانتماء بكل ما يترتب على ذلك من سلوك وتصرفات كثيرا ما تكون ناشئة عن إخفاق الحكومات في اتخاذ سياسات ملائمة تؤدي إلى اندماج تلك الفئات اندماجا كاملًا في البناء الاجتماعي والثقافي العام. ولكن يقابل ذلك على الجانب الآخر إصرار تلك الفئات على التمسك، بشدة، بخصائصها وقيمها وسلوكياتها المميزة ورفض التنازل عنها، ومناوأة كل محاولات التغيير والتقارب مع الآخرين ما يجعل من الصعب تحقيق الاندماج في نسيج المجتمع. ولقد لعب الاستعمار دورا كبيرا في مجتمعات العالم الثالث للإبقاء على الأقليات بل وتشجيعها على التمسك بهوياتها العرقية واللغوية وإيقاظ النعرات الثقافية الخاصة وإبراز التعارض والتضارب بينها وبين بقية أعضاء المجتمع الذين يؤلفون أغلب السكان، وتشجيع الحركات الانفصالية بحيث تطالب الأقليات وبخاصة إذا كانت كبيرة العدد نسبيا أو موزعة على المناطق الحدودية لعدد من الدول المتجاورة بأن يكون لها حق الاستقلال الذاتى أو حتى تكوين دولة مستقلة خاصة بها، وبذلك تنسلخ عن كيان الدولة، أو الدول، التي تعيش فيها منذ أزمان طويلة وهو الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى توسيع الفجوة والجفوة بين الطرفين، بل ونشوب الصراع المسلح في كثير من الأحيان.
غرباء داخل الوطن
وعلى أي حال، فإننا حين نتكلم عن الأقليات فإنه ينبغى التفرقة بين «الأقليات الوطنية» - إن صح التعبير - التي تنتمي تقليديا ومنذ عصور طويلة إلى المجتمع الذي تعيش فيه ولذا تعتبر من مواطنيه الأصليين وإن كانت تنفرد عن بقية السكان بخصائص لغوية أو دينية كما قد تحافظ في بعض الحالات على نقائها العرقي بالحرص على عدم التزاوج مع الغير والفخر بهذا النقاء ولذا تعامل بغير قليل من الشك بل ومن التخوف الذي يدفعها إلى الشعور بالغربة داخل الوطن وبأنها فئة مهمشة ومحرومة من كثير من حقوقها الوطنية والإنسانية، وبين «الأقليات الدخيلة» أو الغريبة والأجنبية الطارئة على المجتمع والوافدة من الخارج بسبب الهجرات والتحركات السكانية التي ازدادت حدتها في العقود الأخيرة بشكل خاص نتيجة للتغيرات السياسية والاقتصادية الهائلة. وتختلف هذه الأقليات اختلافا جذريا عن السكان الأصليين في أصولها العرقية والسلالية وفي تكوينها الثقافي العام سواء من حيث اللغة أو التراث التاريخي أو العادات والتقاليد وأحيانًا العقيدة الدينية وأنساق القيم ولذا تعامل كجماعة أجنبية دخيلة ومصدر تهديد اقتصادي وثقافي للمجتمع الذي نزحت إليه من الخارج. وربما كان أشد وأقسى أنواع الصراع الثقافي المرتبط بوجود أقليات في المجتمع هو الصراع الناشئ عن الاختلافات في الدين والعقيدة أو الذي ينشب في بعض الأحيان بين أتباع الديانة الواحدة نتيجة وجود أقلية لها قراءة معينة للتعاليم وأصول ومبادئ تلك الديانة تختلف عن القراءة والفهم السائدين أو المتفق عليهما داخل ذلك المجتمع الذي يرى في تلك القراءة وذلك الفهم أو التفسير والتأويل خروجا على الجماعة يقتضي الرفض الذي قد يصل إلى حد النبذ مما يولد لدى تلك الأقلية الدينية الشعور بالمرارة التي قد تؤدي إلى العنف.
ولقد ظهرت الصراعات والخلافات الحادة مع الأقليات العرقية / الثقافية مع ظهور مفهوم الدولة / الأمة، وبدا ذلك واضحا في أسلوب التعامل معها والتردد الشديد في الاعتراف بحقوقها الاجتماعية والقانونية. وزاد من حدة هذه الخلافات التغيرات التي حدثت خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضى وبخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة مما اقتضى ضرورة البحث عن حلول عادلة لتلك الخلافات حتى يمكن المحافظة على التماسك الاجتماعى. وأثيرت بهذا الصدد تساؤلات كثيرة حول المواقف التي يحتمل أن تتخذها تلك الأقليات من الدولة وردود الفعل المحتملة التي قد تلجأ إليها الدولة حيال تلك المواقف. ومن هنا جاء الاهتمام بالبحث عن الأسباب التي تدفع الأقليات إلى مناهضة الدولة من ناحية والأسباب التي تدفع الدولة من الناحية الأخرى إلى اعتبار وجود الأقليات مشكلة خطيرة يجب التعامل معها بحزم، لم يكن يخلو في كثير من الأحيان من العنف، واتخاذ إجراءات قمعية لامبرر لها. وعلى أي حال فإن ثمة إدراكًا عامًا في الوقت الحالى لطبيعة المشاكل التي تواجه الأقليات حتى في الدول التي تقف من أقلياتها الوطنية أو الدخيلة موقفا عدائيًا وعدوانيًا، كما أن ثمة وعيا متزايدا بخطورة التجاهل المتعمد وعدم الاعتراف بتلك الأقليات وما يسببه ذلك من ألم وتمرد على الوضع القائم ورغبة في تغييره بشتى الوسائل بما فيها اللجوء إلى العنف.
العولمة وإذابة الفوارق
وقد يرى بعض المفكرين في الخارج أن التطورات التكنولوجية وازدياد وطأة العولمة جعلا من مفهوم الدولة / الأمة التي تقوم على التجانس العرقي والثقافي واللغوي والديني شيئا من تراث الماضى الذي عفى عليه الزمن، وأن عالم اليوم تتنازعه قوتان متضادتان تعمل إحداهما لتحقيق التقارب والتماسك وإذابة الفوارق والاختلافات (كما تنادي به مبادئ العولمة) بينما تعمل القوة الأخرى على ترسيخ الخلافات وإبراز الفوارق وتوكيد الهويات الثقافية الخاصة والدعوة إلى الاستقلال السياسي والثقافي للأقليات عن مجتمع الدولة/الأمة لإقامة كيانات مستقلة سياسيًا وثقافيًا، وهو الأمر الذي ترفضه الدولة بطبيعة الحال وترى فيه تهديدا لوجودها كوحدة عضوية، ولكنه يفرض عليها في الوقت ذاته مراجعة سياستها من تلك الأقليات بحثا عن طريقة تضمن استمرار وحدتها ومكانتها في المجتمع الدولى. بل إن هناك من المفكرين من يرون أن العولمة التي تبشر بإمكان إنهاء الخلافات وسد الفجوات بين مجتمعات العالم، التي تعيش فوق هذا الكوكب، كانت هي ذاتها من أهم العوامل المساعدة على ظهور النزعات الانفصالية وبالتالي إبراز مشكلة الأقليات وتأجيج الصراعات بينها وبين المجتمعات التي ارتبطت بها لعهود طويلة، مثلما كانت وراء ظهور مايطلق عليه الآن في بعض الكتابات اسم الأمم العرقية أو القوميات العرقية ethnic nations.
وقد تكون القوميات العرقية حالات فردية أو استثنائية ولكن ظهور الدعوة لها يعتبر مؤشرًا واضحًا على تفاقم مشكلة الأقليات التي تقاومها كثير من الدول والمنظمات الدولية، وذلك عن طريق الدعوة إلى اتباع وتطبيق سياسة الاندماج والتكامل التي تواجه على أي حال كثيرًا من الرفض من جانب الأقليات ذاتها وترى فيها استمرارا لسياسة الكبت والقهر والتهميش بل ونوعا من الإبادة العرقية والثقافية المستترة.والواقع أن معظم الدول تمارس سياسة تعتمد على القهر ضد الأقليات وتلجأ إلى العنف لتنفيذ سياسة الاندماج. ففى دراسة مهمة أصدرها تد جور Ted Gurr عام 1993 تحت عنوان «أقليات في خطر» وجد أن هناك 233 جماعة عرقية / ثقافية تعاني من الاضطهاد والقمع في أكثر من مائة دولة في مختلف القارات، وأن بعض تلك الدول كانت تزعم أن اتباع تلك السياسة هو أفضل وسيلة لتحقيق التجانس المفقود وإقرار مبدأ الاندماج، وترى في ذلك الرفض مبررا أخلاقيا كافيا للجوء إلى العنف الذي قد يصل أحيانا إلى حد الإبادة العرقية الجماعية باعتبار الرافضين للاندماج أعداء للمجتمع.
الاندماج والتكامل
والواقع أن الهيئات الدولية المهتمة بمشكلة الأقليات في العالم تعطي أهمية بالغة لمسألة الاندماج، ولكنها تأخذ في الاعتبار في الوقت نفسه مسألة التكامل القائم على الحفاظ على الذوات الثقافية المتمايزة والظروف والأوضاع الخاصة بكل حالة على حدة، فالمشكلة معقدة ويصعب الوصول فيها إلى حل واحد ينطبق على كل الحالات وفى كل المجتمعات والثقافات، ولذا فإن معالجة وضع الأقليات المتمركزة في مجتمع واحد أو في دولة واحدة لابد أن يختلف عن أسلوب التعامل مع وضع الأقليات المبعثرة أو المنتشرة في عدد من الدول المستقلة. ويزيد من تعقد الوضع حين تكون هناك أكثر من أقلية عرقية/ثقافية متناحرة داخل المجتمع، ولكل منها مقوماتها الثقافية الخاصة بها بحيث يصعب التوفيق والتقريب بينها للمحافظة على وحدة المجتمع الوطني ومنع الصراعات الداخلية التي قد تؤدى إلى تدخل القوى الأجنبية لسبب أو آخر تحت ادعاء الرغبة في إحلال السلام العالمي، ثم إن هناك من المفكرين من يرون أن اندماج هذه الأقليات مع احتفاظها في الوقت نفسه بثقافاتها من شأنه أن يثري الثقافة الوطنية ككل ويساعد على التجديد الإبداعى، ولذا تسود الآن في بعض الأوساط نغمة ضرورة تطبيق سياسة الاعتراف بالآخر وقبوله واحترام ثقافته وهويته الثقافية ، بل إن الأمر يصل إلى حد الدعوة إلى الاعتراف بالحق في الاختلاف حتى لا ينشب صراع وتطاحن يسيء إلى جميع الأطراف. وأهم مظهر لهذا الحق هو إطلاق حرية التعبير بكل الطرق عن المقومات الثقافية الخاصة كمبدأ معترف به وليس فقط كقيمة مثالية، يسترشد بها في توجيه العلاقات بين أعضاء المجتمع.
فليس من الضروري أو المحتم إذن أن يقتضي الاندماج محو وإزالة كل المقومات الثقافية الخاصة بجماعات الأقلية وهو ما بدأت بعض الدول الغربية تعترف به بحيث نجد الآن، من بين مفكريها، من يؤمن بأن جهود الاندماج بهذا المعنى وبهذه الأبعاد سوف تحقق نتائج باهرة في المجتمعات الأوربية التي تضم أقليات أجنبية عديدة بقدوم عام 2020 بعد ظهور أجيال جديدة تنشأ على مبدأ التعايش والاعتراف بالآخر وتتقبل مبدأ التعدد الثقافي كحقيقة واقعية لابد من التسليم بها، بدلا من النظرة القاصرة التي ترى أن التعدد الثقافي يؤدي إلى الصدام بين الأقليات ونظام الدولة/الأمة الذي يتطلب توافر حد أدنى من التجانس على مختلف المستويات وفي كل المجالات.
أبعاد متشابكة
والمشكلة التي تواجه الجميع هي كيف يمكن حماية تلك الأقليات على أرض الواقع وضمان حقوقها وتحقيق تقبلها في المجتمع ككل، على الرغم من مشاعر العداء والرفض التي يصعب القضاء عليها.
ولقد اهتمت مفوضية حقوق الإنسان بهيئة الأمم اهتماما بالغًا بهذا الموضوع وأصدرت في فبراير 2002 تقريرا يتضمن توصيات الدول الأعضاء لحل الإشكال. وقد أبرز التقرير أهمية الاندماج من ناحية والتمايز الثقافى من ناحية ثانية والاستقلال الذاتي من ناحية ثالثة، باعتبارها الأبعاد الثلاثة المتشابكة التي تتخبط مشكلة الأقليات في شباكها مع الأخذ في الاعتبار اختلاف الأوضاع من حالة لأخرى وبخاصة في ما يتعلق باختلاف ظروف ونظم المجتمعات التي تعيش فيها تلك الأقليات ونوع العلاقات مع بقية السكان وطبيعة تركيب الأقلية ومدى تمركزها أو انتشارها وتوزعها، سواء في نطاق دولة واحدة أو إقليم جغرافي محدد، أو تبعثرها بين دول أوحتى أقاليم عديدة، نتيجة للهجرات العشوائية، ونوع المطالب التي تتمسك بها تلك الدول وشروطها في التعامل مع أقلياتها الوطنية الأصيلة أو الأقليات الناشئة عن النزوح البشرى من مناطق وثقافات أخرى غريبة، ومدى استعداد تلك الأقليات للاستجابة لتلك المطالب والاشتراطات والالتزام بها، وما قد يترتب على القبول أو الرفض من نتائج إيجابية أو سلبية، وتأثير ذلك في التماسك الاجتماعي في كل حالة. بل إن التقرير تعرض لبعض المشكلات التي قد تبدو فرعية في نظر الكثيرين مثل مدى قدرة تلك الأقليات على تكوين دولة/أمة في حالة انفصالها عن المجتمعات التي ارتبطت بها تقليديًا عبر عصور طويلة، وهل يمكن أن يكون لها كيان سياسي مستقل ومؤثر دون أن يؤدي ذلك الاستقلال والانفصال إلى قيام صراعات دولية ونشوب حروب مدمرة، أم أنه يمكن استيعاب تلك الأقليات داخل النسيج الاجتماعي للدولة/الأمة مع الاعتراف بمبدأ التنوع الثقافي، بما في ذلك حق استخدام اللغات الخاصة المتمايزة بتلك الأقليات وتشجيع النشاط المتعلق بالتعبير الثقافى المتنوع وتعدد وتنوع نظم التعليم، واعتبار ثقافات الأقليات ثقافات فرعية للثقافة العامة السائدة في المجتمع مع قبول مبدأ استشارة تلك الأقليات قبل إصدار القوانين والتشريعات التي تؤثر في حياة المواطنين ككل، وهكذا، بحيث تتمتع تلك الأقليات بكل الحقوق والواجبات والالتزامات المرتبطة بمبدأ المواطنة. والأمر الذي لاشك فيه هو أنه إن لم يسارع المجتمع الدولى باتخاذ إجراءات سريعة وفعالة للمحافظة على بقاء هذه الأقليات في الوجود فسوف تندثر ليس فقط كجماعات بشرية ولكن أيضا كتراث ثقافي ضخم هو ملك للإنسانية في آخر الأمر.
لا توجد حلول جاهزة
وقد تكون هذه كلها دعاوى وشعارات تتردد بشكل مستمر على الألسنة وتعبر عن مبادئ وأفكار مثالية لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين الأقليات بأنواعها المختلفة وبقية سكان المجتمع مع مراعاة حقوقهم كبشر وكأعضاء في المجتمع الذي ارتبطوا به تقليديا أو نزحوا إليه تحت وطأة ظروف معينة. وقد تكون هذه كلها توصيات معروفة وشائعة ومتفقا عليها في كثير من الدوائر والأوساط المهتمة بوضع الأقليات ومستقبلها في عالم الغد المتغيرالذى تتجاذبه أمواج التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يصعب التحكم فيها أو حتى التنبؤ بما سوف يترتب عليها. ولذا يقوم السؤال المهم الذي لم يجد له حتى الآن إجابة شافية: هل هناك آلية يمكن أن تتولى تنفيذ هذه التوصيات ويكون لها سلطة المتابعة والرقابة والتوجيه وتوقيع الجزاءات؟
إن الصعوبة الكبرى التي تواجه المهتمين بشئون الأقليات هى أنه لايوجد حل واحد جاهز يمكن تطبيقه على كل الحالات، بل إنه لاتوجد استراتيجية واضحة يمكن الاسترشاد بها وإنما هناك فقط - كما سبق أن ذكرنا - أفكار عامة ومبادئ مثالية أغلب الظن أنها سوف تصطدم بحقائق الواقع التي يصعب تغييرها، ما يعني أن المشكلة سوف تظل قائمة لعدة أجيال مقبلة إلى أن تؤمن الشعوب والدول والأفراد بمبدأ التنوع الثقافى بكل متطلباته ومقتضياته. ومن الصعب في ضوء الأوضاع والظروف الحالية أن يتحقق ذلك بقدوم عام 2020 كما يؤمل بعض المفكرين في الغرب.
أحمد أبوزيد
العربي
موقع مفهوم
أكثر من عشرة كتب صدرت في أميركا عن مغالطات بوش وجهله بالحقائق.. أو تجاهله لها
واشنطن: محمد علي صالح أصدر مؤخرا فرانك ريتش كاتب عمود في جريدة «نيويورك تايمز»، كتاب «القصة التي باعها بوش للاميركيين: سقوط الحقيقة»، وقال المؤلف في مقدمة الكتاب: «لنقول عن هجوم 11 سبتمبر كل ما نريد ان نقول. ولنصفه بأنه كذا، وكذا، وكذا. لكن اهم شيء هو ان الهجوم كان بداية قصة باعها بوش للشعب الاميركي. قصة استمرت لست سنوات، حتى الآن. قصة فيها اثارة، وحروب، وحيل، ومفاجآت، وفضائح، وكل شيء، الا شيء واحد، هو الحقيقة». وقبل هذا الكتاب كتب جيمس بامفورد، خبير استخبارات، كتاب «عذر الحرب: اساءة استغلال وكالات الاستخبارات». وقبله كتب هنرى برادون كتاب «مبالغات وحروب: اين الحقيقة؟» صدرت، حتى الآن، اكثر من عشرة كتب عن مغالطات بوش، وجهله بالحقائق او تجاهله لها. كان اول كتاب هو «ثمن الولاء» الذي كتبه بول اونيل، وزير مالية استقال خلال السنوات الأولى لبوش. غير انه، في مناخ واشنطن الغامض والخيالي، لا يعرف هل استقال الوزير ليكشف الاكاذيب، او كشفها لأنه استقال. قال اونيل: «كان بوش مثل رئيس اطرش في مجلس وزراء من العميان». وقال ما لم يقل بوش علنا حتى الآن، ما قال داخل اجتماعات مجلس الوزراء. مثلا: اولا: سبب غضب بوش الرئيسي على صدام حسين كان محاولة صدام حسين قتل والده عندما زار الكويت بعد تحريرها. ثانيا: تبجح بأنه «كاوبوي» من تكساس، وان التكساسيين يعلون على بقية الاميركيين، ناهيك من شعوب العالم الاخرى. ثالثا: استغرب لأن التلفزيونات والصحف تقارن بينه وبين صدام حسين، وقال ان صدام حسين لا يساوي كعب حذائه. رابعا: فتح مرة باب اجتماع لمجلس الوزراء، وقال: «... (كلمة بذيئة) صدام حسين، وسنقضي عليه قريبا».
وقال رتش، في كتابه، ان نسبة كبيرة من تصريحات بوش الخاطئة سببها جهله، ليس فقط بما يدور حوله داخل اميركا، ولكن، اكثر واخطر من ذلك، بما يدور خارج اميركا. وانتقد الذين يكتفون بالتندر على بوش بسبب جهله، وقال ان الموضوع اكبر من ذلك. وقال: «يوجد شيء اهم من بوش، ومن جهله، ومن اخطائه، وهو انه فتح ابواب البيت الابيض على مصراعيها لمجموعة معينة ذكية، وضعت خططا استراتيجية ادخلتنا في مشكلة عالمية لم نر مثيلا لها في تاريخنا». وقال ان هذه المجموعة «حولت الاشاعات الى معلومات، والطموحات الشخصية الى استراتيجيات، وقدمتها الى الشعب الأميركي الذي لم يقدر على ان يفرق بينها».
وفسر رتش تصريحا قاله بوش قبل غزو العراق بسنة كاملة، اثناء مقابلة مع بات روبرتسون، من قادة اليمين المسيحي، ويقدم برنامجا تلفزيونيا يوميا. سأل بوش عن امكانية غزو العراق، واسقاط صدام حسين بدون اراقة أي دم اميركي. واجاب بوش: «سنقضي على صدام حسين قبل ان يؤذي اي واحد من جنودنا».
وقال رتش ان هذه الجملة توضح ان جهل بوش، وتبسيطه للحقائق، واعتقاده بأنه يعرف كل شيء، وثقته بنفسه تجعله، تماما، مثل الثور في مستودع الخزف. غير ان المستودع عالم، والخزف شعوب.
وكان جهل بوش هو السبب الرئيسي لرفع شعار اسلحة الدمار الشامل. قال، قبل غزو العراق بشهرين، في خطاب امام الكونغرس سنة 2003: «علمت الحكومة البريطانية ان صدام حسين اشترى مادة يورانيوم لصناعة اسلحة نووية من افريقيا». وكأن بوش يريد ان يحمل البريطانيين مسؤولية جهله وكذبه.
وبعد غزو العراق بشهرين، عندما نشرت صحف «معلومات سرية» بأن القوات الأميركية الغازية لم تعثر على اسلحة الدمار، قال بوش في تلاعب واضح بالحقيقة، رغم انه كان يبتسم ابتسامة الذي يثق بنفسه: «وجدنا اسلحة الدمار الشامل. وجدنا معامل جرثومية. وسنعثر على المزيد مع مرور الزمن».
يبدو، احيانا، ان احساس بوش بأنه جاهل جعله يحس بالذنب. بعد غزو العراق بسنة، وبعد التأكد بأنه لا توجد اسلحة دمار شامل في العراق، كان بوش ضيف شرف في حفل اتحاد صحافيي البيت الأبيض. نظر يمينا وشمالا، وتحت المائدة، ونحو السقف، وكأنه يبحث عن شيء مفقود، وقال: «انا متأكد ان هناك اسلحة دمار في مكان ما». ضحك وضحكت زوجته «لورا»، وضحك الصحافيون. لكن، كما حذر رتش، مصير اميركا والعالم ليس نكاتا وضحكات.
لكن الاحساس بالذنب (اذا كان حقيقة)، لم يجعل بوش يعترف بالخطأ، رغم مرور سبع سنوات له في البيت الأبيض. في بداية هذه السنة، أصدر بوب وودوورد كتاب «حالة انكار»، وكشف فيه ان بوش قال لقادة من الحزب الجمهوري: «لن انسحب من العراق». وعندما قال له القادة ان الاستفتاءات اوضحت أن أغلبية الأميركيين تعارض الحرب، قال: «لن انسحب حتى اذا لم يبق معي غير لورا (زوجته) وبارني (كلبه)».
لكن تلاعب بوش بالحقائق عن العراق لم يبدأ بالغزو، ولا بقبل الغزو بقليل. بدأ قبل ان يصير رئيسا، وخلال الحملة الانتخابية، عندما خلط مرات كثيرة بين ايران والعراق، وبين السنة والشيعة، وبين حزب البعث السوري وحزب البعث العراقي، وبين اكراد العراق واكراد تركيا، وبين بحر العرب والخليج العربي والخليج الفارسي، وبين أبوظبي ودبي، وبين البحرين وقطر.
في سنة 2001 وبعد بعد مقابلة شيريتين، رئيس وزراء كندا قال «لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة والمكسيك احسن مما هي عليه الآن»، وكان في كندا، لا في المكسيك. وفي نفس المناسبة قال «لن اجيب عن هذا السؤال بالانجليزية، او الفرنسية، أو المكسيكية»، مع العلم انه لا توجد لغة مكسيكية. وفي سنة 2002، وبعد مقابلة مع توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا قال «لا توجد في اللغة الفرنسية كلمة «رجل اعمال»، وهذا غير صحيح. وفي البيت الابيض واثناء لقاء مع توم لانتوس، عضو الكونغرس قال «لا توجد في السويد قوات مسلحة لأن السويد دولة محايدة»، مع العلم ان لدى السويد قوات مسلحة.
وفي سنة 2003 وبعد لقاء مع قادة في الشرق الأوسط، قال «اجريت محادثات مثمرة مع الرئيس المصري حسني مبارك، والملك عبد الله الثاني ملك الاردن ودول الخليج، وكان يقصد خليج المكسيك.
لكن، يوجد فرق بين التلاعب بالحقائق عن جهل، مثلما في هذه الحالات، وبين التلاعب بالحقائق عمدا.
بعد شهرين من غزو العراق، لبس بوش ملابس طيار عسكري، ووقف على ظهر حاملة طائرات، واعلن: «انتهت العمليات في العراق. انتصرنا نحن وحلفاؤنا». قال ذلك تحت لافتة كبيرة مكتوب عليها: «نفذنا المهمة».
وعندما تأكد بأنه لا توجد اسلحة دمار في العراق، بحث بوش عن سبب جديد يبرر به الغزو، وهو ان العراق، بطريقة ما ولسبب ما، له صلة بهجوم 11 سبتمبر. واعترف في سنة 2005 قائلا ان «واحدا من اصعب مسؤولياتي في البيت الابيض هو ربط العراق بالحرب ضد الارهاب». ورغم انه يعرف كذب ذلك، ظل يكرره. وقبل ثلاثة شهور فقط، قال: «نفس الذين يقتلون جنودنا في العراق قتلوا ثلاثة آلاف شخص في هجوم 11 سبتمبر».
اذا كان المثل يقول «اعرف عدوك»، فإن بوش اجهل من يعرف اي شيء عن منظمة «القاعدة» التي أعلن الحرب عليها. وقال في سنة 2002: «جففنا مستنقعات افغانستان» (كان وعد بذلك بعد هجوم 11 سبتمبر). لكن، بعد غزو العراق، يبدو ان بوش، مرة اخرى بسبب جهله، فوجئ بانتقال نشاط منظمة «القاعدة» الى هناك. وقال في نهاية سنة 2003: «يجيد اعداؤنا الابداع والتجديد. ونحن ايضا نجيد الابداع والتجديد. ويبحث اعداؤنا عن كل وسيلة ليؤذونا ويؤذوا وطننا، سواء في افغانستان او العراق او غيرهما. ونحن لن نسمح لهم بذلك». وقال في نفس السنة: «زاد نشاط اعدائنا في العراق، وانا اتحداهم: انزلوا رجالكم، ونحن سننزل رجالنا». لكنه، بعد سنة من هذا التحدي، قال: «زادت العمليات الانتحارية في العراق. صارت اكثر مما يجب».
قال رتش في كتابه: «لأن بوش يبسط الحقائق، ليسهل عليه فهمها، يبسط اختلافه في الرأي مع غيره، ويحوله الى اختلاف شخصي ليقدر على الهجوم عليهم، وعلى اتهامهم بعدم الوطنية». ومثلما حول بوش مشكلة العراق الى قضية شخصية مع صدام حسين، حول مشكلة الارهاب الى قضية شخصية مع اسامة بن لادن. وقال في نفس سنة هجوم 11 سبتمبر: «قبل نهاية هذه السنة، سنقضي على اسامة بن لادن». لكن، عندما مرت سنوات ولم يحدث ذلك، وكرر الصحافيون أسئلتهم المحرجة له، قال مرة: «ليس المهم القبض على بن لادن، ولكن المهم هو وقف نشاطات انصاره. بن لادن في كهف، وهو لا يقدم ولا يؤخر».
قال، بعد هجوم 11 سبتمبر بيومين: «هدفنا الرئيسي هو ان نعثر على اسامة بن لادن. لن نرتاح حتى نعثر عليه». وبعد اكثر من سنة، قال: «لا اعرف اين يوجد اسامة بن لادن، ولا يهمنى اين يوجد، وهذا ليس هدفنا الرئيسي». وشمل جهل بوش ابعاد واهداف وتعقيدات الحرب ضد الارهاب التي اعلنها. بعد الجملة المشهورة عن «تجفيف المستنقعات» في افغانستان، قسم بوش العالم الى «اخيار» و«اشرار». واعلن قائمة «محور الشر»، وتحدث عن «سمو اخلاقنا فوق اخلاق غيرنا».
قال رتش، في كتابه: «خلط بوش بين حرب الارهاب وعقيدته الدينية، وهو لا يعرف تعقيدات الحرب، ولا تعقيدات عقيدته. يعتقد بأنه هو المسيحي الاول. لكنه ظل يفعل ذلك منذ قبل حرب الارهاب. قال، اثناء الحملة الانتخابية الاولى، ان المسيح هو فيلسوفه السياسي. ووزع منشورات انتخابية صور فيها نفسه وكأنه المسيح على الصليب بعد ان قال معارضوه انه، في عيد ميلاده الاربعين في كولورادو سبرنغز (ولاية كولورادو)، سكر حتى فقد وعيه».
وقال مرة: «انا متأكد ان الله يتحدث معي. بدون ذلك لا اقدر على أن أمارس وظيفتي». لكن، بعد ست سنوات من اعلان حرب الارهاب، يبدو انه احس بأنها اكثر تعقيدا مما كان يعتقد. وانها ليست صراعا بين دين ودين، ولا داخل دين (كان قال ان سببها صراع وسط المسلمين حول عقيدتهم). وسأل، في السنة الماضية: «هل نقدر على ان ننتصر في حرب الارهاب؟ ربما لن نقدر». سأل السؤال اجابة لسؤال من صحافي خلال مؤتمر صحافي. وفي نفس المؤتمر سأله صحافي آخر: «هل تريد ان يكون سجلك على صفحات التاريخ انك رئيس الحرب؟» واجاب: «اود ان اطمئنكم بأنني عندما اتحدث عن الحرب، انا، في الحقيقة، اتحدث عن السلام».
حتى في المواضيع الداخلية، اثر جهل بوش على ادارته لشؤون البلاد. مثل عندما قال، في سنة 2005، بعد يومين من اعصار «كاترينا» الذي اغرق مدينة نيو اورلينز (ولاية لويزيانا)، وكان يقف الى جواره مايكل براون، مدير وكالة الاغاثة: «مايكل براون، انت تقوم بعمل رائع»، واضعا يده على كتفه. تأكد، في وقت لاحق، ان بوش لم يكن يعرف ابعاد الكارثة، وان مدينة كاملة غرقت، وان الجثث تطفو على سطح الماء في الشوارع. وعندما تأكد ذلك لمايكل براون، استقال. واعتذر بوش بأنه لم يكن يعرف ابعاد الكارثة، وقال عذرا اقبح من الذنب: «لم يتوقع اي شخص ان تنهار السدود وهي ظلت في مكانها لمائة سنة».
وتندر بوش على الفقراء وهو يعتقد ان ذلك لا يؤذي مشاعرهم. بعد سنتين من اعصار «كاترينا»، زار بعضهم وكانوا لا يزالون يعيشون في منازل متنقلة، واشتكت امرأة من حالها، ورد بوش، في ابتسامة باهتة: «انت مطلقة، وعندك ثلاثة اطفال، وتعملين في ثلاثة اماكن. هذا شيء رائع، ولا يحدث الا في اميركا». وفي نفس حفل صحافي البيت الابيض على شرفه، تندر على الفقراء، وقال: «لا اعرف ماذا يأكل الفقراء، ونحن هنا نأكل السالمون المبخر؟». وفي حفل اقامه له اثرياء الحزب الجمهوري، قال: «يعتقد بعض الناس ان الأميركيين نوعان: الذين يملكون، والذين لا يملكون. وانا اقول هنا: انتم نوعان: الذين يملكون، والذين يملكون كثيرا». واضاف: «يقول صحافيون انكم الصفوة، لكني اقول انكم قاعدتي المفضلة».
ومثلما قال رتش في كتابه: «اعتقد بوش ان ثقة الاميركيين فيه (مباشرة بعد هجوم 11 سبتمبر) فرصة ليزيد سلطاته». واكد بوش ذلك مرات كثيرة، رغم انه اكدها وهو يتندر. قال في سنة 2005: «لو كانت في اميركا دكتاتورية بدلا عن ديمقراطية، كان الحكم سيكون سهلا، خاصة اذا كنت انا الدكتاتور». وقال في سنة 2006: «انا القائد الاعلى للقوات المسلحة. لا احتاج لأن افسر لماذا اقول ما اقول. هذا احسن شيء». وقال في نفس السنة: «انا صاحب القرار، وانا الذي يقرر من يفعل ماذا. في هذا الوقت، اقرر ان دونالد رامسفيلد يجب ان يظل وزيرا للدفاع». (في السنة التالية استقال رامسفيلد، ولم يرفض بوش استقالته) يقول بوش، من وقت لآخر، كلاما غير مفهوم. ليس خطأ او صوابا، ولكن غير مفهوم. قال في سنة 2005، في مؤتمر عن توثيق العلاقات العائلية: «العائلة هي اساس المجتمع، ومنها تنطلق الأجنحة لتصبح احلاما». وقال في سنة 2006، في مؤتمر اقتصادي: «اتعهد بأن استمع الى كل ما يقال هنا، رغم اني لست هنا». وقال، في نفس السنة، عندما حضر حفل تأبين لجنود اميركيين قتلوا في العراق: «عندما نفقد شخصا عزيزا علينا، يقول المنطق اننا لا بد ان نحزن عليه». وقال في نفس السنة في مؤتمر عن التطوع وعمل الخير: «أطلب من كل أميركي ان يتبرع بأربعة آلاف سنة. اقصد اربعة آلاف ساعة خلال عمره، ليقدم عمل خير لأميركا».
حتى بوش نفسه يعترف بأن لغته الانجليزية ليست فصيحة. قال في سنة 2005 عن كاثرين هيوز التي كانت مستشارته في البيت الأبيض، وهي الآن مساعدة وزيرة الخارجية للدبلوماسية العامة (خاصة تحسين صورة اميركا وسط المسلمين): «كارين هيوز تقدم لي نصائح غالية. انها، كما تعلمون بنت من تكساس، مثلي انا». وقال مرة: «سنعمل مع قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي لتخفيض الارهاب ليكون متساويا بالنسبة للاثنين». وقال مرة: «نريد في الشرق الاوسط «قراوندويرك» (العمل على الطبيعة). وكان يقصد «فريمويرك (اطار السلام). وعندما عرف انه خلط بين الكلمتين، حاول تصحيح الخطأ، لكنه اخطأ مرة اخرى. قال: «نريد قراوند ويرك لمناقشة فريمويرك. وليس العكس».
وفي سنة 2001، سأله طفل في بريطانيا، خلال زيارة رسمية عن البيت الأبيض، واجاب: «البيت الأبيض أبيض». وقال في سنة 2005: «أعلنت ذلك في الشهر الماضي في خطاب الاتحاد، اقصد: خطاب حالة الاتحاد. اقصد: خطابي الى الأمة. اقصد: حالة الأمة. على اي حال، سموه اي شي تسمونه».
ولا يجهل بوش شيئا مثل جهله بالدول والشعوب الأخرى. قال في سنة 2001، في مؤتمر في السويد: «نحن نتحدث عن افريقيا كثيرا. افريقيا دولة تعاني من امراض خطيرة». وقال، في نفس السنة، خلال اجتماع مع كوردوز، رئيس جمهورية البرازيل: «لم اعرف ان هناك سودا في البرازيل». وقال عن ياسر عرفات في سنة 2002: «انه محاصر في بيته في رام الله، وحوله متظاهرون من المانيا ومن شعوب اخرى. هذا يدل على انه حر في ان يقود شعوب العالم الأخرى». وسنة 2004: بعد مقابلة اياد علاوي، رئيس وزراء العراق: «ذهب الجيش الافغاني الى النجف، ونفذ المهمة التي اوكلت له». (لم يحدث هذا). وسنة 2005: بعد مقابلة الرئيس مشرف في باكستان قال «ستصبح باكستان الحرة والغنية عامل استقرار وحرية في الشرق الأوسط»، (باكستان ليست في الشرق الاوسط). وسنة 2006: وفي لقاء جماهيري في ولاية اوهايو قال «يوجد شبه بين فيتنام والعراق. الموت شيء مؤسف». وفي سنة 2007 قال للملكة اليزابيث، ملكة بريطانيا، في واشنطن: «شكرا على مشاركتك لنا احتفال ذكرى استقلالنا سنة 1776». وكانت الملكة تشارك في احتفال بذكرى تأسيس اول مستعمرة بريطانية في الدنيا الجديدة سنة 1607. وفي لقاء جماهيري في ولاية فرجينيا قال «كان لا بد ان ننتصر في حرب الاستقلال قبل عشرين سنة». (كانت حرب الاستقلال قبل مائتين وثلاثين سنة). وبعد مقابلة جون هوارد، رئيس وزراء استراليا، «تحدثت في فصاحة عن دور القوات «النمساوية» في العراق، (لا توجد قوات نمساوية في العراق) وانما كان يقصد استرالية لتشابه الكلمتين بالانجليزية. وفي نفس المناسبة قال «شكرا على استضافة مؤتمر قمة اوبك»، وكان يقصد قمة ابيك: للتعاون الاقتصادي الآسيوى الباسفيكي. وفي أجزاء متفرقة من خطابه وقع بوش في عدة اخطاء منها عندما نطق اسم كوالالمبور، بدلا عن كانبيرا عاصمة أستراليا.
وفي مؤتمر صحافي قال: «سألني أحد: اين مانديلا؟ قلت له: مانديلا توفي. قتل صدام حسين كل المانديلات». (مانديلا حي يرزق). وفي البرازيل وبعد ان شرح له الرئيس دي سلفا خريطة بلاده قال «هذا شيء مدهش، لم اكن اعرف ان البرازيل دولة كبيرة بهذا الحجم».
ويؤثر البيت الأبيض أن يصحح أخطاء بوش في النسخة الرسمية المنشورة من خطبه، فبينما كان بوش يلقي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اخيرا ظهرت نسخة منقحة من مسودة خطابه لفترة قصيرة على موقع الأمم المتحدة على الإنترنت مع دليل كامل لطريقة اللفظ الصوتي لأسماء الدول وقادة العالم، ليتمكن من تجاوز أخطاء متوقعة في لفظها.
لم يخلط بوش بين الحقيقة والخطأ فقط، لكنه خلط، ايضا، بين الحق والباطل (وربما لا يعرف، حتى الآن، الفرق بين الحقيقة والحق). قال في سنة 2004: «اعرف ما اؤمن به، وأقول ما أؤمن به. وانا اؤمن بأن ما اؤمن به هو الحق». وقال في سنة 2005: «انا سياسي، وفي السياسة عليك ان تردد ما تؤمن به مرات ومرات، حتى ترسخ الحقيقة. ليست هذه دعاية، لكنها تشبه الدعاية». وقال في نفس السنة: «يسألني الناس: كيف نحارب الشر؟ كيف ننتصر على الباطل؟ واقول لهم: ليتبنى كل واحد منكم طفلا جائعا، وليأوي طفلا مشردا». وقال في سنة 2006: «اميركا بلد الاحرار، وتتحالف مع الاحرار ضد الذين لا ضمائر عندهم». وشمل جهل بوش الاقتصاد. زار، قبل ثلاث سنوات، اليابان، وبعد اجتماع مع رئيس الوزراء كويزومو، قال للصحافيين: «ناقشنا ديفاليوويشن (تخفيض قيمة العملة)». لكنه كان يقصد «ديفليشن» (محاربة الغلاء)» ونشر الصحافيون الخبر كما قاله، وهبطت قيمة الين، واهتزت اسواق العملات والاسهم، حتى اصدر البيت الابيض بيان توضيح.
وفي اجتماع مع خبراء اقتصاديين واعضاء في الكونغرس، قال: «اريد قانونا يخفض الطاقة ويشجع الاستهلاك» (بدون ان يدرك تناقض ذلك). وفي مناسبة اخرى، قال: «سأخفض الديون بسرعة تجعل الاقتصاديين يستغربون ويخافون على اننا لن نقدر على ان ندفع ديون المعاشات». (بدون ان يدرك الفرق بين ديون البلاد ومستحقات اصحاب المعاشات». لكن، مشكلة بوش اكبر من جهل، لأنها مشكلة اخلاق. مثلما في صراعه مع تحمل مسؤولية ما فعل بأميركا، وبالعالم، وبنفسه. قال في سنة 2005: «لم اخطئ ابدا». ثم قال في سنة 2006 «ربما اخطأت هنا وهناك في حياتي». ثم قال في سنة 2007: «حدثت اخطاء». ثم قال، مؤخرا عندما سأله صحافي عن لماذا لا يعترف بمسؤوليته عما حدث: «لا اريد ان اكون مثل الذي لم يرتكب اي خطأ. انا متأكد بأني اخطأت هنا وهناك. لكن، فاجأني السؤال، وانا لست مستعدا له».
---------------------------------------------------------------------

