النفط والوصفة القديمة: استجمام السياسة بعيداً عن الاقتصاد
صبحي حديدي
10/08/2007
يدرك المرء، تماماً كما يتوجب إدراك البديهيّ الجليّ، أنّ مفردة واحدة وحيدة تشكّل محرّك المواقف الأمريكية ـ الغربية من المأساة المفتوحة في إقليم دارفور، لكي لا نتذكّر أنها محرّك تسعة أعشار السياسات في الشرق الأوسط بأسره؛ من الظهران السعودية إلي كركوك العراقية، ومن الصحراء الجزائرية إلي مأرب اليمنية؛ أو، باختصار، حيثما توفّرت حقول وآبار ومكامن تلك المفردة السحرية: النفط.غير أنّ هذا المستوي الأوّل الذي يحرّك سياسات القوي العظمي علي نحو حاسم قد يدفعها إلي إرسال جيوشها الجرّارة لغزو البلدان والشعوب، هو الشكل الأعلي من سياسات كونية تعتمدها شركات النفط الكبري العملاقة، وتنهض ركائزها علي الاحتكار والسيطرة والاستغلال. وبالطبع لا تنقلب هذه الركائز إلي صناعة إمبريالية لائقة بالإمبراطوريات، الكبري العملاقة بدورها، إلا إذا تكاملت سياسات النهب الخارجية مع تلك الداخلية، كما في المثال الأوضح الذي يشهده الغرب هذه الأيام: انخفاض في اسعار برميل النفط، وزيادة في أسعار الوقود علي اختلاف أصنافه. ولا يغرّنك ما قد يقوله نطاسي مدافع عن اقتصاد السوق، من أنّ الأسعار في هذه البلدان الرأسمالية إنما تتحدّد وفقاً لمبدأ العرض والطلب الشهير، لا لشيء إلا لأنّ شركات النفط الكبري صارت أيضاً هي مالكة مصافي النفط العملاقة، وهي استطراداً الجهة التي تحدد العرض، وتتحكم بالطلب.
وحين تقرّر هذه الشركات طرح كميات من الوقود في الأسواق لا تتناسب مع ما تبقيه مخزّناً في المستودعات، فإنها منطقياً تصنع الطلب علي العرض، ومن المضحك بعدها ان يتحدّث المرء عن أيّ قوانين رأسمالية تدير أواليات اشتغال السوق عموماً، وتسعير السلعة بصفة خاصة.المستوي الثالث يخصّ الدول المنتجة للنفط، وهنا تنقلب سياسات الشركات الكبري في النهب الخارجي والداخلي إلي مزيج عجيب من التسليم والتبعية والتبذير والفساد، فضلاً عن ذلك الطراز العجيب من وفرة لا توفّر الكفاية لأهلها، كما حين يضرب الفقر الكثير من الدول الغنية بالنفط، أو حين يضطرّ بعضها إلي استيراده غالي الثمن... بعد تصديره رخيصاً! وقبل أشهر وقعت في نيجيريا تلك المأساة الرهيبة التي ذهبت بحياة أكثر من 300 آدمي، لم يجدوا وسيلة لتأمين الطاقة سوي ثقب أنابيب النفط الضخمة، علي مبعدة أمتار قليلة من العاصمة لاغوس، حيث يمارس أساطين النفط أسوأ أنساق الاستغلال والنهب. المأساوي أكثر أن تتكئ هذه الدول، عن يقين أو عن تعامٍ، علي قاعدة خفض إنتاج النفط بغية تحسين شروط تسويقه وضبط تدهور الأسعار، الأمر الذي لا تتردّد منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في اللجوء اليه بين حين وآخر. وكان وزير النفط السعودي الأسبق أحمد زكي يماني، لكي لا نذهب إلي خبير آخر أجنبي، قد ساجل بأن هذه الوصفة الكلاسيكية تنتمي إلي حقبة سابقة انطوت صفحتها، واندحرت قوانينها أمام المعطيات الجديدة للحقبة الراهنة من علاقات الدول المنتجة بالدول المستهلكة.والحقّ أن تشكيك اليماني صائب تماماً، وهو يضع الإصبع علي الجرح لأنّ الأسباب الأصلية التي دفعت الدول المنتجة إلي الإفراط في زيادة حصصها الإنتاجية ما تزال جزءاً عضوياً لا يتجزأ من الخطط الإنفاقية لهذه الدول، وما تزال الواردات النفطية هي المصدر الأكبر، والوحيد في حالات عديدة، لتغذية الناتج القومي الإجمالي وتمويل مختلف الموازنات. هذا إذا وضع المرء جانباً ما تلعبه الواردات النفطية من دور حيوي (لأنه ببساطة يعني مواصلة الحياة أو الموت اختناقاً) في تغطية النفقات الكبري غير العادية (الحروب الإقليمية من نمط عاصفة الصحراء مثلاً، وعقود التسلح الفاحشة من نمط صفقة اليمامة السعودية مع بريطانيا وعقدها الأخير مع الولايات المتحدة، حيث تشكّل نسبة سمسرة هذه العقود مصادر دخل إضافية للأمراء). في عبارة أخري، أيّ تخفيض جديد في الحاضر لن يكون سوي زيادة في ذمّة المستقبل، ضمن معادلة ثابتة غير مرشحة للتغيير في أي مدي قريب منظور، وما دامت الشروط السياسية والتنموية والتخطيطية علي الحال ذاته.هذه الخلاصة لا تضع الإصبع علي الجرح فحسب، بل تفتّقه أيضاً، وتفتح المزيد من الجراح. وفي مثال المملكة العربية السعودية، لكي نبقي في العالم العربي هنا أيضاً، يشير خبراء النفط والمصارف والبورصات إلي أنّ كل انخفاض بمعدل دولار أمريكي واحد يعني خسارة صافية للملكة مقدارها 2,5 مليار دولار! ومن مفارقات النظام الراهن في العلاقات الدولية أنّ مصائب الدول المنتجة للنفط هي فوائد كبري عند الدول المستهلكة، إذْ بينما تخسر المجموعة الأولي مليارات الدولارات يومياً، وتتعرّض خططها الإنمائية إلي سلسلة من النكسات البنيوية بعيدة الأثر، فإنّ المجموعة الثانية تجني الثمار المباشرة في صيغة انخفاض معدلات التضخم وازدياد القوة الشرائية وصعود معدلات النمو. وأما النوع الآخر من المفارقة الناجمة عن الوضع ذاته، فهو ذاك الكلاسيكي السائد في كل اقتصاد تابع: أنه ينتج المادة الخام، ثمّ يبيعها بأسعار متدهورة، قبل أن يضطرّ إلي استيرادها علي شكل بضاعة مصنعة باهظة الثمن.
وإذا كان الغرب هو الممثل العريض لفريق الدول المستهلكة الرابحة تلك، فإن الولايات المتحدة هي الاختصار الأكبر لهذا الغرب، قياساً علي دولة رئيسية مثل السعودية. و التعاقد هنا يبدو قديماً قدم تأسيس المملكة، ويندر أن يطرأ عليه تغيير طفيف عارض، فكيف بالتعديل الجوهري لطبيعة المعادلة بأسرها. وتراث العلاقة، كما تبلور علي نحو أوضح بعد حرب الخليج الثانية بصفة خاصة، يرسم مباديء التبادل التالية بين الولايات المتحدة والمملكة:
1
خلال عقود الحرب الباردة كانت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي تعتمد كثيراً علي مبدأ احتواء الخطر السوفييتي بمصطلح كوني تحظي فيه الدول الصديقة برعاية دفاعية وأمنية خاصة، وتتحمّل في المقابل سلسلة مسؤوليات تبدأ من أبسط أشكال المساندة
الدعاوية ضد الخطر الشيوعي ولا تنتهي عند القواعد العسكرية وما إليها من خدمات لوجستية قاعدية
وكانت أسباب عميقة موروثة (النفط، أمن الدولة العبرية، تعطيل أي مشروع نهضوي عربي...) تضفي أهمية كبري علي طبيعة هذه الدول الصديقة، وتستدعي نوعية خاصة من الفعل الاجرائي التكتيكي والاستراتيجي.
2 ـ
انتهاء الحرب الباردة أدخل تعديلاً جذرياً علي المصطلح الكوني لمبدأ الإحتواء، بحيث باتت البؤرة الإقليمية هي التصغير (المحسوب بدقة ميدانية عالية) للعالم القديم المنشطر إلي معسكرين وقطبين. ولم تجد دوائر البنتاغون ومجلس الأمن القومي الأمريكي عناء كبيراً في تشخيص بؤرتين كافيتين لاختصار المهمات الأكثر حيوية: بؤرة الخليج العربي مضافاً إليه إيران والقرن الأفريقي، وبؤرة شبه الجزيرة الكورية. وهذه النقلة في الاستراتيجية العامة دشنها جورج بوش الأب وتابعها بيل كلينتون، ثم خضعت لبعض التعديلات الطفيفة التي فرضها انفجار القوميات والإثنيات في دول المعسكر الاشتراكي السابق، قبل أن يذهب بها جورج بوش الابن إلي حدّ أقصي هو إرسال مئات آلاف الجنود الأمريكيين إلي المنطقة، وغزو العراق
.3 ـ
النفط الخليجي لم يفقد أهميته بالطبع، ولكنه خضع لمعطيات ما بعد الحرب الباردة، بل لعلّه بدا أكثر ميادين العلاقات

الدولية خضوعاً لانحسار تلك الحرب. معظم الدول الغربية انتهجت سياسة التخزين الستراتيجي للخام، وسحبت بالتالي ملفات حصص الإنتاج والأسعار من يد الدول المنتجة، ونجحت في تلزيمها إلي سوق بات أكثر انضباطاً علي يد الشركات الكبري العملاقة. الخطوة التالية كانت وضع منظمة الـ أوبك أمام أمر واقع لا يفرغها من مضمونها التنظيمي الذي قامت علي أساسه فحسب، بل يفقدها العديد من هوامشها التفاوضية أو أواليات الضغط التي لجأت إليها من قبل.
4
القضايا المتصلة بأمن واستقرار الخليج تظلّ حيوية بذاتها وبمعني لا يختلف كثيراً عن حسابات زمن القطبين الجبارين، ولكنها بعد الحرب الباردة باتت أكثر عرضة للتأثّر الحادّ بالمستجدات التي تسارعت وتعقدت طبيعتها الجيو ـ سياسية: انشقاق إيران (والعراق طبعاً، قبل احتلاله) عن التوازنات السياسية لطور ما بعد عاصفة الصحراء ، مشكلات صعود التيارات الإسلامية، انسداد كلّ الآفاق أمام تنفيذ اتفاقيات أوسلو، هزّة 11/9 بما أدخلته من تعديلات جذرية علي مفاهيم الامن الداخلي الأمريكي، احتلال أفغانستان والعراق، صعود حماس و حزب الله وإعادة رسم خرائط التحالفات الإقليمية من حول محور إيراني عابر للانحيازات المذهبية التقليدية بين قوس الإسلام الشيعي ودائرته السنّية، خصوصاً بعد أن تعزّز هذا المحور جرّاء غرق واشنطن أكثر فأكثر في المستنقع العراقي.
5 ـ
الخطر المحدق بأمن واستقرار دول الخليج، من النوع الذي ليس من السهل إدارته أو ضبطه عن طريق إيفاد حاملات الطائرات وفيالق التدخل السريع، لا يأتي أولاً من طموحات بسماركية تنتعش في طهران اليوم كما يُقال لنا، بعد أن قيل إنها انتعشت في بغداد أيام صدّام حسين. الخطر، ببساطة، سوف يكون العاقبة الطبيعية للتآكل التدريجي ـ البطيء، ولكن المحسوس للغاية ـ في البني الاقتصادية والسياسية لهذه الدول الصديقة للولايات المتحدة، الحليفة لها في كلّ كبيرة وصغيرة. وكان الخبير النفطي المعروف فاهان زانويان هو صاحب النذير الأبكر في هذا المضمار: إنّ هوس الولايات المتحدة بالتهديدات الخارجية التي يمكن أن تحدق بالأصدقاء أو تحول دون التدفق المستمر للنفط، أعمي بصيرتها عن رؤية انتهاء 20 سنة من إجازة استجمام أعطتها دول الخليج لنفسها بعيداً عن السياسة والاقتصاد .
6 ـ
شروط الاستجمام بعيداً عن الاقتصاد قاد إلي شروط أخري من الاستجمام بعيداً عن السياسة، ولم تشعر النخب الحاكمة (وهي نخب بالمعني الحرفي في نهاية المطاف) بأية حاجة إلي مشاركة السلطة مع أحد، أو تجديد شرعيتها ومصداقيتها، أو تحمّل أي نقاش علني عقلاني حول مسائل اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية. وكما كان التخفيض العشوائي المتسرع للنفقات بمثابة حلّ رديء لوقف نزيف الميزانية وارتفاع العجوزات إلي معدلات قياسية، فإن هيئات شكلية من نوع مجالس الشوري لم تكن الأداة الكافية لاستبدال الحدّ الأدني من التعاقد بين الدولة والمواطن. ولعلّ التوافق بين انطواء صفحة الحرب الباردة وتصميم حرب الخليج الثانية كان وراء الانعتاق المفاجيء للقوي السياسية والاجتماعية التي كانت هامدة أو مستكينة في الصيغ القديمة المرافقة لصعود تلك الدول. المعضلة أنّ تلك الصيغ لم تعد قابلة للتجميد في خانة الصراع مع الشيوعية (عدوّ صديقنا الصدوق، عدو العالم الحرّ، عدو الإسلام...)، أو التصريف في مسارب الرخاء الاقتصادي والنوم علي حرير المستقبل الآمن. وهذه النخب الحاكمة، وبعد أن انقلب عليها وحش الإرهاب ذاته الذي صنعته بأموالها وأجهزتها، صارت مطالبة أكثر من ذي قبل بجَسْر الهوّة بين مطار خرافي الفخامة، وخباء يظلل النظام السياسي ويتصدره شيخ يسوس أقدار الديرة والعشيرة والعيال!وهذه رمال متحركة تسير حثيثاً للإلتقاء بسواها، في منطقة لا يسهل إغماض العين عنها برهة واحدة دون دفع ثمن فادح، ولهذا لا يتردد زانويان في إطلاق التحذير: إما الإصلاحات، وإما الموت! الجديد أنّ أصداء تحذيره هذا لا تتردّد اليوم في الظهران إلا مطعّمة بأصداء أخري، قادمة من دارفور ومأرب وكركوك.
-----------------------------------------------------
بوش يوجه كلمات تحذيرية للمالكي بخصوص ايران
واشنطن (رويترز) - أصر الرئيس الأمريكي جورج بوش يوم الخميس على أن ايران قوة تزعزع الاستقرار في العراق بالرغم من تأكيد طهران لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أنها تساعد في تأمين بلاده.
ووصف بوش ايران بأنها "دولة تثير قلقا بالغا" وينبغي عزلها وحذر خلال مؤتمر صحفي في البيت الابيض قائلا "عندما نضبطكم تؤدون دورا غير بناء (في العراق) سيكون هناك ثمن يُدفع."
جاءت تعليقات بوش بعد أن حصل المالكي الذي يواجه خلافات سياسية متفاقمة في الداخل فضلا عن انتقادات من الولايات المتحدة لعدم تحقيق تقدم في الحد من الانقسامات الطائفية على تعهدات بالتأييد من ايران الشيعية خلال زيارة لطهران.
وهَوَن بوش الذي يجاهد لحشد مساندة الرأي العام الأمريكي لحرب العراق التي لا تحظى بتأييد من شأن التحسن المطرد في العلاقات بين بغداد وطهران وأعرب عن ثقته في اتفاق المالكي معه في الرأي بأن ايران تهدد أمن العراق.
وقال الرئيس الامريكي "اذا كانت الإشارة (من المالكي) هي أن ايران بناءة فسيتعين أن أجري حوارا صريحا مع صديقي رئيس الوزراء لانني لا أعتقد أنها بناءة. ولا أعتقد أيضا أنه في صميم قلبه يرى أنها بناءة."
ورأى أن المالكي صور وهو مبتسم مع مضيفيه الايرانيين ومن بينهم الرئيس المعادي للولايات المتحدة محمود أحمدي نجاد كنوع من اللياقة الدبلوماسية.
وقال بوش رافعا قبضته مثل الملاكم "أنت لا ترغب أن تظهر الصورة كمعركة."
وكانت هذه هي المرة الثانية خلال الاسبوع الجاري التي يدافع فيها بوش عن موقفه الصارم تجاه ايران مستخدما كلمات تحذيرية مع حليف رئيسي في مواجهة خلافات محتملة بشأن دوافع ايران.
ودعا بوش الرئيس الافغاني حامد كرزاي يوم الاثنين خلال زيارة لمنتجع الرئاسة في كامب ديفيد الى عدم الثقة في ايران بعد أن استبعد الزعيم الافغاني اتهامات أمريكية لطهران بتسليح حركة طالبان.
وأصبحت ايران ذات الأغلبية الشيعية مثلها في ذلك مثل العراق لاعبا سياسيا رئيسيا في العراق منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003.
وتنفي طهران اتهامات واشنطن بامداد متشددين بأسلحة لتأجيج العنف الذي تحمل استمرار الوجود الأمريكي في العراق المسؤولية عنه. ودعت بغداد البلدين الى التفاوض وعدم تصفية خلافاتهما بالقتال على أرض العراق.
ونقلت وكالة أنباء الجمهورية الاسلامية الايرانية الرسمية عن برويز داودي النائب الاول للرئيس الايراني قوله للمالكي خلال زيارته ان طهران "بذلت دائما جهدا خاصا للمساعدة في توفير وتعزيز الأمن في العراق.
لكن بوش نفى أن ايران تؤدي دورا إيجابيا في العراق حيث وصلت أعمال العنف بين الأغلبية الشيعية والأقلية السنية في بعض الأحيان الى حافة حرب أهلية.
وساهم ذلك في تزايد مطالبة الديمقراطيين الذين يسيطرون على الكونجرس الأمريكي بجدول زمني لانسحاب أمريكي وهو أمر رفضه بوش.
وقبل أكثر بقليل من شهر على مهلة تنتهي في 15 سبتمبر ايلول لتقديم تقرير هام بخصوص التقدم في العراق دعا بوش المشرعين الى التحرك سريعا بعد عطلتهم في اغسطس اب لاقرار تمويل جديد للحرب.
وقال بوش ان المالكي "يعرف أن الاسلحة التي تهرب الى العراق من ايران وتوضع في أيدي المتطرفين ..وهو أمر لا سيطرة للحكومة عليه ويهدف كله الى ازهاق أرواح بريئة.. هو أحد عناصر زعزعة الاستقرار."
وقال انه طلب من الدبلوماسيين الامريكيين عقد اجتماعات مؤخرا مع مسؤولين ايرانيين في بغداد بهدف "توجيه رسالة مفادها أنه ستكون هناك عواقب" لتهريب الأسلحة الى العراق.
وقال ان رسالته الى الشعب الايراني هي "يمكنك أن تؤدي بشكل أفضل من هذه الحكومة الحالية." واتهمت ايران واشنطن هذا الأسبوع بأنها تسعى للاطاحة بزعمائها من خلال "ثورة هادئة".
وكرر الرئيس الامريكي اتهامات الغرب لايران بأن برنامجها لتخصيب اليورانيوم يهدف الى انتاج أسلحة نووية قائلا "هذا في حد ذاته فضلا عن سياستهم الخارجية المعلنة خطر بالغ على استقرار العالم."
وتصر ايران على أن برنامجها النووي لا يهدف إلا لانتاج الطاقة.
وفرض مجلس الامن الدولي مجموعتين من العقوبات منذ ديسمبر كانون الاول على ايران لامتناعها عن وقف تخصيب اليورانيوم. وتجري مشاورات بخصوص مجموعة ثالثة من العقوبات.
شارك في التغطية جيريمي بيلوفسكي/
من مات سبيتالنيك
واشنطن (رويترز) - أصر الرئيس الأمريكي جورج بوش يوم الخميس على أن ايران قوة تزعزع الاستقرار في العراق بالرغم من تأكيد طهران لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أنها تساعد في تأمين بلاده.
ووصف بوش ايران بأنها "دولة تثير قلقا بالغا" وينبغي عزلها وحذر خلال مؤتمر صحفي في البيت الابيض قائلا "عندما نضبطكم تؤدون دورا غير بناء (في العراق) سيكون هناك ثمن يُدفع."
جاءت تعليقات بوش بعد أن حصل المالكي الذي يواجه خلافات سياسية متفاقمة في الداخل فضلا عن انتقادات من الولايات المتحدة لعدم تحقيق تقدم في الحد من الانقسامات الطائفية على تعهدات بالتأييد من ايران الشيعية خلال زيارة لطهران.
وهَوَن بوش الذي يجاهد لحشد مساندة الرأي العام الأمريكي لحرب العراق التي لا تحظى بتأييد من شأن التحسن المطرد في العلاقات بين بغداد وطهران وأعرب عن ثقته في اتفاق المالكي معه في الرأي بأن ايران تهدد أمن العراق.
وقال الرئيس الامريكي "اذا كانت الإشارة (من المالكي) هي أن ايران بناءة فسيتعين أن أجري حوارا صريحا مع صديقي رئيس الوزراء لانني لا أعتقد أنها بناءة. ولا أعتقد أيضا أنه في صميم قلبه يرى أنها بناءة."
ورأى أن المالكي صور وهو مبتسم مع مضيفيه الايرانيين ومن بينهم الرئيس المعادي للولايات المتحدة محمود أحمدي نجاد كنوع من اللياقة الدبلوماسية.
وقال بوش رافعا قبضته مثل الملاكم "أنت لا ترغب أن تظهر الصورة كمعركة."
وكانت هذه هي المرة الثانية خلال الاسبوع الجاري التي يدافع فيها بوش عن موقفه الصارم تجاه ايران مستخدما كلمات تحذيرية مع حليف رئيسي في مواجهة خلافات محتملة بشأن دوافع ايران.
ودعا بوش الرئيس الافغاني حامد كرزاي يوم الاثنين خلال زيارة لمنتجع الرئاسة في كامب ديفيد الى عدم الثقة في ايران بعد أن استبعد الزعيم الافغاني اتهامات أمريكية لطهران بتسليح حركة طالبان.
وأصبحت ايران ذات الأغلبية الشيعية مثلها في ذلك مثل العراق لاعبا سياسيا رئيسيا في العراق منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003.
وتنفي طهران اتهامات واشنطن بامداد متشددين بأسلحة لتأجيج العنف الذي تحمل استمرار الوجود الأمريكي في العراق المسؤولية عنه. ودعت بغداد البلدين الى التفاوض وعدم تصفية خلافاتهما بالقتال على أرض العراق.
ونقلت وكالة أنباء الجمهورية الاسلامية الايرانية الرسمية عن برويز داودي النائب الاول للرئيس الايراني قوله للمالكي خلال زيارته ان طهران "بذلت دائما جهدا خاصا للمساعدة في توفير وتعزيز الأمن في العراق.
لكن بوش نفى أن ايران تؤدي دورا إيجابيا في العراق حيث وصلت أعمال العنف بين الأغلبية الشيعية والأقلية السنية في بعض الأحيان الى حافة حرب أهلية.
وساهم ذلك في تزايد مطالبة الديمقراطيين الذين يسيطرون على الكونجرس الأمريكي بجدول زمني لانسحاب أمريكي وهو أمر رفضه بوش.
وقبل أكثر بقليل من شهر على مهلة تنتهي في 15 سبتمبر ايلول لتقديم تقرير هام بخصوص التقدم في العراق دعا بوش المشرعين الى التحرك سريعا بعد عطلتهم في اغسطس اب لاقرار تمويل جديد للحرب.
وقال بوش ان المالكي "يعرف أن الاسلحة التي تهرب الى العراق من ايران وتوضع في أيدي المتطرفين ..وهو أمر لا سيطرة للحكومة عليه ويهدف كله الى ازهاق أرواح بريئة.. هو أحد عناصر زعزعة الاستقرار."
وقال انه طلب من الدبلوماسيين الامريكيين عقد اجتماعات مؤخرا مع مسؤولين ايرانيين في بغداد بهدف "توجيه رسالة مفادها أنه ستكون هناك عواقب" لتهريب الأسلحة الى العراق.
وقال ان رسالته الى الشعب الايراني هي "يمكنك أن تؤدي بشكل أفضل من هذه الحكومة الحالية." واتهمت ايران واشنطن هذا الأسبوع بأنها تسعى للاطاحة بزعمائها من خلال "ثورة هادئة".
وكرر الرئيس الامريكي اتهامات الغرب لايران بأن برنامجها لتخصيب اليورانيوم يهدف الى انتاج أسلحة نووية قائلا "هذا في حد ذاته فضلا عن سياستهم الخارجية المعلنة خطر بالغ على استقرار العالم."
وتصر ايران على أن برنامجها النووي لا يهدف إلا لانتاج الطاقة.
وفرض مجلس الامن الدولي مجموعتين من العقوبات منذ ديسمبر كانون الاول على ايران لامتناعها عن وقف تخصيب اليورانيوم. وتجري مشاورات بخصوص مجموعة ثالثة من العقوبات.
شارك في التغطية جيريمي بيلوفسكي/
من مات سبيتالنيك
-------------------------------------------------------
كل الحق على شيراك!
بشير البكر
لا ندري من أين وكيف ولماذا، عثرت عائلة الأسد على رئيس الوزراء السوري الحالي محمد ناجي العطري؟ هذا الرجل الذي يبدي عكس ما هو معروف عن السوريين على العموم، من خفة وحيوية ونشاط وقدرة على تجاوز المحن.كلما استمعت إليه يخيل لي بأني أمام موظف سوفياتي صغير من تاريخ الحقبة الستالينية، خلال مرحلة التجميع الزراعي السوداء التي تحولت فيها البيروقراطية إلى طبقة اجتماعية. يعوزه الخيال أكثر من الجرأة،وتوحي النظرة الأولى إليه بأن مظهرة العام يطابق هيئة خبير بلجيكي في التحري،على غرار تلك الشخصيات الفريدة التي صنعتها ريشة آغاتا كريستي،لكن الرجل الماثل أمامنا لا يصلح لا للنكتة، ولا حتى لتركيب المقالب. إنه عبارة عن شخصية محنطة في جميع المقاييس ،ومثلما تستحق سوريا رئيسا من طراز يختلف عن بشار الأسد،فهي تحتاج لرئيس حكومة يقف ليس فقط في
مواجهة حاضرها الأسود،وانما يعكس أيضا صورة ماضيها المشرق.يعرف الحكم السوري أن العطري كالعطار الذي لا يصلح ما أفسده الدهر،وهو بالتالي لا قدم له لا في الحاضر،ولا في الماضي .عدا عن أنه ليس من النوع الذي يصلح للعرض في صورة دائمة، لذا لا يظهر إلا مرة في كل عدة أشهر، ليرمي قنبلة دخانية كبيرة، ويختفي من المشهد.
حين وصل الاختناق الحراري في الأيام الأخيرة درجة قصوى،سمح النظام للعطري بالكلام،فأدلى بتصريح مجلجل ومفحم وصلت أصداؤه إلى آخر أصقاع الأرض،وفحواه أن "أزمة الكهرباء في سوريا سياسية"،وأن المسؤول عنها هو الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ،الذي ضغط على شركة فرنسية لكي لا تنفذ محطات جديدة لإنتاج الطاقة في سوريا.وقال العطري في تصريحات تناقلتها وكالات الأنباء،انه بين "غنج" شركة سيمنس الألمانية،و"مقاطعة" شركتي جنرال الكتريك الأميركية وميتسوبيشي اليابانية، و"خضوع" مجموعة الستون الفرنسية لضغوط الرئيس شيراك،تعقد واقع الإنتاج الكهربائي السوري هذا الصيف. ياللعجب! هل من المعقول أن يصدر
هذا الكلام عن مهندس؟من المؤكد أن شيراك خرج من الاليزيه وفي نفسه غصة كبيرة، لأن نظيره السوري بشار الأسد ما يزال يجلس في قصر المهاجرين،ليس بدافع الغيرة،بل ندما على الخدمات الكبيرة التي أسداها إليه. تشبه العلاقة بين الرجلين قصص الغرام الشرقية التي تبدأ بالحب الجارف من أول نظرة،وتكون خاتمتها الكره الشديد. انتهى شيراك إلى رفض تام لأي علاقة مع الأسد الابن،وحسب بعض مستشاريه فإنه كان ينظر إليه بازدراء شديد،ويعتبره متهورا ويفتقر إلى النضج.والسبب الرئيسي في ذلك يعرفه الجميع وهو، تداعيات الموقف في لبنان،ولاسيما اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري،الذي ربطته بشيراك علاقة صداقة حميمة.والحق يقال، فإن شيراك ساهم أكثر من غيره في تقديم بشار على المسرح السياسي الدولي،ومثله فعل الحريري.لقد راهن الرجلان في البداية على بشار،ودعماه بكل قوة ليصل إلى الرئاسة،وبعد أن استقبل شيراك بشار بطلب من الحريري، على درج الاليزيه قبل رحيل والده،فقد ذهب شخصيا إلى دمشق ليس فقط للعزاء بموت الديكتاتور السابق،بل لتنصيب الديكتاتور الجديد.ولمن لا يعرف فإنه لولا الدور الذي لعبه الذين كانوا محسوبين على الحريري من داخل الحكم السوري،لما تيسر موضوع وراثة بشار بالسلاسة التي حصل فيها،ولا سيما موضوع تعديل الدستور.وربما يكون سبب عقوق بشار تجاه خدمات شيراك نابعا من نزعته المضمرة في قتل الأب،الأمر الذي لم يتمكن منه فعليا في ظل والده الحقيقي، الذي كان من صنف الطغاة التاريخيين.
بقيت علاقة شيراك ببشار تسير على نحو حسن حتى بدايات سنة 2004،ومن ثم أخذت تسوء على خلفية عقد الغاز الذي حجبته سوريا عن شركة "توتال" الفرنسية، وفضلت منحه لشركة أميركية، بعد أيام قليلة من إصدار الكونغرس الأميركي قرار "قانون معاقبة سوريا،وتحرير لبنان" ،ولن أعود إلى سرد ما حصل على هذا الصعيد، لأن الأمر تناوله كثيرون وصار معروفا للقاصي والداني،بما في ذلك التفاصيل الخاصة بصدور القرار 1559 في أيلول/سبتمبر سنة 2004،والذي يعتبر الشرارة التي أشعلت السهل،وسببت كل التطورات الدراماتيكية التي حصلت في لبنان منذ ذلك الحين،ومنها اغتيال الحريري،وكوكبة من قادة الرأي والعمل الإعلامي والسياسي،ومنهم في الخصوص سمير قصير ،جبران تويني ،جورج حاوي .
وفي سياق العلاقة بين الطرفين، يتوجب التوقف عند ثلاث نقاط في غاية الأهمية، تتعلق بموقف فرنسا الرسمي حيال سوريا منذ صدور القرار المذكور، وحتى رحيل شيراك عن الاليزيه : أولا،التزم شيراك الرؤية التي اعتمدتها حتى اليوم "حركة 14 آذار" من النظام السوري،أي الضغط على النظام فقط في ما يتعلق بالشأن اللبناني،وعدم أخذ رجع الصدى السوري الداخلي في عين الاعتبار.ثانيا، بقيت الاتفاقات الموقعة بين البلدين سارية المفعول،بما في ذلك عمل بعثات الإصلاح الإداري والاقتصادي والتعليمي، التي أوفدتها فرنسا لمساعدة سوريا ،كما استمرت الشركات الفرنسية تعمل في سوريا، ولم يعلن حتى اليوم عن إلغاء أي عقد أو اتفاق لأسباب سياسية،وحتى غير سياسية،ولو حصل شيء من هذا القبيل، لأعلن عنه النظام السوري في حينه، لأنه كان سيوظفه لصالحه.ثالثا،أوقفت باريس اتصالاتها بدمشق على المستويات السياسية العليا بعد اغتيال الحريري ،ولم تحدث أدنى تغيير في علاقاتها الديبلوماسية ،حتى أن واشنطن تجاوزتها في ذلك حين سحبت السفيرة الأميركية من دمشق احتجاجا على اغتيال الحريري،في حين بقي السفير الفرنسي في دمشق،والسفيرة السورية في باريس،كما استمرت زيارات الكثير من المسؤولين السوريين إلى فرنسا،وخصوصا من المستويات الأمنية.
لست في صدد الدفاع عن شيراك،فقد يكون الرجل ألحق أذى بالحكم الحالي، لكن أن تلصق به مسؤولية العجز في إنتاج الكهرباء في سوريا،فذلك أمر في منتهى الغرابة.ولا أعتقد أن هذه التصريحات تنطلي على الشارع السوري،الذي يعرف طول باع النظام في ميدان الشطارة السياسية،وتلفيق التهم.إن الأمر بحاجة إلى مقاربة مختلفة.فهل يعقل أن يعجز بلد "الممانعة"،و صاحب مشروع "التوازن الاستراتيجي" مع العدو الصهيوني عن حل مشكلة من هذا النوع.؟
إن الوقائع تكذب التصريحات ،فبعد أن كانت سوريا تصدر الكهرباء إلى لبنان،وقامت بمفاوضات منذ عدة أشهر لتزويد بعض مناطق العراق بالتيار الكهربائي،ها هي تعيش اليوم عجزا كبيرا،لا يمكن تلافيه قبل نهاية 2008.هناك أسئلة كثيرة يمكن طرحها،كيف وصل الموقف إلى هنا بهذه السرعة،ومن هو المسؤول عن التلاعب بالبلد على هذا النحو،وهل يمتلك النظام مشروعية حكم السوريين،في حين انه يقودهم من مأساة إلى أخرى تحت أعذار ملفقة.؟. في ظل غياب الشفافية، لا يحتمل الأمر أكثر من تفسيرين:الأول،هو أن تكون هناك عملية فساد كبيرة تحيط بقضية الكهرباء.والثاني،هو أن يكون النظام لعب هذه الورقة لاغراق السوريين أكثر فأكثر في مشاكلهم الحياتية،ومنعهم من التفكير أبعد من ذلك،بعد أن اشتم رائحة خطر كبير من المقاطعة الشعبية الشاملة للانتخابات البلدية والرئاسية، التي جرت قبل ثلاثة أشهر.
--------------------------------------
كأس بلا وطن
الياس الخوري

لم يكتب المتنبي عن عراق اليوم، حين كتب نونيته الشهيرة. غير ان للشعر حيله وللزمن فخاخه، حيلة الشعر اختراق الزمن، وفخ الزمن الايحاء بعود ابدي. وحين تلتقي الحيلة بالفخ، لا اجد ما يسعفني سوى العودة الى ابيات شعرية كُتبت في الماضي البعيد وجعلت الحكمة موسيقى للروح.
حين كتب المتنبي نونيته كان يرسل رداً الى المحيطين بسيف الدولة الذين اشاعوا نبأ موته، واحتفلوا باختفائه. لكنه جعل من اللحظة الآنية مناسبة كي يتأمل في الحياة والمصائر:
:
بمَ التعللُ لا اهلٌ ولا سكنُ/ ولا نديمٌ ولا كاسٌ ولا وطنُ
أريدُ من زمني ذا ان يبلّغني/ ما ليس يبلغهُ من نفسه الزمنُ
ما اشبه غربة الأمس بغربة اليوم. ابن سقّاء البصرة المهاجر الذي اتخذ من الكلمات وطنا، يجد نفسه امام كآبة الغربة. لا يعالج وحدته بالكأس، لأن الكأس بلا نديم ولا وطن يصير غربة ثانية، بل يبحث عن زمن لا يبلغه الزمن، اي عن ابدية لا نجدها سوى في الكلمات.
غريب امرنا مع هذا الشاعر الذي كان اول من تنبأ شعراً، نستحضره حين نخلع عنا اسئلة الراهن، ونكتشف هاوية اللامعنى التي تحوّل بلادنا ملاعب للموت واليأس والغربة.
لكني في الأمس حين فاز المنتخب العراقي بكأس آسيا لكرة القدم، تذكرت هذين البيتين، وقلت ان العراقيين نجحوا في استبدال الوطن والسكن بالكأس، وهم في هذا افضل حالا منا نحن اللبنانيين الذين نضيّع وطننا ولا نستبدله رمزياً بأيّ شيء آخر. هنا، لا بد من استدراك صغير، فنحن سبق ان ربحنا كأس آسيا في كرة السلة، لكن هذا لم يغيّر في الأمر شيئا، ربما لأن كرة القدم هي اللعبة الشعبية الأولى في العالم.
كانت كأس آسيا عربية بامتياز، وكانت المباراة النهائية بين العراق والسعودية، لكني لا اخفي ان قلبي كان يخفق مع العراقيين. كان لا بد من تعويض معنوي عن الكارثة العراقية، وهذا ما فعله المنتخب وهو يجول في الملعب كأنه يركض خلف الحلم. وعندما اتت صفرة النهاية شعرت ان دجلة والفرات صارا مثل شريانين في قلبي، ونسيت للحظة اين انا، وماذا يعني ان تعيش على حافة البركان البيروتي، واحسست بالنبض الشعبي الذي يتجاوز كل الحدود، جاعلا من كأس آسيا علامة على أن الجثث التي نراها كل يوم قد لا تكون جثة العراق.
ليست كرة القدم سوى وهم، لكننا كنا نتحسر على غياب وهمها عن العالم العربي. جاء الوهم اليوم ولكن بعد ضمور الحقيقة التي ابى السيد نوري المالكي الا ان يذكّرنا ببؤسها، حين رفض رئيس وزراء العراق ارسال طائرة خاصة من اجل اعادة الفريق الى بلاده.
يونس محمود، كابتن المنتخب العراقي وهدّاف آسيا، قال في عمان انه لن يعود الى بغداد المكبلة بالاحتلال واعوانه، وقال ان بغداد تعيش في ظل شريعة الغاب وقتل الابرياء. هكذا بدأت الفرحة تتلاشى. الحكومة العراقية التي لا تعلم ايّ بلد تريد ان تحكم في ظل الاحتلال والفوضى، ذكّرت الجميع بواقعية الواقع ووحشيته، ومنعت العراقيين من لحظة فرح صغيرة، واعادتنا الى اليأس من اوطان يقودها هذا الصنف من الحكام الذين لا همّ لهم سوى رعاية الوحش الطائفي.
قلت فشلت في العراق فلماذا لا تزبط في لبنان، ولم اكن اعني كرة القدم، نظرا الى بعد منتخبنا عن المستوى المطلوب. قلت لماذا لا تكون المباراة على شكل انتخابات فرعية. فالمقعدان اللذان شغرا باغتيال النائبين الشهيدين بيار الجميل ووليد عيدو يجب ان لا يبقيا فارغين، ويجب ان تكون الانتخابات ردا على الاغتيال، ولا شعار لها سوى رفض العنف الاجرامي الذي افقد لبنان خيرة ابنائه.
غير ان الجنرال عون يملك تصورا آخر، فهو يريد الانتخابات استفتاء على صلاحيات الجنرال لحود، وهذا من حقّه. من حق عون وشباب "التيار" الدفاع عن جنرال بعبدا، لأن "الطيور على اشكالها تقع"، مثلما يقول المثل، لكن ليس من حق احد تحويل الانتخاب الفرعي الى ما يشبه الحرب الأهلية الانتخابية، عبر النزول الى ما "تحت الزنّار". المعركة ليست حول الاحباط المسيحي، بل حول الاحباط اللبناني وضرورة الخروج منه، ومنع القتلة من تحقيق اهدافهم. لذا تبدو لغة المعركة الانتخابية خارج السياق: استحضار ماضي الحرب الأهلية، او التلويح بالخوف، او التشبيح الطائفي، كلها خارج السياق، وتقدم دليلا على انهيار الطبقة السياسية وعجزها عن فهم دلالات ان يكون ثمن الاستقلال هذا الدم الذي غطّى لبنان.
الصراع ليس على كأس، بل على وطن، والانتخاب يجب ان يكون رداً سلميا على لا جدوى العنف الذي يمارسه قتلة رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو.
لا اجد سوى الغضب ملجأ من هذه اللغة السياسية التافهة. لماذا الوساطات ولماذا اللفلفة؟ يجب ان تكون انتخابات، ويجب ان نثق بأن الشعب اللبناني لن يتخلى عن شهدائه.
ضعوا الخلافات العائلية والتقليدية جانبا، وانظروا الى الموضوع كما هو قبل ان نجد انفسنا بلا وطن ولا كأس.
الياس خوري
النهار الثقافي
-------------------------------------------------------
ممالك الجمهورية
سليم الحص
كنا في حقبة ما قبل اتفاق الطائف نقول إن رئيس الجمهورية اللبنانية ملك على جمهورية، وذلك بالنظر إلى السلطات والصلاحيات الواسعة جداً التي كان يتمتع بها بموجب الدستور من دون أن يكون مسؤولاً إلاّ في حالتين: الخيانة العظمى وخرق الدستور. فهو كاد يكون الحاكم المطلق، ولكن على الورق.
أما في الحقيقة فإن رئيس الجمهورية، مع استئثاره بكل تلك السلطات والصلاحيات كاد ألا يستطيع ممارسة أي منها إلا بمشاركة رئيس الوزراء والوزراء الذين يشاركونه في توقيع المراسيم.
فما من مرسوم يصدر عرفاً، ولو ضمن صلاحيات رئيس البلاد، إلا إذا اقترن بتوقيع من رئيس الوزراء والوزير المختص. هذا اللهم في حالة واحدة لم تكن للرئيس فيها سلطة مطلقة، هي تسمية رئيس الوزراء عند تأليف حكومة جديدة بعد استشارات نيابية يجريها، والمفروض أن تكون التسمية نتاجاً للمشاورات.
هكذا كان رئيس الجمهورية قبل الطائف ملكاً على جمهورية، بحسب الدستور، ولكنه كان أول بين متساوين، إلى جانب رئيس الوزراء والوزير المختص، في واقع الحال. لم يكن الحاكم الأوحد بل كان له شركاء، تتوقف فاعليتهم على أشخاصهم وعلى قوة إرادتهم وإيمانهم بالمشاركة في الحكم.
أما بعد الطائف فلم يعد ثمة ملك على الجمهورية، ولا حتى في النص الدستوري. فصلاحيات رئيس البلاد تقلصت حتى الذوبان. ويلاحظ أن الصلاحيات المحسوبة للرئيس بات له شريك صريح فيها، إذ ينص الدستور على اتخاذ رئيس الجمهورية قراراته إما بالاتفاق مع رئيس الوزراء وإما بموافقة مجلس الوزراء. ولكن نفوذه يبقى عريضاً باعتباره رئيس البلاد المؤتمن على الدستور وباعتبار أن من حقه ترؤس جلسات مجلس الوزراء. وهو الدائم طيلة عهده فيما الوزراء ورئيسهم عرضة للتبدل في أي لحظة.
ولكن لبنان يبقى جمهورية ذات ممالك. ملوك لبنان هم أمراء الطوائف. إننا نردد القول إن اللبنانيين، منذ بزوغ فجر الاستقلال، لم يتصرّفوا تصرف الشعب الواحد، بل تصرف القبائل، وقبائل العصر تسمى طوائف. كل طائفة لها أميرها أو ملكها. وفي حالات معينة تكون للمملكة الطائفية حدودها الجغرافية، بالنظر إلى غلبة لون مذهبي أو طائفي معين على مناطق معينة.
هكذا إلى حد بعيد الجنوب، وإلى حد ما الجبل، وإلى حد، ولو أقل، البقاع. فالجنوب مملكة إسلامية شيعية مع أن عاصمتها يطغى عليها السنّة. وفي الجبل مملكة مارونية ومملكة درزية. وفي البقاع غالبية شيعية مع وجود كثرة سنية ومسيحية. أما بيروت فيُرجّح فيها العنصر المسلم السنّي. وفي الشمال تعايش بين ممالك مسيحية وإسلامية سنّية. فعكار والمنية والضنية وإلى حد ملحوظ طرابلس ممالك سنّية. أما زغرتا وبشري، وملحقاتهما في البترون والكورة، فممالك يغلب عليها اللون المسيحي الماروني والأرثوذكسي.
المملكة يتربع على عرشها ملك. وفي كل من ممالك لبنان ملك، وفي بعضها ملك ينافسه. ونظام لبنان المسمى زوراً ديموقراطياً محكوم في واقع الحال من ملوك الطوائف. صحيح أن مجلس النواب يتشكل من 128 نائباً، وأن مجلس الوزراء يتألف أحياناً كثيرة من 30 وزيراً. ولكن أصحاب الصول والطول، أصحاب القرار، بين هؤلاء لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة أو ربما اليدين. فأكثر اللبنانيين لا يعرفون من النواب أو الوزراء أسماءهم سوى هذا العدد والبقية من الملحقين الأتباع.
إنهم يصلون إلى المقاعد النيابية أو الوزارية عبر ما يسمى الجرّافة أو المحدلة الانتخابية، أي القائمة الانتخابية التي يشكلها أمير القبيلة أو الطائفة في منطقته. هكذا يبدو أن حق الانتخاب يعود للمواطن، ولكن الذي يمارسه فعلياً هو ملك طائفته أو قبيلته أو عشيرته. من هنا فإن أخبار السياسة التي تحفل بها الصحف اليومية إنما تتمحور على بضعة زعماء لا يتجاوز عددهم الخمسة إلى العشرة. ويسمى نظام لبـــــنان ديموقراطياً !!!
والأمير أو الملك أو الزعيم هو في معظم الأحيان الأكثر ثراءً أو هو الذي يحسن استدرار المال من مصادره داخلياً أو خارجياً. والمال السياسي مصطلح لبناني صرف، والمقصود المال المستخدم في خدمة أغراض سياسية. والمال السياسي هو الإسم الملطف للرشوة. ومع أن الرشوة تهمة لا يرتضيها لبناني لنفسه، فإن المال السياسي أداة مُقرّة، لا بل مشروعة، في العمل السياسي في لبنان.
فالذي يتقبل الرشوة على معاملة يُعيّر بها في المجتمع. لذا تُصرف الرشوة تحت الطاولة. ولكن المستفيد من المال السياسي يبقى محترماً، يمارس السياسة من أبوابها الواسعة لا يخفي استزلامه لأصحاب الثروات وانتماءه إليهم والسير في ركابهم ولو على الباطل.
نحن لا نرى فارقاً بين الرشوة والمال السياسي. ويضيع الفارق على نحو صارخ، خصوصاً في الانتخابات النيابية والرئاسية. إذ يغدو للصوت ثمن، وكأنما الصوت مجرد سلعة تُشرى وتُباع. ونسمي ذلك ديموقراطية، وتتحدث الإدارة الأميركية عن حكومة لبنان المنتخبة ديموقراطياً تعبيراً عن رضاها عن تركيبتها وأدائها. هذا مع العلم أن الحكومة في نظامنا لا تُنتخب انتخاباً، والانتخابات في أي حال ما كانت يوماً في لبنان ديموقراطية بالمعنى الصحيح للكلمة، بل بمعنى التماهي والمصلحة الأميركية الإسرائيلية الآنية.
لبنان لا يعود جمهورية ممالك يوم يصبح جمهورية ديموقراطية حقيقية. فمتى سيكون ذلك؟ سيكون ذلك يوم يسير لبنان على طريق تجاوز الحالة الفئوية، الطائفية والمذهبية، ويوم يصدر قانون للانتخابات النيابية يؤمن التمثيل الشعبي الصحيح، ويضع ضوابط لفعل المال السياسي الفاسد والمفسد بتحديد سقف للإنفاق الانتخابي يخضع احترامه للرقابة تحت طائلة إبطال نيابة من يفوز بتجاوز السقف.
وكذلك يفترض بالقانون أن ينظم الإعلام والإعلان الانتخابيين، فقطاع الإعلام والإعلان يقع عملياً إلى حد ملحوظ في قبضة المتمولين، أي المال السياسي. فالمرشح الذي يمتلك وسيلة إعلامية يستطيع أن يقتحم غرفة كل ناخب من دون استئذان، أما المرشح الذي لا يمتلك مثل هذه الوسيلة فقد تعبر الانتخابات من دون أن يسمع الناخب باسمه.
إننا نرى في قانون الانتخاب مفتاحاً للإصلاح السياسي، ونرى في الإصلاح السياسي مدخلاً طبيعياً للإصلاح الشامل، أي الإصلاح الإداري والاقتصادي والمالي والتربوي وما إلى ذلك. ولكن الإصلاح بهذا المعنى يبدو أسير مأزق في بلادنا. فقرار الإصلاح، بما فيه قانون الانتخاب، هو في يد الطبقة السياسية، التي تنبثق منها الطبقة الحاكمة. والإصلاح يتطلب وجود صالحين مصلحين. فأين هم الصالحون المصلحون بين ساسة لبنان؟ وأي إصلاح حقيقي، بدءاً بقانون انتخاب عادل وفاعل سيكون من شأنه القضاء على الطبقة السياسية الفاسدة. والسؤال الكبير هو: لماذا يتخذ قرار الإصلاح من ليس له مصلحة فيه؟ لا بل من سيقضي قرار الإصلاح على وجوده؟
لا فكاك من هذا المأزق إلا بالتعبئة، بتنمية رأي عام ضاغط في اتجاه الإصلاح، فيفرض الإصلاح على الطبقة السياسية فرضاً ولو لم يكن من مصلحتها. والتعبئة المنشودة تستوجب تطوير نظام تربوي صالح كما تقتضي تنزيه وسائل الإعلام من أدران التبعية السياسية.
*نقلاً عن صحيفة "السفير" اللبنانية
---------------------------------------------------------
