Dienstag, 9. Oktober 2007








هيومن رايتس ووتش تطالب سوريا بالافراج الفوري عن معتقلي الرأي " والكف عن حجب مواقع الإنترنت

طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم الاثنين السطات السوري بالافراج الفوري عن الكُتّاب والنشطاء الذين تحتجزهم فقط لتعبيرهم عن آرائهم أو لنشر معلومات على الإنترنت. واضافت المنظمة في بيان لها ورد الى المرصد السوري ان كثيراً ما طلبت أجهزة الأمن السورية من أصحاب مقاهي الإنترنت التجسس على الزبائن الذين يدخلون مواقع "حساسة". وقالت سارة ليا ويتسن المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "إن إعتقال السلطات السورية لأشخاص فقط لأنهم ينتقدون الدولة تكشف الكثير عن تجاهل السلطات التام لحقوق الإنسان الأساسية"، وتابعت قائلة: "والأسوأ أن للمخابرات السورية عادة سيئة تتمثل في عدم إطلاع عائلات المحتجزين بأماكنهم؛ مما يعني اختفائهم لفترات من الزمن". وفي 7 يونيو/حزيران احتجز فرع المنطقة التابع للمخابرات العسكرية كريم عربجي، 29 عاماً، بزعم إشرافه على موقع www.akhawia.net ، وهو منتدى على الإنترنت ذو شعبية لدى الشباب السوري يغطي الموضوعات الاجتماعية والسياسية. وقال أشخاص على اطلاع على القضية لـ هيومن رايتس ووتش إن فرع المنطقة ربما كان قد نقله إلى فرع فلسطين في دمشق، لكن السلطات لم تعلن رسمياً عن أية توضيحات بشأن مكان عربجي. وفي 30 يونيو/حزيران 2007 اعتقلت المخابرات العسكرية في مدينة طرطوس الساحلية طارق بياسي لأنه "دخل على الإنترنت وانتقد الأجهزة الأمنية"، طبقاً لما ذكره شخص ملم بالقضية. وما زال بياسي قيد الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، ومكان احتجازه غير معروف. وفي 23 سبتمبر/أيلول حكمت محكمة أمن الدولة العليا على علي زين العابدين مجعان بالسجن لمدة عامين بتهمة "القيام بأعمال أو كتابات أو خطب لم تجزها الدولة... تفسد علاقاتها بدولة أجنبية" لأنه نشر تعليقات على الإنترنت هاجم فيها السعودية. وكثيراً ما طلبت أجهزة الأمن السورية من أصحاب مقاهي الإنترنت التجسس على الزبائن الذين يدخلون مواقع "حساسة". وفي 13 ديسمبر/كانون الأول 2006 اعتقل الأمن السياسي عهد الهندي، 23 عاماً، وأحد أقاربه، في مقهى إنترنت بدمشق، لأن الهندي كان يرسل تعليقات ومعلومات إلى مواقع للمعارضة خارج سوريا. وقام صاحب مقهى الإنترنت بتصوير الهندي وهو يرسل التعليقات. وتم الإفراج عن الهندي وقريبه في 15 يناير/كانون الثاني 2007. وقامت السلطات السورية مؤخراً باتخاذ إجراءات تهدف لتقييد استخدام التعليقات الصادرة بتوقيع "مجهول"، وهو الأمر الذي يستند إليه الكثير من الكُتّاب السوريين للهروب من مراقبة الدولة. وفي 25 يوليو/تموز 2007 أصدر وزير الاتصالات والتكنولوجيا عمرو سالم، قراراً يطالب كل أصحاب المواقع بنشر "إسم ناشر المقال والتعليق بشكل واضح ومفصل تحت طائلة إنذار صاحب الموقع ومن ثم عدم النفاذ الى الموقع مؤقتاً وفي حال تكرار وقوع المخالفة عدم النفاذ الى الموقع نهائياً". وفي أول تطبيق موثق للقرار، قيدت وزارة الاتصالات والتقانة الولوج إلى موقع www.damaspost.com وهو موقع إخباري سوري يحظى بالشعبية، وتم التقييد لمدة 24 ساعة بعدما قام مُعلق باسم "جمال" بانتقاد رئيس اتحاد الصحفيين وصحيفة البعث بمحاباة الأقارب والمعارف في التعيينات. وبموجب القانون الدولي فإن الحق في الخصوصية وحرية التعبير يقتضيان توفير الحق التابع في التواصل والاتصال دون الإلزام بذكر الأسماء. والسماح للأشخاص بالتكلم دون ذكر الأسماء، بهدف الحماية من الإنتقام أو المقاطعة من المجتمع، يشجع كافة أنواع التعبير التي تعتبر ضرورية لحماية الحقوق وحماية المجتمع الديمقراطي، من توزيع المنشورات السياسية، إلى تقديم معلومات مجهولة المصدر للصحفيين، إلى "فضح" فساد المسؤولين أو الشركات. وفيما يعتبر الحق في ضمان أن يبقى الشخص مجهولاً حقاً غير مطلق، فإن القيود التي فرضها القرار السوري تزيله تماماً باسم القمع المزعوم للتعبير "الإجرامي". وتحجب الحكومة السورية مواقع إنترنت من فئات كثيرة. وتفرض السلطات نظم فلترة بالغة القوة على مواقع تنتقد سياسات الحكومة أو تدعم مجموعات المعارضة السورية. والمواقع الخاضعة للحجب تتضمن أيضاً الصحف العربية خارج سوريا التي تعرض مواداً منشورة تنتقد الحكومة السورية، مثل صحيفة القدس العربي – ومقرها لندن ( www.al-quds.co.uk ) والشرق الأوسط (www.asharqalawsat.com ) والمستقبل (www.almustaqbal.com.lb )، وصحيفة السياسة الكويتية (www.alseyassah.com ) وكذلك مواقع تديرها المعارضة السورية أو الأحزاب السياسية الكردية والمواقع الإسلامية. وتقول مبادرة (أوبن نت) OpenNet ، وهي شراكة من أربعة جامعات كبرى في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة ترصد رقابة الحكومات للإنترنت، إن فلترة المواقع السياسية في سوريا "سائدة". ويغطي حجب الحكومة السورية للمواقع أيضاً موقع مدوّنات غوغل www.blogspot.com وكذلك www.youtube.com. وشهدت الأعوام الستة الأخيرة ازدهاراً موسعاً للإنترنت في سوريا، إذ أصبح مليون نسمة من بين تعداد البلاد البالغ 18 مليوناً الآن يدخلون على الإنترنت، مقارنة بعدد 30000 في عام 2000. وتتوقع المجموعة الاستشارية العربية، وهي شركة استشارية مقرها عمّان، أن يتعدى عدد مستخدمي الإنترنت في سوريا 1.7 مليوناً بحلول عام 2009.ودعت هيومن رايتس ووتش سوريا إلى الكف عن حجب المواقع التي تحمل مواداً منشورة يحميها الحق في حرية التعبير وحق الاطلاع على المعلومات، وأن تُطلق سراح كل المحتجزين بسبب ممارسة هذه الحقوق على الإنترنت وعبر منابر أخرى .
المرصد السوري









------------------------------------------------------------------------






عمال شركة مرفأ طرطوس ومطالبهم المحقة: عمر قشاش



2007/10/08
من يتابع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغير الغذائية والتضخم النقدي وخاصة أسعار العقارات الجنونية الذي أصبح يقلق العمال وذوي الدخل المحدود، يقدر شعور وشكاوى العمال المستمرة بسبب معاناتهم المعاشية وظروف عملهم الشاقة التي تتجلى أحد مظاهرها بدوام /12/ ساعة عمل يومياً فرضها أصحاب العمل عليهم خلافاً للقانون، وعدم دفع أجور الساعات الإضافية وضآلة الأجور...
وقد أصبح واضحاً أن الدولة رفعت يدها عن مراقبة الأسعار وتركت الأسواق التجارية حرة خاضعة لقانون العرض والطلب والمنافسة الحرة، أي لقانون الاقتصاد الليبرالي الحر حتى يتحكم التاجر بالسعر بدون رقيب (أي قانون تحديد الحد الأقصى من الربح على حساب ذوي الدخل المحدود)...
إن تخلي الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية لصالح الطبقة الرأسمالية التجارية والصناعية وتجار العقارات والسماسرة الفاسدين ألحق ضرراً كبيراً بمصالح العمال وذوي الدخل المحدود...
إنه بالرغم من مطالب العمال ونقاباتهم وذوي الدخل المحدود بتدخل الحكومة لضبط موضوع الأسعار، ولكنها لم تستجب حتى الآن...
وانطلاقاً من هذه المعاناة التي يعيشها العمال نجد العمال في كافة المعامل والمؤسسات الحكومية يطالبون بزيادة الأجور والمكافآت وتحديد حصة من أرباح المؤسسات، والساعات الإضافية والإجازات السنوية المستحقة حسب القانون والحوافز الإنتاجية...
تقدم عمال شركة مرفأ طرطوس بشكوى إلى الجهة المسؤولة، وقد تضمنت شكوى العمال الأمور التالية:
ظروف العمل داخل عنابر السفن وعلى الأرصفة والساحات صعبة، ويتعرض العمال من خلالها لجميع الأخطار في جميع الظروف الجوية ويتعاملون مع جميع أنواع المواد الضارة صحياً، مثل الكبريت والفحم، الصوديوم، الأسمدة....
العمل في المرفأ على مدى /24/ ساعة متواصلة، ويفترض أن تحسب ساعة العمل الليلي، ساعة ونصف، حسب القانون، ولكن حتى الآن لم يتم منح العمال هذا الحق القانوني.
تم في مرفأ اللاذقية العام الماضي صرف الإجازات السنوية التي لم تستعمل على أساس وسطي الراتب ــــــ
أما في مرفأ طرطوس، فلم يتم الصرف بحجة عم وضعها في الخطة المالية، وهذا العام 2007 لم تصرف ويتذرعون بحجج مختلفة دائماً...
لم تتخذ الإدارة التدابير اللازمة من أجل النظافة والصحةالعامة، دورات المياه في المرفأ غير صالحة للاستعمال ولا يتم تنظيفها أو صيانتها، والعمال يضطرون لقضاء حاجاتهم في الساحات بين البضائع وهذا غير لائق...
لا تزال غبار الفوسفات منتشرة، وتسبب أضراراً جسيمة على العمال والآليات والسكان المجاورة.


يوجد أوساخ وبقايا مواد على الأرصفة وفي الشارع داخل المرفأ ينتج عنها روائح ضارة إضافة لمناظرها المزعجة...
إضافة لذلك يطالب العمال بمنحهم بسبة من الأرباح المحققة سنوياً أسوةً بعمال الشركات الرابحة...
أجاب المدير: إن الإدارة تتصرف وفقاً لتوجهات وزارة النقل، دراسة موضوع تشميل جميع العاملين المشاركة في العملية الإنتاجية بالأجر المتحول في الشركة أسوةً بعمال الإنتاج، وقد تم تشكيل لجنة مختصة في الوزارة لدراسة هذا الموضوع الهام...
أما صرف البدل النقدي للإجازات الإدارية المستحقة فإن ذلك تم على أساس الأجر الثابت لعمال الشركة بمن فيهم عمال الإنتاج البدل النقدي بنسبة 50% من الاستحقاق...
من خلال عرض مطالب العمال يتضح إن إدارة الشركة مقصرة في ميادين عديدة في عدم تلبية مطالب العمال القانونية، أنه يوجد ظلم واضح للعمال وضياع بعض حقوقهم القانونية، يتجلى في التأخر بتسديد أجور العمال عن الإجازات السنوية التي عملوا بها في موعدها، وعدم حسابها على أساس من العمل الإضافي، بل تم حسابها على أساس الأجر الثابت فقط، بدون المتحول. حيث يعتبر أجر العمل الإضافي حسب القانون وكذلك العمل الإضافي ليلاً يحسب على أساس زيادة 50% على الأجر الثابت، وهذا لم يتحقق...
المطلوب من إدارة شركة مرفأ طرطوس ومن وزارة النقل أن يحترما القانون ويعملا على تنفيذه بدون تأخير.
الجدير بالذكر هنا ليست هذه القضية موضوع الخلاف حول مطالب العمال القانونية مع إدارة الشركة، بل من يطالع ما ينشر في الصحف عن مطالب عمال قطاع الدولة القانونية والمشروعة، والتي معظمها تصطدم بمعارضة المدراء في عدم تنفيذها:
تطبيق أنظمة الحوافز الإنتاجية.
الراحة الأسبوعية المقررة من قبل رئيس مجلس الوزراء لجميع العمال.
موضوع الاختصاصات المقررة قانوناً، وموضوع طبيعة العمل.
تشميل العمال المستحقين بالوجبة الغذائية الوقائية.
زيادة الاعتمادات المخصصة للطبابة والعلاج واللباس العمالي.
معالجة وضع العمال المؤمنين الذين مضى على استخدامهم سنوات عديدة، وتثبيتهم أسوةً بأحكام القانون /8/ لعام 2001.
إصدار الأنظمة الداخلية لشركات الإنشاءات العامة...
ويضطر العمال أو نقاباتهم إقامة دعاوى عمالية على بعض الشركات أو المؤسسات، ويربح العمال الدعاوى، ولكن بعد سنوات.
إن هذا الوضع والمعاناة يوضح أنه ليس أصحاب العمل في القطاع الخاص ينتهكون القانون، بل مؤسسات القطاع العام تنتهك القانون /50/ وتحرم العمال من بعض حقوقهم القانونية...
"من مواد العدد 70 من نشرة الرأي"



---------------------------------------------------------------




دمشق: نكهات مدينة" لرفيق شامي وماري فاضل مائدة ولا أشهى للطعام والمكان: محمد علي الأتاسي
2007/10/08
يعتبر رفيق شامي واحداً من أكثر الكتّاب الألمان من أصل أجنبي شهرة ومبيعاً في ألمانيا. فهذا الدمشقي بامتياز الذي وصل إلى ألمانيا في العام 1971 حاملاً معه اسم الأصلي سهيل فاضل وشهادة في الكيمياء من جامعة دمشق وقبولا جامعيا للتخصص في المجال ذاته وموهبة أدبية مشبعة بحكايا الشرق، سرعان ما سيتخلى عن
مهنته الأصلية بعد أن ينال شهادة الدكتوراه في الكيمياء ويتخلى معها عن اسمه الأصلي مفضلاً عليه اسم رفيق شامي، ويتفرغ لكتابة الروايات والقصص الخيالية للأطفال باللغة الألمانية. لرفيق شامي اليوم ما يزيد على العشرين كتاباً في الأدب وأدب الأطفال، ترجم بعضها إلى 23 لغة، في حين كان على القارئ العربي أن ينتظر حتى العام 2005 ليطلع على أول كتاب له مترجم إلى العربية صادر عن "دار الجمل" في ألمانيا وعنوانه "التقرير السري عن الشاعر غوته". أما أنا فكان عليَّ أن أنتظر لقائي بدمشقي آخر مبعد عن مدينته هو فاروق مردم بك، حتى تتاح لي فرصة التعرف الى أحد كتب رفيق شامي، لكن مترجماً هذه المرة من الألمانية إلى الفرنسية. "

في صيف هذا العام كنت في زيارة لباريس وتواعدت مع الصديق فاروق مردم بك الى وجبة غداء بالقرب من معهد العالم العربي. وكما هي العادة مع هذا المثقف الموسوعي الذي أغنى المكتبة الفرنسية بالعديد من الكتب عن تاريخ الطعام، كان لا بد للحديث في السياسة والأدب والغربة أن ينقلنا من دون مقدمات إلى الحديث عن أشهى المأكولات وعن الشام مدينتنا المشتركة التي لم أزرها منذ عامين، ولم يزرها هو منذ 32 عاماً بالتمام والكمال. فاروق مردم بك الذي يدير دار النشر الفرنسية "سندباد أكت سود" المتخصصة في نقل الأدب العربي (وحديثاً الفارسي والتركي) إلى اللغة الفرنسية، جاء، كما هي عادته، حاملاً بعض إصداراته هدية، ومن بينها كتاب أخرجه فرحاً من جعبته، فإذا به كتاب غاية في أناقة الطباعة وجمال الرسوم (ستيفاني بوتييه) عنوانه "دمشق: نكهات مدينة".
ولد هذا الكتاب، كما يروي رفيق شامي في المقدمة، بقلمه وعلى لسان أخته ماري فاضل، التي مكّنته من أن يحقق أمنيته الأثيرة تأليف كتاب عن مدينته دمشق المبعد عنها منذ 36 عاماً، يكون عبارة عن نزهة ثقافية ومطبخية في أرجاء المدينة القديمة. اقترحت ماري فاضل على أخيها أن يقومان معاً بهذه النزهة من خلال الهاتف، فهي من جهتها تزور الأهل والأصحاب في أحياء دمشق القديمة، ابتداء من مكان سكناها في حي باب توما المسيحي، وتطلب منهم أن يطبخوا بوجودها أطباقهم المفضلة، وتعود هي إلى البيت لتكتب طريقة التحضير ولتروي لأخيها على الهاتف تفاصيل النزهة، بما تضمنته من أمكنة وشوارع وبيوت وناس وغرائب تحتويها دمشق القديمة. أما رفيق شامي فيقوم بتسجيل كل ما تراه أخته وتدوينه، مضيفاً إلى هذه القصص الحية بعض التاريخ والكثير من الحب والحنين الى مدينته الأم دمشق. المحصلة كتاب يقدم للقارئ الأجنبي بأسلوب ممتع لمحة عن تاريخ المدينة القديمة وحاضرها، بأزقتها وحماماتها وأسواقها وجوامعها وكنائسها وبيوتها وعاداتها وتقاليدها، مفسحاً في الآن نفسه مجالاً رحباً لقصص الناس بما تنطوي عليه حياتهم اليومية من حب وفرح وألم ومعاناة، وبما تحفل به من طعام وشراب ونكهات دمشقية. تتخلل صفحات الكتاب وصفات الأطباق الشهية التي سجلتها ماري فاضل، بما فيها من مواد ومقادير وطريقة تحضير.
من المقدمة، يقارن رفيق شامي بين الكتابة والطبخ، مبيناً مدى التشابه بينهما من خلال حيادية المواد المستخدمة في البداية في كل منهما (أوراق وحبر من جهة، ولحم وخضر وتوابل من جهة ثانية) وروعة المنتج النهائي الذي يسحر كل من يتذوقه. ويبين رفيق شامي أنه من اللحظة التي نريد أن نجعل منه فناً، فإن الطبخ كالكتابة، ينطوي على مخاطرة كبيرة. كلمة إضافية هنا أو رشة فلفل زائدة هناك، والعمل بأكمله يفشل.
ينقلنا رفيق شامي صحبة أخته ماري فاضل، إلى بيوت الأهل والأصدقاء ومطابخهم وحكاياهم، والذين ينتمي الكثير منهم إلى الطائفة المسيحية الدمشقية، كما هي حال رفيق وماري، لكن شقيقته تزور أيضاً بيوت بعض الأصدقاء المسلمين وتشاركهم إعداد أطباقهم المفضلة. تبدأ الرحلة بالقرب من باب شرقي من "زقاق العبارة" حيث تسكن عائلة فاضل وتبدأ معها الزيارات من عند الخالة سليمة وتبّولتها الشهيرة في حي حنانيا حيث اهتدى شاؤول إلى المسيحية وتحول إلى بولس الرسول، ومروراً ببيت عليا صديقة ماري ذات الإرادة الحديدية التي هزمت مرض السرطان والتي تسكن في "زقاق المسك" وتشتهر بتحضيرها خلطات خاصة من المعجنات المحشوة، إلى طبق الفتوش في حي الزيتون عند وداد التي تزوجت "خطيفة" من مغامر لم يلبث أن تركها، إلى حليم وكبّته الشهيرة التي يحضّرها، كما معظم مسيحيي دمشق، في يوم الأحد، إلى عدنان اللحّام الذي أتى من حلب وأتقن، إضافة إلى مهنة تقطيع اللحم، إسماع النساء أجمل العبارات، إلى أن وقعت في حبه مستشرقة من فلوريدا فتزوجا، إلى المرحوم أبو بشير الفوّال وجراره التي كان يدفنها مساءً في رماد حمام الحي ويستعيدها صباحاً والفول في داخلها مطبوخاً بشكل كامل. إلى تقلا وشهرته في طبخ الحمل المنقوع بالنبيذ في الفرن، الذي لم يستطع حتى محمد جاره المسلم أن يقاوم رغبته في أكله مبرراً ذلك بأن النبيذ يتبخر على درجة حرارة 250 مئوية، وأن الإسلام وإن كان يمنع شرب الكحول، فإنه لا يمنع وجوده. كما أن لا أحد يعرف ما الذي اقترفه الحمل من موبقات قبل أن يجد طريقة إلى مائدة تقلا.
الكتاب حافل بالقصص الطريفة لأهل دمشق، من مثل قصة صديق العائلة فارس التي يقارنها رفيق شامي بالمعجزات. ففارس المشهور بقدرته على إعداد الحلويات الشهية والطبخ السيىء، ركب الطائرة مرتين في حياته لزيارة ابنه الوحيد المقيم في العاصمة البريطانية، والمتمنع عن زيارة دمشق. في المرة الأولى لم تستطع الطائرة أن تتوقف قبل نهاية مدرج الهبوط، وتحطمت في مبنى المطار. الحادث خلّف 25 قتيلا و50 جريحا، أما فارس فلم يصب بخدش وكذلك حقيبته، وكل ما فعله أنه نفض الغبار عن ثيابه وحمل الحقيبة ومشى إلى قاعة المسافرين. في الرحلة الثانية لم تفتح عجلات الطائرة واضطرت إلى الهبوط على وسادة طوارئ لزجة. وكما في المرة الأولى فإن فارس لم يصب بأذى، أما أبنه الذي كاد يصاب بأزمة قلبية، فقد توسل اليه أن لا يأتي إليه مجدداً إلى لندن، ووعده بالذهاب لزيارته كل عام في الشام. وذلك ليس فقط خوفاً من أن يدمر أبوه كل طائرات الخطوط البريطانية، ولكن خوفاً على صحته هو إذا لم تسلم الجرة وحدث لوالده مكروه ما.
بعد أن تمر ماري ببيوت الكثير من الأصحاب في حارات دمشق القديمة وأزقتها وتروي قصصهم وتحضر برفقتهم أطباقهم المفضلة، تنتهي الرحلة عند العم فريد وحبّه الأعمى لزوجته عفيفة. العم فريد، الذي يعمل شرطي سير، مشهور بكرمه وبدلاله لزوجته وبموهبته في تحضير أطباق المازة الشهية والمتنوعة وفي اختراع أنواع جديدة منها، حتى أنه بعد شفاء زوجته عفيفة من مرض عضال أقام لها مأدبة وضع عليها خمسين صنفاً مختلفاً من المازة، تساوي سنوات عمرها الخمسين، ولم ينس أن يخترع لها طبق مازة خاصاً بها في هذه المناسبة.
إضافة إلى وصفات الأطباق، يحوي الكتاب صفحات عدة عن التوابل والبهارات، تتناولها واحداً واحداً بخصائصها وبلاد نشأتها واستخداماتها المتعددة في أطباق الطعام. كما أن رفيق شامي في نزهته المشتركة مع ماري فاضل يزود القارئ الأجنبي معلومات توثيقية غنية عن ماضي المدينة وحاضرها، بمبانيها الأثرية وجامعها الكبير وكنائسها وحماماتها وأسواقها وخاناتها وعاداتها وتقاليدها. ويمكن القول إن العصب الذي يشدّ هذا الكتاب ويجعله مختلفاً عن كتب التاريخ والدليل السياحي حول دمشق، هو الوجه الإنساني الحميم والمؤثر للمدينة والذي لا يظهر فقط في حكايات الناس العاديين التي يمتلئ بها الكتاب، ولكن يتجلى أساساً في حكاية رفيق شامي نفسه في غربته الممتدة ما يزيد على 36 عاماً، وفي شوقه الجارف إلى دمشق، وفي قدرته على وضع كتاب كهذا، يستعيد فيه مدينته المتخيلة من خلال عيني أخته ماري فاضل وصوتها ومشاهداتها. في ختام الكتاب تدعو ماري فاضل أخاها الذي يكلمها على الهاتف من ألمانيا، إلى البقاء على الخط لمدة خمس دقائق ستصمت هي خلالها وتتركه يسمع أصوات مدينته من نافذة المنزل في دمشق القديمة. فإذا بأصوات البائع المتجول وزمور السيارة وصوت فيروز وقرع أجراس الكنائس والآذان تأتي من بعيد، والأم التي تنادي إبنتها الصغيرة في الشارع لتقبلها.
في موقع قناة arte الفرنسية - الألمانية على الأنترنت يقول رفيق شامي في وصف علاقته بهذه المدينة التي تكنى بإسمها: "في كل صباح. ما لم أكن أعلمه، حقيقة ما لم أكن أعلمه، وما لم أكن لأصدقه أبداً. لم أكن أعلم ما هي الغربة. لم أكن أعلم أنه عند استيقاظي، في كل صباح، تفكيري الأول، قبل أن أستعيد مداركي وقبل أن أفكر بزوجتي وبولدي، تفكيري الأول سيكون لدمشق. كل صباح منذ 34 عاماً". وفي تأثير دمشق على كل أعماله، يشبّه رفيق شامي نفسه ب"الزيز" الذي يدور في آخر الخيط، ودمشق بالطفلة التي تمسك الخيط، ويخبرنا كيف كان يصلي للعذراء مريم ألا تقطع الأيام رجله المربوطة بالخيط. من يقراً هذا الكتاب، يدرك إلى أي مدى لا تزال هذه الطفلة الدمشقية تمسك بهذا الخيط بقوة، وتلعب بهذا "الزيز" الدمشقي الذي إسمه رفيق شامي.
يبقى أن 34 عاماً من الغربة القسرية والابتعاد عن دمشق والاستناد أساساً الى مشاهدات أخته ماري فاضل، قد أوقعت الكاتب في بعض الأخطاء التاريخية، من مثل قوله أن بيت التاج الإسباني يعود تاريخ تشييده إلى العام 1908، في حين أنه شيّد في القرن التاسع عشر ووضع المستشرق الألماني والتسنجر كتباً عنه، كما أن مكتب عنبر اليوم لا يضم مكاتب مؤسسة متخصصة في الأركيولوجيا، بل مكتب حماية دمشق القديمة.
عدا أن هذه الأخطاء تُغفر لرفيق شامي، لكن ما لا يُغفر له هو تجاهله لاثنين من أهم الأطباق الدمشقية هما "الحراق أصبعو" و"فتة المكدوس". الطريف أني في اليوم الذي تلقيت فيه كتاب رفيق شامي هدية من فاروق مردم بك، اختلفت مع بعض الأصدقاء في شأن الأحماض المستخدمة في تحضير "فتة المكدوس" (وهي في المناسبة لا علاقة لها بالمكدوس)، فكان لا بد أن نعود مجدداً إلى فاروق مردم بك نفسه لنأخذ منه الخبر اليقين فإذا به يؤكد استخدام دبس الرمان، بل وأحياناً التمر الهندي في تحضير هذه الأكلة الشهية *
"الرأي / خاص"



-----------------------------------------------------------




من يَغتال لبنان؟

القاتل في الاغتيالات التي مر بها لبنان في الفترة الماضية يقتل لبنان، فهل يستطيع اللبنانيون تجاوز الحاجز في الأيام المقبلة، وينتخبون رئيساً رئيساً؟ !في الأيام القليلة الماضية مرّت ثلاث سنوات على صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559 بالتمديد لرئاسة إميل لحود، ومحاولة اغتيال مروان حمادة، تلك الإعلانات عن سنوات ثلاث تالية صاخبة ودامية ومنذرة بالشرور، كان أعلاها صوتاً انفجار اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر من فبراير عام 2005، وأكبرها صدىً انسحاب القوات السورية المسلحة من لبنان في مايو من العام نفسه .في تقارير «لجنة التحقيق الدولية المستقلة» اللاحقة، لم يعلق في الذهن شيء من التفاصيل المعقدة بيد أن الدافع وراء الجريمة سياسي، كما ورد في التقرير السادس في مارس الماضي. فقد خفّف هذا من أعباء التحليلات، السياسية في الأساس، حتى لو حاولت أن تهرب من تهمة «التسييس» الجاهزة. في ضوء هذا الاستنتاج، وتحت ضغط الأخطار الراهنة، في ما يلي محاولة لمراجعة قائمة الضحايا مع توقيتها: -1/10/2004 ، محاولة اغتيال مروان حمادة، أبرز أعضاء كتلة وليد جنبلاط، ونسيب غسان تويني، الذي كان قد استقال مع رفاقه احتجاجاً على إقرار تعديل الدستور تمهيداً للتمديد في جلسة مجلس الوزراء في 28/8، التي صدر بعدها القرار 1559 المطالب بانسحاب القوات السورية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات بانتخاب نزيه للرئيس، تم التمديد في الساعات القليلة اللاحقة لصدور القرار .- 14/2/2005 اغتيال رفيق الحريري بانفجار هائل ومذهل، على الرغم من موافقته وكتلته على التعديل والتمديد، كان واضحاً وقوعه تحت الضغوط منذ جلسة مجلس الوزراء المذكورة، واستمراره في التحضير لقانون انتخاب وانتخابات وتحالفات سوف تنتج أكثرية نيابية مختلفة عن أوضاع العقود الثلاثة السابقة .- 2/6/2005 اغتيال الصحافي والكاتب البارز سمير قصير، كان سورياً وفلسطينياً مثلما كان لبنانياً، ويسارياً ديموقراطياً ملتزماً بمشروع متقدّم للدولة والمجتمع، وفعالاً في قيادة نشاط شباب التحركات الشعبية، وأكبرها تظاهرة 14/3 .- 21/6/2005 اغتيال جورج حاوي الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، القريب في مواصفاته من سمير قصير، والمطّلع على الاتصالات القديمة والجديدة بعمق، إضافة إلى قدراته الخاصة في التوفيق والتنسيق والتعميق بين القيادات والنشطاء، وازدادت منزلته بعد قيامه بدور قيادي في تنظيم المقاومة الوطنية للإسرائيليين، لاسيما في أوائل الثمانينيات حين احتلت بيروت .- 12/12/2005 اغتيال جبران تويني الصحافي البارز والنشيط سياسياً، إضافة إلى كونه ابناً لغسان تويني صاحب مؤسسة «النهار» إحدى المحطات الأكثر إنارة في عالم الإعلام العربي الكئيب ورئاسته لتحريرها، كان سياسياً شاباً وتبلورت مواقفه ضمن خط «الرابع عشر من آذار ».- 21/11/2006 اغتيال الوزير والنائب والقيادي الشاب في حزب الكتائب بيير الجميل، الذي لفت الأنظار بحيويته وفعاليته في أوساط الشباب، وبقدراته الخاصة في التركيز على المهم.- 20/5/2007 اغتيال وليد عيدو أحد أبرز أعضاء كتلة الحريري وأكثرهم ظهوراً، كان قاضياً .- 19/9/2007 اغتيال أنطوان غانم، النائب الكتائبي المعتدل المسالم .في هذه القائمة ثلاثة من الأقلية المسيحية الأرثوذكسية غير البارزة -نسبياً- في حمى البازار السياسي الطائفي، وهم قريبون من مشروع الدولة الحديثة، التي كان يمكن أن يسير في اتجاهها اتفاق الطائف تدريجياً لو طُبِّق، على علاّته، وهنالك مارونيان من الطائفة الأكثر ارتباطاً باسم لبنان وكينونته، من الحزب الذي له باع طويل وحصة في تكوين الدولة والمجتمع وتطورهما، من الجهة المارونية المذكورة. كما أن هنالك الحريري -وأحد رجاله الأقربين- صاحب مشروع الدولة التي أرادها أن تدخل العصر من أبواب الازدهار والاستثمار والوفاق والسلم الإقليمي الذي بدا قاب قوسين مطلع التسعينيات.يجمع الضحايا على ما هو متفق عليه كونهم من ائتلاف سياسي واحد، يعادي الوجود العسكري السوري ثم الهيمنة و«الوصاية» في ما بعد، ويتفق على ضرورة سيادة الحكومة اللبنانية على جميع الأراضي الوطنية، الأمر الذي يعني -أو أنه سوف يعني- نزع سلاح « حزب الله» أو تحويله إلى جزء من القوات المسلحة الرسمية، عاجلاً أم آجلاً. يجمعهم ثانياً ما يشكلونه من تعبير عن أصول تأسيس لبنان من جهة، وصناعة مستقبله اللاحق كدولة سيدة ومستقلة ومدنية وديموقراطية من جهة أخرى، والقاتل أراد النيل من ذلك كلّه، أو لعله أراد النيل مما ورد ثانياً، إن مضينا إبحاراً في عمق نوايا القاتل وبرامجه.لقد أراد -ومازال يريد- شلّ لبنان ودوره في المنطقة، وزعزعة استقراره، ومهما كانت نسبة تحقيقه لأهدافه، فإنه يستولد ذاته بالعملية نفسها... وفي ذلك طبع إسرائيل، أو لعلّه التطبّع أو التطبيع في طبعته الجديدة !القاتل يقتل لبنان، فهل يستطيع اللبنانيون تجاوز الحاجز في الأيام المقبلة، وينتخبون رئيساً رئيساً؟!
موفق نيربية
-------------------------------------------------------------------




حصاد زمن القحط



لكل زرع حصاد ، ومثله كمثل الاجتماع والسياسة ومجالات أخر . والحصاد في أحد معانيه امتحان للأفكار والأفعال التي تتفاعل مع الحاجة .. مع الواقع . وبقدر ما تتطابق الأفكار والأفعال مع الواقع واحتياجاته يكون الحصاد أو لايكون . وإن لم يكن هناك حصاد يعني أن هناك قحط .. ويعني أن نتيجة الامتحان هي السقوط . وجدلية الزرع والحصاد ، لاتنفرد مجردة بوجودها ، وإنما هي متصلة بغيرها من الجدليات المتعلقة بعلم الزرع وعلوم الاقتصاد والاجتماع والسياسة . ولذلك هي تشمل أنشطة الإنسان عامة ، وتتناول الفرد والجماعة .. الأحزاب والهيئات والأنظمة والدول . وجدلية الزرع والحصاد في السياسة هي أخطر وأعقد ما عرفته الإنسانية في أنشطتها ، باعتبارها فعل جمعي مركب تؤثر بنتائجها الإيجابية أو السلبية على مصير الجماعة . وللساسة " الزراع " في حقول السلطة وحقول المعارضة دور أساس في تحقيق جني وافر أو قحط مدمر .وقياساً على ذلك ، لايختلف إثنان أن حصاد سوريا السياسي ، بعد مايقارب الأربعين عاماً ، ليس بمستوى الرغبات ، من جانب أهل النظام أو من جانب الآخر خارج النظام ، التي رافقت عمليات الزرع الأولى . قادة وخبراء " الحركة التصحيحية " عام 1970 قد زاوجوا بين أ سوأ ما في الأنظمة الشمولية في اوربا الشرقية وأ سوأ ما في الديكتاتوريات الآسيوية في بناء نظامهم الجديد على مستوى الداخل ، وزاوجوا بين مصالح النظام ومصالح الشرق والغرب في الحرب الباردة على مستوى الخارج . " مبدعين " إنجازاً متميزاً في فن السياسة في ذلك الحين . فهم بعد أن زجوا رفاقهم " اليساريين " الذين انقلبوا عليهم إلى جانب رفاقهم " اليمينيين " في السجن ، قد استوعبوا الأحزاب القومية " الاشتراكية " واليسارية الأساسية في حينه وأغووها بالتواطؤ معهم والانضواء تحت قيادتهم تحت عنوان " الجبهة الوطنية التقدمية " ، في صفقة تشاركية فوقية في السلطة ، مشروطة بوقف أنشطتها في أوساط الجيش والطلاب والأجهزة الأمنية ، مترافقة مع ضغوط أمنية وحزبية سلطوية متواصلة على تواجدها السياسي في أوساط العمال لاستيعاب هذا التواجد سلطوياً أو أمنياً . ومن ثم تلا ذلك التطبيق الفعلي للمادة 8 من الدستور باستحواز الحزب الحاكم على أغلبية الهيئات التمثيلية المسموح لأحزاب الجبهة المشاركة فيها تحقيقاً لدور " الحزب القائد " بقيادة الدولة والمجتمع . باستثناء القوى الدينية .. " الأخوان المسلمون " والطليعة المقاتلة ، لم يبق في المشهد السياسي قوى تذكر تشكل معارضة للنظام . ولم يبق مجال للفعل السياسي المستقل .. حسب مفهوم معارضة . ونهض حكم ديكتاتوري شمولي من نوع جديد في الشرق الأوسط . البدايات في تشكيل المعارضة للنظام جاءت من الأجنحة المنشقة عن الأحزاب " الأم " المنضوية تحت قيادة " الجبهة الوطنية التقدمية " .. التي توحدت لاحقاً في عام ا979 في إطار " التجمع الوطني الديمقراطي " . وقد كانت أنشطة هذه الأحزاب الجديدة منصبة على مدار بضع سنوات على تكريس وبناء ذاتها . وكانت معارضتها تتركز ضد " انتهازية " الطرف الآخر منها الملتحق بجبهة النظام " الذي انحرف عن خطوط الأيديولوجيا والأهداف الاستراتيجية " دون خوض معارضة علنية مباشرة لانضواء ذاك الطرف تحت قيادة النظام أو للنظام ذاته . وقد لعبت حرب تشرين 1973 دوراً كبيراً في تجميد أو تحييد الفعل المعارض ، بتقديمها مسألة المصير الوطني على المسائل الأخرى .الخطوة الأولى لبروز الأحزاب الجديدة كمعارضة ، كانت في رفضها التدخل السوري في لبنان ، إذ أعلنت معارضتها لهذا التدخل وبينت خطورته على البلدين الشقيقين وعلى القضية الفلسطينية ، التي كانت تشكل أحد محاور الأزمة اللبنانية المتفجرة . ثم كان موقفها اللافت المتميز عن النظام في مفاوضات التسوية لنتائج حرب تشرين ، التي كانت تلامس تسوية الصراع العربي الإسرائيلي برمته . لكنها رغم تكريس وجودها المستقل عن أحزابها السابقة وعن جبهة النظام ، فإنها كانت تراعي ممنوعات النشاط السياسي المطبقة على أحزاب الجبهة ، إن لم يكن " إلتزاماً قانونياً " فممارسة على الأقل حرصاً على البقاء .من طرف آخر ، كانت القوى الدينية تنشط كطرف معارض تنمو حدته وصداميته مع النظام مع كل خطوة داخلية أو خارجية يخطوها النظام لتكريس وتقوية وجوده ، وقد عبرت المتطرفة منها عن ذلك في سلسلة من الاغتيالات لعدد من رجال النظام الأمنيين والسياسيين ، وكانت أبرز هجماتها مجزرة مدرسة المدفعية بحلب عام 1979، التي راح ضحيتها ما يقارب المائة من طلاب الضباط الأبرياء ، التي فجرت الحرب الأهلية المأساوية المدمرة بين هذه القوى وقوى النظام ، واضعة القوى الدينية وخاصة " الأخوان المسلمون " في صدارة قوى المعارضة في المشهد السياسي ، وواضعة القوى الأخرى المعارضة في موقف حرج مازال يطبع حراك المعارضة عامة بطابعه رؤية وممارسة ومسؤولية ، وواضعة السياسة بعد إنفلات العنف والعنف الضاد ، في حالة عطالة طويلة المدى . التقاطع الأول ، وربما الأهم الذي تلاقت عنده مختلف القوى في المرحلة المذكورة ، هو تهميش دور القوى الشعبية . النظام اعتمد على حزبه وأحزاب جبهته وجيشه ومؤسساته الأمنية لتحصين نفسه ، واعتمد العنف والاعتقالات والتصفيات والتشريد في التعاطي مع الآخر المعارض العريض الخاضع لمعيار " من ليس معنا فهو ضدنا " . والمعارضة " اليسارية والقومية " القادم معظمها من رحم أو من شجرة أحزاب جبهة النظام اعتمدت ، حسب مكوناتها ، على النخب الثقافية والسياسية فحسب ، وغابت عن برامجها مضامين مطلبية اجتماعية ، وتلاشى مع الأيام ما كان لها من صلات بأوساط عمالية أو تجمعات سكنية شعبية . والقوى الدينية الصدامية فقدت مواقعها الشعبية في المساجد ومصادرها المؤسساتية ، نتيجة وضع النظام قبضته الحديدية الأمنية عليها أو صادرها ، وانكفأت إلى العمل العصبوي تحت الأرض ، وغيبت قسراً بموجب أحكام الموت المسبقة بموجب القانون 49 . وبعد أن ا ستفحل القحط السياسي على مدار نحو أربعين عاماً ، بعد أن كادت المعارضة أن تصل إلى طريق مسدود ، ووصل النظام إلى ذروة العزلة ، ووصلت البلاد إلى حافة الهاوية والحرب ، بات الكل يفتقد القوى الشعبية ودورها الأساس . لكنه ، وحتى الآن مازال النقص في الاحترام لهذه القوى ولدورها المطلوب سائداً . النظام يسوقها كالقطعان بحكم سلطاته في قطاعات انتاجية وشعبية كثيرة . والأحزاب النخبوية ، قليل من رموزها من يعترف بالتقصير ، والكثير منهم من يتهما ب " عدم الرغبة في التغيير " ا ستسلاماً للاستبداد ، أو " انحسار رغبتها في المعارضة والتغيير خوفاً من المصير العراقي " أو يشملها مع النخب والنظام ب " عدم الشعور بالمسؤولية " .. الأمر الذي يوصلنا إلى التقاطع الثاني ، الذي لايقل أهمية عن التقاطع الأول ، وتتلاقى عنده مختلف القوى أيضاً ، وهو الجهل بماهية القوى الشعبية وأصالتها ومشروعية مطالبها وطموحاتها . لا أحد من مكونات هذه القوى .. يحلم أو يفكر ، من خلال خوضه النضال ضد الاستبداد وفساده وعفنه ، أن يصير وزيراً أو مديراً أو مليونيراً ، أو يصير " نجماً إعلامياً " ، أو " باحثاً ومحللاً سياسياً " تتهافت عليه الفضائيات التلفزيونية بالأسئلة والتعويضات .. كل ما يحلم ويفكر به ، هو وطن حر قوي عادل ، يوفر له حاجته من الخبز وحاجته من الحرية والكرامة ، ويؤمن لولده قلماً ودفتراً ومقعداً مجانياً في مدرسة ، ويمنح لزوجه الحامل سريراً في مستشفى ، وطبيباً يحنو عليه وعلى أسرته بالعلاج والدواء الرخيص ، وأجراً يناسب الأسعار ، وسقفاً يشعره بالدفء والأمان ، وعملاً دائماً مضموناً يقيه من الفقر الكافر والبطالة ومذلة الشيخوخة . وهذه المطالب الصغيرة الكبيرة ، من خلال وجودها الشفاف أو عدمه في مضامين السياسة هي التي تجذب القوى الشعبية للمشاركة السياسية أو تنفرها منها . هذه هي الحقيقة ، وليس أمراً آخر متعلقاً بالتطبع مع القهر ، أو توازناً سيئاً بين السئ والأسوأ ، أو عدم الشعور بالمسؤولية .. يضاف إلى ذلك ، وهذا أمر هام جداً ، أن الماضي العنفي أو السلطوي أو العلاقات الخارجية المشبوهة لبعض رموز المعارضة .. مازال سؤالاً معلقاً . للقضاء على القحط ، يتعين على مكوناته المسؤولة عن وجوده ، العودة إلى مبادئ الزرع الجيد ، أي إلى مطابقة الأفكار والأفعال مع احتياجات الواقع الدائمة الاتساع والتنوع .. العودة إلى قوى الخير .. قوى النضال التي لاتكل ولاتنضب .. إلى الشعب . وإذا كان النظام ، أولاً وثانياً وثالثاً مسؤولاً عن حالة القحط السياسي في البلاد ، ومحكوماً بمكوناته الاستبدادية الفاسدة المتعارضة مع مطالب الشعب والخضوع لإرادته بالعجز عن القيام بهذا الانعطاف التاريخي الحاسم ، فإن المعارضة لكونها محكومة بحاجتها القصوى إلى حامل اجتماعي لبرنامجها الوطني الديمقراطي .. محكومة أن تكون شعبية جماهيرية أو لاتكون . إن الشرط الأول كي تكون المعارضة شعبية جماهيرية ، هو أن تبدع آليات اندماج ، النخب الثقافية والسياسية الناشطة بصدق من أجل التغيير ، بقطاعات وقوى الشعب في مختلف المستويات الطلابية والعمالية والفلاحية والسكنية الشعبية ، وأن تتجاوز أسوار القمع والمنع السائدة ، بتصميم غير خاضع لمعايير الزمن وحرق المراحل ، أو بالاعتماد على متغيرات خارجية نوعية ، وإنما بانتهاج نضالات ممكنة تراكمية شفافة ، تجذب الجماهير إلى الشارع .. إلى المشاركة في عملية التغيير بثقة وقناعة راسختين أن التغيير المنشود ، معني بحقوقها ومصالحها ومطامحها ، المترابطة وثيق الارتباط بالحرية والديمقراطية والحياة الأكثر عدالة وبحماية الوطن من مخططات الطامعين المحيقة به .
بدر الدين شنن
-----------------------------------------------------------------



أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

يسعى هذا الموقع إلى نشر مساهمات الكتاب في مختلف المواضيع التي تهم المواطن السوري ويأمل أن يكون جسراً بين الداخل والخارج وأن يساهم في حوار وطني يلتزم باحترام الرأي الآخر ويلتزم القيم الوطنية والديمقراطية وقيم حقوق الإنسان ونتمنى أن يساهم الرفاق والأصدقاء في إغناء هذا الموقع والتواصل معه وشكراً.


المشاركات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها فقط


يرجى المراسلة على العنوان التالي

bayad53@gmail.com



Blog-Archiv

منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا

أهلآ بكم في موقع منظمة حزب الشعب الديمقراطي السوري في ألمانيا