التقنين على الطريقة السورية من الحريات العامة... إلى الكهرباء: مروان سليم حمزة
2007/08/03
عسى أن لا يصل التقنين ، إلى الهواء .. والتنفس .. والإنجاب .. وأمور كثيرة ، لا نحبذ ذكرها !!
فالتقنين ياسادة ، دخل الحياة السورية منذ الأزل.. ومن باب التندر، أضحى التقنين لدينا أمرا تاريخياً ؟؟ فوق مايضاف إلى كل شيء تاريخي في بلادنا ؟؟
فالقرارات , والخطابات , والمؤتمرات ، والوقائع , والأحداث , التي تقع في سوريا ياللروعة !! كلها تاريخية ؟
بالمرور السريع على الحياة السياسية ، والتقنين الذي وصل إلى حد القطع التام الذي أصاب حرية الكلمة ، والمتعلق بأي نشاط لقوى المعارضة السياسية والوطنية في سوريا ، من إغلاق كل المنتديات ، ومنع بالقوة ، لكل أشكال الاعتصامات السلمية ، ومنع السهرات واللقاءات ، وحتى الأحاديث الجانبية ، والنشر ، وإقفال كل مواقع الانترنيت وليس تقنينها فقط ، حيث لم يبق مسموحا لمتصفح الانترنيت ، إلا مواقع صحف البعث والثورة وتشرين ، ومواقع الوزارات إن استطعت فتحها ؟؟
كل هذا ، للأسف أضحى أمراً واقعاً في سوريا ، ولامجال للخوض مطولاً في الأسباب ، والدواعي ، التي أدت لذلك . وقد اعتدنا عليها من واقع " لاحول ولا قوة إلا بالله " . حتى وصل الأمر إلى مشكلة المشاكل " الكهرباء " وما فيها من تداعيات ، على كل الصعد , الاقتصادية , والاجتماعية , والثقافية , وكل مايتعلق بالحياة العامة من تغيير لعادات النوم ، والعمل والطعام والسيران ، وتعديل في مواعيد الصلاة والعزاء !! ، حتى اضطرت المواطن السوري إلى الصراخ عاليا ليصل صوته " قبة الله " حتى بات أمر التذمر والشكوى لغير الله مذلة ....
إن واقع الكهرباء ، ومشكلته هي قديمة ، وقد تعود إلى الثمانينات من القرن الماضي ، حين كان الوضع يومها ، أشبه بما نحن فيه الآن , لكن السؤال الحاضر حالياً : هل من المعقول أن يحصل ذلك في سوريا بلد ( التطوير والتحديث ) ، بلد الشعارات الكبيرة التي التهمت كل شيء , ( بلد الانتخابات الشفافة والنزيهة ) ؟؟( ودولة المواجهة الأولى مع العدو الصهيوني ) ؟؟
على كلّ ...
إن الجاهل بالأمر، يدرك ، بأن الشبكات والمحطات والمولدات ، التي كانت قبل /20/ عاما أصبحت الآن عاجزة ، أمام متطلبات العصر . من توسع عمراني ، أخذ يتضاعف بشكل طردي بدون الأخذ طبعاً ، بالتمدد العشوائي وفوضى البناء المخالف ، الذي طاول اغلب المناطق في سوريا . وكل ذلك ، تم ، ويتم تحت نظر ، وإشراف ، ومتابعة ، المسؤولين من كافة المستويات في اغلب بلديات القطر ؟؟ وضواحي دمشق من كل الاتجاهات ( جرمانا ، والمخيمات ، وركن الدين ) خير دليل على ذلك !!!.
كل الذي يحصل ، ألا يستدع ، ولو قليلاً من الاهتمام ، بأن كل الفوضى التي قامت ، تبعها فوضى في مجال استهلاك الكهرباء والمياه والطرقات ، وكل الخدمات الضرورية لذلك .. وان الشبكات الحالية التي أصبحت خردة ، يلزمها ولو قليلاً، من الصيانة والإصلاح والتحديث . حتى وصلنا إلى ما نحن فيه الآن _ من عجز للحكومة _ واضح للعيان ، حيث ذهبت مهلة السيد رئيس مجلس الوزراء الـ /15/ يوما ، أدراج الرياح ، وطرحت كلمته الأرض ؟؟ من قبل من ؟؟؟ لا ندري !!.
- هل هي البيروقراطية المتعفنة ، التي أكلت الأخضر واليابس ، في دوائر الدولة ؟؟؟ والتي لم تعد تعني لها مهلة السيد رئيس مجلس الوزراء شيئاً ؟؟
- أم هي الظروف الجوية الغير متوقعة ، والتي نسينا أن نحسب لها حساب للآسف ( لضيق الوقت ) ، وان ارتفاع درجات الحرارة ، هي التي لم تمكن طواقم الصيانة ، من متابعة العمل لإصلاح وتطوير المحطات ؟؟
- أو إن السبب ، هو مكيفات سيادة وزير الكهرباء ، ومدراؤوه العامون ، التي أنستهم ، مايحدث خارج مكاتبهم من واقع (جحيم جهنم ) الذي يتخبط فيه أبناء سوريا !!!. حتى أصبحنا ( ياحرام ) مثار شفقة لأهل ( أفغانستان والعراق والصومال ) .
- هل تتحمل الحكومة وأجهزتها ، الخسائر المادية ، التي أصابت الصناعة والصناعيون ، والتجارة والتجار ؟؟ وماهو حال وزارة الصناعة والتجارة من جراء ذلك ؟؟ وقد لفت نظري حديث للسيد الدردري ، في عدد الثورة 13247 تاريخ 28 شباط 2007 حين قال فيه : ( لا نقبل أن نفشل في قطاع الصناعة ) .. وما رأيه في ذلك الآن ؟؟ .
لقد أصبحت الآن ، من الذين يؤمنون بأن ( سوريا فعلاً الله حاميها ) وبان الأمور تسير بقدرة قادر ؟؟
والذي جعلني اقتنع أكثر بأن الله حلال لكل المشاكل في سوريا ، هو تأجيله لهذه الأزمة من شهري - نيسان وأيار – موعد انتخابات مجلس الشعب ، والاستفتاء والاحتفالات التي رافقت إعادة انتخاب السيد رئيس الجمهورية ، إلى الآن ؟؟... إلا حكمة للذين يتوهمون ؟!!!
نعود للسؤال من جديد :
هل الحكومة عاجزة عن معالجة الأمر إلى هذا الحد ؟؟
إذا كانت المشكلة تحتاج إلى أموال طائلة ، فنحيل ذلك لأجهزة الرقابة في الحكومة .. وللعلم إن وزارة الكهرباء ، هي شركة استثمار رابحة ، وقد تكون من أغنى الوزارات في الحكومة !!! وإذا لم تستطع تجديد وتحديث أعمالها فتلك هي الكارثة .. ويكون السبب في ذلك ، تحصيل حاصل ، لسياسة الفساد ، والنهب المستمر ، التي طالت كل مؤسسات القطاع العام ، حتى بات المرء يتصور إن الوزارة مهددة بالإفلاس ، وإنها قد تعرض للبيع بالمزاد العلني للقطاع الخاص , أو إنها سياسة جديدة ، ليصل الأمر إلى رفع الدعم الحكومي عنها ، وليتحمل بعد كل ذلك ( المواطن الذي لايستطيع أن يتأخر دورة واحدة عن دفع مايترتب عليه من فواتير مستحقة ) مسؤولية فشل وزارة الكهرباء في معالجة عجزها !! .
فالسرقات . وإهدار المال العام ، لم تستثن أي وزارة من وزارات الحكومة العتيدة ، وكل يوم تطالعنا الصحف الرسمية بأخبار جديدة عن واقع النهب ، والنزف المستمر لأموال الوطن على حساب مواطنيه الغلابة ..
فقد طالعتنا جريدة الثورة الرسمية ، في عددها / 13375 / الصادر في 30 تموز 2007 _ تحت عنوان : " 4 مليارات الفساد المكتشف عام 2006 وما خفي أكبر " حيث قالت وزارة المالية " إنها أصدرت العام الماضي 2006 قرارات حجز للأموال المنقولة ، وغير المنقولة ، بحق أشخاص وشركات ، لقضايا مختلفة ، تجاوزت قيمتها 4 مليارات ليرة سورية ، وهناك قرارات تصدر بشكل يومي ، يصل حدها الأدنى إلى 2 مليون ليرة سورية ، وما فوق " .
إن هذا الخبر ، الذي ورد بشكل قطعي ، لا لبس فيه بأن الفساد ، أصبح مشكلة خطيرة ، حتى غدا كالسوس ينخر في جسم الوطن بكامله ، وبدون تمييز بين كل الوزارات ، حتى بات أمر العلاج صعب للغاية ، وقد يكون مستحيلاً ، كالسرطان ، وان أي عملية ، إذا لم يتوفر لها المقدار الكافي من النجاح ، تكون فاشلة ، وينتشر بذلك المرض في كل الاتجاهات !!؟؟ وهذا ماهو حاصل اليوم !!؟؟ حتى باتت الحكومة مشلولة ، أشبه بحكومة تصريف أعمال للآسف ؟؟ وكل ذلك يحصل ، تحت نظر السلطة التشريعية الموقرة ، التي لاحول لها ولاقوة ، غير التثاؤب ، والململة ، من الجلسات الطويلة في ( مجلس الشعب ) دون فائدة ترجى منهم . اقلها وهذا " أضعف الإيمان " حجب الثقة عن الوزير المسؤول عن الأزمة ؟؟ أو مسائلة الحكومة من باب التساؤل فقط ؟؟ .
بعد كل هذا ، ألا يلزم الأمر ، وزير الكهرباء أن يقدم استقالته ، وإعفائه من مهامه ، عملا بالتقاليد الجارية في حكومات الدول المتقدمة ، والتي نحن بالضرورة منها , أو إن الأمر أكبر من ذلك بكثير , لتقدم كل الحكومة استقالتها , لأسباب هي تعرفها أكثر من غيرها , وقد يكون هذا للوطن " أفضل علاج ".. لتصبح في سوريا الحكومة وكل وزرائها " حكومة عمل " يحاسب كل من فيها ، على نجاحه أو فشله , وليصبح بذلك المنصب الوزاري ، أو أي منصب أخر في الدولة " منصب تكليف وليس تشريف " أو ولاءات حزبية ، أو عائلية ، أو طائفية ، أو مكافأة نضالية قديمة ، سددت فاتورتها بمنصب وزير شكلي ، أو عضو لمجلس الشعب كمتقاعد وظيفي ، أكل الدهر عليه وشرب ؟؟
هل ننتظر في الأيام القادمة ، تشكيل حكومة بوجوه جديدة ، تنوي العمل ( من قلبها ) لصالح الوطن والمواطن , يراعى فيها أسلوب وتقنية " الرجل المناسب في المكان المناسب " ..
السويداء في 2/8/2007
marwanhamza@maktoob.com
--------------------------------------------------------------
دعوة رياض الترك الى الديموقراطية واحترام
سيادة لبنان في أربعة مواقف لبنانية
في 22 كانون الاول ،2002 نشر "الملحق" مقابلة مع رياض الترك اجراها الزميل محمد علي الأتاسي. في هذه المقابلة حدد المناضل السوري الخارج من سجنه الثاني واقع المرحلة، داعياً الى الحرية والديموقراطية وفتح ابواب السجون. وقال كلاماً واضحاً وجريئاً وغير مسبوق حول العلاقات اللبنانية - السورية، داعياً الى احترام سيادة لبنان واستقلاله، وتأمين عودة الديموقراطية اليه. فتح رياض الترك باب الحوار من مكانه الصحيح. انه حوار بين الديموقراطيين في لبنان وسوريا، لفتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين والشعبين تقوم على احترام السيادة والاستقلال لكليهما، وعلى العمل من اجل الديموقراطية والحرية. طلب "الملحق" من حبيب صادق وسمير فرنجية وكريم مروة وفريد الخازن، التعليق على المقابلة على أمل ان تكون هذه المواقف الأربعة الصفحات الأولى في كتاب الحوار الذي طال انتظاره.
"الملحق"
---------------------------------------------------------------------------
الخيار الديموقراطي الواحد في مواجهة التسـلط الـمزدوج
حـبـيـب صـادق
يطالعك، في العدد الصادر بتاريخ 22/12/2002 من "ملحق النهار"، حوار، بالغ الغنى، عميق الدلالة وشمولي الرؤية، أجراه الإعلامي الخبير، صاحب الموقف، محمد علي الأتاسي مع القائد السياسي الرمز رياض الترك عقب خروجه من سجنه الثاني في وطنه سوريا.
كثيرة هي المواقف والأفكار والآراء التي تستوقفك، بتجلة وإكبار، في ثنايا هذا الحوار - الوثيقة وتستحثك على مقاربتها والتعليق عليها. إنما لا يسعك، وأنت المواطن اللبناني المثقل بالهموم، إلا محاولة الاقتراب من الجانب المتصل بشؤون لبنان، في الحوار، لما ينطوي عليه من قراءة عميقة، آسرة للعلاقة اللبنانية - السورية ومن موقف منها بالغ الجرأة.
ومن باب الاعتراف بأسبقية الخوض في هذا الميدان، المكتظ بالصعوبات، عليك ان تسارع الى استهلال القول بالإعراب عن مشاعر التقدير والامتنان لأسرة "الملحق" على موقفها، المبادر والثابت، من قضية رياض الترك في اعتبارها قضية الحرية بامتياز ليس في سوريا فحسب بل في البلدان العربية بأسرها دونما استثناء.
فعلى صفحات "ملحق النهار" وقف الناس على ملحمة الصمود الإنساني التي تجلّت في حياة رياض الترك وهو رهين المحبسين. فعلى هذه الصفحات ظهر وجهه، لأول مرة (25/7/1998)، في أعقاب خروجه من محبسه المديد الأول، وها هو يظهر عليها، للمرة الثانية، عقب خروجه من محبسه الثاني.
وما بين هذين العددين - المرجعين من "الملحق"، حفلت صفحاته، المتعاقبة الأعداد، بالكلام المضيء والجريء عن هذا الرمز العربي الكبير لقيم الحرية والديموقراطية وكرامة الإنسان والمَثَل القدوة في شجاعة الرأي وصلابة الموقف ونفاذ البصيرة وفي الانسجام التام بين القول والفعل.
هذه القيم الحضارية لو التمستَ وجها من وجوهها في العالم العربي، اليوم، لما عثرت على اثر له في سلوك ساسة العرب سواء من عمل منهم في موقع من مواقع السلطة الحاكمة او من انتظر دوره في اروقة المعارضة الجاهزة.
واذا ما عدت الى ما يتصل بالشأن اللبناني في الحوار المنشور لأخذك من حديث رياض الترك، على الفور، حال تشبه الإنبهار او قل هو الإنبهار، الحقيقي لا المجازي. فالمتحدث ينطلق، في التعبير الجسور عن رأيه، بتلقائية المؤمن، الخالص الإيمان، بصواب ما يقول، ويذهب بعيدا في صراحته، وهو يحدد موقفه المبدئي، من مسألة العلاقة بين سوريا ولبنان، من غير أن تأخذه في الحق لومة لائم وهو الخارج لتوه من وراء القضبان المعدنية السوداء.
سيادة لبنان في أربعة مواقف لبنانية
في 22 كانون الاول ،2002 نشر "الملحق" مقابلة مع رياض الترك اجراها الزميل محمد علي الأتاسي. في هذه المقابلة حدد المناضل السوري الخارج من سجنه الثاني واقع المرحلة، داعياً الى الحرية والديموقراطية وفتح ابواب السجون. وقال كلاماً واضحاً وجريئاً وغير مسبوق حول العلاقات اللبنانية - السورية، داعياً الى احترام سيادة لبنان واستقلاله، وتأمين عودة الديموقراطية اليه. فتح رياض الترك باب الحوار من مكانه الصحيح. انه حوار بين الديموقراطيين في لبنان وسوريا، لفتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين والشعبين تقوم على احترام السيادة والاستقلال لكليهما، وعلى العمل من اجل الديموقراطية والحرية. طلب "الملحق" من حبيب صادق وسمير فرنجية وكريم مروة وفريد الخازن، التعليق على المقابلة على أمل ان تكون هذه المواقف الأربعة الصفحات الأولى في كتاب الحوار الذي طال انتظاره.
"الملحق"
---------------------------------------------------------------------------
الخيار الديموقراطي الواحد في مواجهة التسـلط الـمزدوج
حـبـيـب صـادق
يطالعك، في العدد الصادر بتاريخ 22/12/2002 من "ملحق النهار"، حوار، بالغ الغنى، عميق الدلالة وشمولي الرؤية، أجراه الإعلامي الخبير، صاحب الموقف، محمد علي الأتاسي مع القائد السياسي الرمز رياض الترك عقب خروجه من سجنه الثاني في وطنه سوريا.
كثيرة هي المواقف والأفكار والآراء التي تستوقفك، بتجلة وإكبار، في ثنايا هذا الحوار - الوثيقة وتستحثك على مقاربتها والتعليق عليها. إنما لا يسعك، وأنت المواطن اللبناني المثقل بالهموم، إلا محاولة الاقتراب من الجانب المتصل بشؤون لبنان، في الحوار، لما ينطوي عليه من قراءة عميقة، آسرة للعلاقة اللبنانية - السورية ومن موقف منها بالغ الجرأة.
ومن باب الاعتراف بأسبقية الخوض في هذا الميدان، المكتظ بالصعوبات، عليك ان تسارع الى استهلال القول بالإعراب عن مشاعر التقدير والامتنان لأسرة "الملحق" على موقفها، المبادر والثابت، من قضية رياض الترك في اعتبارها قضية الحرية بامتياز ليس في سوريا فحسب بل في البلدان العربية بأسرها دونما استثناء.
فعلى صفحات "ملحق النهار" وقف الناس على ملحمة الصمود الإنساني التي تجلّت في حياة رياض الترك وهو رهين المحبسين. فعلى هذه الصفحات ظهر وجهه، لأول مرة (25/7/1998)، في أعقاب خروجه من محبسه المديد الأول، وها هو يظهر عليها، للمرة الثانية، عقب خروجه من محبسه الثاني.
وما بين هذين العددين - المرجعين من "الملحق"، حفلت صفحاته، المتعاقبة الأعداد، بالكلام المضيء والجريء عن هذا الرمز العربي الكبير لقيم الحرية والديموقراطية وكرامة الإنسان والمَثَل القدوة في شجاعة الرأي وصلابة الموقف ونفاذ البصيرة وفي الانسجام التام بين القول والفعل.
هذه القيم الحضارية لو التمستَ وجها من وجوهها في العالم العربي، اليوم، لما عثرت على اثر له في سلوك ساسة العرب سواء من عمل منهم في موقع من مواقع السلطة الحاكمة او من انتظر دوره في اروقة المعارضة الجاهزة.
واذا ما عدت الى ما يتصل بالشأن اللبناني في الحوار المنشور لأخذك من حديث رياض الترك، على الفور، حال تشبه الإنبهار او قل هو الإنبهار، الحقيقي لا المجازي. فالمتحدث ينطلق، في التعبير الجسور عن رأيه، بتلقائية المؤمن، الخالص الإيمان، بصواب ما يقول، ويذهب بعيدا في صراحته، وهو يحدد موقفه المبدئي، من مسألة العلاقة بين سوريا ولبنان، من غير أن تأخذه في الحق لومة لائم وهو الخارج لتوه من وراء القضبان المعدنية السوداء.
لعل طيفا من الدهشة يُطبق عليك وانت تصغي، في يومك اللبناني الراهن، الى مواطن سوري يعرب عن رأيه من هذه المسألة فيقول، ببيان العقلانية والصراحة، ما نصه الحرفي: "في رأيي إن التسلّط السوري (في لبنان) هو أحد اكبر العلل التي اضيفت الى الحياة السياسية اللبنانية والتي تساهم في عرقلة عودة الحياة الديموقراطية الصحيحة الى هذا البلد". ولا يرى مخرجا لهذا المأزق اللبناني إلا: "اذا كف التدخل السوري في الشؤون الداخلية اللبنانية".
ما اخالك تحتاج، مع هذا البيان الشديد الوضوح، الى قليل من الشرح او كثير، لتقف على مضمونه كاملا دون مشقة او عناء. بيد ان هذا الوضوح، على اهميته، ليس هو ما يسترعي الاهتمام لديك انما الموقف السياسي الذي يطالعك من خلاله. ولا ريب في ان هذا الموقف ما جاء الا تعبيرا امينا عن استنارة فكرية بعيدة المدى وعن شجاعة استثنائية والتزام مبدئي صلب وعن سمو في الاخلاق ونفاذ في البصيرة.
من هنا اطبق عليك طيف من الدهشة وانت تسمع رياض الترك وهو ينطق، في قلب سوريا، بهذا الرأي المغاير للسائد والمتحدّي للمألوف ليس في اوساط الحكم واشياعه في بلده فحسب بل في اوساط الحكم واشياعه في بلدك ايضا. اذاً لا تعجب ان صدرت عن هذه الاوساط، هنا وهناك، ردود فعل عصبية هوجاء حيال هذا الموقف الديموقراطي الأصيل، فالإناء لا ينضح الا بما فيه. ولكن ما يسعدك حقا ويعزّز الثقة لديك بصحة خيارك الوطني ان يأتي هذا الموقف، من عَلَم الديموقراطية في سوريا، مماثلا او مطابقا لما اجمعت عليه القوى الديموقراطية اللبنانية من اطروحات تصويبا للعلاقة المختلّة القائمة بين لبنان وسوريا راهنا.
قد يخيّل اليك، من شدة انطباق رؤية رياض الترك على الواقع اللبناني، كأن صاحبها يعيش معك، بكل وعيه النقدي الصارم، ويقيم في عقر دارك وهي تترنّح تحت وطأة العلل الوبائية المنتشرة، انتشارا واسعا، وعميقا، في السياسة وادارة الحكم وفي الاقتصاد والاجتماع والادارة كما في الثقافة والاخلاق.
ان هذا حصاد التسلط المزدوج في ربوع لبنان وليس حصاد التسلّط المفرد وحده وإن كان هذا الاخير، صاحب الامر والنهي، من هنا تضاعفت المرارة في هذا الحصاد وتكاثرت فيه خلايا الفساد. ومن هنا، ايضا، اصيبت العلاقة بين البلدين بالخلل الفادح.
يبقى عليك ان تسجّل لرياض الترك موقفا آخر برز، متوهجا، من كلامه الحواري. فهو لم يكتف، فيه، بحملة الهتك
والادانة بل تعدّاها، بروح المسؤولية العالية، الى موقف الراسم لحدود الواجب، انطلاقا من خلفية "سوا ربينا" ومن فهمه الديموقراطي لمعنى العروبة ومعنى الجوار الاخوي ثم من ادراكه العميق لخطورة المرحلة وللمسؤولية العربية المشتركة حيالها. فاسمعه يقول: "صحيح اننا كنا بلدا واحدا في الماضي، لكن جاءت ظروف واصبحنا دولتين ومن واجبنا نحن السوريين ان نتعامل، اليوم، على اساس احترام سيادة لبنان واستقلاله" و"ان نسلك نحن السوريين السلوك الصحيح وفي الاخص منه عدم التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية".
نعم، احترام سيادة لبنان واستقلاله وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.
على رسلك فلا تأخذك الدهشة، بل اشرع مساحة صدرك، من فورك، مستقبلا هذا الصوت الرسولي العابر اليك حقول الالغام واسلاك الرصد الشائكة، ثم افتح مسام وعيك، على رحبها، لاستيعاب المقاصد التي تنقلها رسالته اليك. فثمة، في سوريا، من يعرف ما تكابد وتعاني على نحو ما تعرف انت، وثمة، من يعز عليه سيادة بلدك واستقلاله كما يعز عليك هذا الامر فيجهر، ترجمة عملية لذلك، مطالبا بأن يكون التعامل بين البلدين مبنيا على اساس احترام سيادة بلدك واستقلاله وعلى اساس عدم التدخل في شؤونه الداخلية.
وانت تعلم، علم اليقين، ان هذا القول العقلاني الرصين، الطائر اليك من قلب الشام، لا يرضي السلطة الحاكمة في لبنان كما لا يرضي بعض شرائح مجتمعه، وحسبك، للتدليل على صحة ذلك، ان تستعيد في ذاكرتك، مشاهد تلك الحلقات البشرية، المسلّحة بالحراب والنيابيب، وان تستذكر شيئا من تلك البيانات والخطب الحافلة بأحكام التكفير والتخوين، في حق مواطنين لبنانيين يطالبون، ديموقراطيا، باحترام سيادة بلدهم لبنان واستقلاله ليس غير. لكأن المطالبة، محض المطالبة السلمية، باحترام سيادة الوطن واستقلاله، باتت جريمة كبرى يستحق، عليها، مرتكبها عقوبة الخيانة العظمى وساءت مصيرا.
أرأيت، فثمة، اذاً، خلل بنيوي في الاجتماع السياسي هنا وهناك. فما هو عنوان هذا الخلل يا ترى؟
يسارع رياض الترك الى تسمية الاشياء بأسمائها، كجاري عادته، فيطلق، على عصب هذا الخلل الرئيسي، غياب الديموقراطية في البلدين معا ليخلص، تاليا، الى تحديد شعار المرحلة الراهنة فيقول: "اليوم، المشترك الاول بين الشعبين هو النضال من اجل الديموقراطية لأن خصمها في البلدين مشترك واي تقدّم تحققه الديموقراطية في اي من البلدين هو تقدم في الاتجاه نفسه للبلد الآخر، من هنا يوجد مصالح مشتركة بيننا وبين الحركة الديموقراطية في لبنان".
حاول ان تقرأ في هذا القول السديد والجميل رسالة ناطقة بما في عقله والضمير، يبعث بها عَلَم الديموقراطية في سوريا الى القوى الديموقراطية في لبنان ليؤكد لهم، عبرها، ان في سوريا قوى ديموقراطية عديدة إلا ان "بعضها كامن وبعضها الآخر يحاول ان يجد لنفسه تعبيرات خارج اطر العمل السياسي التقليدي". ويؤكد ان ثمة طائفة كبيرة من القواسم المشتركة بين شعبي البلدين بيد ان الاولوية، راهنا، تنعقد على مشترك النضال من اجل الديموقراطية لأن طبيعة المرحلة تقضي بطرح الحل الديموقراطي مخرجا للأزمة القائمة في كلا البلدين، العربيين السيدين، وسبيلا قويما لتحقيق المصالح المشتركة لخير الشعبين الشقيقين ولتعزيز مقومات الصمود في وجه الاخطار المحدقة بهما وببقية الشعوب العربية جراء الحرب الاسرائيلية المشتعلة ضد الشعب الفلسطيني والحرب الاميركية الجاري التحضير لها، على قدم وساق، ضد الشعب العراقي.
وهو، في هذا الصدد، يقول: "ان معركتنا مع اميركا واسرائيل هي اولا وقبل كل شيء معركة ارساء الديموقراطية".
وفي وسعك ان تضيف: ان معركتنا، ايضا واساسا، هي مع الانظمة العربية، التسلطية والتابعة، من اجل ارساء الديموقراطية في مجتمعاتنا العربية وإقامة الدولة الوطنية الحديثة.
هذه هي أرض معركتنا المصيرية وتلك مواقع اطرافها، في الداخل والخارج، فأين هي مواقع القوى الديموقراطية العربية
على أرض هذه المعركة؟ ومتى تستجيب هذه القوى المشتتة صوت رياض الترك لتتلاقى جميعا على المشترك الأول بينها، راهنا، وهو النضال من اجل الديموقراطية؟ حد 12 كانون الثاني
----------------------------------------------------------------
الطغيان قديما وحديثا: ظاهرة الطغيان في الحكم ضاربة في القدم وموصولة تاريخيا بواقعنا المعاصر
الأستاذ مخلص المحجوب(*)
لقد عانت البشرية عبر التاريخ من عدة مصائب ونكبات وكوارث طبيعية وأمراض فتاكة وحروب دامية.. وقد تمكنت من التخلص من الكثير من هذه المآسي، بفضل التقدم العلمي مما جعل الكثير من الأمراض المعدية تختفي.. كما تمكنت ثورا ت الشعوب من تحقيق عدة مكاسب على صعيد الحريات، وفي مجا ل حقوق الإنسان.. ولكن بقيت عدة أصقاع من العالم تعاني الفقر والمجاعة، كما بقيت أصقاع أخرى في العالم العربي والإسلامي تعاني من آفة الطغيان في الحكم السياسي.
فنحن على أعتاب الألفية الثالثة ولازلنا نشهد الاحتلال على أرض فلسطين، ولازلنا نعايش بقاء أنظمة طاغية في الدول العربية تستبد بشعوبها وتضرب حولها حصار القهر والذل في منعها حتى من مجرد التنديد بالاحتلال.
فبعد كل ما خاضته البشرية من تجارب تاريخية وما حققته من مكاسب هامة في تحرير الإنسان.. لا يزال العرب إلى اليوم يعانون من الطغيان.
1) من معاني الطغيان
"اذهب إلى فرعون إنه طغى" [1]
كلمة طغى وردت في الآية بمعنى تجاوز القدر والحد مما يؤدي إلى الإسراف والظلم..كما يدل معنى الكلمة على الارتفاع كأن نقول طغى الماء ـ هاج البحر… أي العلو: " إن فرعون علا في الأرض" [2] " إنه كان عاليا من المسرفين" [3]. وكثيرا ما يرتبط الطغيان بالتأله ويصطبغ بالقداسة : " فقال أنا ربكم الأعلى"[4]، فهذا مثال لأعلى حالات الطغيان والتجبر.. أما ما دون ذلك فهي صفات من الألوهية يصطبغ بها الملوك والجبابرة على مر العصور التاريخية للتموقع في درجة أعلى من شعوبهم والتمكن من الاستخفاف بهم والتسلط عليهم. والعلو له علاقة بالفساد في الأرض كما تدل عليه بقية الآية المذكورة عدد4 من سورة القصص:"... إنه كان من المفسدين".
ولقد وردت كلمة الطغيان في القرآن الكريم في سياق الحديث عن افتراءات اليهود وارتبطت بصفة الكفر في الآية 64 من سورة المائدة [5] مما يدل على أنها من أقبح الصفات البشرية عند الله.
أما الطغيان بمعنى العلو فله علاقة وثيقة بالفساد في الأرض، بمعنى نهب الأموال وسوء التصرف بها، وقد انطبقت هاتان الصفتان على بني إسرائيل بصريح الآية رقم4 من سورة الإسراء [6]، هذه السورة بالذات التي توعدهم الله فيها ـ ووعده الحق ـ بزوال دولتهم. وقد حذرنا الله من العلو والفساد إذا أردنا أن يكون لنا من حظ في اليوم الآخر [راجع الآية83 من سورة القصص].[7]
ففرعون هو أعلى مثال في الطغيان والعلو والتأله، وبنو إسرائيل هم أسوء مثال للإنسانية قاطبة في الطغيان والكفر وذلك لممارستهم المتواصلة إلى اليوم للفساد والعلو في الأرض.
أما ما دون ذلك فهي درجات أقل على مر تاريخ الملوك والحكام في ممارسة الطغيان كأفسد نظام سياسي بما يلحقه من أضرار للشعوب المقهورة.
والطغيان كممارسة سياسية هو الاستبداد، وذلك بسلب الحكم الصالح من أهله ـ أي من صاحب الحق في الحالة السليمة ـ وبتجاوز القانون الذي يرعى الصالح العام، إذ ليس هناك من حد قانوني للطاغية فهو يسخّر كل شئ لإرادته ورغباته. ومعنى الاستبداد هو حرمان الناس من ممارسة حقوقهم الطبيعية كأحرار. فالطاغية يفرض نفسه على الناس باغتصاب الحكم كرها... أو الناس هم الذين يصنعونه لأنهم ألفوا حياة الاستعباد جيلا بعد جيل، فلم يعودوا قادرين على تحمل مسؤولية الحرية فيركنون إلى الذل تحت سطوة المستبد.
والطغيان ـ حسب تعريف أرسطو قديما ـ هو صورة للحكم الفردي في ممارسة السلطة دون رقيب ولا حسيب :
وهو بذلك يسوغ لنفسه صفة من الصفات الإلهية "لا يسأل عما يفعل". يقوم حكم الطاغية إذا على القوة والإكراه دون اكتراث برضا الناس وبذلك تكون شرعيته مزيفة، فتنعدم الثقة بينه وبين الشعب، لذلك تراه يعمل على إيذائه. وغالبا ما تكون نفسية الطاغية فقيرة وخاوية من الداخل مما يجعله ينكّل بمن يرى فيهم الكفاءة لتولي الحكم أو بمن تتأهل فيهم إمكانية الحصول على شرعية شعبية يعجز هو عن الحصول عليها في ظروف سليمة.. فتراه يعمل جاهدا على إقصائهم بأبشع الوسائل لينفرد وحده بالسلطة.
ويبقى الطاغية حبيس المخاوف .. كما يبقى مستعبدا للجزء الخسيس من ذاته فهو ليس سيد تصرفاته وهو غير قادر على حكم نفسه لأن هذه الخاصية هي من صفات الحكماء.[حسب فلاسفة اليونان] .
وفي الخلاصة فإن النظام المستبد هو الذي يمارس حكم الناس دون رضاهم ودون أن يكون مقيدا بقانون أو برقابة، سلطة مضادة: وهذا التعريف التاريخي ينطبق على كل طاغية مهما كان زمانه أو مكانه وأيا كان شكله وثنيا كان، أم مسيحيا، أم إسلاميا، أو أي شكل آخر يتشكل به مهما كانت الأفكار والإيديولوجيات على مر الدهور والعصور.
فالطغيان في كل الحالات يبدأ عند انتهاء سلطة القانون وانعدام الحريات.
2) الطغيان عبر التاريخ
في التاريخ القديم:
أول ما استعمل هذا المصطلح كان عند اليونانيين في منتصف القرن السابع قبل الميلاد، وأول من أطلقت عليه صفة طاغية هو الملك جيجز" GYGES" ملك ليديا الذي أطاح بملكها السابق واستولى على العرش [8].
ورغم وجود ظاهرة الطغيان قبل ذلك منذ أقدم العصور التاريخية فإن عصر الطغاة بهذه اللفظة بدأ تدوينه رسميا في التاريخ اليوناني القديم فيما يسمى بعصر الطغاة الإغريق ابتداء من اعتلاء كبسليوس عرش كورنتة ـ وهي مدينة يونانية ـ عام 650ق.م. وينتهي هذا العصر بطرد أبناء الطاغية بيزستراتوس من أثينا عام 510 ق.م.: أي ما يقارب قرن ونصف وقعت فيها المدن اليونانية تحت سيطرة الطغاة في العصر اليوناني القديم. ثم ظهر جيل ثان من طغاة الإغريق في العصر الكلاسيكي في القرن الخامس ق.م. كما عايش فلاسفة اليونان مثل أفلاطون وأرسطو في القرن الرابع ق.م. حكم بعض الطغاة كأفسد نظام سياسي في تقديرهم حيث وصفه أفلاطون" بالحيوان الأكبر ـ وهو يقصد الطاغية ـ الجاهل الذي يرضي شهواته على حساب أكل أولاده" [ من كتاب "الجمهورية" ] ." ومثل هذه الشخصية لن تصادق إلا رفاق السوء الذين يمارسون الجريمة والسرقة والوشاية وشهادة الزور والكذب"[ حسب نفس المصدر ].
وعند انتهاء عصر الطغاة في العصر اليوناني القديم في أواخر القرن السادس ق.م. ظهرت لأول مرة في التاريخ في أثينا الديموقراطية كنظام حكم للشعب بداية من عهد كليستان سنة 507 ق.م. وإن كانت بدائية ومنقوصة لأنها تستثني العبيد والغرباء والنساء... ولكنها أول تجربة مبكرة في التاريخ المكتوب تسمح باجتماع أفراد الشعب في ساحة عامة في شبه جمعية وطنية لممارسة نوعا من السلطة التشريعية التي تراقب الحكومة وكذلك تنتخب المسؤولين. ففي عهد قديم قبل ميلاد المسيح بخمسة قرون يسمح لأفراد من الشعب بالتعبير عن رأيهم واختيار من يسوسهم ؟؟... وتواصلت هذه التجربة في تصحيحها وإنضاجها حتى أثمرت النظام الديموقراطي الحالي في العالم الغربي.
ولكن الطغيان الأشد كان على مر العصور في بلدان الشرق : مثل مصر في عهد الفراعنة، وفي بابل وآشور، وفي فارس، وفي الصين وغيرها من البلدان... حيث بلغ الطغيان إلى درجة العبادة وأخذ أشكال الألوهية. فالطاغية في بلدان الشرق القديم كان يتخذ مواصفات الإله المعبود وتحوم من حوله هالة من القداسة ومن الطقوس المفروضة على الرعية.. فهو الذي يمثل إرادة شعبه ويستخف به و يستعبده... حتى قال أرسطو أن الشرقيين كانوا بطبيعتهم عبيدا ، وهذا ما حمل مونتسكيو فيما بعد على الربط بين الطغيان الأشد والشعوب الشرقية خاصة الآسيوية منها.. وذلك لأن الطغيان في الحكم كان السمة البارزة في تاريخ بلدان الشرق[*-]
في العالم المسيحي:
أما الطغيان تحت عباءة الدين فاليهود هم أول من أسس الدولة الدينية قبل أن يتبعهم في ذلك المسيحيون، بسيطرة الكنيسة على الحياة السياسية وهو ما يعبر عنه بالدولة التيوقراطية في العصور الوسطى. وحتى لما انفصلت الكنيسة عن الحياة السياسية الدنيوية، فقد تواصلت قداسة الحكم إذ أن القديس بولس والقديس بطرس أكدا على ضرورة احترام النظام القائم للحكم، لأن كل سلطة على الأرض فهي مستمدة من الله. وأوجب القديس " جريجوري" طاعة الحكم المدني ولو كان طاغية لأن كل حكم له علاقة بالله.[ 9]
وتواصل هذا الزعم في العالم المسيحي حتى من منظور زعماء الإصلاح الديني في المذهب البروتستنتي "لوثر" و "كالفن" في بداية القرن السادس عشر، فكل سلطة على الأرض هي نابعة من الله ويجب طاعتها ولو كانت ظالمة.
وبهذا المبدأ حكم الطغاة من ملوك أوروبا إلى حدود القرن الثامن عشر: حتى قال ملك إنكلترا :"نحن الملوك نجلس على عرش الله على الأرض" وقال ملك فرنسا لويس 15 سنة 1770 :" إننا لم نتلق التاج إلا من الله ، فسلطة سن القوانين هي من اختصاصنا وحدنا" ،ولكن العالم الغربي بدأ يشهد تحولات فكرية منذ أواخر القرن السابع عشر، فأفكار جون لوك الإنكليزي كانت لها الأثر في الفكر السياسي الأوروبي والأمريكي، لما دعا إلى الثورة على الطغيان وأكد على مبدأي الحرية والمساواة كأساسين للديموقراطية.
وكانت أفكار لوك الدعامة التي قامت عليها فلسفة التنوير التي ظهرت بفرنسا في القرن الثامن عشر ومن أهم رموزها مونتسكيو وفولتار وروسو.. مما مهد الطريق إلى قيام الثورة الفرنسية التي أطاحت بالملوكية، وأقامت على أنقاضه الحكم الجمهور،ي وأشعّت على كامل العالم الغربي مبادئ الحرية وحقوق الإنسان.. وبذلك وقع اقتلاع جذور الطغيان في العالم الغربي مما مهد إلى ممارسة الديموقراطية على شكلها الحالي... وحتى في روسيا التي أسقطت طغيان القياصرة بقيام الثورة البلشفية وبروز طغيان آخر بها من نوع جديد في النظام الشمولي من النوع الستاليني تمكنت في الأخير من الإطاحة به والإلتحاق بركب التحرر على النمط الغربي. وبذلك يكون العالم الغربي قد حقق ثورته الشعبية ضد الطغيان.
في العالم الإسلامي: [10]
لقد جاء الإسلام في أصله مكرما للإنسان وفي روحه محررا له من كل الطواغيت ومن كل أشكال العبودية، وفي جوهره محرضا على عدم الإكراه، إذ لا إكراه في العقيدة فما بالك في السياسة كما جاء الإسلام في أسنى مقاصده رحمة لكافة الناس، وبخاصة المستضعفين منهم... وهو دعوة لمقاومة الطغيان بكل أشكاله: وقد تجسدت هذه الصورة في أروع مظاهرها في الدولة الإسلامية ذات الطابع المدني التي أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد تجسدت هذه الروح بعد فترة النبوة في عهد الخلافة الراشدة خاصة في عهدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: فلقد تولى أبو بكر الخلافة بالتشاور والإقناع، ولم يقع قتل المخالفين الرأي، ولا حتى من لم يؤد البيعة على الأقل في الأول، ومنهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. كما نزع أبو بكر عن نفسه صفة القداسة أو العصمة بقوله :"لقد وليت عليكم ولست بخير منكم" ولم يعط لنفسه شرعية غير رضا الناس عنه كما أعطاهم حق مقاومته إذا عصا الله بقوله : "إن عصيت الله فقوموني "..وواصل عمر على هذا المنهج كأمير للمؤمنين فوضته الأمة في تطبيق شرع الله.. كما حرص على الأخذ برأي الرعية وتطبيق مبدأ الشورى وأداء الأمانة في أن يكون ممثلا لطموح الأمة فيما فوضته... إلا أن تراكم بعض الأخطاء بعد ذلك أدى إلى الفتنة واغتصاب الحكم من طرف الأمويين ليصبح وراثيا رغم أن ذلك يتناقض مع روح الإسلام، وتواصل الحكم الوراثي في عهد العباسيين حتى أصبح العدل مرتبطا بأخلاقيات الخليفة كشخص ولم تتبلور مبادئ الإسلام الشورية في قوانين ومؤسسات تضمن ترسيخها في المجتمع الإسلامي بل أصبحت ممارسة العدل والشورى مرتبطة ببعض العهود وبعض الخلفاء من مثل عمر بن عبد العزيز كأحسن مثال وغيره كثير... وليس المجال في هذا المقال لأن الأمر يحتاج إلى دراسة معمقة، ولكن يمكن القول أنه أتيحت في التاريخ الإسلامي مجالات عديدة في تطبيق الحاكم لما فوضته الأمة لشرع الله وفي استقلال القضاء وإجلال أهل العلم والرأي والفقهاء، ولكن نمط الحكم الوراثي فتح المجال لكثير من المظالم والانحرافات مما جعل الواقع يبتعد أشواطا كبيرة عن النموذج الأصلي.
فالخلافة نفسها أصبحت وسيلة للطغيان والاستبداد في كثير من الأحيان، و حتى للفساد أحيانا. فإلى جانب ما اقترفه الأمويون من جرائم وانتهاكات بلغت إلى حد قتل الحسين وقتل عبد الله بن الزبير، فلقد بلغ الطغيان بالخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بأن قال :" إنما أنا سلطان الله في أرضه" كما قتل كل معارضيه حتى من أعوانه مثل أبو مسلم الخراساني، والأمثلة عديدة على التجاوزات..فلقد بلغ الأمر بالخليفة الأموي إلى منع الكلام بحضرة الخلفاء وبالخليفة العباسي إلى أن يغدق الأموال على من يشاء بل وأن يزهق الروح البشرية من أجل بيت من الشعر.. ولقد قـتـل ابن المقـفع شر قتلة لأنه بعث للخليفة المنصور ينصحه في معاملة الرعية.
إن تشخيص الحاكم وتعظيمه فتح الباب لممارسة الطغيان طيلة فترات التاريخ الإسلامي فنتج عن ذلك تغييب لجماهير الأمة في ممارسة حقها في المساهمة في الحياة السياسية.. وذلك أسوء ما ورثناه عن تاريخنا. فقد تواصلت ممارسة الطغيان بدرجات متفاوتة في أجزاء متقطعة من الأمة، مما جعل المعز لدين الله الفاطمي يختزل مفهوم الحكم بصراحة غير معهودة لما قال :" هذا حسبي [مشيرا إلى المال] وهذا نسبي [مشيرا إلى سيفه] " ومعنى ذلك أن الحكم أصبح في العالم الإسلامي بحد السيف ـ منذ أن اغتصبه معاوية ـ يستخدمه الحاكم اضرب معارضيه والمال يغدقه على المقربين منه.
وتواصل الاستبداد بشكل أو بآخر في فترات من عهد الخلافة العثمانية... وبعد سقوطها في مطلع القرن العشرين وقعت تجزئة العالم الإسلامي على شكل دويلات للسيطرة عليها استعماريا حسب اتفاقية سايكس ـ بيكو… وبعد انتهاء فترة الاستعمار بشكله القديم، برزت تحت رعاية الاستعمار الجديد وبإذن منه أنظمة منصبة، تسهر على مصالحه وترعاها، من ملوكيات وراثية لا زالت تدعي الحسب والنسب أو عسكريين استولوا على الحكم بحد السيف ويريدون وراثة العرش بشرعية مزعومة تدعي الحداثة .. وهي دكتاتوريات حديثة تمارس الطغيان القديم.. وما زادت تبعيتهم للمستعمر العدو إلا في تدعيم هذا الطغيان وترسيخه.
3) الطغيان بين القدم والحداثة
تشابه المواصفات
لقد تناقل الطغيان إلى عالمنا المعاصر حتى لا يزال يمارس حاملا أسوء مواصفاته وخلف في المواطن العربي سلبية جعلته يستسلم له طيّعا دون مقاومة، بل هناك من يصنع أسبابه ويسهر عليه و يرعاه. وإنك لو استقرأت التاريخ لوجدت نفس مواصفات الطاغية التي وقع توارثها من الماضي عبر ثقافة الانحطاط ط مرورا بالاستعمار: فما أشبه اليوم بالأمس، فلو عدنا إلى القرن الرابع ق.م. لوجدنا أفلاطون الذي عايش "ديونسيوس" طاغية سيراقوصة يقدم لنا في كتابه "الجمهورية" [11] مواصفات هذا الحاكم وكأنه يعايش عصرنا العربي الراهن. فمن أهم المواصفات: يقول" إن الطاغية ينفق على حاشيته دون رقيب ولا حسيب، ويشدد الحراسة من حوله و يعيش في ظلام (تعتيم إعلامي)، حيث تكثر من حوله الوشايات والدسائس، وتحاك المؤامرات... كما تنعدم الأخلاقيات، فلا شرف، ولا صدق ولا وفاء بالعهد، فكل الناس عنده أعداء... ولا مفكر، ولا رجل
علم، بل لا يشاع من حوله إلا النفاق والتملق... كما يعمل الطاغية على تفقير رعاياه من مثل إثقالهم بالضرائب حتى ينشغلوا بقوت يومهم ولا يتآمرون عليه، ولا يحب الطاغية أصحاب الكرامة لذلك تجده يطارد الأخيار من الناس... كما يعمل على تدمير روح المواطنة فيهم حتى يعجزوا عن فعل أي شئ...".
ويشبّه أفلاطون الطاغية بالذئب" لأنه يذوق بلسانه دم أهله بقتلهم وتشريدهم..." إن أهم ما يشبه الطاغية قديما وحديثا هو رفضه للرأي المخالف. ولقد كان بروز طغاة الإغريق في فترة الأزمات التي كانت دوما المبرر الذي يسوغون به طغيانهم: وهو نفس التبرير الذي يستعمل في عصرنا الحاضر لممارسة الديكتاتورية، من نوع حالة الطوارئ.. أو إنقاذ البلاد، أو المحافظة على الأمن و الاستقرار.. أو للمصلحة العليا للوطن. ولكن حين يتولى الطاغية الحكم يوقع البلاد في أزمة أخطر وأشد من التي جاء لإنقاذنا منها: فماذا كان سيحدث في الجزائر مثلا لو تواصل المسار الانتخابي في جانفي 1992 وتولت جبهة الإنقاذ رئاسة الحكومة ؟… ماذا كان سيحدث أكثر مما حدث ولازال يحدث بالجزائر ؟؟... فهل ستحدث نكبات ومجازر ومآسي وضحايا أكثر مما وقع؟ فما هي إذا الأزمة التي أراد نظام الحكم بالجزائر تجنيبها للبلاد؟
وما الذي كان سيحدث في مصر لو كان فيها نظام ديموقراطي أذل وأخزى من وضعها الحالي وهي في حالة طوارئ دون محاربة العدو؟ أليست هذه طوارئ ضد الشعب المصري؟
وما هو الخوف الذي كان النظام البوليسي في تونس يخوفنا منه عند حملته ضد ما يسميه بالتطرف أكثر مما أوقعنا فيه؟ ألم يحول البلاد ـ هذا الذي جاء لإنقاذها ـ إلى سجن رهيب؟؟... وماذا كان سيقع في تونس أكثر مما وقع من تقتيل وتعذيب وتشريد وتشتيت ومآسي في العشرية السوداء ولا يزال الخطب متواصلا ؟أ لم نقع في أزمة أخطر مما كان النظام يدعي أنه جاء لإنقاذنا منها؟؟
التأله في عصر الحداثة
إن تأليه الحاكم بمعنى الإسباغ عليه ببعض صفا ت الألوهية لا يخص التاريخ الإسلامي والمسيحي فقط بل هو أمر موغـل في القدم. ولقد ورث العرب في تاريخنا المعاصر أفسد أنواع الطغيان الشرقي بما فيه صبغة التأله رغم التطورات الحاصلة من حولنا في كل أصقاع الدنيا وذلك لعدم قيام ثورات شعبية بالعالم العربي لاقتلاع هذا الطغيان من جذوره كما حدث بالعالم الغربي. فنتج عن ذلك تواصل فكرة الزعيم الأوحد المطاع جلالة، أو فخامة، أو عظمة، أو سموا، أو معاليا المهم أنه في درجة متعالية عن شعبه "إنه كان عاليا.."، وأنه ليس من صنف عامة الناس فهو الملهم وهو الذي لا يخطأ وهو الذي "لا يسأل عما يفعل" وهذه صفة من صفات الإله في عصر الثورة المعلوماتية والإنترنت. وعصمة الزعيم العربي ـ حسب الإعلام الرسمي ـ تتعدى عصمة الأنبياء
لأننا سمعنا الأنبياء يخطئون وما سمعنا بالزعيم العربي يخطئ.
وهكذا أنشأت في العالم العربي شخصية تتعالى عن الرقابة وتلغي المؤسسات ولا تعترف بالمعارضين، ولا تقبل الرأي الآخر ولو كان صائبا "ما أريكم إلا ما أرى" فهو الذي يحتكر لوحده كل وسائل الإعلام بجميع أنواعها وهو الذي يمثل الدولة وهو الذي يجسد الوطنية فكل من ينقده يعتبر خائنا لوطنه وهو الوحيد الذي يمثل إرادة الشعب: وهذا عين الطغيان.
الحاكم العربي لا يزال يحكم بحد السيف وارثا بذلك أسوء ما علق بنا من تاريخنا الغابر رغم كره الناس له عاملا بمقولة "كرومويل": "لا يهم إن كان تسعة مواطنين من عشرة يكرهونني ما دام العاشر معي مسلحا".
الحاكم العربي إما يدعي الشرعية الملكية بالنسب ـ رغم أن هذا الدعم وقع قطعه مبكرا منذ قتل الحسين بن علي بن أبي طالب، كما فند هذا الزعم المعز لدين الله الفاطمي باعتبار نسبه السيف وحسبه المال ـ… أو أن يصطنع لنفسه شرعية أخرى بمسرحية هزيلة غير هزلية لأنها تتحول مع الأيام إلى تراجيديا من النوع المأساوي الثقيل على مصير الشعوب:
وذلك بأن يسدل ستار الظلام ويهبط البطل على شعبه ذات ليلة حالكة كالحة كصاعقة رجمتها أجرام السماء من اللظى والشرر لا نسأل الله ردها قبل طلوع الصباح ولكن نسأ له اللطف فيما قضى وقدر… فيرفع الستار ونرى البطل في شريط لرعاة البقر يمسك المسدس بيده ليسوق به شعبه قهرا نحو المصير المجهول… فتحيط به هالة من الأعوان والعيون وتشطح حوله حالة من الهستيريا والجنون تطبيلا وتزكيرا وتمجيدا وتبشيرا وتهليلا وتكبيرا .. ويسبحون له آناء الليل وأطراف النهار.
وفي وقت خيالي يفوق طاقة البشر وقبل أن يرتد إليك طرفك أو يزيغ عنك البصر ينصب على الزعيم المزعوم إلهام إلهي فيصبح يعرف كل شئ فـيفـتي في أمور الدنيا والدين ويصبح " قوله الفصل" "لا مبدّل لكلماته"، و "لا معقّب لحكمه"، و "إليه يرجع الأمر كله"، وكل مختص في ميدان من الميادين يحتاج دوما إلى توجيهاته الثمينة، فهو القاضي الأول وهو الاقتصادي الأول وهو العالم الأول وهو المربي الأول وهو الفنان الأول وهو الرياضي الأول فحتى لو قام أحد من الناس بحركات بهلوانية في الهواء أو مشى على الماء لقيل أنه استلهم ذلك منه ـ أي من البهلواني الأول ـ .. وما سمعنا أحدا يقول أن كل الجرائم الفظيعة التي ارتكبت في حق الناس إنما كان مرجعها إلى المجرم الأول.
فحتى لو حقق الطاغية الاستقرار للبلاد فإن ذلك ـ كما يقول روسو ـ شبيه بصمت السجون.
وحتى لو حقق الطاغية بعض الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية فهذا لا يمنع من فساد حكمه لأنه حرم الإنسان من أغلى ما عنده وهي الحرية، فلقد قـتـل فيه الإرادة وداس فيه الكرامة و اعتدى على قيمته في الوجود كإنسان.
من مخلفات الطغيان
للطغيان آثار خطيرة على نفسية الإنسان من أهمها :
ـ بث الخوف والترهيب في الناس مما يؤدي إلى اليأس والإحباط من إمكانية تغير الأوضاع نحو الأفضل.. فيركن الناس إلى السلبية في نوع من الهزيمة والانكسار.
ـ اتخاذ الكثير من ضعاف النفوس ومرضى القلوب طريق التملق والنفاق لأنه أسهل و أقصر طريق.
ـ ضعف إرادة الناس وغياب الحوافز مما يؤثر سلبا على الإنتاج والعمل.
ـ فتور الوازع الوطني وغياب الحماس الجماهيري لفراغ الشعارات المرفوعة من أي محتوى وانعدام القدوة الحسنة بل بالعكس فالقدوة أصبحت سيئة لأنها لا تشجع إلا على السرقة والاعتداء على الغير والتزوير والكذب والغدر وسوء الأخلاق.
انتشار الجهل لغياب الوازع الديني: فالدين أصبح عند الناس مجرد طقوس وشعائر بدون روح فلا صدق ولا أمانة ولا تعاون ولا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ولا عهد ولا إخلاص لله… عند ذلك يلتجأ الإنسان إما إلى الخرافة والخيال والتعلق باستطلاع الحظ والتدجيل وأخبار الرياضة والرياضيين و الفن والمنحرفين.. أو إلى التطرف والعمل السري والعنف.
- اختناق طموحات الإنسان وتكبيل تطلعاته يجعل الكثير يلجأ إلى النكتة السياسية كعملية إفراغ عن كبته ونتيجة لعجزه عن البناء السياسي العلني في وضع سليم. وبذلك تعود كل مآسي البلاد إلى آفة هي من أعظم الآفات ألا وهي الطغيان. فالطغيان هو آفة فتاكة على الشعوب كالطاعون كالسرطان ـ عفانا الله منها جميعا ـ آفة تقتل الحياة.. وتغتال في الإنسان الإنسان.
(*) كاتب وصحافي تونسي
مراجــع
[1] سورة طه ـ الآية24 [2] سورة القصص ـ الآية4 [3] سورة الدخان ـ الآية31 [4] سورة النازعات ـ الآية24 [5] "...وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا.." [6] "وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا" [7] " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " [8] ول ديورانت " قصة الحضارة " مجلد6. [*] هنا ك من يعتبر العلاقة بين الشرق والغرب في أن الإسكندر المقدوني هو أول من فكر في تأ ليه نفسه تأثرا بالشرق من حيث إستقى عادة السجود التي عارضها المقدنيون. فآ سيا في عهد الحضارة الهيلنستية كانت المنبع في نقـل الطغيان الشرقي إلى أوروبا. [9] .. جورج سباين " تطور الفكر السياسي " المجلد الثاني.. [10] ... من أهم المراجع : ـ السيوطي : "تاريخ الخلفاء" ـ إبن كثير : "البداية والنهاية" ـالمسعودي: "مروج الذهب ومعادن الجوهر" ـ حسن إبراهيم حسن: "تاريخ الإسلام" [11] أفلاطون : " الرسالة السابعة" ـ ترجمة د. عبد الغفار مكاوي.
عن موقع مفهوم
----------------------------------------------------------
نجل الجنرال الألماني فون شتاوفنبيرغ: "المسؤولية الأخلاقية دافع للمقاومة"

الجنرال برتهولت فون شتافنبيرغ، ابن الجنرال الراحل كلاوس فون شتاوفنبيرغ
في العشرين من يوليو/تموز عام 1944 حاول الجنرال فون شتاوفينبورغ اغتيال هتلر، ورغم فشله في محاولته، إلا أنه تحول إلى شخصية تاريخية. اليوم يتحدث أحد أبنائه لموقعنا عن هذه العملية وتأثيرها على كافة أفراد العائلة.
تبدأ اليوم في ولاية براندنبورغ الألمانية أعمال تصوير فيلم سينمائي عن الجنرال الألماني فون شتاوفنبرغ الذي حاول في عام 1944 اغتيال الزعيم النازي أدولف هيتلر. وجاء اختيار الممثل الأمريكي توم كروز للقيام بهذا الدور ليثير موجة كبيرة من الانتقادات بسبب انتماء الممثل لجماعة ساينتولوجي الدينية المثيرة للجدل. يشار إلى أن فيلم "فالكيري" مستوحى من قصة حقيقية عن مؤامرة فاشلة للإطاحة بنظام هتلر شارك فيها شتاوفنبرج. وأعدم شتاوفنبرج بسبب تورطه في محاولة اغتيال هتلر كما تم القبض على زوجته ونقل ابنائه الأربعة لإحدى دور الرعاية. واعترض ابن شتاوفنبرج نفسه على اختيار كروز لأداء دور والده وصرح في وقت سابق لصحيفة ألمانية قائلا إنه لا يحبذ قيام كروز بتمثيل دور والده.
في هذا الإطار وبغرض التعرف على تداعيات هذه العملية على حياة عائلة الجنرال غراف فون شتاوفينبرغ، أجرى موقعنا حوارا مع أحد أبنائه وهو برتهولت ماريا شينك غراف فون شتاوفينبيرغ.
الجنرال كلاوس فون شتاوفنبيرغ، رمز من رموز المقاومة ضد النازية في ألمانيا
دويتشه فيله: كان عمرك لم يتجاوز عشرة أعوام عندما توفي والدك. هل كنت على علم بمخططاته لاغتيال الديكتاتور
النازي هتلر، أو على الأقل هل كان أحد من أفراد العائلة يعرف شيئا عنها؟
فون شتاوفنبيرغ: طبعا أنا لم أكن أعرف شيئا عن هذه المخططات، فعمليات من هذا القبيل تتطلب سرية تامة والأطفال في العادة لا يستطيعون كتمان السر. لكن والدي أعلم والدتي ببعض التفاصيل التي وجدت تأييدا منها.
متى علمت والدتك بالتحديد بهذه العملية؟
أعتقد أن والدتي لاحظت في وقت مبكر نسبيا بعض التغييرات في تصرفات والدي، ما دفعها إلى التساؤل حول أسباب ذلك. وبالتالي فقد كانت والدتي على علم بالعملية، لكنها لم تكن تعلم أن والدي هو الذي كان يريد وضع القنبلة شخصيا.
متى وأين علمت بالعملية الانتحارية؟ ماهي المشاعر والأفكار التي دارت في ذهنك في ذلك الحين؟
لقد علمت آنذاك من الراديو بمحاولة اغتيال هتلر. وبعد يوم أخبرتنا والدتي (أنا وشقيقي) أن والدي هو من كان يقف وراء تلك العملية. طبعا نحن عجزنا عن فهم ذلك الأمر، فقد كان ذلك الخبر بمثابة صدمة كبيرة لنا، خاصة وأنه تم في نفس اليوم إلقاء القبض على والدتي التي لم نرها حتى يونيو/حزيران عام 1945.
كيف تفسر أسباب الصدمة الكبيرة التي أصابتك في ذلك الوقت: هل لأنك علمت بوفاة والدك أم لأنك علمت بمشاركة والدك في المقاومة ضد النازية؟
في الحقيقة أنا صدمت جدا طبعا أولا لفقدان والدي وكذلك عندما علمت بأنه كان يريد اغتيال هتلر. فعلى الرغم من أن الموت في تلك الفترة، أي خلال الحرب العالمية الثانية، لم يكن بالأمر الغريب، إذ أن ثلث زملائي في المدرسة آنذاك فقدوا آباؤهم في الجبهة أو تحت قصف الطائرات. أما بالنسبة لوالدي فقد كان الأمر مختلفا، حيث أنه فارق الحياة وهو يحاول اغتيال هتلر. وهذا ما لم يتوافق مع تصورنا آنذاك، إذ أننا تساءلنا لماذا أراد والدي بالذات قتل "القائد"، بيد أن والدتنا قالت إن والدي كان قد أخبرها، بأنه فعل ذلك من أجل ألمانيا.

فون شتاوفنبيرغ: طبعا أنا لم أكن أعرف شيئا عن هذه المخططات، فعمليات من هذا القبيل تتطلب سرية تامة والأطفال في العادة لا يستطيعون كتمان السر. لكن والدي أعلم والدتي ببعض التفاصيل التي وجدت تأييدا منها.
متى علمت والدتك بالتحديد بهذه العملية؟
أعتقد أن والدتي لاحظت في وقت مبكر نسبيا بعض التغييرات في تصرفات والدي، ما دفعها إلى التساؤل حول أسباب ذلك. وبالتالي فقد كانت والدتي على علم بالعملية، لكنها لم تكن تعلم أن والدي هو الذي كان يريد وضع القنبلة شخصيا.
متى وأين علمت بالعملية الانتحارية؟ ماهي المشاعر والأفكار التي دارت في ذهنك في ذلك الحين؟
لقد علمت آنذاك من الراديو بمحاولة اغتيال هتلر. وبعد يوم أخبرتنا والدتي (أنا وشقيقي) أن والدي هو من كان يقف وراء تلك العملية. طبعا نحن عجزنا عن فهم ذلك الأمر، فقد كان ذلك الخبر بمثابة صدمة كبيرة لنا، خاصة وأنه تم في نفس اليوم إلقاء القبض على والدتي التي لم نرها حتى يونيو/حزيران عام 1945.
كيف تفسر أسباب الصدمة الكبيرة التي أصابتك في ذلك الوقت: هل لأنك علمت بوفاة والدك أم لأنك علمت بمشاركة والدك في المقاومة ضد النازية؟
في الحقيقة أنا صدمت جدا طبعا أولا لفقدان والدي وكذلك عندما علمت بأنه كان يريد اغتيال هتلر. فعلى الرغم من أن الموت في تلك الفترة، أي خلال الحرب العالمية الثانية، لم يكن بالأمر الغريب، إذ أن ثلث زملائي في المدرسة آنذاك فقدوا آباؤهم في الجبهة أو تحت قصف الطائرات. أما بالنسبة لوالدي فقد كان الأمر مختلفا، حيث أنه فارق الحياة وهو يحاول اغتيال هتلر. وهذا ما لم يتوافق مع تصورنا آنذاك، إذ أننا تساءلنا لماذا أراد والدي بالذات قتل "القائد"، بيد أن والدتنا قالت إن والدي كان قد أخبرها، بأنه فعل ذلك من أجل ألمانيا.

"شتتت عائلتنا بعد إعدام والدي من قبل النظام النازي"
هل تلقيت تربية تتوافق مع القيم والمبادئ السائدة في ذلك العصر؟
لم نتلقى تربية تستند إلى الأفكار النازية، كما أن محيطنا لم يكن نازيا. مثلما قلت من قبل فقد كان والداي حذرين جدا ولم يجرؤا على انتقاد النظام النازي بحضورنا لكنهما لم يعبرا أبدا عن تحمسهما له. غير أننا تلقينا في المدرسة تربية مستمدة من الفكر والفلسفة النازية.
ما الذي حدث بعد أن تم إلقاء القبض على والدتك؟
لقد تم تشتيت العائلة، حيث تم إرسال الكبار إلى معسكرات الاعتقال النازية، حتى أفراد العائلة الذين تبينت عدم مشاركتهم في المقاومة، وبالتالي فقد تمت معاقبة كل العائلة. أما والدتي وعمتي فكانتا سجينتين على ذمة التحقيق لفترة طويلة للحصول على معلومات حول حركة المقاومة، لكن النازيين لم ينجحوا في انتزاع أي اعترافات منهما. في حين تم نقلنا نحن الصغار إلى ملجأ للأطفال تم تخصيصه لكل أطفال المقاومين الذين شاركوا في عملية العشرين من يوليو/تموز، إلى أن تم تحريرنا من قبل الجنود الأمريكيين بعد دخولهم ألمانيا.
هل أثرت العملية التي قام بها والدك على بقية مجرى حياتك؟
نعم، لقد أثرت على حياتي تأثيرا كبيرا، إذا كان لك اسما شهيرا مثل اسمي فإنك تعيش بطريقة تختلف عن غيرك، خاصة إذا عملت في نفس المجال الذي عمل فيه والدك.
ولكني قررت في الحقيقة الالتحاق بالمجال العسكري، لأنني كنت أظن بأن العمل هناك ممتعا وليس لأني كنت أريد مواصلة تقاليد العائلة، ليس من أجل والدي ولكن بالرغم من منه.
هل هناك أقاويل ترددت عن والدك أزعجتك كثيرا؟
نعم، لقد ترددت إشاعات تقول إن والدي كان في البداية نازيا ثم تحول بعدها إلى معسكر المقاومين. طبعا هذا الإشاعة تعطي شرعية لأولئك النازيين الذين زعموا بعد نهاية الحرب بعدم وجود علاقة لهم بالنازية، لكن هذه الأقاويل لا تمت للواقع بصلة. في الحقيقة لم يكن والدي في البداية لا من أنصار النازية ولا من معارضيها، لأنه كان يريد مراقبة تصرفات النازية عن كثب والحكم عليه بطريقة مستقلة.
ما الذي ينقص الصورة المتداولة عن والدك؟
أنا لا أستطيع أن أقول شيئا لأنني لم أكن أعرفه جيدا. ولكن بإمكاني القول إنه كان رجلا ذا موهبة مميزة.
لقد تم تصوير سبعة أفلام سينمائية ووثائقية حول حياة والدك ومقاومته للنازية. كما أن هناك مشروع فيلم جديد يلعب فيه الممثل الأمريكي توم كروز دور والدك. هل تشعر أن قصتك الشخصية قد تم الاستحواذ عليها من قبل الرأي العام؟
نعم لقد استحوذ الرأي العام على قصة والدي. فإلى جانب الأفلام التي سعت بصفة عامة إلى إبراز بطولته، هناك أمثلة أخرى في الأدب رافضة لهذه الرؤية البطولية، بل هناك كذلك أخرى تحتقره.
غير أن عائلتي لم تتدخل بصفة مباشرة من أجل الدفاع عن صورة والدي أو تلميعها أو تعديد مزايا ما قدمه لألمانيا.
ولكن ماذا عن الضجة التي أثارها توم كروز بعد أن أعلن تقمصه دور والدك، ألم تطرق وسائل الإعلام بابك وتسألك عن موقفك من ذلك؟

لم نتلقى تربية تستند إلى الأفكار النازية، كما أن محيطنا لم يكن نازيا. مثلما قلت من قبل فقد كان والداي حذرين جدا ولم يجرؤا على انتقاد النظام النازي بحضورنا لكنهما لم يعبرا أبدا عن تحمسهما له. غير أننا تلقينا في المدرسة تربية مستمدة من الفكر والفلسفة النازية.
ما الذي حدث بعد أن تم إلقاء القبض على والدتك؟
لقد تم تشتيت العائلة، حيث تم إرسال الكبار إلى معسكرات الاعتقال النازية، حتى أفراد العائلة الذين تبينت عدم مشاركتهم في المقاومة، وبالتالي فقد تمت معاقبة كل العائلة. أما والدتي وعمتي فكانتا سجينتين على ذمة التحقيق لفترة طويلة للحصول على معلومات حول حركة المقاومة، لكن النازيين لم ينجحوا في انتزاع أي اعترافات منهما. في حين تم نقلنا نحن الصغار إلى ملجأ للأطفال تم تخصيصه لكل أطفال المقاومين الذين شاركوا في عملية العشرين من يوليو/تموز، إلى أن تم تحريرنا من قبل الجنود الأمريكيين بعد دخولهم ألمانيا.
هل أثرت العملية التي قام بها والدك على بقية مجرى حياتك؟
نعم، لقد أثرت على حياتي تأثيرا كبيرا، إذا كان لك اسما شهيرا مثل اسمي فإنك تعيش بطريقة تختلف عن غيرك، خاصة إذا عملت في نفس المجال الذي عمل فيه والدك.
ولكني قررت في الحقيقة الالتحاق بالمجال العسكري، لأنني كنت أظن بأن العمل هناك ممتعا وليس لأني كنت أريد مواصلة تقاليد العائلة، ليس من أجل والدي ولكن بالرغم من منه.
هل هناك أقاويل ترددت عن والدك أزعجتك كثيرا؟
نعم، لقد ترددت إشاعات تقول إن والدي كان في البداية نازيا ثم تحول بعدها إلى معسكر المقاومين. طبعا هذا الإشاعة تعطي شرعية لأولئك النازيين الذين زعموا بعد نهاية الحرب بعدم وجود علاقة لهم بالنازية، لكن هذه الأقاويل لا تمت للواقع بصلة. في الحقيقة لم يكن والدي في البداية لا من أنصار النازية ولا من معارضيها، لأنه كان يريد مراقبة تصرفات النازية عن كثب والحكم عليه بطريقة مستقلة.
ما الذي ينقص الصورة المتداولة عن والدك؟
أنا لا أستطيع أن أقول شيئا لأنني لم أكن أعرفه جيدا. ولكن بإمكاني القول إنه كان رجلا ذا موهبة مميزة.
لقد تم تصوير سبعة أفلام سينمائية ووثائقية حول حياة والدك ومقاومته للنازية. كما أن هناك مشروع فيلم جديد يلعب فيه الممثل الأمريكي توم كروز دور والدك. هل تشعر أن قصتك الشخصية قد تم الاستحواذ عليها من قبل الرأي العام؟
نعم لقد استحوذ الرأي العام على قصة والدي. فإلى جانب الأفلام التي سعت بصفة عامة إلى إبراز بطولته، هناك أمثلة أخرى في الأدب رافضة لهذه الرؤية البطولية، بل هناك كذلك أخرى تحتقره.
غير أن عائلتي لم تتدخل بصفة مباشرة من أجل الدفاع عن صورة والدي أو تلميعها أو تعديد مزايا ما قدمه لألمانيا.
ولكن ماذا عن الضجة التي أثارها توم كروز بعد أن أعلن تقمصه دور والدك، ألم تطرق وسائل الإعلام بابك وتسألك عن موقفك من ذلك؟

برتهولت فون شتاوفنبيرغ أعرب عن استيائه لتفمص توم كروز شخصية والده في أحد الأفلام التي تصور المقاومة الألمانية
هذا صحيح، لقد أجرت معي صحيفة "زود دويتشه" حوارا عبرت فيه عن رأي الشخصي حول الموضوع، وأظن أنه من الطبيعي جدا في مجتمع ديمقراطي أن يعبر المرء عن رأيه الشخصي دون أن يحدد مطالب معينة.
أنا لم أطالب بإيقاف تصوير الفيلم كما أني لم أطالب بمنع توم كروز من تقمص شخصية والدي في الفيلم، لكني أعتقد أنه من حقي الشرعي أن أعبر عن عدم سعادتي بذلك.
ما مدى أهمية أحداث 20 يوليو/تموز لألمانيا والمجتمع الدولي؟
أنا لا أريد أن أستخرج أي عبرة من هذه الأحداث بالنسبة للشعب الألماني، ولكن أستطيع القول إنه عندما يحس المرء بمسؤوليته الأخلاقية تجاه أي قضية مثلما كان عليه الأمر مع والدي الذي شعر بنفسه مجبرا أخلاقيا باتخاذ الإجراء المناسب في نظره من أجل إنقاذ البلاد من النازيين. وعليه فإن دوافعه لم تكن لا سياسية ولا ديمقراطية وإنما هي أخلاقية بالأساس، فما من أحد بإمكانه السماح بأن يسيطر عدد من المجرمين على شعب بأسره، حتى ولو كانوا هؤلاء منتخبين.
دويتشه فيله
أجرى الحوار: جولي غريغسون/ إعدها: شمس العياري
---------------------------------------------------------
